بيعتا العقبة
موسم الحج قبل الهجرة بعامين، وعمره ﷺ ٥١
بيعة العقبة الأولى
٤١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثد بن عبد الله اليَزَنيّ، عن أبي عبد الرحمن بن عُسيلة الصنابحيّ، عن عُبادة بن الصّامت قال: كنت فيمَنْ حضَر العقَبَة الأولى؛ وكُنّا اثني عشر رجلًا، فبايعْنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بَيعة النساء؛ وذلك قبل أن تُفْتَرَضَ الحرب؛ على ألّا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرِق ولا نزنِيَ، ولا نقتلَ أولادنا، ولا نأتِيَ ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيَه في معروف؛ فإنْ وَفيتُمْ فلكم الجنّة، وإن غشيتم شيئًا من ذلك فأخذتم بحدّه في الدنيا؛ فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة؛ فأمركم إلى الله؛ إن شاء عذّبكم، وإن شاء غفر لكم ١ . (٢: ٣٥٦) .
- ١إسناده ضعيف وهو حديث صحيح كما سيأتي في تخريج الحديث التالي. وفي إسناد الطبري هنا عن أبي عبد الرحمن بن عسيلة، والصواب عبد الرحمن ولعله تصحيف والله أعلم.
قصة إسلام سعد بن معاذ
٤٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثني عبيد الله بن المغيرة بن مُعَيقِيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، أنّ أسعدَ بن زرارة خرج بمُصْعَب بن عمير، يريد به دارَ بني عبْد الأشهل، ودار بني ظَفَر؛ وكان سعد بن مُعاذ بن النّعمان بن امرئ القيس، ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظَفَر، على بئر يقال لها بئر مَرْق؛ فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجالٌ ممّن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيْد بن حُضَير يومئذ سيّدا قومهما من بني عبد الأشْهل؛ وكلاهما مُشرِك على دين قومه، فلمّا سمعا به، قال سعد بن مُعاذ لأسَيد بن حُضَير: لا أبا لك! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما أن يأتيَا دارنا، فإنه لولا أنّ أسعد بن زرارة منّا حيت قد علمت، كفيتُك ذلك؛ هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدَمًا، فأخذ أسَيد بن حُضير حَرْبَتَه. ثم أقبل إليهما؛ فلما رآه أسْعَد بن زُرارة قال لمُصْعَب: هذا سيّد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه. قال مُصعب: إنْ يجلسْ أكلّمه، قال: فوقف عليهما مُتَشَتِّمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا، تسفّهان ضعفاءنا! اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة. فقال له مُصعب: أوَ تجلسُ فتسمع، فإن رضيتَ أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره؟ قال: أنصفت؛ ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مُصعَب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لَعَرفْنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم، في إشراقه وتسهّله. ثم قال: ما أحسنَ هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدّين؟ قالا له: تغتسل، فتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلّي ركعتين. قال: فقام فاغتسلَ، وطهّر ثوبيه، وشهد شهادة الحقّ، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إنّ ورائي رجلًا، إن اتّبعكما لم يتخلّف عنه أحدٌ من قومه، وسأرسله إليكما الآن؛ سعد بن معاذ، ثم أخذ حربتَه، وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلُوس في ناديهم؛ فلمّا نظر إليه سعد بن مُعاذ مقبلًا، قال: أحلفُ بالله، لقد جاءكم أسَيد بن حُضَير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلمّا وقف على النّادي، قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدّثت أن نبي حارثة، قد خرجوا إلى أسْعَد بن زَرارة ليقتلوه؛ وذلك أنهم عرفوا أنه ابنُ خالتك ليُخْفِروك، قال: فقام سعد مُغضبًا مبادرًا تخوّفًا للذي ذكر له من بني حارثة. فأخذ الحرْبةَ من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا؛ ثم خرج إليهما؛ فلمَا رآهما سعد مطمئنّين، عرف أنّ أسَيدًا إنما أراد أن يسمَع منهما، فوقف عليهما متشتّمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، لولا ما بيني وبينَك من القرابة ما رمْتَ هذا مني. تغشانا في دارنا بما نكره! وقد قال أسعد لمُصعب: أي مصعب! جاءك والله سيِّد مَن وراءه منْ قومه، إن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان، فقال له مصعب: أوَ تقعد فتسمع، فإن رضيتَ أمرًا ورغبت فيه قبلتَه، وإنْ كرهتَه عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت؛ ثم ركز الحربة، فجلس فعرّض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن. قالا: فعرفنا الله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم به؛ في إشراقة وتسهّله. ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتُمْ أسلمتم ودخلتم في هذا الدّين؟ قالا: تغتسِل فتطهَر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلِّي ركعتين. قال: فقام فاغتسل وطهّر ثوبيه، وشهِد شهادة الحقّ، وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدًا إلى نادى قومه، ومعه أسَيد بن حُضير؛ فلمّا رآه قومه مقبلًا: قالو: نحلف بالله لقد رجع سَعْد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلمّا وقف عليهم، قال: يا بني عبد الأشهل؛ كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمنُنا نقيبةً، قال: فإنّ كلامَ رجالِكم ونسائكم عليّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار عَبْدِ الأشهل رجلٌ ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة.
ورجع أسعد ومصعب إلى منزل بن زرارة، فأقام عنده يدعُو النّاس إلى الإسلام حتى لم تبقَ دار من دُور الأنصار إلّا وفيها رجال ونساء مسلمون إلّا ما كان من دار بني أميّة بن زيد وخَطْمَة ووال وواقف؛ وتللك أوس الله؛ وهم من أوْس بن حارثة؛ وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسْلَت؛ وهو صَيفي، مكان شاعرًا لهم، وقائدًا يسمعون منه، ويطيعونه، فوقف بهم من عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة؛ ومضى بَدْر وأحُد والخندق. قال: ثم إنَّ مُصعب بن عُمير، رجع إلى مكّة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموْسِم مع حُجَّاج قومهم من أهلِ الشرك؛ حتى قدموا مكّة؛ فواعدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقَبة من أوسط أيام التّشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامتهِ، والنّصر لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرْك وأهله ١ . (٢: ٣٥٧/ ٣٥٨ / ٣٥٩/ ٣٦٠) .
- ١إسناده ضعيف وقد أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن عبيد الله بن المغيرة وعبد الله بن أبي بكر مرسلًا وأخرجه البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا (٢/ ٤٣٠) مع اختلاف في بعض الألفاظ من طريق عروة وقال الهيثمي في مجمع الزوائد بعد سرده هذه القصة: رواه الطبراني مرسلًا وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ٤٢) وأخرج ابن سعد كذلك قصة إسلام سعد بن معاذ من طريق الواقدي وهو متروك (الطبقات ٣/ ٤٢٠). ولكن باختصار. أي أن ابن هشام رواه مرسلًا من حديث عبد الله بن المغيرة وعبد الله بن أبي بكر وأخرجه البيهقي من حديث الزهري كذلك مرسلًا أي أن مخارج هذين المرسلين مختلف، أضف إلى ذلك رواية الطبراني المرسلة عن عروة. ولو اتبعنا مذهب الشافعي وشروطه في قبول المرسل لرأينا أنها تنطبق على ما نحن بصدده ونفي قصة إسلام سعد بن معاذ. فمن شروطه رحمه الله: (أن يروى مرسلًا بمعناه عن راوٍ آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول فيدل ذلك على تعدد مخرج الحديث). ومن شروطه كذلك أن يكون قد قال به أكثر أهل العلم، ومعلوم أن أئمة السير والمغازي كابن هشام والطبري وابن سعد من المتقدمين وابن كثير والذهبي من المتأخرين قد أخرجوا هذه الرواية وأشاروا إلى ما فيها. نقول: لو أخذنا بالشروط الآنفة الذكر لكان الحديث حسنًا إن شاء الله تعالى. علمًا بأننا قد أخذنا بهذه الشروط لأنها روايات في السيرة وليست في الحلال والحرام، وليس فيها نكارة أو غرابة والله أعلم. وللمزيد في المعرفة عن اختلاف العلماء في العمل بالمراسيل راجع ما كتبه الحافظ العلائي في جامع التحصيل وما جاء في شرح علل الترمذي لابن رجب وكذلك ما جاء في كتاب منهج النقد في علوم الحديث للأستاذ نور الدين عتر ص ٣٧٣.
٤٢ / أ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق؛ أنّ ابن شهاب ذكر عن عائذ الله بن عبد الله أبي إدريس الخولاني، عن عُبادة بن الصامت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ١ . (٢: ٣٥٦/ ٣٥٧) .
- ١إسناده ضعيف وهو صحيح فقد أخرج حديث عبادة بن الصامت هذا في بيعة العقبة الأولى: البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم - أما البخاري فقد أخرجه في مواضع عدة منها في باب وفود الأنصار وبيعة العقبة (٣ / ح ٣٨٩٣) وكذلك في كتاب التفسير - تفسير سورة الممتحنة وغير ذلك من المواضع. وأخرجه مسلم في صحيحه باب الحدود كفارات لأهلها (٣ / ح ١٧٠٩) وأحمد في مسنده (٥/ ٣٢٣) ولفظ البخاري في إحدى رواياته: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وحوله عصابة من أصحابه: تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف. فمن وفي منكم فاجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه. فبايعناه على ذلك. (الفتح ٧/ ٢١٩ / ح ٣٨٩٢ / باب ٤٣).
مصعب بن عمير: داعية الإسلام في المدينة وقارئها يمهد الطريق لهجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
٤٣ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، قال: فلمّا انصرف عنه القومُ بعث معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار بن قُصَيّ، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلِّمهم الإسلام، ويفقههم في الدّين؛ فكان يسمّى مُصعب بالمدينة: المقرئ، وكان مَنْزلُه على أسعد بن زرارة بن عُدس أبي أمامة ١ . (٢: ٣٥٧) .
- ١إسناده ضعيف ولكن معناه في إرسال مصعب بن عمير وهجرته في أوائل من هاجروا إلى المدينة وقيامه بعمل تعليم الناس وإقرائهم القرآن وتفقيههم في دين الله ثابت في السنة كما سنذكر روايات البخاري في ذلك من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وذلك بعد أن نذكر الطرق المرسلة لإرسال مصعب بن عمير إلى المدينة من قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول العلماء في ذلك: قلنا: ١ - إسناد الطبري إلى ابن إسحاق ضعيف وقد أرسله ابن إسحاق. ٢ - وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٨٦) عن ابن إسحاق مرسلًا فقال: فحدثني عاصم بن عمير بن قتادة: أنه (أي مصعب) كان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمّه بعض. = = ٣ - وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤٣٧) عن ابن إسحاق مرسلًا. فقال: (ثم انصرفوا وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم مصعب بن عمير، قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما بعثه بعدهم وإنما كتبوا له أن الإسلام قد فشا فينا فابعث إلينا رجلًا من أصحابك يقرئنا القرآن ويفقهنا في الإسلام ويقيمنا لسنته وشرائعه ويؤمنا في صلاتنا فبعث مصعب بن عمير ... إلخ). ٤ - وأخرج البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٣٨) عن يزيد بن أبي حبيب قال: لما انصرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القوم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم مصعب بن عمير. وإسناده مرسل كما ترى. فيزيد أرسل عن الصحابة كما في علل الدارقطني (٤/ ٩٨). وقال ابن كثير: وقد روى البيهقي عن ابن إسحاق قال: فحدثني عاصم عن عمر بن قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث مصعبًا حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم وهو الذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدم، إلّا أنه جعل المرة الثانية هي الأولى. قال البيهقي: وسياق ابن إسحاق أتم (البداية والنهاية ٣/ ١٤٩). وقال الشيخ الفاضل إبراهيم العلي في السيرة الصحيحة (ص ١٠٥ / الحاشية رقم ٣) معلقًا على رواية ابن إسحاق السابقة الذكر عن عاصم بن عمر بن قتادة (ابن كثير ٢/ ١٨٠) ونسبه إلى البيهقي وسنده حسن ورجاله ثقات. اهـ. قلنا: أما رجاله فثقات كما قال ولكن سنده مرسل ولعله قصد أن سنده إلى عاصم حسن وإلا فهو مرسل. ٥ - وفي حديث عروة الطويل الذي سيأتي ذكره والذي أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٠) وفي آخره: ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يدعى المقرئ. قال الهيثمي: رواه الطبراني مرسلًا وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات. قلنا: فهذه روايات مرسلة كلها ولكنها تعتضد بما أخرجه البخاري في المسألة كما يلي: ٦ - أخرج في صحيحه -كتاب مناقب الأنصار- ٤٦ - باب مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه المدينة (ح ٣٩٢٤) - عن البراء رضي الله عنه قال: (أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أثم مكتوم، ثم قدم علينا عمار بن ياسر وبلال رضي الله عنهم). ٧ - وأخرج في الباب نفسه / ح ٣٩٢٥ - عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: (أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أمّ مكتوم وكانوا يقرئون الناس ... الحديث) وقد شرح ابن حجر هذه المسألة شرحا وافيًا في فتح الباري (٧/ ٢٦١) وناقش قول موسى بن عقبة بأن أول من قدم المدينة مطلقًا أبو سلمة بن عبد الأسد، وجمع ابن حجر بين القولين قائلًا: فيجمع بين ذلك وبين ما وقع هنا بأن أبا سلمة خرج لا لقصد الإقامة بالمدينة بل فرارًا من المشركين. بخلاف مصعب بن عمير فإنه خرج إليها للإقامة بها وتعليم من أسلم من أهلها بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - = = فَلِكُلّ أولية من جهة. اهـ. ٨ - وأخرج البخاري في صحيحه -كتاب التفسير- ٨٧ - سورة (سبح اسم ربك الأعلى) عن البراء رضي الله عنه قال: (أول من قدم علينا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير وابن أمّ مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم -. الحديث).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بيعة العقبة الثانية
٤٤ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني مَعْبَد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القيْن، أخو بني سَلمة، أنّ أخاه عبد الله بن كَعْب - وكان من أعلم الأنصار - حدّثه أنّ أباه كعب بن مالك حدّثه - وكان كعب ممّن شهد العقبَة، وبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها- قال: خرجنا في حُجّاج قومنا، وقد صلّينا وفقهنا، ومعنا البَراءُ بن مَعْرُور، سيّدُنا وكبيرنا. فلمّا وُجّهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البرَاء لنا: والله يا هؤلاء، إني قد رأيتُ رأيًا، والله ما أدري أتُوافقونني عليه أم لا! قال: فقلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيتُ ألّا أدعَ هذه البنيَّة منّي بظهر -يعني الكعبة- وأنْ أصلِّيَ إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا عن نبيّنا أنه يصلي إلّا إلى الشام، وما نريدُ أن نخالفه. قال: فقال: إنّي لمُصلٍّ إليها، قال: فقلنا له: لكنَّا لا نفعل، قال: فكنَّا إذا حضرت الصّلاة صلّينا إلى الشام، وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة. قال: وقد عِبْنا عليه ما صنَع، وأبَى إلّا الإقامة على ذلك، فلما قدِمْنَا مكّة قال لي: يا بنَ أخي، انطلِقْ بنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى أسأله عمّا صنعتُ في سفري هذا، فإنّي والله لقدْ وقعَ في نفسي منه شيء؛ لما رأيت من خِلافكم إيَّاي فيه. قال: فخرجنْا نسأل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنّا لا نعرفه، ولم نرَهُ قبل ذلك - فلقينا رجُلًا من أهلِ مكّة، فسألناه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هل تعرفانه؟ قلنا. لا، قال: فهل تعرفان العبّاس بن عبد المطّلب عمّه؟ قلنا: نعم - قال: وقد كنا نعرف العبّاس، كان لا يزال يقدمُ علينا تاجرًا - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرّجل الجالس مع العباس بن عبد المطلب، قال: فدخلنا المسجد؛ فإذا العبّاس جالس ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس مع العبّاس؛ فسلّمنا؛ ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعبّاس: هل تعرفُ هذين الرّجُلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم؛ هذا البَرَاء بن معرور سيّد قومه؛ وهذا كعب بن مالك - قال: فوالله ما أنسى قولَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الشاعر؟ قال: نعم- قال: فقال له البَراء بن معرور: يا نبيّ الله؛ إني خرَجتُ في سفري هذا؛ وقد هداني الله للإسلام، فرأيت ألّا أجعل هذه البنيّة منّي بظهر، فصلّيت إليها؛ وقد خالفني أصحابي في ذلك؛ حتى وقع في نفسي من ذلك شيء؛ فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنتَ على قِبْلَةٍ لو صبرت عليها! فرجع البَراء إلى قِبْلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وصلّى معنا إلى الشام، قال: وأهلُه يزعمون أنه صلّى إلى الكعبة حتى مات؛ وليس ذلك كما قالوا؛ نحن أعلم به منهم. قال: ثم خرجْنا إلى الحجّ، وواعَدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقَبة من أوسط أيام التّشريق. قال: فلما فرغنا من الحجِّ؛ وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها؛ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام، أبو جابر. أخبرناه، وكنّا نكتُم مَنْ معنا من المشركين من قومنا أمرَنا؛ فكلّمناه، وقلنا له: يا أبا جابر؛ إنّك سيّد من سادتنا، وشريفٌ من أشرافنا، وإنّا نرغبُ بك عمّا أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا. ثم دعَوْنَاه إلى الإسلام؛ وأخبرناه بميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيّانا العقَبة. قال: فأسلم، وشهد معنا العقَبة -وكان نقيبًا- فبتْنا تلك اللّيلة مع قومنا في رِحالنا حتى إذا مضى ثُلث الليل، خرجْنا من رِحَالنا لميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، نتسلل مستخفين تسلُّل القَطا؛ حتى اجتمعنا في الشِّعب عند العقَبة؛ ونحن سبعون رجلًا، ومعهم امرأتان من نسائهم: نُسيبة بنت كعب أمّ عُمارة إحدى نساء بني مازن بن النّجار، وأسماء بنت عمرو بن عديّ، إحدى نساء بني سَلمة؛ وهي أمّ منيع؛ فاجتمعنَا بالشِّعب ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى جاءنا ومعه عَمُّه العبّاس بن عبد المطّلب وهو يومئذ على دين قومه؛ إلّا أنه أحبّ أن يحضُرَ أمرَ ابن أخيه، ويتوثَّق له؛ فلمّا جلس كان أوّل مَنْ تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشرَ الخزرج - وكانت العربُ إنما يسمُّون هذا الحيّ من الأنصار: الخزرج؛ خزرجها وأوسها- إن محمدًا منا حيث قد علمتم؛ وقد منعناه من قومنا ممّن هو على مثل رأينا؛ وهو في عزّ من قومه ومنَعَة في بلده؛ وإنه قد أبى إلّا الانقطاعَ إليكم واللّحُوق بكم؛ فإن كنتم تروْن أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه؛ ومانعوه ممّن خالفه؛ فأنتم وما تحمّلتم من ذلك؛ وإن كنتم تروْن أنكم مُسلموهُ وخاذلوه بعد الخروج إليكم؛ فمن الآن فدَعُوه، فإنّه في عزّ ومَنَعةٍ من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت؛ فتكلّم يا رسول الله؛ وخذ لنفسك وربّك ما أحبَبتَ. قال: فتكلّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغَّب في الإسلام، ثمّ قال: أبايعُكم عَلى أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
قال: فأخذ البَراء بن معرور بيده، ثم قال: والذي بعثَك بالحقّ لنمنعنّك مما نمنَع منه أزُرَنا، فبايعْنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلْقة؛ ورثناها كابرًا عن كابر. قال: فاعترض القول -والبراء يكلّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التَّيّهان، حليف بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله؛ إنّ بيننا وبين النّاس حِبالًا وإنّا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عَسيتَ إن نحنُ فعلْنا ذلك، ثم أظهرَك الله، أن ترجعَ إلى قومك، وتَدَعَنا! قال: فتبسّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: بل الدَّم الدّم، الهدْم الهدْم! أنتم منّي وأنا منكم؛ أحارب مَنْ حاربتم وأسالم من سالمتم.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أخرجوا إليّ منكم اثنَي عشر نقيبًا؛ يكونون على قومهم بما فيهم. فأخرجوا اثني عشر نقيبًا؛ تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس ١ . (٢: ٣٦٠/ ٣٦١ / ٣٦٢/ ٣٦٣) .
- ١إسناده ضعيف وهو حديث حسن فقد أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٩٤ - ٩٥ - ٩٦ - ٩٧) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب أن أخاه عبد الله بن كعب -وكان من أعلم الأنصار- حدثه أن أباه كعبًا حدثه، وكان كعب ممن شهد العقبة، وبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها. قال: خرجنا في حجاج قومنا المشركين وقد صلينا ... إلى قوله وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس ذلك كما قالوا، ونحن أعلم به منهم- وهذا إسناد حسن فقد صرح ابن هشام هنا بالتحديث. ثم أخرج ابن هشام بقية رواية الطبري من الطريق نفسه. فقال: قال ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب أن أخاه عبد الله بن كعب حدّثه أن أباه كعب بن مالك حدثه، قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة من أوسط أيام التشريق ... الحديث إلى قوله: قال كعب بن مالك: (وقد كان قال = = رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس) وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث هنا فإسناده حسن. وقد ذكر ابن هشام جملتين ليستا من كلام الصحابي كعب - رضي الله عنه - وهما: بيت لعوف بن أيوب الأنصاري وكذا عبارة أخرى هي قول ابن هشام: (وهو يشرح معنى كلمة الهدم) فقال: ويقال: الهدم الهدم أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم وقد فصل ابن هشام بين هاتين العبارتين وبين قول الصحابي مالك. وقد ذكر الهيثمي هذه الرواية، وقال: فهذا حديث ابن مالك عن العقبة وما حضر منها رواه أحمد والطبراني بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع (المجمع ٦/ ٤٥). والحديث أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٦٠ - ٤٦١ - ٤٦٢) بإسناد قد صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث فهو إسناد حسن وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥) مختصرًا من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري وقال: هذا حديث صحيح الإسناد جامع لبيعة العقبة ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح. وأخرجه البيهقي في سننه (٩/ ٩) وغيرهم. وانظر الفصول في سيرة الرسول لابن كثير (١١١/ ١١٢). وانظر تأريخ الإسلام للذهبي قسم السيرة النبوية- العقبة الثانية الصفحات (٢٩٧ - ٢٩٨ - ٢٩٩).
٤٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتادة، أنّ القومَ لمّا اجتمعوا لبيعةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال العباس بن عبادة بن نَضْلة الأنصاريّ، ثم أخو بني سالم بن عوف: يا معشرَ الخزرج، هلْ تدرون عَلام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنّكم تبايعونه على حرْب الأحمر والأسود من الناس؛ فإن كنتم تروْن أنكم إذا نُهكت أموالكم مصيبة؛ وأشرافُكم قتلًا أسلمتموه؛ فمن الآن فهو والله خِزْيُ الدّنيا والآخرة إن فعلتم، وإن كنتم تروْن أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، على نهْكة الأموال، وقتْل الأشراف فخذوه، فهو والله خيرُ الدّنيا والآخرة. قالوا: فإنّا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنّة، قالوا: ابسُط يدَك، فبسطَ يده فبايعوه.
وأما عاصم بن عمر بن قَتادة، فقال: والله ما قال العبّاس ذلك إلّا ليشدَّ العَقْدَ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أعناقهم. وأما عبدُ الله بن أبي بكر، فقال: والله ما قال العبّاس ذلك إلّا ليؤخّر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي ابن سَلُول، فيكون أقوى لأمر القوم. والله أعلم أيّ ذلك كان؛ فبنو النّجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أوّل مَنْ ضرب على يديه، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التّيّهان ١ . (٢: ٣٦٣/ ٣٦٤) .
- ١إسناده ضعيف ولكن له شاهد من حديث جابر بن عبد الله عند أحمد في مسنده (٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠) وفيه: فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة، فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين فقال: رويدًا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلّا ونحن نعلم أنه رسول الله إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف فأما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مستكم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كافة فخذوه أجركم على الله عزَّ وجلَّ، وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم ضيقة فذروه فهو أعذر عند الله، قالوا: يا أسعد بن زرارة أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلًا رجلًا يأخذ علينا بشرطه العباس ويعطينا على ذلك الجنة. وأخرجه أحمد كذلك في موضع آخر (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح - (المجمع ٦/ ٤٦) والحديث أخرجه الحاكم كذلك في المستدرك (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن كثير على شرط مسلم (السيرة النبوية ٢/ ١٩٦). وحسَّنه ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٢٢) وقال ابن كثير: هذا إسناد جيد على شرط مسلم (السيرة ٢/ ١٩٦) والحديث أخرجه كذلك ابن حبان (١٦٨٦) وغيرهم والله أعلم. وأما العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري الذي ورد ذكره في رواية الطبري فسيأتي ذكره في الرواية التالية للطبري.
٤٦ - قال ابن حُميد، قال: سلمة، قال محمّد: وأما معبَد بن كعب بن مالك فحدّثني - قال أبو جعفر: وحدّثني سعيد بن يحيى بن سعيد- قال: حدّثني أبي، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، عن معبد بن كعب، قال: فحدّثني في حديثه عن أخيه عبد الله بن كعْب عن أبيه كعب بن مالك، قال: كان أوّل مَنْ ضرب على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البرَاء بن معرور، ثم تتَابع القوم؛ فلمّا بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صرخ الشّيطان من رأس العَقبة بأنفذ صوت سمعته قطّ: يا أهلَ الجباجب هل لكم في مُذمّم والصُّباءِ معه، قد اجتمعوا على حربكم! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما يقول عدو الله؟ هذا أزَبّ العقبة، هذا ابن أزْيب؛ اسمع عدوّ الله؛ أما والله لأفْرُغَنَّ لك. ثمّ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ارفضّوا إلى رحالكم. فقال له العبّاس بن عبادة بن نضلة: والّذي بعثَك بالحق لئن شئت لنميلنّ غدًا على أهل مِنىً بأسيافنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لم نؤمَر بذلك؛ ولكن ارجعوا إلى رحاكم، قال: فرَجعنا إلى مضاجعنا، فنِمْنا عليها؛ حتى أصبحنا؛ فلمّا أصبحنا غدَتْ علينا جلَّةُ قريش حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشرَ الخزرج؛ إنّا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا؛ وإنّه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشَبَ الحرب بيننا وبينهم منكم؛ قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله: ما كان من هذا شيء وما علمناه. قال: وصدقوا لم يعلموا. قال: وبعضنا ينظرُ إلى بعض؛ وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، وعليه نعلان جديدان. قال: فقلت كلمة كأنّي أريد أن أشرِك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر؛ أما تستطيع أن تتّخذ وأنت سيّد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه؛ ثم رمى بهما إليّ، وقال: والله لتنعلنَّهما. قال: يقول أبو جابر: مَهْ أحفظت والله الفتى! فاردُدْ عليه نعليه، قال: قلت: والله لا أردّهما؛ فأل والله صالح؛ والله لئن صدق الفأل لأسلُبنّه.
فهذا حديث كعب بن مالك عن العَقبة وما حضر منها ١ . (٢: ٣٦٤/ ٣٦٥) .
- ١حديث حسن وإسناده مركب فهو من طريقين إلى ابن إسحاق، أما الأولى فضعيف لأنه من طريق ابن حميد الرازي، وأما الثانية فمن طريق سعيد بن يحيى بن سعيد عن أبيه (وهما من رجال الصحيح) عن ابن إسحاق به- والحديث أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٦٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٥): رواه أحمد والطبراني بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع. اهـ. وراجع ما ذكرناه في تخريج الحديث (٤٣) فلا داعي للإعادة والإطالة.
٤٧ - وقد حدَّثنا ابن حُميد - قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن عبادة بن الصامت- وكان أحد النقباء- قال: بايعْنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة الحرب؛ وكان عُبادة من الاثني عشر الّذين بايعوا في العقَبة الأولى ١ . (٢: ٣٦٨) .
- ١إسناده ضعيف وهو صحيح لغيره، والحديث من شطرين: الأول -الكلام عن بيعة الحرب (أي بيعة العقبة الثانية) وأن عبادة بن الصامت كان ممن حضر تلك البيعة، والشطر الثاني هو الكلام عن بيعة العقبة الأولى وكون عبادة ممن حضرها- قلنا: أما الشطر الأول فقد أخرجه البيهقي بأطول مما عند الطبري كما في الدلائل (٣/ ٤٥٢) من طريق يونس عن ابن إسحاق. قال: حدثني عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الحرب على السمع والطاعة في يسرنا وعسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا ... الحديث). وأخرجه البيهقي من طريق آخر عن عبادة (الدلائل ٢/ ٤٥١) ولفظه: أنَّا بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف ... الحديث. وفيه: (وعلى أن ننصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم علينا يثرب. بما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايعناه عليها). وقد أخرج ابن كثير هذه الرواية في السيرة وقال: وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه (البداية والنهاية ٣/ ١٦١). وأما الشطر الثاني من رواية الطبري (وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى) فقد أخرج البخاري في صحيحه- ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار (٤٣) باب وفود الأنصار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة وبيعة العقبة ح ٣٨٩٣ - عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أنه قال: (إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل النفس التي حرّم الله إلّا بالحق ولا ننهب ولا نقضي بالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غشينا في ذلك شيئًا كان قضاء ذلك إلى الله. وأخرجه البخاري في مواضع أخرى وكذلك مسلم وأحمد ذكرناها بالتفصيل في تخريج الأثر (٤١) عند الحديث عن بيعة العقبة الأولى فراجعها هناك.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،