رحلته إلى الشام مع عمه
ثنتا عشرة سنة، وقيل تسع، وعمره ﷺ ١٢
بحيرى يحتفي بتجار قريش
فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له: بحيرى ١ في صومعة له , وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك، فلا يكلمهم، ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا وذلك -فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته، يزعمون أنه رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم قال: ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته، وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم، فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم! ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرًا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحير: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم، وأصنع لكم طعامًا، فتأكلوا منه كلكم، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بين القوم، لحداثة سنه، في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي، قالوا له يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنا فتخلف في رحالهم، فقال لا تفعلوا، ادعوه، فليحضر هذا الطعام معكم قال: فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه، وأجلسه مع القوم.
- ١كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك ابن تسع سنين فيما ذكر بعض من ألف في السير، وقال الطبري: ابن ثنتي عشرة سنة. (الروض ١/ ٢٠٦)،ابن إسحاق تحقيق التدمري بصرى جنوب شرقي دمشق يبعد عنها ١٢٤ كم وهي قصية كورة حوران.
بحيرى يتثبت من محمد (صلى الله عليه وسلم)
فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظًا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى فقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزي إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرى ذلك, لأنه سمع قومه يحلفون بهما فزعموا إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تسألني باللات والعزى شيئا فوالله ما أبغضت شيئًا قط بغضهما، فقال له بحيرى فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن أشياء من حاله: من نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده ١ . قال ابن هشام: وكان مثل أثر المحجم.
- ١رواه ابن عساكر بسنده إلى أحمد بن عبد الجبار العطاردي, عن يونس بن بكير الشيباني، ابن إسحاق (١/ ٢٠٦) تحقيق التدمري.
بحيرى يوصي أبا طالب بمحمد (صلى الله عليه وسلم)
قال ابن إسحاق: فلما فرغ، أقبل على عمه أبو طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخي، قال فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه، وعرفوا منه ما عرفت ليبتغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده.
خروج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى الشام بصحبة عمه أبي طالب ومقابلته للراهب بحيرى
عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن أبيه أنه حدَّثَه قال: "خرجنا إلى الشام في أشياخ من قريش، وكان معي محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، فأشرفنا على راهب في الطريق فنزلنا وحللنا رواحلنا فخرج إلينا الراهب -وكان قبل ذلك لا يخرج إلينا- فجعل يتخلَّلُنَا حتى جاء فأخذ بيد محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وقال: هذا سيِّد العالمين، قال: فقال له أشياخٌ من قريش: وما علمك بما تقول؟ قال: أجد صِفَتَه ونَعْته في الكتاب المنزَل، وإنكم حين أشرفتم لم يبق شجرٌ ولا حجرٌ إلا خر له ساجدا ولا تسجد الجمادات إلا لنبي، وأعرفه بخاتم النبوة، أسفل من غُضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع طعامًا فأتانا به وكان محمد في رعْيَةِ الإبل، فجاء وعليه غَمَامةُ تظلُّه، فلما دنا وجد القوم قد سبقوه إلى شجرة، فجلس في الشمس فمال فَيءُ الشجرة عليه، وأضحوا هم في الشمس، فبينا هو قائم عليهم يناشدهم الله أن لا يذهبوا به إلى الروم ويقول: إن رأوه عَرَفُوهُ بالصِّفَة، وآذوْه، فبينا هو يناشدهم الله في ذلك التفت، فإذا تسعةٌ من الروم مقبلين نحو ديره، فاستقبلهم، وقال: ما جاء بكم؟ قالوا: بلغنا عن أحبارنا أن نبيًّا من العرب خارج نحو بلادنا في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بُعث إليه بأُناس، وبعثنا إلى طريقك هذا، قال: فهل خلفكم أحد خير منكم؟ قالوا: إنما اخترنا لطريقك هذه خيرة، قال لهم: أرأيتم أمرًا أراد الله تبارك وتعالي أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس أن يرده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوا هذا النبي فإنه حق، فبايعوه وأقاموا مع الراهب، ثم رجع إلينا، فقال: أنشدكم أيكم وليّه؟ قالوا: هذا -يعنوني- فما زال يناشدني حتى رددته مع رجال، فكان فيهم بلال، وزوده الراهب كعكًا وزيتًا" . ١
- ١جامع الأصول من حديث الرسول حديث رقم ٨٨٣٦، رواية رزين عن على عن أبيه أفضل من رواية الترمذيُّ عن موسى الأشعري قلت كان هذا الحدث في شهر محرم من العام الثاني والأربعين قبل الهجرة العام الثاني عشر لمولده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،