السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

إسلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه

التاريخبعد الهجرة إلى الحبشة

بعد الهجرة إلى الحبشة

تقرأ في أكرم العمري، ١٢ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة السادسة ١٤١٥ هـ

إسلام عمر بن الخطاب

١/١٧٧١/١٧٧

لم تصح رواية في تحديد وقت إسلام عمر بن الخطاب بدقة، ولكن ابن إسحاق جعل إسلام عمر بعد هجرة الحبشة وذكر من وجه آخر إنه عقب هجرة الحبشة الأولى ١ ، وتحدد رواية الواقدي إسلامه في ذي الحجة السنة السادسة من البعثة وهو ابن ست وعشرين سنة، كما تحدد روايات الواقدي أن عدد المسلمين كان أربعين أو خمسين أو ستاً وخمسين منهم عشر نسوة أو إحدى عشرة ٢ .

  1. ١ابن حجر: فتح الباري ٧/ ١٨٣ وانظر سيرة ابن هشام ١/ ٣٤٢.
  2. ٢طبقات ابن سعد ٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠ والواقدي متروك - وهو راوي الخبر - ويؤيده أن عمر عبد الله بن عمر - وقد عقل قصة إسلام والده ورواها - كان ابن خمس سنين، وكان يوم أحد ابن أربع عشر سنة، وذلك بعد المبعث بست عشر سنة، فيكون مولده بعد المبعث بسنتين، فلا يتقدم إسلام عمر على سنة ست أو سبع (فتح الباري ٧/ ١٧٨).

وكان عمر رجلاً قوياً مهيباً، وكان يؤذي المسلمين ويشتد عليهم، قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - وهو ابن ابن عم عمر، وزوج أخته فاطمة بنت الخطاب -: "والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم" ١ .

  1. ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٧٦).

وهكذا ربط عمر سعيداً بسبب إسلامه ليصده عن دينه. ولكن شدته الظاهرة تكمن خلفها رحمة ورقة، فقد أخبرت أم عبد الله بنت أبي حثمة - وهي من مهاجرة الحبشة - قالت: "والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا، إذ أقبل عمر بن الخطاب، حتى وقف علي - وهو على شركه، وكنا نلقي منه البلاء أذى لنا وشدة علينا - فقال: إنه للانطلاق يا أم عبد الله؟ فقلت: نعم والله، لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله مخرجاً. فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها. ثم انصرف وقد أحزنه - فيما أرى - خروجنا. قالت: فجاء عامر بحاجته تلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا. قال: أطمعت في إسلامه؟ قلت: نعم. قال: فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب. قالت: يأساً منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام ١ .

  1. ١سيرة ابن هشام ١/ ٣٤٢ بإسناد فيه عبد الرحمن بن الحارث صدوق له أوهام، وعبد العزيز بن عبد الله بن عامر تابعي كبير، ترجم له البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. (التاريخ الكبير ٦/ ١٣ والجرح والتعديل ٥/ ٣٨٥ وتعجيل المنفعة ٢٦١ وانفراد ابن حبان بتوثيقه (الثقات ٧/ ١١٠) وهو يروي الخبر عن أمه وهي شاهدة عيان.
١/١٧٨١/١٧٨

ويبدو أن حدس المرأة كان أقوى، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن ينصر دينه به ١ .

  1. ١سنن الترمذي ٥/ ٦١٧ وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر". بإسناد فيه خارجة بن عبد الله صدوق فيه مقال (فتح الباري ٧/ ٤٨). وله شواهد من حديث ابن عباس (الطبراني: المعجم الأوسط ١/ ٣٤٤) بإسناد فيه مبارك بن فضالة صدوق مدلس ويسوي وقد صرح بالسماع من شيخه فقط (انظر: تقريب التهذيب ٥١٩). وله شواهد آخر من حديث ابن مسعود (الطبراني: المعجم الكبير ١٠/ ١٩٦ - ١٩٧) بإسناد فيه مجالد بن سعيد تغير بأخرة وفيه محمد بن الحسن الأسدي صدوق فيه لين (تقريب ٤١٧، ٥٢٠) حديث عائشة (سنن ابن ماجة ١/ ٣٩) بإسناد فيه ضعف بسبب رواية محمد بن عبيد وعبد الملك بن الماجشون ومسلم بن خالد الزنجي. فالحديث صحيح لغيره.

فاستجاب الله دعاءه فأسلم عمر، فاعتز به الإسلام وصلى المسلمون بالبيت العتيق دون أن يتعرض لهم المشركون. قال ابن مسعود: "ما زلنا أعزَّةً منذ أسلم عمر" ١ . وقال أيضاً: "لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي" ٢ . وقال: "إن إسلامه كان نصراً" ٣ . وقال عبد الله بن عباس لعمر حين طعن: "فلما أسلمت كان إسلامك عزاً وأظهر الله بك الإسلام ورسول الله وأصحابه" ٤ .

  1. ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٤١، ١٧٧)
  2. ٢طبقات ابن سعد ٣/ ٢٧٠ بإسناد صحيح، ومحمد بن عبيد ثقة زيادته صحيحة.
  3. ٣المعجم الكبير للطبراني ٩/ ١٨١ بإسناد حسن.
  4. ٤المعجم الأوسط للطبراني ١/ ٣٣٤ بإسناد حسن.
١/١٧٩١/١٧٩

وقد ذكر عبد الله بن عمر - وهو شاهد عيان - ما حدث من رد فعل قريش حين أسلم عمر بن الخطاب قال: "لما أسلم أبي عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي. قال: فغدا عليه. قال عبد الله بن عمر: "فغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه. فقال له: ياجميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه وأتبعه عمر وأتبعت أبي. حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إن عمر قد صبأ. قال: ويقول عمر من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.

وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم، وطلح ١ فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموه لنا. قال: فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص هوشي حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر. فقال: فمه، رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟ خَلّوا عن الرجل. قال: فوالله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه".

  1. ١أعيا (النهاية لابن الأثير ٣/ ١٣١).
١/١٨٠١/١٨٠

وقد عرف ابن عمر - فيما بعد - من أبيه أن الذي أجاره هو العاص بن وائل السهمي ١ .

  1. ١سيرة ابن هشام ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩ وسيرة ابن إسحاق ١٨٤ - ١٨٥ بإسناد حسن، وقال ابن كثير: هذا إسناد جيد قوي. (السيرة النبوية لابن كثير ٢/ ٣٨ - ٣٩). وقد روى البخاري قصة إجارة العاص بن وائل لعمر في صحيحه (فتح الباري ٧/ ١٧٧).

لقد كان رد فعل قريش عنيفاً أمام حادثة إسلام عمر حتى سال بهم الوادي يريدون قتله لولا إجارة العاص له ١ .

  1. ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٧٧).

أما قصة استماعه القرآن يتلوه الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاته قرب الكعبة وعمر مستخف بأستارها ١ ، وكذلك قصته مع أخته فاطمة حين لطمها لإسلامها وضرب زوجها سعيد بن زيد، ثم اطلاعه على صحيفة فيها آيات وإسلامه ٢ ، فلم يثبت شئ من هذه القصص من طريق صحيحة.

  1. ١مسند أحمد ١/ ١٧ - ١٨ بسند صحيح إلى شريح بن عبيد لكنه مرسل ضعيف لأن شريحاً لم يدرك عمر (مجمع الزوائد ٩/ ٦٢). ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ١٠٣ وفي إسناده عنعنة أبي الزبير وهو مدلس والسياق يختلف، ولولا ذلك لاعتضد المرسلان لاختلاف مخرجهما. وأحاديث أبي الزبير منها ما صرح فيها بالسماح فهي صحيحة، ومنها ما عنعن في سائر طرقها عنه فهذه إن كانت من رواية الليث عنه فهي صحيحة وإن كانت من رواية غير الليث فهي ضعيفة لأن أبا الزبير مدلس فيحتمل أن تكون واسطته ضعيفة.
  2. ٢طبقات ابن سعد ٣/ ٢٦٧ - ٢٦٩ ودلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٢١٩ كلاهما بإسناد فيه القاسم بن عثمان البصري ضعيف ومتنه منكر جدا. (ميزان الاعتدال ٣/ ٣٧٥) وفضائل الصحابة لأحمد ١/ ٢٨٥ - ٢٨٨ من زيادة عبد الله بإسناد فيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني وأسامة ابن زيد بن أسلم، وكلاهما ضعيف (تقريب التهذيب ٩٨، ٩٩). ومتنهما يتعارض، ففي رواية ابن سعد قرأ في الصحيفة آيات من سورة طه، وأما رواية عبد الله بن أحمد ففيها أن الآيات من سورة الحديد.
١/١٨١١/١٨١

ولكن الحافظ ابن حجر ذكر بأن الباعث له على دخوله في الإسلام ما سمع في بيت أخته فاطمة من القرآن ١ .

  1. ١ابن حجر: فتح الباري ٧/ ١٧٦.

ولا شك أن القرآن ببيانه الساحر وروعة تصويره لمشاهد القيامة وصفة الجنة والنار، كان له تأثير كبير في اجتذاب عمر إلى صف المسلمين، لأن عمر كان يتذوق الكلام البليغ ويعجب به. وعدم ثبوت الروايات حديثياً لا يعني حتمية عدم وقوعها تأريخياً.