دخول المسلمين شعب أبي طالب ١/١٨١ ١/١٨١ لقد حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم المكان الذي تقاسمت فيه قريش على الكفر - يعني تحالفها على مقاطعة بني هاشم - فذكر أنه خيف بني كنانة ١ ،وقد ورد الخبر مفصلاً من مرسل أبي الأسود ومرسل الزهري ٢ ، كما ورد من مرسل عروة بن الزبير ٣ ، ونظراً لأن الزهري وأبا الأسود من تلاميذ عروة، فإن ثمة احتمالاً قوياً أنهما يرويان الخبر عنه، مما يجعل المرسل ٤ لا يقوى بالتعدد لوحدة مخرجه.
١ صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٩٢، ٨/ ١٤). قال النووي والمحصب والأبطح والبطحاء وخيف بني كنانة اسم لشيء واحد. (شرح صحيح مسلم ٩/ ٥٩).٢ بإسناد حسن إلى أبي الأسود والزهري (دلائل البيهقي ٢/ ٣١١ - ٣١٤ والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ٢٧ - ٣٠).٣ بإسناد ضعيف إليه فيه محمد بن عمرو بن خالد الحراني لم أقف له على ترجمة وابن لهيعة ضعيف (الدلائل لأبي نعيم ١/ ٣٥٧ - ٣٦٢ والدلائل للبيهقي ٢/ ٣١٤).٤ يعني مرسل أبي الأسود والزهري، إذ هما أقوى سنداً إليهما من مرسل عروة الذي لم يثبت عنه من طريق صحيحة.وإذا لم تثبت رواية في تفاصيل دخول المسلمين شعب أبي طالب، فإن أصل الحادث ثابت ١ ، كما أن ذلك لا يعني عدم وقوع تفاصيل الحادث تأريخياً، فإن عروة رائد مدرسة المغازي، وهو إنما يروي عن الصحابة في الغالب. وخلاصة رواية عروة أن حصار الشعب وقع بعد فشل قريش في استعادة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، حيث أهاجها الأمر واشتد البلاء على المسلمين، وعزمت قريش أن تقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجمع بنو عبد المطلب أمرهم على أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ويحموه فيه، فدخلوا الشعب جميعاً مسلمهم وكافرهم، وأجمع المشركون أمرهم على أن لا يجالسوهم ولا يخالطوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله للقتل، وكتبوا في ذلك صحيفة فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد والجوع، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من قريش على ما حدث وأجمعوا على نقض الصحيفة، وقد أعلمهم الرسول بأنه لم يبق فيها سوى كلمات الشرك والظلم ٢ . وهكذا انتهت المقاطعة.
١ قال ابن حجر: "ولما لم يثبت عند البخاري شيء من هذه القصة اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة لأن فيه دلالة على أصل القصة لأن الذي أورده أهل المغازي من ذلك كالشرح لقوله في الحديث "تقاسموا على الكفر". (فتح الباري ٧/ ١٩٣).٢ ذكر ابن هشام أنهم وجدوا الأرضة قد أكلت جميع ما في الصحيفة إلا اسم الله تعالى، وقال ابن إسحاق وموسى بن عقبة وعروة عكس ذلك أن الأرضة لم تدع اسماً لله تعالى إلا أكلته، وبقي ما فيها من الظلم والقطيعة (فتح الباري ٧/ ١٩٢). وانظر مغازي موسى بن عقبة (جمع محمد باقشيش) ١/ ١٢٦ - ١٢٧ وسيرة ابن هشام ١/ ٣٧٧.١/١٨٢ ١/١٨٢ أما رواية موسى بن عقبة فتذهب إلى أن المشركين أخرجوا بني هاشم من مكة إلى الشعب، فأمر رسول الله المسلمين أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، فيكون حصار الشعب والهجرة إلى الحبشة قد وقعا في وقت متقارب.
وقد ذكر الزهري أن عمر الرسول صلى الله عليه وسلم كان - حين الخروج من الشعب - تسعا وأربعين سنة، وكان خروجهم في السنة العاشرة، وأنهم مكثوا في الشعب سنتين ١ ، ويقال: إن رجوع من كان مهاجراً بالحبشة إلى مكة كان بعد الخروج من الشعب ٢ . وعلى ذلك يكون حصار الشعب قد بدأ في آخر العام السابع من البعثة.
١ وقيل كان ابتداء حصرهم في المجرم سنة سبع من المبعث قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً، وجزم موسى بن عقبة بأنها كانت ثلاث سنين (فتح الباري ٧/ ١٩٢).٢ المقريزي: إمتاع الأسماع ٢٦ عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب مرسلاً.١/١٨٣ ١/١٨٣ لقد دعا رسول الله على قريش فحدثت فيهم مجاعة حتى أكلوا الميتة والجلود، فجاء أبو سفيان يسأل رسول الله أن يدعوا لهم ويناشده الرحم، فقرأ الآية ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله ﴿عَائِدُونَ﴾ , وكان الرجل يرى ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه فكشف عنهم العذاب، فعادوا إلى الكفر ١ .
١ صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٥١١، ٥٤٧، ٥٧١، ٥٧٢، ٥٧٣، ٥٧٤ و ٢/ ٥١٠، ٤٩٣) وصحيح مسلم بشرح النووي ١٧/ ١٤٠ - ١٤٢. والآيات من سورة الدخان ١٠ - ١٥. وتزيد الكتب الأخرى هنادلائل النبوة (أبو نعيم) أبو نعيم، ت ٤٣٠هـ
١/٢٧٢ ١/٢٧٢ ٢٠٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنَ الْحَبَشَةِ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ إِلَى مَكَّةَ قَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ صَاحِبَهُ وَمَنْعَهُ حَاجَتَهُ اشْتَدَّ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَشَدِّ مَا كَانُوا حَتَّى بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الْجَهْدُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَعَمَدَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجْمَعُوا مَكْرَهُمْ وَأَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَانِيَةً فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَجْمَعَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يُدْخِلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِعْبَهُمْ وَيَمْنَعُوهُ مِمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ كَافِرُهُمْ وَمُسْلِمُهُمْ مِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ حَمِيَّةً وَمِنْهُمْ ⦗٢٧٣⦘ مَنْ فَعَلَهُ إِيمَانًا وَيَقِينًا فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ الْقَوْمَ قَدِ اجْتَمَعُوا وَمَنَعُوا الرَّسُولَ وَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ كَافِرُهُمْ وَمُسْلِمُهُمُ اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُجَالِسُوهُمْ وَلَا يُخَالِطُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْقَتْلِ وَكَتَبُوا بِمَكْرِهِمْ صَحِيفَةً وَعُهُودًا وَمَوَاثِيقَ أَنْ لَا يَقْبَلُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبَدًا صُلْحًا وَلَا تَأْخُذَهُمْ بِهِمْ رَأْفَةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَلَا هَوَادَةٌ حَتَّى يُسْلِمُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْقَتْلِ فَلَبِثَ بَنُو هَاشِمٍ فِي شِعْبِهِمْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَاشْتَدَّ عليهم فِيهِنَّ الْبَلَاءُ وَالْجَهْدُ وَقَطَعُوا عَلَيْهِم الْأَسْوَاقَ فَلَا يَتْرُكُونَ طَعَامًا يَدْنُو مِنْ مَكَّةَ وَلَا بَيْعًا إِلَّا بَادَرُوا إِلَيْهِ؛ لِيَقْتُلَهُمُ الْجُوعُ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَنَاوَلُوا بِذَلِكَ سَفْكَ دَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا أَخَذَ النَّاسُ مَضَاجِعَهُمْ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى فِرَاشَهُ حَتَّى يَرَاهُ مَنْ أَرَادَ بِهِ مَكْرًا أَوْ غَائِلَةً فَإِذَا نَوَّمَ النَّاسُ أَخَذَ أَحَدَ بَنِيهِ أَوْ إِخْوَتِهِ أَوْ بَنِي عَمِّهِ فَاضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ بَعْضَ فُرُشِهِمْ فَيَرْقُدَ عَلَيْهَا فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ ثَلَاثِ سِنِينَ تَلَاوَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَرِجَالٌ مِنْ بَنِي قُصَيٍّ وَرِجَالٌ مِمَّنْ سِوَاهُمْ وَذَكَرُوا الَّذِي وَقَعُوا فِيهِ مِنَ الْقَطِيعَةِ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي لَيْلَتِهِمْ عَلَى نَقْضِ مَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى صَحِيفَتِهِمُ الَّتِي فِيهَا الْمَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَرَضَةَ فَلَحِسَتْ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ فِيهَا، وَكَانَتْ مُعَلَّقَةً فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ وَكَانَ فِيهَا ⦗٢٧٤⦘ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ فَلَمْ تَتْرُكْ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا لَحِسَتْهُ وَبَقِيَ فِيهَا مَا كَانَ مِنْ شِرْكٍ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ بَغْيٍ فَأَطْلَعَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ بِالصَّحِيفَةِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعَمِّهِ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَا وَالثَّوَاقِبِ مَا كَذَبَنِي، فَانْطَلَقَ يَمْشِي بِعِصَابَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ وَهُوَ حَافِلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أَتَوْا بِجَمَاعَةٍ أَنْكَرُوا ذَلِكَ فَظُنُّوا أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ وَأَتَوْهُمْ لِيُعْطُوهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَتْ أُمُورٌ بَيْنَكُمْ لَمْ نَذْكُرْهَا لَكُمْ فَأْتُوا بِصَحيفَتِكُمُ الَّتِي فِيهَا مَوَاثِيقُكُمْ؛ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا بَيْنَكُمْ صُلْحٌ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْظُرُوا فِي الصَّحِيفَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا بِهَا فَبَادَرَ اللَّعِينُ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَخْبَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَأَتَوْا بِصَحِيفَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِهَا لَا يَشُكُّونَ أَنَّ الرَّسُولَ مَدْفُوعٌ إِلَيْهِمْ فَوَضَعُوهَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَقْبَلُوا أَوْ تَرْجِعُوا إِلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ عَامَّتَكُمْ وَيَجْمَعُ قَوْمَكُمْ وَلَا يَقْطَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ قَدْ جَعَلْتُمُوهُ خَطَرًا لِعَشِيرَتِكُمْ وَفَسَادِكُمْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ لِأُعْطِيَكُمْ أَمْرًا فِيهِ نَصَفٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الَّتِي فِي أَيْدِيكُمْ إِنَّ ابْنَ أَخِي قَدْ أَخْبَرَنِي وَلَمْ يَكْذِبْنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ عَلَيْهَا دَابَّةً فَلَمْ تَتْرُكْ فِيهَا اسْمًا لِلَّهِ إِلَّا لَحِسَتْهُ وَتُرِكَ فِيهَا غَدْرُكُمْ وَتَظَاهُرُكُمْ عَلَيْنَا بِالظُّلْمِ فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ كَمَا يَقُولُ فَأَفِيقُوا فَوَاللَّهِ لَا نُسْلِمُهُ حَتَّى نَمُوتَ عَنْ آخِرِنَا وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَقُولُ بَاطِلًا دَفَعْنَا إِلَيْكُمْ صَاحِبَنَا فَقَتَلْتُمْ أَوِ اسْتَحْيَيْتُمْ فَقَالُوا: لَقَدْ رَضِينَا بِالَّذِي تَقُولُ وَفُتِحَتِ الصَّحِيفَةُ فَوَجَدُوا الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ قَدْ أَخْبَرَ خَبَرَهَا قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ فَلَمَّا ⦗٢٧٥⦘ رَأَتْهَا قُرَيْشٌ كَالَّذِي قَالَ أَبُو طَالِبٍ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا كَانَ هَذَا إِلَّا سِحْرًا مِنْ صَاحِبِكُمْ فَارْتَكَسُوا وَعَادُوا لِشَرِّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَالشِّدَّةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَرَهْطِهِ وَالْقِيَامِ عَلَى مَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ فَقَالَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ الْأَوْلَى بِالْكَذِبِ وَالسِّحْرِ غَيْرُنَا فَكَيْفَ تَرَوْنَ؟ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي أَجْمَعْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ قَطِيعَتِنَا أَقْرَبُ لِلْجِبْتِ وَالسِّحْرِ وَلَوْلَا الَّذِي أَجْمَعْتُمْ فِيهَا مِنَ السِّحْرِ لَمْ تَفْسُدِ الصَّحِيفَةُ وَهِيَ فِي أَيْدِيكُمْ فَمَا كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ اسْمٍ هُوَ فِيهَا طَمَسَهُ وَمَا كَانَ مِنْ بَغْيٍ تَرَكَهُ فِي صَحِيفَتِكُمْ أَفَنَحْنُ السَّحَرَةُ أَمْ أَنْتُمْ؟ فَنَدِمَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ رِجَالٌ مِنْهُمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَهُوَ الْعَاصُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَمِنْهُمُ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَتِ الصَّحِيفَةُ عِنْدَهُ وَزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَدَتْهُمْ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ كَانُوا قَدْ نَدِمُوا عَلَى الَّذِي صَنَعُوا فَقَالُوا: نَحْنُ بَرَاءٌ مِنْ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى جَهِدُوا أَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِمْ إِلَّا شَيْءٌ مُسْتَخْفٍ بِهِ مَنْ أَرَادَ صِلَتَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ كَانَ أَبُو جَهْلٍ فِيمَا يَذْكُرُونَ لَقِيَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ مَعَهُ غُلَامٌ يَحْمِلُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمَّتَهُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ فِي الشِّعْبِ فَتَعَلَّقَ بِهِ وَقَالَ: أَتَذْهَبُ بِالطَّعَامِ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ؟ وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ أَنْتَ وَطَعَامُكَ حَتَّى أَفْضَحَكَ بِمَكَّةَ ⦗٢٧٦⦘ فَجَاءَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ الْعَاصُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهُ؟ قَالَ: يَحْمِلُ الطَّعَامَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: طَعَامٌ كَانَ لِعَمَّتِهِ عِنْدَهُ فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا؟ خَلِّ سَبِيلَ الرَّجُلِ فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ حَتَّى نَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَاحْتَمَلَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَحْيَ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ وَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ يَرَى ذَلِكَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ ذَلِكَ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَيْلًا وَنَهَارًا سِرًّا وَجِهَارًا لَا يَتَّقِي فِيهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّهُ قَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَاتَبَتْ فِيهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَعَلَى بَنِي الْمُطَّلِبِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ يُبْلَ فِيهَا أَحْسَنُ مِنْ بَلَاءِ هِشَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خُثَيْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ابنَ أَخِي نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ نَضْلَةُ وَعَمْرٌو أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ فَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصِلًا وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي يَأْتِي بِالْبَعِيرِ قَدْ أَوْقَرَ طَعَامًا وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْبِ لَيْلًا حَتَّى إِذَا أَقْبَلَهُ فَمُ الشِّعْبَ خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبِهِ فَدَخَلَ الشِّعْبَ عَلَيْهِمْ فَيَأْتِي بِهِ قَدْ أَوْقَرَهُ بِزا فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ مَشَى إِلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، فَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ ⦗٢٧٧⦘ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ: يَا زُهَيْرُ قَدْ رَضِيتَ بِأَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ وَتَلْبَسَ الثِّيَابَ وَتَنْكِحَ النِّسَاءَ وَأَخْوَالُكَ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ وَلَا يُنْكَحُونَ وَلَا يُنْكَحُ إِلَيْهِمْ؟ أَمَا إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ كَانَ أَخْوَالُ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ ثُمَّ دَعَوْتَهُ إِلَى مِثْلِ الَّذِي دَعَاكَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ مَا أَجَابَكَ إِلَيْهِ أَبَدًا قَالَ: وَيْحَكَ يَا هِشَامُ فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْتُ فِي نَقْضِهَا حَتَّى أَنْقُضَهَا قَالَ: قَدْ وَجَدْتُ رَجُلًا قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا قَالَ زُهَيْرٌ: ابْغِنَا ثَالِثًا فَذَهَبَ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ لَهُ: يَا مُطْعِمُ أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِقُرَيْشٍ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدَنَّهُمْ إِلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا قَالَ: وَيْحَكَ فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ قَالَ: قَدْ وَجَدْتُ ثَانِيًا قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا قَالَ: ابْغِنَا ثَالِثًا قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: ابْغِنَا رَابِعًا قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَبِي الْبَخْتَرِيِّ بْنِ هِشَامٍ فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: هَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَنَا قَالَ: ابْغِنَا خَامِسًا قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ فَكَلَّمَهُ وَذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُمْ وَحَقَّهُمْ قَالَ: فَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ ثُمَّ سَمَّى لَهُ الْقَوْمَ فَاتَّعَدُوا حَطْمَ الْحَجُونِ لَيْلًا بِأَعْلَى مَكَّةَ فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّحِيفَةِ حَتَّى يَنْقُضُوهَا وَقَالَ زُهَيْرٌ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَتَكَلَّمُ فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إِلَى أَنْدِيَتِهِمْ وَغَدَا زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ لَهُ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ أَقْبَلَ ⦗٢٧٨⦘ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَنَأْكُلُ الطَّعَامَ وَنَلْبَسُ الثِّيَابَ وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ؟ وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الظَّالِمَةُ الْقَاطِعَةُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ لَا تُشَقُّ قَالَ زَمْعَةُ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَكْذَبُ مَا رَضِينَا حِينَ كُتِبَتْ قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمْعَةُ لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا وَلَا نُقِرُّ بِهِ قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا كُتِبَ فِيهَا قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ تُشُووِرَ فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ وَأَبُو طَالِبٍ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ وَقَامَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ إِلَى الصَّحِيفَةِ لِيَشُقَّهَا فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا إِلَّا بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ وَكَانَ كَاتِبُ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ فَشُلَّتْ يَدُهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ "
السيرة الحلبية نور الدين الحلبي، ت ١٠٤٤هـ
١/٤٧٧ ١/٤٧٧ وفيه أنه سيأتي أن خروج عمرو بن العاص إلى الحبشة إنما كان بعد الهجرة الثانية، وهي بعد دخول بني هاشم والمطلب إلى الشعب، والله أعلم.
سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ
١١/٥٨ ١١/٥٨ روى البيهقي وأبو نعيم من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، وابن سعد عن شيخ من قريش، وابن سعد عن ابن عباس، وعاصم بن عمر بن قتادة وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، دخل حديث بعضهم في بعض، وابن سعد عن عكرمة ومحمد بن علي، وابن عساكر عن الزبير بن بكار، وأبو نعيم عن عثمان بن أبي سليمان وبن جبير بن مطعم، أن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، حين هاجر المسلمون إلى النجاشي وبلغهم كرمه إياهم، وأجمعت قريش أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب، وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ويمنعوه ممن أرادوا قتله، فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، فلما عرفت قريش أن القوم منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل وكتبوا صحيفة وعهودا ومواثيق، لا يقبلوا من بني هاشم أبدا صلحا حتى يسلموه للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وفي لفظ: فحصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من تنبؤ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن بني قصي ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، وأجمعوا أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه وبعث الله تعالى على صحيفتهم الأرضة فأكلت كل ما كان فيها من عهد وميثاق، وكانت معلقة في سقف البيت، فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق، فلم تترك فيها اسما لله إلا لحسته وبقي ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم.
الموسوعة في صحيح السيرة النبوية الفالوذة، ت ١٤٤٠هـ
١/٣٥١ ١/٣٥١ حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا محمَّد بن عمرو بن خالد الحراني، قال: حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى الأسود، عن عروة بن الزبير قال: لما أقبل عمرو بن العاص من الحبشة من عند النجاشي إلى مكة قد أهلك الله صاحبه، ومنعه حاجته، اشتد المشركون على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وعمد المشركون من قريش فأجمعوا مكرهم وأمرهم على أن يقتلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علانية. فلما رأى ذلك أبو طالب، جمع بني عبد المطب، فأجمع لهم أمرهم على أن يدخلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شِعبَهم ويمنعوه ممّن أراد فاجتمعوا على ذلك كافرهم ومسلمهم منهم من فعله حمية ومنهم من فعله إيمانًا ويقينًا فلما عرفت قريش أن القوم قد اجتمعوا ومنعوا الرسول، واجتمعوا على ذلك كافرهم ومسلمهم، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم، ولا يخالطوهم ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا في بيوتهم، حتى يسلموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقتل، وكتبوا بمكرهم صحيفة وعهودًا ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم أبدًا صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة ولا هوادة حتى يسلموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم فيهن البلاء والجهد، وقطعوا عليهم الأسواق فلا يتركون طعامًا يدنو من مكة، ولا بيعًا إلا بادروا إليه ليقتلهم الجوع يريدون أن يتناولوا بذلك سفك دم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ الْقَطَّانِ، قَالَ: «ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ اشْتَدُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَشَدِّ مَا كَانُوا، حَتَّى بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الْجَهْدُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فِي مَكْرِهَا أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ عَلَانِيَةً، فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ عَمَلَ الْقَوْمِ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُدْخِلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ شِعْبَهُمْ، وَيَمْنَعُوهُ مِمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ حَمِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ إِيمَانًا وَيَقِينًا فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ مَنَعُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ وَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجْمِعُوا أَمْرَهُمْ أَنْ لَا يُجَالِسُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ لِلْقَتْلِ، وَكَتَبُوا فِي مَكْرِهِمْ صَحِيفَةً وَعُهُودًا وَمَوَاثِيقَ لَا يَقْبَلُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبَدًا صُلْحًا وَلَا تَأْخُذُهُمْ بِهِ رَأْفَةٌ حَتَّى يُسْلِمُوهُ لِلْقَتْلِ فَلَبِثْ بَنُو هَاشِمٍ فِي شِعْبِهِمْ يَعْنِي ثَلَاثَ سِنِينَ [ (١) ] وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَالْجَهْدُ، وَقَطَعُوا عَنْهُمُ الْأَسْوَاقَ فَلَا يَتْرُكُوا طَعَامًا يَقْدَمُ مَكَّةَ وَلَا بَيْعًا إِلَّا بَادَرُوهُمْ إِلَيْهِ فَاشْتَرَوْهُ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنْ يُدْرِكُوا سَفْكَ دَمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ.
فَصْلٌ: وَذَكَرَ نَقْضَ الصّحِيفَةِ وَقِيَامَ هِشَامٍ فِيهَا وَنَسَبَهُ فَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ حَبِيبٍ وَفِي الْحَاشِيَةِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ إنّمَا هُوَ هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهَكَذَا وَقَعَ نَسَبُهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَكَانَ أَبُوهُ عَمْرٌو أَخَا نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمٍ لِأُمّهِ.
وفاة أبي طالب وخديجة رضي الله عنها ما إن غادر بنو هاشم شعب أبي طالب حتى أصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفاة عمه أبي طالب - واسمه عبد مناف - وذلك في آخر السنة العاشرة من المبعث ١ ، وقد كان أبو طالب "يحوط النبي ويغضب له" ٢ و "ينصره" ٣ ، وكانت قريش تحترمه، وقد جاء زعماؤها حين حضرته الوفاة، فحرضوا أبا طالب على الاستمساك بدينه وعدم الدخول في الإسلام قائلين: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وعرض عليه رسول الله الإسلام قائلا: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. فقال أبو طالب: لولا أن تعيرني بها قريش يقولون إنما حمله عليها الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ ٥ . ١
١ فتح الباري ٧/ ١٩٤.٢ صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٩٣).٣ صحيح مسلم ١/ ١٩٥.٤ القصص ٥٦.٥ صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٥٠٦) وصحيح مسلم بشرح النووي ١/ ٢١٣ - ٢١٦. وقد لفقت بين الروايتين الصحيحتين. أما رواية ابن إسحاق التي تفيد إسلام أبي طالب ففي سنده مبهم فهي رواية ضعيفة (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٦ - ٤٧). وانظر عن تخفيف العذاب عن أبي طالب صحيح البخاري (فتح الباري ١٠/ ٥٩٢) وصحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٨٤، ٨٥.١/١٨٤ ١/١٨٤ لقد كانت أفكار الجاهلية راسخة في عقل أبي طالب، ولم يتمكن من تغييرها، فهو شيخ كبير يصعب عليه تغيير فكره وما ألفه عن آبائه، وكان أقرانه حاضرين وقت احتضاره فأثروا عليه خوفاً من شيوع خبر إسلامه وتأثير ذلك على قومه.
وأما ما نقله ابن إسحاق من أن العباس نظر إلى أبي طالب يحرك شفتيه، فقال لرسول الله: يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أسمع. فهو خبر لا يصح ١ . ١
١ سيرة ابن هشام ١/ ٤١٧ بسند ضعيف فيه مبهم فضلاً عن مخالفته لما في الصحيحين. مع أن العباس لم يكن قد أسلم آنذاك، فلا يصح أداؤه، وكان يسأل رسول الله: هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فلو عنده علم بإسلامه لما تساءل (فتح الباري ٧/ ١٩٤).وعلى أية حال فإن موته أفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنداً كبيراً، فلم يعد بنو هاشم مستعدين بعده لتقديم نفس القدر من الحماية لما يصيبهم من أضرار مادية ونفسيه كما تبين من حادثة المقاطعة ١ .
١ صالح العلي: محاضرات ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦.وقد تجلى ذلك في رحلة النبي إلى الطائف طلباً للنصرة ثم استمراره في طلب النصرة من القبائل الأخرى بعد إخفاق محاولة الطائف.
١/١٨٥ ١/١٨٥ وقد وعد رسول الله أبا طالب بأن يستغفر له الله مالم ينه عن ذلك، فنهاه الله تعالى بعد حين من أواخر العهد المدني عن الاستغفار للمشركين ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١ .
١ صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٩٣، ٨/ ٣٤١ حديث رقم ٤٦٧٥ وأخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٥٤ وأحمد في مسنده كما في الفتح الرباني ١٨/ ١٦٥ وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين في أحد بالمغرفة (اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) كما في صحيح مسلم ٣/ ١٤١٧ حديث رقم ١٧٩٢ ودعا لعبد الله بن أبي بن سلول المنافق حين موته كما في صحيح البخاري (الفتح ٨/ ٣٣٣) وصحيح مسلم ٤/ ٨٦٥ ومسند أحمد (الفتح الرباني ٨/ ٥٠٦).أما خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقد توفيت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة بثلاث سنين ١ في نفس عام وفاة أبي طالب.
١ صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٢٤). وتزيد الكتب الأخرى هناوَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَنَّ أَحَدَهُمْ رُبَّمَا طَرَحَ الْأَذَى فِي بُرْمَتِهِ ﷺ إِذَا نُصِبَتْ لَهُ. قَالَ: فَكَانَ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ - كَمَا حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُرْوَةَ - يَخْرُجُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى الْعُوْدِ فَيَقِفُ بِهِ عَلَى بَابِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا بَنِي عَبْدَ مَنَافٍ، أَيُّ جِوَارٍ هَذَا؟ ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الطَّرِيقِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا اشْتَكَى أَبُو طَالِبٍ، وَبَلَغَ قُرَيْشًا ثِقَلُهُ، قَالَتْ قُرَيْشٌ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ: إِنَّ حَمْزَةَ وَعُمَرَ قَدْ أَسْلَمَا، وَقَدْ فَشَا أَمْرُ مُحَمَّدٍ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، فَانْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْيَأْخُذْ لَنَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ وَلْيُعْطِهِ مِنَّا، فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَبْتَزُّونَا أَمْرَنَا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا مَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَكَلَّمُوهُ، وَهُمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِ; عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى وَتَخَوَّفْنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ عَلِمْتَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَادْعُهُ فَخُذْ لَنَا مِنْهُ وَخُذْ لَهُ مِنَّا; لِيَكُفَّ عَنَّا، وَلِنَكُفَّ عَنْهُ، وَلِيَدَعَنَا وَدِينَنَا، وَلِنَدَعَهُ وَدِينَهُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ، فَجَاءَهُ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ، لِيُعْطُوكَ وَلِيَأْخُذُوا مِنْكَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ، كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُعْطُونِيهَا، تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ، وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ» . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: نَعَمْ وَأَبِيكَ، وَعَشْرَ كَلَمَّاتٍ. قَالَ: «تَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَتَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ» . قَالَ: فَصَفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا، إِنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ! قَالَ: ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا هَذَا الرَّجُلُ بِمُعْطِيكُمْ شَيْئًا مِمَّا تُرِيدُونَ، فَانْطَلِقُوا وَامْضُوا عَلَى دِينِ آبَائِكُمْ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللَّهِ يَا ابْنَ أَخِي، مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَطَطًا. قَالَ: فَطَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: أَيْ عَمِّ، فَأَنْتَ فَقُلْهَا، أَسْتَحِلُّ لَكَ بِهَا الشَّفَاعَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى حِرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ السُّبَّةِ عَلَيْكَ، وَعَلَى بَنِي أَبِيكَ مِنْ بَعْدِي، وَأَنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أَنِّي إِنَّمَا قُلْتُهَا جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ، لَقُلْتُهَا، لَا أَقُولُهَا إِلَّا لِأَسُرَّكَ بِهَا. قَالَ: فَلَمَّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ، نَظَرَ الْعَبَّاسُ إِلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَأَصْغَى إِلَيْهِ بِأُذُنِهِ. قَالَ: فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ التِي أَمَرْتَهُ أَنْ يَقُولَهَا. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَمْ أَسْمَعْ. قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أُولَئِكَ الرَّهْطِ: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ [ص: ٢، ١] الْآيَاتِ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي «التَّفْسِيرِ» . وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
رُوِّينَا عَنِ الدَّوْلابِيِّ، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدم الْعِجْلِيُّ، ثَنَا زُهَيْرُ بْنُ الْعَلاءِ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، وَهِيَ أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ، قَالَ: وَثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إسحق قَالَ: ثُمَّ أَنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ مَاتَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصِيبَتَانِ: هَلاكُ خَدِيجَةَ وَأَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الإِسْلامِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْكُنُ إِلَيْهَا، قَالَ: وَقَالَ زياد البكائي عن ابن إسحق: إِنَّ خَدِيجَةَ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ هَلاكُهُمَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مَضَيْنَ مِنْ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم قَبْلَ مُهَاجِرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ خَدِيجَةَ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ نَحْوَهُ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ مَاتَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ الْمَصَائِبُ بِهَلَاكِ خَدِيجَةِ وَأَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الْإِسْلَامِ، كَانَ يَسْكُنُ إِلَيْهَا قُلْتُ وَبَلَغَنِي أَنَّ مَوْتَ خَدِيجَةَ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَاللهُ أَعْلَمُ» [ (٥) ] . ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ- رَحِمَهُ اللهُ-[ (٦) ] وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ «أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الشِّعْبِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ وَأَبُو طَالِبٍ بَيْنَهُمَا خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ لَيْلَةً الْمُتَقَدِّمَةُ خَدِيجَةُ» وَهَذَا فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ غَسَّانَ قَالَ وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ فذكره.
صحيح السيرة النبوية (إبراهيم العلي) إبراهيم العلي، ت ١٤٢٥هـ
١/٨٦ ١/٨٦ فقال رسول ﷺ (أما والله! لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) فأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١ وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله ﷺ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢ ٣ .
الموسوعة في صحيح السيرة النبوية الفالوذة، ت ١٤٤٠هـ
١/٣٧٣ ١/٣٧٣ روى بسنده عن هشام عن أبيه قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بثلاث سنين. ١
وفي الصحيح عن المسيب: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، فقال: أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [التوبة: ١١٣] ونزلت إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] ١ .