نقض الصحيفة، ووفاة أبي طالب وخديجة
بعد عشرة أعوام من المبعث، وعمره ﷺ ٥٠
دخول المسلمين شعب أبي طالب
لقد حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم المكان الذي تقاسمت فيه قريش على الكفر - يعني تحالفها على مقاطعة بني هاشم - فذكر أنه خيف بني كنانة ١ ،وقد ورد الخبر مفصلاً من مرسل أبي الأسود ومرسل الزهري ٢ ، كما ورد من مرسل عروة بن الزبير ٣ ، ونظراً لأن الزهري وأبا الأسود من تلاميذ عروة، فإن ثمة احتمالاً قوياً أنهما يرويان الخبر عنه، مما يجعل المرسل ٤ لا يقوى بالتعدد لوحدة مخرجه.
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٩٢، ٨/ ١٤). قال النووي والمحصب والأبطح والبطحاء وخيف بني كنانة اسم لشيء واحد. (شرح صحيح مسلم ٩/ ٥٩).
- ٢بإسناد حسن إلى أبي الأسود والزهري (دلائل البيهقي ٢/ ٣١١ - ٣١٤ والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ٢٧ - ٣٠).
- ٣بإسناد ضعيف إليه فيه محمد بن عمرو بن خالد الحراني لم أقف له على ترجمة وابن لهيعة ضعيف (الدلائل لأبي نعيم ١/ ٣٥٧ - ٣٦٢ والدلائل للبيهقي ٢/ ٣١٤).
- ٤يعني مرسل أبي الأسود والزهري، إذ هما أقوى سنداً إليهما من مرسل عروة الذي لم يثبت عنه من طريق صحيحة.
وإذا لم تثبت رواية في تفاصيل دخول المسلمين شعب أبي طالب، فإن أصل الحادث ثابت ١ ، كما أن ذلك لا يعني عدم وقوع تفاصيل الحادث تأريخياً، فإن عروة رائد مدرسة المغازي، وهو إنما يروي عن الصحابة في الغالب. وخلاصة رواية عروة أن حصار الشعب وقع بعد فشل قريش في استعادة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، حيث أهاجها الأمر واشتد البلاء على المسلمين، وعزمت قريش أن تقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجمع بنو عبد المطلب أمرهم على أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ويحموه فيه، فدخلوا الشعب جميعاً مسلمهم وكافرهم، وأجمع المشركون أمرهم على أن لا يجالسوهم ولا يخالطوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله للقتل، وكتبوا في ذلك صحيفة فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد والجوع، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من قريش على ما حدث وأجمعوا على نقض الصحيفة، وقد أعلمهم الرسول بأنه لم يبق فيها سوى كلمات الشرك والظلم ٢ . وهكذا انتهت المقاطعة.
- ١قال ابن حجر: "ولما لم يثبت عند البخاري شيء من هذه القصة اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة لأن فيه دلالة على أصل القصة لأن الذي أورده أهل المغازي من ذلك كالشرح لقوله في الحديث "تقاسموا على الكفر". (فتح الباري ٧/ ١٩٣).
- ٢ذكر ابن هشام أنهم وجدوا الأرضة قد أكلت جميع ما في الصحيفة إلا اسم الله تعالى، وقال ابن إسحاق وموسى بن عقبة وعروة عكس ذلك أن الأرضة لم تدع اسماً لله تعالى إلا أكلته، وبقي ما فيها من الظلم والقطيعة (فتح الباري ٧/ ١٩٢). وانظر مغازي موسى بن عقبة (جمع محمد باقشيش) ١/ ١٢٦ - ١٢٧ وسيرة ابن هشام ١/ ٣٧٧.
أما رواية موسى بن عقبة فتذهب إلى أن المشركين أخرجوا بني هاشم من مكة إلى الشعب، فأمر رسول الله المسلمين أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، فيكون حصار الشعب والهجرة إلى الحبشة قد وقعا في وقت متقارب.
وقد ذكر الزهري أن عمر الرسول صلى الله عليه وسلم كان - حين الخروج من الشعب - تسعا وأربعين سنة، وكان خروجهم في السنة العاشرة، وأنهم مكثوا في الشعب سنتين ١ ، ويقال: إن رجوع من كان مهاجراً بالحبشة إلى مكة كان بعد الخروج من الشعب ٢ . وعلى ذلك يكون حصار الشعب قد بدأ في آخر العام السابع من البعثة.
- ١وقيل كان ابتداء حصرهم في المجرم سنة سبع من المبعث قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً، وجزم موسى بن عقبة بأنها كانت ثلاث سنين (فتح الباري ٧/ ١٩٢).
- ٢المقريزي: إمتاع الأسماع ٢٦ عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب مرسلاً.
لقد دعا رسول الله على قريش فحدثت فيهم مجاعة حتى أكلوا الميتة والجلود، فجاء أبو سفيان يسأل رسول الله أن يدعوا لهم ويناشده الرحم، فقرأ الآية ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله ﴿عَائِدُونَ﴾ , وكان الرجل يرى ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه فكشف عنهم العذاب، فعادوا إلى الكفر ١ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٥١١، ٥٤٧، ٥٧١، ٥٧٢، ٥٧٣، ٥٧٤ و ٢/ ٥١٠، ٤٩٣) وصحيح مسلم بشرح النووي ١٧/ ١٤٠ - ١٤٢. والآيات من سورة الدخان ١٠ - ١٥.
وفاة أبي طالب وخديجة رضي الله عنها
ما إن غادر بنو هاشم شعب أبي طالب حتى أصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفاة عمه أبي طالب - واسمه عبد مناف - وذلك في آخر السنة العاشرة من المبعث ١ ، وقد كان أبو طالب "يحوط النبي ويغضب له" ٢ و "ينصره" ٣ ، وكانت قريش تحترمه، وقد جاء زعماؤها حين حضرته الوفاة، فحرضوا أبا طالب على الاستمساك بدينه وعدم الدخول في الإسلام قائلين: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وعرض عليه رسول الله الإسلام قائلا: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. فقال أبو طالب: لولا أن تعيرني بها قريش يقولون إنما حمله عليها الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ ٥ .
- ١فتح الباري ٧/ ١٩٤.
- ٢صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٩٣).
- ٣صحيح مسلم ١/ ١٩٥.
- ٤القصص ٥٦.
- ٥صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٥٠٦) وصحيح مسلم بشرح النووي ١/ ٢١٣ - ٢١٦. وقد لفقت بين الروايتين الصحيحتين. أما رواية ابن إسحاق التي تفيد إسلام أبي طالب ففي سنده مبهم فهي رواية ضعيفة (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٦ - ٤٧). وانظر عن تخفيف العذاب عن أبي طالب صحيح البخاري (فتح الباري ١٠/ ٥٩٢) وصحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٨٤، ٨٥.
لقد كانت أفكار الجاهلية راسخة في عقل أبي طالب، ولم يتمكن من تغييرها، فهو شيخ كبير يصعب عليه تغيير فكره وما ألفه عن آبائه، وكان أقرانه حاضرين وقت احتضاره فأثروا عليه خوفاً من شيوع خبر إسلامه وتأثير ذلك على قومه.
وأما ما نقله ابن إسحاق من أن العباس نظر إلى أبي طالب يحرك شفتيه، فقال لرسول الله: يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أسمع. فهو خبر لا يصح ١ .
- ١سيرة ابن هشام ١/ ٤١٧ بسند ضعيف فيه مبهم فضلاً عن مخالفته لما في الصحيحين. مع أن العباس لم يكن قد أسلم آنذاك، فلا يصح أداؤه، وكان يسأل رسول الله: هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فلو عنده علم بإسلامه لما تساءل (فتح الباري ٧/ ١٩٤).
وعلى أية حال فإن موته أفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنداً كبيراً، فلم يعد بنو هاشم مستعدين بعده لتقديم نفس القدر من الحماية لما يصيبهم من أضرار مادية ونفسيه كما تبين من حادثة المقاطعة ١ .
- ١صالح العلي: محاضرات ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦.
وقد تجلى ذلك في رحلة النبي إلى الطائف طلباً للنصرة ثم استمراره في طلب النصرة من القبائل الأخرى بعد إخفاق محاولة الطائف.
وقد وعد رسول الله أبا طالب بأن يستغفر له الله مالم ينه عن ذلك، فنهاه الله تعالى بعد حين من أواخر العهد المدني عن الاستغفار للمشركين ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٩٣، ٨/ ٣٤١ حديث رقم ٤٦٧٥ وأخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٥٤ وأحمد في مسنده كما في الفتح الرباني ١٨/ ١٦٥ وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين في أحد بالمغرفة (اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) كما في صحيح مسلم ٣/ ١٤١٧ حديث رقم ١٧٩٢ ودعا لعبد الله بن أبي بن سلول المنافق حين موته كما في صحيح البخاري (الفتح ٨/ ٣٣٣) وصحيح مسلم ٤/ ٨٦٥ ومسند أحمد (الفتح الرباني ٨/ ٥٠٦).
أما خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقد توفيت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة بثلاث سنين ١ في نفس عام وفاة أبي طالب.
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٢٤).
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،