السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

بدء إسلام الأنصار

تقرأ في محمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ، ٩٢ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ

الباب الأول في نسبهم

٤/١٨١٤/١٨١

قال السهيلي رحمه الله تعالى: «الأنصار جمع ناصر على غير قياس في جمع فاعل، ولكن على تقدير حذف الألف من ناصر لأنها زائدة، فالاسم على تقدير حذفها ثلاثي، والثلاثي يجمع على أفعال، وقد قالوا في نحوه صاحب وأصحاب وشاهد وأشهاد» . وفي الصحاح النصير الناصر، والجمع أنصار مثل شريف وأشراف، وجمع الناصر نصر مثل صاحب وصحب» . انتهى.

ولم يكن «الأنصار» اسما لهم في الجاهلية بل سمّاهم الله تعالى به في كتابه كما سيأتي في الباب بعده.

والأنصار حزبان: الأول: بنو الأوس، قال السهيلي: وهو لغة العطية أو العوض. زاد في الزهر: وأوس زجر للغنم والبقر، ودخول الألف واللام فيه على حدّ دخولها في التّيم جمع تيميّ، وهو من باب روميّ وروم، ومثل هذا إذا كان علما لا تدخله الألف واللام.

والثاني: بنو الخزرج، قال السهيلي: وهو في اللغة الريح الباردة، وقال بعضهم: هي الجنوب خاصة، وقال بعضهم في الزهر: الريح الشديدة. والأوس والخزرج ابنا حارثة- بحاء مهملة وثاء مثلثة- ابن ثعلبة العنقاء- بعين مهملة مفتوحة فنون ساكنة فقاف فهمزة ممدودة، لقّب به لطول عنقه- ابن عمرو مزيقياء- بميم مضمومة فزاي مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة، فقاف مكسورة فمثناة تحتية فهمزة ممدودة، لقّب عمرو بذلك لأنه كان من ملوك اليمن، وكان يلبس كل يوم حلّتين فيمزّقهما بالعشيّ ويكره أن يعود فيهما، ويأنف أن يلبسهما أحد غيره، قاله في النور والروض يمزّق كل يوم حلّة بالإفراد- ابن عامر ماء السماء- لأن قومه كانوا إذا قحطوا بثّ فيهم ماله، فكان يقوم لهم مقام ماء السماء- ابن حارثة- بحاء مهملة ومثلّثة، ويلقّب بالغطريف- بغين معجمة مكسورة فطاء مهملة ساكنة فراء مكسورة وفي آخره فاء، وهو في اللغة السّيّد وفرخ البازي- ابن امرئ القيس- ويلقّب: البطريق بباء موحدة فطاء مهملة ساكنة وفي آخره قاف- وهو القائد من قوّاد الروم وهو معرّب، والجمع بطارقة، وهو في اللغة السّمين من الطّير وغيره، وأيضا المختال في مشيه- ابن ثعلبة- ويلقّب بالبهلول بباء موحدة مضمومة وهاء ساكنة وهو في اللغة السّيّد- ابن مازن- ويلقّب: زاد السّفر- ابن الأزد- اسم الأزد «درا» بدال مكسورة فراء مهملتين فألف ممدودة- ابن الغوث- بغين معجمة مفتوحة فواو ساكنة فمثلثة ابن مالك بن زيد بن كهلان- بكاف مفتوحة فهاء ساكنة وآخره نون- ابن سبا- يمدّ فمثلثة ابن مالك بن زيد بن كهلان- بكاف مفتوحة فهاء ساكنة وآخره نون- ابن سبا- يمدّ ويقصر، ويصرف ولا يصرف واسمه عامر وقيل عبد شمس- ابن يشجب- بمثناة تحتية مفتوحة فشين معجمة ساكنة فجيم مضمومة فموحّدة، وزان ينصر، ولا ينصرف للعلمية- ابن يعرب- بعين مهملة وزان يشجب- ابن قحطان- بقاف مفتوحة فحاء ساكنة مهملتين فنون، والنسبة إليهما قحطاني على القياس، ولقبه يقطن- بمثناة تحتية فقاف فطاء مهملة وزان يعرب وسمّي بقحطان لأنه كان أول من قحط أموال الناس من ملوك العرب واسمه مهزم، ويقال إن قحطان كان أول من تكلم بالعربية وهو والد العرب المتعربة وأما إسماعيل فهو والد العرب المستعربة، وقيل قحطان أوّل من قيل له: أبيت اللعن، وعم صباحا، وذهب الزبير بن بكار إلى أن قحطان من ذرية إسماعيل عليه السلام وأنه قحطان بن الهميسع وتقدم ضبطه في النسب النبوي: ابن إسماعيل وهو ظاهر قول أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم في قصة هاجر حيث قال وهو يخاطب الأنصار: «تلك أمّكم يا بني ماء السماء» . قال الحافظ: «وهذا هو الراجح في نقدي» .

٤/١٨٢٤/١٨٢

وبسط الكلام على ذلك.

الباب الثاني في فضلهم وحبهم والوصية بهم والتجاوز عن مسيئهم والنهي عن بغضهم

٤/١٨٣٤/١٨٣

قال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٧٤] وقال الله عز وجل: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩] وقال تقدّس اسمه: وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ [الأنعام: ٨٩] .

وعن غيلان بن جرير قال: «قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمّون به أم سمّاكم الله؟ قال: بل سمّانا الله عز وجل» ، رواه البخاري والنسائي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، يرفعه: «إن الله أمدّني بأشد الناس ألسنا وأذرعا، بابني قيلة: الأوس والخزرج» ، رواه الطبراني في الكبير. وعن أبي واقد الليثي قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه آت فالتقم أذنه فتغيّر وجهه وسار الدّم في أساريره، ثم قال: «هذا رسول عامر بن الطفيل يتهدّدني فكفانيه الله بالبيتين من ولد إسماعيل با بني قيلة» ، يعني الأنصار، رواه الطبراني في الكبير والأوسط.

وعن أنس رضي الله عنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النّساء والصبيان مقبلين قال: حسبت أنه قال: من عرس فقام النبي صلى الله عليه وسلم ممثلا، فقال: «اللهم أنتم من أحب الناس إلى» ، قالها ثلاث مرات. رواه البخاري [ (١) ] .

وعنه أيضاً قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومعها صبي لها فكلّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إلى» ، مرّتين، رواه الشيخان والنسائي [ (٢) ] .

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه يرفعه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ولا يبغضهم إلا منافق فمن أحبّهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله» [ (٣) ] ، رواه الستة خلا أبو داود.

وعن أنس رضي الله عنه يرفعه: « النفاق بغض الأنصار» [ (٤) ] . رواه الشيخان والنسائي.

وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ببعض سكك المدينة فإذا بجوار يضربن بدفّين ويتغنّين ويقلن: نحن جوار من بني النجار يا حبّذا محمد من جار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم تعلم أني لأحبّكنّ» ، حديث صحيح رواه ابن ماجة، وعن سعد بن عبادة يرفعه: «إن هذا الحي من الأنصار محنة: حبّهم إيمان وبغضهم نفاق» [ (١) ] ، رواه الإمام أحمد.

٤/١٨٤٤/١٨٤

وعن أبي سعيد الخدري يرفعه: «حبّ الأنصار إيمان وبغضهم نفاق» [ (٢) ] ، رواه الإمام أحمد.

وعنه، « بالله واليوم الآخر» [ (٣) ] ، رواه الإمام أحمد.

وعنه أيضا يرفعه: «من أحبّني أحبّ الأنصار، ومن أبغضني فقد أبغض الأنصار، لا يحبّهم منافق ولا يبغضهم مؤمن، أبغضهم أبغضه الله، الناس دثار والأنصار شعار، ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار» رواه الإمام أحمد [ (٤) ] .

وعن جدة رباح بن عبد الرحمن بن حويطب يرفعه: « له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار» ، رواه الترمذي وابن ماجة دون ذكر الأنصار فيه، وقال الترمذي عن البخاري إنه قال: هذا أحسن حديث في هذا الباب.

وعن على بن سبرة عن أبيه عن جدّه يرفعه: «أيها الناس لا صلاة إلا بوضوء اسم الله عليه، ولم بي ولم يؤمن بي من لم يعرف حقّ الأنصار» ، رواه البغوي في معجمه والطبراني في الأوسط.

وعن الحارث بن زياد يرفعه: « ومن أبغض الأنصار أبغضه الله» رواه الإمام أحمد [ (٥) ] .

وعنه أيضا يرفعه: «والذي نفسي بيده لا يحب رجل الأنصار الله وهو يحبه، ولا يبغض رجل الأنصار حتى يلقى الله إلا لقي الله وهو يبغضه» ، رواه الإمام أحمد والطبراني وسنده صحيح [ (٦) ] . وعن أنس رضي الله عنه قال: افتخر الحيان من الأنصار: الأوس والخزرج، فقالت الأوس: «منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر الراهب، ومنا من اهتز له ومنا من حمته الدّبر، عاصم بن ثابت [ (٧) ] بن أبي الأقلح، ومنا خزيمة بن ثابت. فقال الخزرجيون: منا أربعة نفر جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجمعه غيرهم: زيد بن ثابت، وأبو زيد، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل» ، حديث رواه أبو يعلى والبزار، والطبراني في الكبير، وفي الصحيح منه الذين جمعوا القرآن.

٤/١٨٥٤/١٨٥

وعن وأبي هريرة يرفعانه: « ومن أبغض الأنصار أبغضه الله [ (١) ] » ، رواه أبو يعلى، وهو حديث حسن صحيح رواه البزار عن أبي هريرة والطبراني عن معاوية، وله طريق آخر عند الطبراني عن معاوية يرفعه: « ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم [ (٢) ] » ، حديث صحيح.

وعن أنس رضي الله عنه قال: وأعطى قريشا: «والله إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دماء قريش وغنائمنا تردّ عليهم» . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعا الأنصار، قال: فقال: «ما الذي بلغني عنكم؟» وكانوا لا يكذبون، فقالوا: «هو الذي بلغك» . قال: «أو لا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم وترجعون برسول صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم، لو سلكت الأنصار الأنصار أو شعبهم [ (٣) ] » . رواه الشيخان والنسائي، وهو عند البخاري أيضاً من حديث أبي هريرة، وفي آخره: «ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» . وعند النسائي بعد الشّعب: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار [ (٤) ] » ، فبكى الأنصار حتى اخضلّت لحاهم، وقالوا: «رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا» ، حديث صحيح رواه الإمام أحمد. وعن أبي هريرة يرفعه: «لولا الهجرة لكنت امرأ أنصاريا [ (٥) ] » ، رواه الترمذي وحسنه.

وعن أبي قتادة يرفعه: «ألا إن الناس دثار والأنصار شعار، ولو سلك الناس وسلك الأنصار شعبا لاتّبعت امرأ من الأنصار، فمن ولى من أمر الأنصار شيئا فليحسن إلى محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم، من أفزعهم فقد أفزع هذا الذي بين هذين [ (٦) ] » ، وأشار إلى نفسه، حديث صحيح رواه الإمام أحمد والطبراني، وزاد في آخره: يعني قلبه. وعن السائب بن يزيد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الفيء الذي أفاء الله تعالى بحنين من غنائم هوازن، فأحسن، فذكر الحديث وفيه: ثم قال: « الله عليكم بالإيمان وخصّكم بالكرامة وسمّاكم بأحسن الأسماء: أنصار الله وأنصار رسوله؟ ولولا الهجرة لكنت امرأ أنصاريا ولو سلك الناس واديا وسلكتم واديا لسلكت واديكم، أو لا ترضون أن يذهب الناس بالشّاء والنّعم وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم» ؟ قالوا: قد رضينا. قال: «أجيبوني فيما قلت» . قالت الأنصار: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك، ووجدتنا على شفا حفرة من النار فأيّدنا الله بك، ووجدتنا ضلّالا فهدانا الله بك، فرضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا فاصنع يا رسول الله ما شئت فأوسع الحل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت صدقتم، لو قلتم: ألم تأتنا طريدا فآويناك، ومكذّبا فصدّقناك، ومخذولا فنصرناك، وقبلنا ما ردّ الناس عليك؟ لو قلتم هذا لصدقتم» . فقالت الأنصار: «بل الله ذو الفضل علينا وعلى غيرنا» . ثم بكوا فكثر بكاؤهم وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم. رواه الطبراني في الكبير [ (١) ] .

٤/١٨٦٤/١٨٦

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعليه ملحفة متعطّفا بما على منكبيه وعليه عصابة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد أيها الناس فإن الناس يكثرون وتقلّ الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام. فمن ولي منك أمرا يضرّ فيه أحدا أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم» . رواه البخاري [ (٢) ] .

وعن أنس رضي الله عنه يرفعه: « ويقلّون فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» ، رواه البخاري [ (٣) ] .

وعن أنس أيضا، مرّ أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ قالوا، ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلّم منا، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك. قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم برد، قال فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم [ (٤) ] » ، رواه الشيخان والنسائي والترمذي.

وعن أسيد بن حضير يرفعه: « يكثرون وهم يقلون، فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم [ (١) ] » ، حديث صحيح رواه الطبراني في الكبير.

٤/١٨٧٤/١٨٧

وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما، يرفعه: «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» ، يعني الأنصار، رواه البزّار والطبراني وهو حديث حسن.

وعن أبي سعيد يرفعه: « إليها أهل بيتي وإن كرشي الأنصار فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم [ (٢) ] » ، حديث صحيح حسن رواه الترمذي.

وعن كعب بن مالك عن رجل من الصحابة قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه واستغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد ثم قال: « وإن الأنصار لا يزيدون، وإن الأنصار عيبتي التي آوى إليها، أكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم، وإنهم قد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم» ، رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن زيد بن عاصم في ذكر قسم غنائم هوازن في المؤلّفة قلوبهم، وفي آخره: « حتى تلقوني على الحوض [ (٣) ] » ، رواه الشيخان.

وعن أبي طلحة يرفعه: « علمت أعفّة صبر» ، حديث حسن صحيح، رواه الترمذي والبزّار.

وعن عائشة رضي الله عنها ترفعه: « بيتين من الأنصار أو نزلت بين أبويها» ، رواه الإمام أحمد، والبزّار.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: «أسلمت الملائكة طوعا، وأسلمت الأنصار طوعا وأسلمت عبد القيس طوعا» حديث حسن رواه الطبراني في الأوسط [ (٤) ] .

وعن أنس رضي الله عنه يرفعه: «ألا إن لكل نبي تركة وضيعة، وإن تركتي وضيعتي الأنصار فاحفظوني فيهم» [ (٥) ] ، رواه الطبراني في الأوسط.

وعنه يرفعه: «الأنصار أحبّائي، وفي الدين إخواني وعلى الأعداء أعواني [ (٦) ] » ، غريب رواه الديلمي في مسند الفردوس.

تنبيه في غريب ما سبق «ألسنا» جمع لسان.

«قيلة» بفتح القاف وسكون المثناة التحتية، أم الأوس والخزرج.

٤/١٨٨٤/١٨٨

«التقم أذنه» أي سارّه بشيء.

«الأسارير» : خطوط الجبهة واحدها سرّ أو سرر والجمع أسرار، وأسارير جمع الجمع، وفي تكملة الصغاني عن بعض أهل اللغة هي الخدّان والوجنتان ومحاسن الوجه.

وفي تكلمة الصغاني عن بعض أهل اللغة هي الخدّان والوجنتان ومحاسن الوجه.

«إزائي» بالزاي أي حذائي أي بالقرب مني.

«السّكك [ (١) ] » جمع سكّة بالكسر الزقاق.

«الدّثار [ (٢) ] » بالكسر والمثلثة ما يتدثّر به الإنسان، وهو ما يلقيه عليه من كساء وغيره فوق الشّعار.

«الشّعار» : ما ولي الجسد، سمي بذلك لأنه يلي الشّعر، المعنى أنهم الخاصة والبطانة.

«الشّعب» : بالكسر الطريق في الجبل.

«الدّبر» : بفتح الدال المهملة وسكون الموحّدة يقال لجماعة النحل والزنابير أيضا قيل وهو المراد هنا.

«الأقلح» : بالقاف والمهملة.

«قسما» : بكسر القاف أي نصيبا.

«طريدا» : أي مخرجا من بلده.

«الملحفة» : بكسر الميم الملاءة التي يلتحف بها.

«متعطّفا بها» : أي ثانيا طرفي الملحفة على كتفيه.

«دسماء» : أي سوداء.

«الكرش» : ككتف ويخفّف، والمراد هنا ما يحفظ فيه نفيس المتاع.

«العيبة [ (٣) ] » من الرجل موضع سره وأمانته.

«أثرة» : بفتح الهمزة والمثلثة الاسم من آثر يؤثر إيثارا إذا أعطى أراد أن يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء.

«أعفّة» جمع عفيف وهو من يكفّ عما لا يحل ولا يجمل.

«صبر [ (٤) ] » : بضم أوله وثانيه جمع صبير وهو هنا مقدّم القوم.

«التركة» : الشيء المتروك أي الذي تركه الميت لوارثه.

«الضّيعة» : بالفتح العقار.

الباب الثالث في بدء إسلامهم رضي الله عنهم

٤/١٨٩٤/١٨٩

قال ابن إسحق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره كلما اجتمع له ناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله تعالى وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاءهم به من الله تعالى من الهدى والرحمة، ولا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدّى له ودعاه إلى الله تعالى وعرض عليه ما عنده.

وروى ابن إسحق بسند جيد عن محمود بن لبيد قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع [مكة] - فيما ذكره ابن إسحق، وبشر فيما ذكره الزبير بن بكار- في فتية من قومه بني عبد الأشهل يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له؟» . فقالوا له: وما ذاك؟ قال: «أنا رسول الله بعثني يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وأنزل عليّ الكتاب» ، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: «أي قوم هذا والله خير مما جئتم له» . فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا. فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة. وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي عند موته إنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبّره ويسبّحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع.

وروى أبو زرعة الرازي في دلائل النبوة له بسند حسن، والحاكم وصححه عن معاذ بن رفاعة بن رافع [ (١) ] عن أبيه عن جده أنه خرج هو وابن خالته معاذ بن عفراء [ (٢) ] حتى قدما مكة [ (٣) ] ، فلما هبطا من الثّنيّة [ (١) ] ، رأى رجلا تحت شجرة. قال: وهذا قبل خروج الستة من الأنصار، فلما رأيناه قلنا نأتي هذا الرجل لنستودعه راحلتنا حتى نطوف بالبيت، فجئنا فسلّمنا عليه تسليم أهل الجاهلية، فردّ علينا تسليم أهل الإسلام، وقد سمعت بالنبي، فأنكرنا فقلنا: من أنت؟ قال: «انزلوا» فنزلنا فقلنا: أين هذا الرجل الذي يدّعي ما يدّعي ويقول ما يقول؟ قال: «أنا هو» . قلنا: أعرض علينا الإسلام، فعرض، وقال: من خلق السموات والأرض والجبال؟ » قلنا: خلقهنّ الله عز وجل. قال: «فمن خلقكم؟» قلنا: الله عز وجل. قال: «فمن عمل هذه الأصنام التي تعبدون؟» قلنا: نحن. قال: «الخالق أحق بالعبادة أو المخلوق؟» قلنا: قال: «فأنتم أحق أن تعبدوا ربكم وأنتم عملتموهنّ والله أحق أن تعبدوه من شيء عملتموه وأنا أدعوكم إلى عبادة الله عز وجل وشهادة ألّا الله، وصلة الرّحم وترك العدوان وإن غضب الناس» . فقالا: لو كان هذا الذي تدعو إليه باطلا لما كان من معالي الأمور ومحاسن الأخلاق، فأمسك راحلتنا حتى نأتي البيت. فجلس عنده معاذ بن عفراء. قال رافع: فجئت البيت فطفت وأخرجت سبعة أقداح وجعلت له بينها قدحا، فاستقبلت البيت وقلت: اللهم إن كان ما يدعو إليه محمد حقا فأخرج قدحه سبع مرات، فضربت بها سبع مرات، فصحت: «أشهد محمدا رسول الله» . فاجتمع الناس عليّ وقالوا: مجنون رجل صبأ، فقلت: بل رجل مؤمن، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فلما رآني معاذ بن عفراء قال: لقد جئت بوجه ما ذهبت به يا رافع، لقد جئت وآمنت.

٤/١٩٠٤/١٩٠

وعلّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يوسف، وسورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. ثم خرجنا راجعين إلى المدينة.

بيان غريب ما سبق

« [ (٢) ] الحلف» - بكسر الحاء وسكون اللام: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والاتفاق.

«أبو الحيسر» : بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية بعدها سين مهملة ثم راء، ذكره ابن مندة في الصحابة، وذكره الحافظ في الإصابة في الأسماء وفي الكنى في القسم الرابع فيمن ذكر في الصحابة غلطا.

«إياس بن معاذ» : ذكره ابن السّكن وابن حبان في الصحابة، وذكره البخاري في تاريخه الأوسط فيمن مات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين والأنصار.

٤/١٩١٤/١٩١

«الثّنيّة [ (١) ] » : كل عقبة مسلوكة.

«الأقداح» : جمع قدح- بكسر القاف- وهو عود السهم إذا قوّم وإلى أن يراش فإذا ركّب فيه النّصل وريش فهو سهم، والمراد هنا السهم الذي يستقسمون به.

الباب الرابع في ذكر يوم بعاث

٤/١٩٢٤/١٩٢

قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يوم بعاث يوما قدّمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرّحوا، فقدّمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم في الإسلام» . رواه البخاري [ (١) ] .

بيان غريبه «بعاث» : بضم الموحّدة، وحكى القزّاز في الجامع فتحها وبتخفيف العين المهملة وآخره المثلثة- قال الجمهور- وقال ابن دريد: وذكر عن الخليل إعجامها ولم يسمع من غيره وإنما هو بالعين المهملة. وذكر الأزهري أن الذي صحّفه اللّيث عن الخليل. وذكر القاضي أن الأصيلي [ (٢) ] أحد رواة الصحيح رواه بالوجهين أي بالغين المعجمة والعين المهملة، وأن وجها واحدا هو الذي وقع في رواية أبي ذرّ بالغين المعجمة. ويقال أن أبا عبيدة ذكره بالمعجمة أيضا. وبعاث: مكان ويقال حصن، وقيل مزرعة عند بني قريظة على ميلين من المدينة كانت به وقعة بين الأوس والخزرج قتل فيه كثير منهم، وكان رئيس الأوس فيه.

حضير- بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية بعدها راء- والد أسيد بن حضير، وكان يقال له: حضير الكتائب، وبه قتل، وكان رئيس الخزرج يومئذ عمرو بن النعمان البياضي فقتل بها أيضا. وكان النصر فيها أولا للخزرج ثم هزم حضير فرجعوا وانتصرت الأوس وجرح حضير يومئذ فمات منهزما، وذلك قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل بأربعين سنة وقيل بأكثر. قال الحافظ: «الأول أصحّ» . وذكر أبو الفرج الأمويّ أن سبب ذلك كان من قاعدتهم أن الأصيل لا يقتل بالحليف، فقتل رجل من الأوس حليفا للخزرج، فأرادوا أن يقيدوه، فامتنعوا، فوقعت بينهما الحرب لأجل ذلك، فقتل فيها من أكابرهم من كان لا يؤمن أن يتكبّر، ويأنف أن يدخل في الإسلام حتى لا يكون تحت حكم غيره، وقد كان بقي منهم من هذا النحو عبد الله بن أبيّ بن سلول كما سيأتي بيان ذلك.

٤/١٩٣٤/١٩٣

«سرواتهم [ (١) ] » : بفتح المهملة والراء المخففة والواو، أي خيارهم، والسّروات جمع السّراة- بفتح المهملة وتخفيف الراء- والسّراة جمع السّريّ، وهو الشريف.

«جرحوا» للأكثر بضم الجيم والراء المكسورة مثقلا ومخفّفا فحاء مهملة، وعند الأصيلي بجيمين جرجوا أي اضطرب قولهم، من قول العرب جرج الخاتم إذا جال في الإصبع، وعند ابن أبي صفرة بحاء مهملة مفتوحة من الحرج: أي ضيق الصدر، وعند المستملي وعبدوس والقابسي: «وخرجوا» بفتح الخاء المعجمة والراء من الخروج، وصوّب ابن الأثير الأول وقال صاحب التقريب إنه المشهور، وصوب غيره الثالث.

الباب السابع في إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله تعالى عنهما

٤/١٩٨٤/١٩٨

روى ابن أبي الدنيا والخرائطي والبيهقي عن عبد المجيد بن أبي عيسى عن أبيه عن جده، وابن عساكر عن البخاري في تاريخه الأوسط عن شيخه أبي محمد الكوفي قالا: الليل على أبي قبيس: فإن يسلم السّعدان يصبح محمّد ... بمكّة لا يخشى خلاف المخالف فلما أصبحوا قال أبو سفيان- وفي لفظ قريش- من السّعدان؟» «أسعد بن بكر أم سعد بن هذيم؟» فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول: فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجيّين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنّيا ... على الله في الفردوس زلفة عارف فإنّ ثواب الله للطّالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات زخارف فقالت قريش: هذا سعد بن معاذ وسعد بن عبادة: قال ابن إسحاق: وحدّثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة خرج ، يريد به دار بني عبد الأسهل ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر فجلسا فيه، واجتمع إليهما رجال ممّن أسلم، وسعد بن معاذ، وأُسيد بن حضير يومئذ سيّدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارنا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة منّي حيث قد علمت كفيتك ذلك، فهو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما. قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيّد قومه فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلّمه. قال: فوقف عليهما متشتّما، قال: ما جاء بكما إلينا تسفّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كفّ عنك ما تكره؟ فقال: أنصفت. ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن. فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهّله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطّهّر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلّي. فقام فاغتسل وطهّر ثوبيه وتشهّد بشهادة الحق، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتّبعكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن: سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.

٤/١٩٩٤/١٩٩

فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدّثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك. قال: فقام سعد مغضبا مبادرا تخوّفا للذي ذكر له من أمر بني حارثة. فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئاً. ثم خرج إليهما، فلما رآهما مطمئنّين عرف سعد أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما. فوقف عليهما متشتّما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة أما والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا منّي، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب: جاءك والله سيّد من وراءه من قومه إن يتبعك لا يتخلّف عنك منهم اثنان. قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره. قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن.

قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهّله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطّهّر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلّي ركعتين. ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.

فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فو الله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة، حاشا الأصيرم وهو عمرو بن ثابت بن وقش فإنه تأخر إسلامه إلى فأسلم واستشهد ولم يسجد لله سجدة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة. قال ابن إسحاق: ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ومسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت واسمه صيفيّ. وكان شاعرا لهم قائدا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى وأحد .

٤/٢٠٠٤/٢٠٠

قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي [ (١) ] : كان أبو قيس هذا قد ترهّب في الجاهلية ولبس المسوح وفارق الأوثان واغتسل من الجنابة، وتطهّر من الحائض من النساء، وهمّ بالنّصرانية ثم أمسك عنها ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا لا يدخل عليه فيه حائض ولا جنب، وقال: أعبد إله إبراهيم حين فارق الأوثان وكرهها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه وهو شيخ كبير، وكان قوّالا بالحق معظّما لله في الجاهلية وله في ذلك أشعار حسان.

بيان غريب ما سبق «الحائط» : البستان.

«لا أبالك» : هذا أكثر ما يستعمل في المدح أي، لا كافي لك غير نفسك، وقد يذكر في معرض الذّمّ كما يقال: لا أمّ لك، وقد يذكر في معرض التّعجّب ودفعا للعين كقولهم: لله درّك، وقد تكون بمعنى «جدّ في أمرك وشمّر» ، لأن من له أب اتّكل عليه في بعض شأنه، وقد تحذف اللام فيقال: «لا أباك» .

«دارينا» : هو تثنية دار، والدار هي القبيلة والعشيرة المجتمعة في المحلّة فتسمى المحلّة دارا.

«النّادي» : متحدّث القوم.

«ليخفروك» [ (٢) ] : بضم أوله وكسر الفاء رباعيا أي لينقضوا عهدك، يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه. «الغطارف» [ (٣) ] : جمع غطريف بكسر الغين المعجمة: السّيّد.

«متشتّما» : من الشّتم وهو السّبّ.

الباب التاسع في إسلام عمرو بن الجموح بفتح الجيم وبالحاء المهملة رضي الله تعالى عنه

٤/٢٢٢٤/٢٢٢

قال ابن إسحاق وغيره: لما قدم النّفر الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أظهروا الإسلام بالمدينة، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشّرك، منهم عمرو بن الجموح [بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة السّلمي من بني جشم بن الخزرج] ، وكان ابنه معاذ بن عمرو شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها. وكان عمرو [بن الجموح] سيّدا من سادات بني سلمة [وشريفا من أشرافهم] ، وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب يعظّمه يقال له: مناة [كما كانت الأشراف يصنعون تتخذ إلها تعظّمه وتظهره] .

فلما أسلم فتيان بني سلمة: معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو في فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة، وكانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه ويطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس، منكّسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويحكم! من عدا على آلهتنا هذه الليلة؟ قال: ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهّره وطيّبه، ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينّه. فإذا أمسى ونام عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك، [فيغدوا فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ويطهّره ويطيّبه ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك] فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطهّره وطيّبه، ثم جاء بسيفه فعلّقه عليه ثم قال له: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك. فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس. وغدا عمرو بن الجموح يلتمسه فلم يجده في مكانه، فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكّسا مقرونا بكلب ميّت. فلما رآه أبصر شأنه، وكلّمه من أسلم من قومه، فأسلم رحمه الله وحسن إسلامه. فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف [وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله تعالى الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة] : والله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن أفّ لملقاك إلها مستدن ... الآن فتّشناك عن سوء الغبن الحمد لله العليّ ذي المنن ... الواهب الرّزّاق ديّان الدّين هو الّذي أنقذني من قبل أن ... أكون في ظلمة قبر مرتهن بأحمد المهدي النّبيّ المؤتمن [ (١) ]

تنبيهان

٤/٢٢٣٤/٢٢٣

الأول: في الزهر قول عمرو: «لو كنت إلها لم تكن» فيه عيب يسمى: سناد الإشباع وهو تغيير حركة الدخيل فالضمة مع الكسرة غير معيب والفتحة مع واحد منهما معيب والمذكور في الرّجز معيب بغير شك لأنه جمع بين الفتح والضم في قوله: في قرن.

«مناة» [ (١) ] وزنه فعلة من منيت الدّم وغيره إذا صببته لأن الدماء كانت تمنى عنده أي تصبّ تقرّبا إليه.

«العذر» بفتح العين المهملة وكسر الذال المعجمة: جمع عذرة الخروء.

«القرن» [ (٢) ] بفتحتين: الحبل.

«مستدن» بفتح المثناة الفوقية والدال المهملة معناه: ذليل مستعبد ذكره في الإملاء قال في الروض: هو من السّدانة وهي خدمة البيت وتعظيمه.

«الغبن» [ (٣) ] بفتح الغين المعجمة والباء الموحدة يقال: غبن رأيه كما يقال سفه نفسه، فنصبوا لأن المعنى خسر نفسه وأوبقها وأفسد رأيه ونحو هذا.

«الدّين» . بكسر الدال المهملة: جمع دينة وهي العادة ويقال لها دين أيضا، ويجوز أن يكون أراد بالدّين الأديان أي هو ديّان أهل الأديان، ولكن جمعها على الدّين لأنها ملل ونحل والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وإلى الله ترجع الأمور.