السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

بدء إسلام الأنصار

تقرأ في أكرم العمري، ٥ نصوص في هذا الحدث الطبعة: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة السادسة ١٤١٥ هـ

الاتصال بالأنصار ودعوتهم

١/١٩٤١/١٩٤

يذكر جابر بن عبد الله الأنصاري: "مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي المواسم بمنى يقول: من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر - كذا قال - فيأتيه قومه فيقولون: أحذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام" ١ .

  1. ١مسند أحمد ٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣، ٣٣٩ - ٣٤٠ بإسناد حسن كما يقول الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٧/ ٢١٢). = = ومستدرك الحاكم ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥ وصححه وأقره الذهبي والسيرة النبوية لابن كثير ٢/ ١٩٦ وقال: "هذا إسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه".
١/١٩٥١/١٩٥

وكانت الاتصالات الأولى بالأنصار في مواسم الحج والعمرة ١ فقد "قدم سويد بن الصامت الأنصاري مكة حاجاً أو معتمراً، فتصدَّى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به فدعاه إلى الإسلام فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الذي معك؟ قال: مجلة لقمان - يعني حكمة لقمان. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها علىّ، فعرضها عليه. فقال له: إنَّ هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله تعالى علي، وهو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعاه إلى الإسلام. فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج، فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم وكان قتله يوم بعاث" ٢ . وعلى أية حال فلا توجد دلائل على قيام سويد ابن الصامت بالدعوة إلى الإسلام وسط قومه.

  1. ١أما قصة إسلام رفاعة بن رافع الزرقي ومعاذ بن عفراء بمكة قبل قدوم الستة من الأنصار فإسنادها فيه يحيى بن محمد الشجري ضعيف وكان ضريراً يتلقن (مستدرك الحاكم ٤/ ١٤٩ وللسيوطي: الخصائص الكبرى ١/ ٣٠٠).
  2. ٢سيرة ابن هشام ٢/ ٣٤ بإسناد حسن من رواية عاصم بن عمر بن قتادة ثقة (ت ١٢٠ هـ) يرويه عن أشياخ من قومه الأنصار.

وقبل يوم بعاث بيسير - وهو اليوم الذي جرت فيه وقعة بين الأوس والخزرج انتصر فيها الأوس بعد قتل الكثير من الطرفين وفيهم من أكابرهم، وذلك قبل الهجرة بخمس سنين ١ . سعى الأوس لمحالفة قريش على الخزرج الذين كانوا أكثر منهم عدداً، فقدم أبو الحيسر أنس بن رافع في وفد من بني عبد الأشهل لهذا الغرض، فسمع بهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاءهم ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن. فقال أحدهم وهو إياس بن معاذ - وكان غلاماً حدثاً -: "أي قوم! هذا والله خير مما جئتم له. فانتهره أبو الحيسر فصمت، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، ورجعوا إلى المدينة، وجرت الحرب بين الأوس والخزرج يوم بعاث، ثم مات إياس بن معاذ، وكان قومه يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلمًا، فقد استشعر الإسلام في لقائه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس ٢ .

  1. ١فتح الباري ٧/ ١١١ أرخ ابن سعد الوقعة بثلاث سنين قبل الهجرة (الطبقات ١/ ٢١٩).
  2. ٢سيرة ابن هشام ٢/ ٦٣، ٣٧ بإسناد حسن، وقال ابن حجر إنه من صحيح حديث ابن إسحاق (الإصابة ١/ ١٤٦) ومسند أحمد ٥/ ٤٢٧ من طريق ابن إسحاق أيضاً.
١/١٩٦١/١٩٦

وإذا كان الرجلان من الأوس اللذان استشعرا الإسلام لم تذكر المصادر قيامهما بالدعوة في وسط قومهما، فإن البداية المثمرة للاتصال بالأنصار كانت مع وفد من الخزرج في موسم الحج عند عقبة منى. قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن .. ١ .

  1. ١سيرة ابن هشام ٢/ ٣٧ - ٣٩ بإسناد حسن. ولم تذكر المصادر وقوع البيعة منهم، ومع ذلك فقد عدَّها بيعة من ذكر وقوع ثلاث بيعات عند عقبة منى وهم ابن عبد البر (الدرر٦٧) وابن سيد الناس (عيون الأثر ١/ ١٥٦) والصالحي (٣/ ٢٦٧). أما ابن إسحاق وابن سعد والطبري فلم يعدوها بيعة.

وذكر ابن إسحاق إسلامهم وقيامهم بالدعوة في المدينة ١ ولعل استشعار الأنصار لحاجتهم إلى عقيدة تربط بينهم بعد التمزق والعداوة التي خلفتها وقعة بعاث قبل سنتين فقط من هذا اللقاء، لعل ذلك كان سبباً هيأه الله تعالى لإسلامهم، وكذلك فإن مقتل رؤسائهم في بعاث خفف من التزاحم على الزعامة والأنفة من الدخول في الإسلام خوف فقدان السلطان والزعامة وكذلك فإن الأنصار كانوا يجاورون يهود وهم أهل كتاب، فكانوا يعرفون قضايا الوحي والنبوة والبعث والجنة والنار فلا شك أن أذهانهم كانت مهيئة لفهم الإسلام أكثر من سواهم.

  1. ١المصدر السابق بدون إسناد ..