محبته
الباب الثاني في لزوم محبته صلى الله عليه وسلم
قَالَ اللَّه تَعَالَى (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقترفتموها) الآيَةَ، فَكَفى بِهذَا حصا وَتَنْبِيهًا وَدِلَالَةً
وَحُجَّةً عَلَى إلْزَامِ مَحَبَّتِهِ وَوُجُوب فرضا وَعِظَمِ خَطَرِهَا وَاسْتِحْقَاقِهِ لَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَرَّعَ تَعَالَى من كَانَ مَالُهُ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ أَحَبَّ إليْهِ مِنَ اللَّه وَرَسُولِهِ وَأوْعَدَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بأمره ثُمَّ فَسَّقَهُمْ بِتَمَامِ الآيَةِ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ من ضَلَّ وَلَمْ يَهْدِهِ اللَّه، حَدَّثَنَا أَبُو عَلَيٍّ الغَسَّانِيُّ الْحَافِظُ فِيمَا أَجَازَنِيهِ وَهُوَ مِمَّا قَرَأْتُهُ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سِرَاجُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي حدثنا أبو محمد الأصيلي حَدَّثَنَا المَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يعقوب ابن إبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزُ بْنِ صُهَيبٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ نَحْوَهُ وَعَنْ أَنَسٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وأن يحب
الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّه قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شئ إِلَّا نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَنْ يُؤْمِنَ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ) فَقَالَ عُمَرُ وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ فَقَالَ له النبي صلى الله عليه وسلم (الآنَ يَا عُمَرُ) قَالَ سَهْلٌ من لَمْ يَرَ وِلايَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الأحْوَالِ وَيَرَى نَفْسَهُ فِي مِلْكِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَذُوقُ حَلَاوَةَ سُنَّتِهِ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ
حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ) الْحَدِيثَ.
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَتَّابِ بقراءتي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَلَفٍ حَدَّثَنَا أَبُو زيد المروزي حدثنا محمد ابن يُوسُفَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أنَّ رَجُلًا أَتى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَتَى السَّاعةُ يَا رسول الله؟ قال:
مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ) قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) وَعَنْ صفوان ابن قُدَامَةَ هَاجَرْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَاوِلْنِي يَدَكَ أُبَايِعْكَ فَنَاوَلَنِي يَدَهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ قَالَ (المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) وَرَوَى هَذَا اللَّفْظَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد الله ابن مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى وَأَنَسٌ وَعَنْ أَبِي ذَرّ بِمَعْنَاهُ وَعَنْ عَلِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِ حَسَنٍ وَحُسَيْن فَقَالَ (مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَرُويَ أَنَّ رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّه لأنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي وَإِنِّي لِأَذْكُرُكَ فَمَا أَصْبِرُ حَتَّى أجئ فَأَنْظُرَ إِلَيْكَ وَإِنِّي ذَكَرْتُ مَوْتِي وَمَوْتَكَ فَعَرَفْتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ الْجَنَّةَ رُفِعْتَ مع النبين وإن دخلتها
لَا أَرَاكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أولئك رفيقا) فَدَعَا بِهِ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ * وَفِي حَدِيث آخَرَ كَانَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَطْرِفُ فَقَالَ (مَا بَالُكَ؟) قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَتَمَتَّعُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْكَ فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَفَعَكَ اللَّهُ
بِتَفْضِيلِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ * وَفِي حَدِيث أَنَسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ (مَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ)
حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ حدثنا العذري حدثنا الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا الْجُلُودِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ (مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يكونون بعدى يوم أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ) وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَتَقَدَّمَ حَدِيث عُمَرَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي مِثْلِهِ، وَعَنْ عَمْرو بن العاصِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَا كَانَ أَحَدٌ أحب إلي من رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَنْ عَبْدَةَ بِنْتِ خَالِد بن مَعْدَانَ قَالَتْ مَا كَانَ خَالِدٌ يَأْوِي إِلَى فِرَاشٍ إلَّا وَهُوَ يَذْكُرُ من شَوْقِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى أصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يُسَمِّيهِمْ وَيَقُولُ هُمْ أصْلِي وَفَصْلِي وَإِلَيْهِمْ يحنُّ قَلْبِي طَالَ شَوْقِي إِلَيْهِمْ فَعَجّلْ رَبّ قَبْضِي إِلَيْكَ حَتَّى يَغْلِبَهُ النَّوْمُ، وَرُويَ عَنْ أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عنه
أنه قال للنبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لإِسْلَامُ أَبِي طَالِبٍ كَانَ أَقَرَّ لِعَيْنِي مِنْ إِسْلَامِهِ - يعنى أباه أبا قُحَافَةَ - وَذَلِكَ أَنَّ إِسْلَامَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ أَقَرَّ لِعَيْنِكَ وَنَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لِلْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ تُسْلِمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُسْلِمَ الْخَطَّابُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَنِ ابن إِسْحَاق أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قُتِلَ أبُوها وأخُوها وَزَوْجُهَا يوم أحُدٍ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالُوا خَيْرًا هُوَ بِحَمْدِ اللَّه كَمَا تُحِبّينَ قَالَتْ أَرِنيهِ حَتَّى أنْظُرَ إليْهِ فَلَمّا رَأَتْهُ قَالَتْ كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ، وَسُئِلَ عَلِيّ بن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ كَانَ والله أَحَبَّ إِلَيْنَا من أَمْوَالِنَا وَأَوْلادِنَا وَآبَائِنَا وأُمَّهَاتِنَا وَمِنَ المَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَإِ، وَعَنْ زَيْدِ بن أسْلَمَ خَرَج عُمَرُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَيْلَةً يَحْرُسُ النَّاسَ فَرَأى مِصْبَاحًا فِي بَيْتٍ وَإذَا عَجُوزٌ تنقش صُوفًا وَتَقُولُ: عَلى مُحَمَّدٍ صَلَاةُ الأَبْرَارْ * صَلَّى عَلَيْهِ الطَّيّبُونَ الأخيار
قَدْ كُنْتَ قَوَّامًا بُكًا بالْأَسْحَارْ * يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالمَنَايَا أَطْوَارْ هَلْ تَجْمَعُنِي وَحَبِيبِي الدّارْ تَعْنِي النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس عُمَرُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَبْكِي وَفِي الْحِكَايَةِ طُولٌ * وَرُويَ أَنَّ عَبْد اللَّه بن عُمَرَ خَدِرَتْ رجْلُهُ فَقِيلَ لَهُ اذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْكَ يَزُلْ عَنْكَ فَصَاحَ يَا مُحَمَّدَاهُ فانْتَشَرَتْ، ولما احْتُضِرَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ نَادتِ امْرَأتُهُ: واحزناه فقال واضرباه غَدًا ألْقى الْأَحِبَّة مُحَمَّدًا وَحِزْبَه * وَيُرْوَى أَنَّ امْرَأةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا اكْشِفِي لِي قَبْرَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَشَفَتْهُ لَهَا فَبَكَتْ حَتَّى مَاتَتْ، ولما أَخْرجَ أَهْلُ مَكَّةَ زَيْدَ بن الدَّثِنَةِ مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانُ بن حَرْبٍ أنْشُدُكَ اللَّه يَا زَيْدُ أتُحِبُّ أَنَّ محمدا الآن عندنا مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدا الآن فِي مَكانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ وَأَنِّي جَالِسٌ فِي أهْلِي، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ مَا رَأيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا * وَعَنِ ابن عَبَّاس كَانَت المَرْأةُ إذَا أتَتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَّفَهَا بِالله مَا خَرَجَتْ من بُغْضِ زَوْجٍ
وَلَا رَغْبَةً بِأَرِضٍ عن أرض وَمَا خَرَجتْ إلَّا حُبًّا لله وَرَسُولِهِ، وَوَقَفَ ابن عُمَرَ عَلَى ابن الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا بَعْدَ قَتْلِهِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَقَالَ كُنْتَ والله مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا تُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ.
اعْلَمْ أَنَّ من أَحَبَّ شَيْئًا آثره وَآثَرَ مُوَافَقَتَهُ وَإلَّا لَمْ يَكُنْ صَادقًا فِي حُبّهِ وَكَانَ مُدَّعِيًا فالصَّادِقُ فِي حُبَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تَظْهَرُ علامة ذَلِكَ عَلَيْهِ وَأوَّلُهّا: الاقْتِدَاءُ بِهِ وَاسْتِعْمَالُ سُنّتِهِ وَاتّبَاعُ أقْوَالِهِ وَأفْعَالِهِ وَامْتِثَالُ أوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِهِ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ وَمَنْشَطِهِ وَمَكْرهِهِ وَشَاهِدُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتبعوني يحبكم الله) وَإِيثَارُ مَا شَرَعَهُ وَحَضَّ عَلَيْهِ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ وَمُوافَقَةِ شَهْوَتِهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَالَّذِينَ تبوؤا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خصاصة) وَإسْخَاطُ الْعِبَادِ فِي رِضَى اللَّه تَعَالَى * حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سعيد بن الْمُسَيِّبِ قَالَ أَنَسُ بن
مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ) ثُمَّ قَالَ لِي (يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أحْيَا سُنَّتِي فقد أحبني ومن أحبى كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ) فَمَنِ اتَّصَفَ بِهِذِهِ الصّفَةِ فَهُوَ كَامِلُ الْمَحَبَّةِ لله وَرسولِهِ وَمَنْ خَالَفَهَا فِي بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ فَهُوَ نَاقِصُ الْمَحَبَّةِ وَلَا يَخْرُجُ عَنِ اسْمِهَا، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي حَدُّهُ فِي الْخَمْرِ فَلَعَنَةُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ مَا أَكْثَرُ مَا يُؤْتى بِهِ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَلْعَنْهُ فَإنَّهُ يُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ) وَمِنْ عَلَامَاتِ مَحَبَّةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثْرَةُ ذِكِْرهِ لَهُ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ ذِكْرَهُ وَمِنْهَا كَثْرَةُ شَوْقِهِ إلى لِقَائِهِ فَكُلُّ حَبِيبٍ يُحِبُّ لِقَاءَ حَبِيبِه وَفِي حَدِيث الأشْعَرِيّينَ عِنْدَ قُدُومِهِمُ الْمَدِينَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْتَجِزُونَ (غدا نلق الْأَحِبَّهْ * مُحَمَّدًا وَصَحْبَهْ) وَتَقَدَّمَ قَوْلُ بِلَالٍ وَمِثْلُهُ قَالَ عَمَّارٌ قَبْلَ قَتْلِهِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ من قِصَّةِ خَالِد بن مَعْدَانَ * وَمِنْ عَلَامَاتِهِ مَعَ كثرة
ذِكْرِهِ تَعْظِيمُهُ لَهُ وَتَوْقيرُهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَإظْهَارُ الْخُشُوعِ وَالانْكِسَارِ مَعَ سَمَاعِ اسْمهِ، قَالَ إِسْحَاق التُّجِيبِيُّ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ لَا يَذْكُرُونَهُ إلَّا خَشَعُوا وَاقْشَعَرَّتْ جُلُودُهُمْ وَبَكَوْا وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ من يَفْعَلُ ذَلِكَ مَحَبَّة لَهُ وَشَوْقًا إليْهِ، وَمِنْهُمْ من يَفْعَلُهُ تَهيُّبًا وتَوْقِيرًا * وَمِنْهَا مَحَبَّتُهُ لِمَنْ أَحَبَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ هُوَ بِسَبَبهِ من آل بَيْتِهِ وَصَحَابَتِهِ من المهاجرين والأنصار وعداوة من عاداهم وَبُغْضُ من أبْغَضَهُمْ وَسَبَّهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ من يُحِبُّ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا) وَفِي رِوَايَة فِي الْحَسَنِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحَبَّ مَنْ يُحِبُّهُ) وَقَالَ (مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمِنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ وَمَنْ أبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ) وَقَالَ (اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فيحبى أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) وقال فِي فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا (إِنَّهَا بِضْعَةٌ من يغضبني ما أغضيها) وَقَالَ لِعَائِشَةَ فِي أسامة بن زيد (أحيه فَإنّي أُحِبُّهُ) ، وَقَالَ: (آيَةُ الْإِيمَان حُبُّ الْأَنْصَارِ وَآيةُ النّفَاقِ بُغْضُهُمْ) وَفِي حَدِيث ابن عُمَرَ (من أَحَبَّ الْعَرَبَ فَبِحُبِّي
أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ فَبِالْحَقِيقَةِ مَنْ أحب شيئا أحب كل
شئ يحبه) وهذه سِيرةُ السَّلَفِ حَتَّى في الْمُبَاحَاتِ وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ وَقَدْ قَالَ أَنَسٌ حِينَ رَأى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبّاءَ من حَوَالي الْقَصْعَةِ فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الدُّبَّاء من يَوْمَئِذٍ، وَهَذَا الْحَسَنُ بن عَلِيٍّ وَعَبد الله ابن عَبَّاسٍ وَابْنُ جَعْفَرِ أتَوْا سَلَمى وَسَألُوهَا أنْ تَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا مِمَّا كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ ابن عُمَرَ يَلْبَسُ النّعَال السَّبْتِيَّة وَيصْبُغُ بالصُّفْرَةِ إِذْ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ نَحْو ذَلِكَ * وَمِنْهُا بُغْضُ من أبْغَضَ اللَّه وَرَسُولهُ وَمُعَادَاةُ من عَادَاهُ وَمُجَانَبَةُ من خَالَفَ سُنَّتَهُ وَابْتَدَعَ فِي دِينِهِ وَاسْتِثْقَالُهُ كُلَّ أمر يُخَالِف شَرِيعَتَهُ قَالَ الله تعالى (لا نجد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورسوله) وَهَؤْلَاءِ أصْحَابُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَتَلُوا أحِبَّاءَهُمْ وَقَاتَلُوا آباءَهُمْ وَأبْنَاءَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ وَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه بنُ عَبْد اللَّه بن أبي: لَوْ شِئْتَ لأتَيْتُكَ بِرَأْسِهِ
يَعْنِي أبَاهُ.
وَمِنْهَا أَن يُحِبَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أتى بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَدَى بِهِ وَاهْتَدَى وَتَخَلّقَ بِهِ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ
وَحُبُّهُ لِلْقُرْآنِ تِلَاوَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَتَفَهُّمُهُ وَيُحِبُّ سُنَّتَهُ وَيَقِفُ عِنْدَ حُدُودِهَا، قَالَ سَهْلُ بن عَبْد اللَّه: عَلَامَةُ حُبّ اللَّه حُبُّ الْقُرْآنِ وَعَلَامَةُ حُبّ الْقُرْآنِ حُبُّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَامَةُ حُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبُّ السُّنَّةِ وَعَلَامَةُ حُبّ السُّنَّةِ حُبُّ الآخِرَةِ وَعَلَامَةُ حُبّ الآخِرَةِ بُغْضُ الدُّنْيَا وَعَلَامَةُ بُغْضِ الدُّنْيَا أنْ لَا يَدَّخِرَ مِنْهَا إلَّا زَادًا وَبُلْغَةً إِلَى الآخِرَةِ، وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ لَا يَسْألُ أَحَدٌ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا الْقُرْآن فإنْ كَانَ يُحِبُّ الْقُرْآنَ فَهُوَ يُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ حُبّهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفَقَتُهُ عَلَى أمَّته وَنُصْحُهُ لَهُمْ وَسَعْيُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ وَرَفْعُ الْمَضَارّ عَنْهُمْ، كَمَا كان صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُؤْمِنينَ رؤوفا رَحِيمًا.
وَمِنْ عَلَامَةِ تَمَامُ مَحَبَّتِهِ زُهْدُ مُدَّعِيهَا فِي الدُّنْيَا وَإيثَارُهُ الْفَقْر وَاتّصَافُهُ بِهِ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي: (إنَّ الْفَقْرَ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أسْرَعُ مِنَ السيْلِ مِنْ أَعْلَى لوادى أَوِ الْجَبَلِ إِلَى أَسْفَلِهِ) وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بن مُغَفَّلٍ قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي أُحِبُّكَ فَقَالَ (انْظُرْ مَا تَقُولُ) قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - قَالَ (إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا) ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حديث أبي سعيد بمعناه.
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ مَحَبَّةِ اللَّه وَمَحَبَّةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَثُرَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَتْ تَرْجِعُ بِالحَقِيقَةِ إلى اخْتِلافِ مَقَال وَلَكِنَّهَا اخْتِلَافُ أَحْوَالٍ فَقَالَ سُفْيَانُ المَحَبَّةُ اتّبَاعُ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأنَّهُ التَفَتَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتبعوني) الآية، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ اعْتِقَادُ نُصْرَتِهِ والذَّبُّ عَنْ سُنَّتِهِ والانْقِيَادُ لَهَا وَهَيْبَةُ مُخَالَفَتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ المَحَبَّةُ دَوَامُ الذِّكْرِ لِلْمَحْبُوبِ، وَقَالَ آخَرُ: إِيثَارُ المَحْبُوبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ المَحَبَّةُ الشَّوْقُ إِلَى المَحْبُوبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ المَحَبَّةُ مُوَاطَأَةُ الْقَلْبِ لِمُرَادِ الرَّبِّ يُحِبُّ مَا أحَبَّ وَيَكْرَهُ مَا كَرِهَ، وَقَالَ آخَرُ: المَحَبَّةُ مَيْلُ القَلْبِ إِلَى مُوَافِقٍ لَهُ وأكْثَرُ العِبَارَات المُتَقَدّمَةِ إشَارَةٌ إِلَى ثَمَراتِ المَحَبَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا وَحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ المَيْلُ إلى مَا يُوَافِقُ الْإِنْسَانَ وَتَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لَهُ إِمَّا لاسْتِلْذَاذِهِ بإدْرَاكِهِ كَحُبّ الصُّوَرِ الجَمِيلَةِ وَالْأَصْوَاتِ الْحَسَنَةِ وَالْأَطْعِمَةِ والأشربة الذيذة وأشْبَاهِهَا مِمَّا كُلُّ طَبْعٍ سَلِيمٍ مَائِلٌ إِلَيْهَا لِمُوَافَقتِهَا لَهُ، أَوْ لاسْتِلْذَاذِهِ بإدْرَاكِهِ بِحَاسَّةِ عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ مَعَانِيَ بَاطِنَةً شَرِيفَةً كَحُبّ الصَّالِحِينَ وَالعُلَمَاءِ وأهْلِ المَعْرُوفِ
المَأْثُورِ عَنْهُمُ السّيَرُ الجَمِيلَةُ وَالْأَفْعَالُ الحَسَنَةُ فَإنّ طَبْعَ الْإِنْسَان مَائِلٌ إِلَى الشَّغَفِ بأمْثَالِ هَؤْلَاءِ حَتَّى يَبْلُغَ التَّعَصُّبُ بِقَوْمٍ لِقَوْمٍ وَالتَّشَيُّعُ من أمَّةٍ فِي آخرِينَ مَا يُؤدّي إلى الجَلاءِ عَنِ الْأَوْطَانِ وهتك الحرم واخترام النُّفُوسِ أَوْ يَكُونَ حُبُّهُ إيّاهُ لِمُوَافَقَته لَهُ من جِهَةِ إحْسَانِهِ لَهُ وَإنْعَامِهِ عَلَيْهِ فَقَدْ جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى حُبِّ من أَحْسَنَ إِلَيْهَا، فَإِذَا تَقَرَّرَ لَكَ هَذَا نَظَرْتَ هَذِهِ الْأَسْبَابَ كُلَّهَا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلِمْتَ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
جَامِعٌ لِهذِهِ المَعَانِي الثَّلاثَةِ المُوجِبَةِ للمحبة.
أَمَّا جَمَالُ الصُّورَةِ والظّاهِرِ وكمالِ الْأَخْلَاقِ وَالبَاطِنِ فَقَدْ قَرَّرْنا مِنْهَا قَبْلُ فِيمَا مَرَّ من الكتاب مالا يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ.
وَأَمَّا إحْسَانُهُ وَإنْعَامُهُ عَلَى أمَّتِهِ فَكَذلِكَ قَدْ مَرَّ مِنْهُ فِي أوْصَافِ اللَّه تَعَالَى لَهُ من رَأْفَتِهِ بِهِمْ وَرَحْمَتِهِ لَهُمْ وَهِدَايَتِهِ إيّاهُمْ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمُ وَاسْتِنْقَاذِهِمْ بِهِ مِنَ النَّارِ وأنه بالمؤمنين رؤف رَحِيمٌ وَرَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّه بِإِذْنِهِ وَيَتْلُوا عَلَيْهِم آياتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَأيُّ إحْسَان أجَلُّ قَدْرًا وَأَعْظَمُ خَطَرًا من إحْسَانِهِ إِلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنينَ، وأيُّ إِفْضَالٍ أَعَمُّ مَنْفَعةً وَأَكْثَرُ فَائِدةً من إنْعَامِهِ عَلَى كَافَّةِ المُسْلِمِينَ؟ إِذْ كَانَ ذَرِيعَتُهُمْ إِلَى الهِدَايَةِ وَمُنِْقذُهُمْ مِنَ العَمَايَةِ وَدَاعِيَهُمْ إِلَى الفَلاحِ وَالكَرَامَةِ وَوَسيلَتَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ وَشَفيعَهُمْ وَالمُتَكَلِّمَ عَنْهُمْ وَالشَّاهِدَ لَهُمْ وَالمُوجِبَ لَهُمُ الْبَقَاءَ الدَّائِمَ وَالنَّعِيمَ السَّرْمَدَ فَقَد اسْتَبَانَ لَكَ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مُسْتَوْجِبٌ لِلْمَحَبَّةِ الحقيقة شرعا
بِمَا قَدَّمْناهُ من صَحِيحِ الآثارِ وَعَادَةً وَجِبلَّةً بِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا لإفاضَتِهِ الإحْسَانَ وَعُمُومِهِ الإجْمَالَ، فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يُحِبُّ من مَنَحَهُ فِي دُنْيَاهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ مَعْرُوفًا أَو اسْتَنْقَذَهُ من هَلَكَةٍ أَوْ مَضَرَّةٍ مُدّةَ التَّأذّي بِهَا قَلِيلٌ مُنْقَطِعٌ فَمَنْ مَنَحَهُ مَا لَا يَبِيدُ مِنَ النَّعِيمِ وَوَقَاهُ ما لا يفى من عَذَابِ الجَحِيمِ أوْلى بالحُبّ، وَإذَا كَانَ يُحبُّ بالطّبْعِ ملك لِحُسْنِ سِيرَتِهِ أو حاكم لما يؤثر من قوام طريقته أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه أَوْ كَرَمِ شِيمَتِهِ فَمَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْخِصَالَ عَلَى غَايَةِ مَرَاتِبِ الْكَمَال أَحَقُّ بِالْحُبّ وَأوْلَى بِالْمَيْلِ، وَقَدْ قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من رَآهُ
بَدِيهَةً هَابَهُ وَمنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أحَبَّهُ وَذَكَرْنا عَنْ بَعْض الصَّحَابَةِ أنَّهُ كَانَ لَا يَصْرفُ بَصَرَهُ عَنْهُ مَحَبَّةً فِيهِ.
فصل فِي وجوب مناصفته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ إِذَا كَانُوا مُخْلِصِينَ مُسْلِمِينَ فِي السّرّ والْعَلانَيَّة.
حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو الْوَلِيدِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا أَبُو بكر
لتمار حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ (إِنَّ الدِّينَ النَصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) قَالَ أئِمَّتُنَا: النَّصِيحَةُ لله ولرسوله وأئمة المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) قَالَ أئِمَّتُنَا: النَّصِيحَةُ لله ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم واجبة قال الإمام أبو سليمان البستي: النصيحة كَلِمَةٌ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةِ إرَادَةِ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ وَلَيْسَ يُمْكِنُ أن يعبر عنها بكلمة واحدة تحصرها، وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ الإخْلَاصُ من قَوْلِهِمْ نَصَحْتُ الْعَسَلَ إذَا خَلَّصْتَهُ من شَمْعِهِ وَقَالَ أَبُو بكر
ابن أَبِي إِسْحَاقَ الخَفَّافُ: النصح فعل الشئ الَّذِي فِيهِ الصَّلَاحُ والملاءمة، مأخوذ مِنَ النّصَاحِ وَهُوَ الخِيطُ الَّذِي يُخَاطُ بِهِ الثو، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجَاجُ نَحْوهُ، فَنَصِيحةُ اللَّه تَعَالَى صِحَّةُ الاعتقاد له بالوحدانية وَوَصْفُهُ بِمَا هُوَ أهْلُهُ وَتَنْزِيهُهُ عَمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَالرَّغْبَةُ فِي مَحَابّه وَالْبُعْدُ من مَسَاخِطِهِ وَالإخْلَاصُ فِي عِبَادَتِهِ والنصحية لِكِتَابِهِ: الْإِيمَانُ بِهِ والعمل
بِمَا فِيهِ وَتَحْسِينُ تلاوته والتخسع عنده وتعظم لَهُ وَتَفَهُّمُهُ وَالتَّفَقُّهُ فِيهِ وَالذَّبُّ عَنْهُ من تَأْوِيلِ الْغَالِينَ وطعن الملحدين، والصحيحة لِرَسُولِهِ التَّصْدِيقُ بِنُبُوّتِهِ وَبَذْلُ الطّاعَةِ لَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهى عَنْهُ قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَقَالَ أبو بكر: وموازرته وَنُصْرَتُهُ وَحِمَايَتُهُ حَيًّا وَمَيّتًا، وَإِحْيَاءُ سُنّتِهِ بالطَّلَبِ وَالذَّبّ عَنْهَا وَنَشْرِهَا، وَالتَّخَلُّقُ بِأَخْلاقِهِ الكَرِيمَةِ وَآدَابِهِ الجملية، وَقَالَ أَبُو إبْرَاهِيمُ إِسْحَاقُ التُّجِيبيُّ: نَصِيحةُ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّصْدِيقُ بِمَا جاء بِهِ وَالاعْتِصَامُ بِسُنّتِهِ وَنَشْرُهَا وَالحَضُّ عَلَيْهَا وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّه وَإِلَى كِتَابِهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وإليها إلى الْعَمَلِ بِهَا، وَقَالَ أَحْمَدُ بن مُحَمَّدٍ
من مَفْرُوضَاتِ الْقُلُوبِ اعْتِقَادُ النَّصِيحَةِ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الآجُرّيُّ وَغَيْرُهُ النُّصْحُ لَهُ يَقْتَضِي نُصْحَيْنِ نُصْحًا فِي حَيَاتِهِ وَنُصْحًا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَفِي حَيَاتِهِ نُصْحُ أَصْحَابِهِ لَهُ بِالنَّصْرِ وَالمُحَامَاةِ عَنْهُ وَمُعَادَاةِ من عَادَاهُ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ وَبَذْلِ النُّفُوسِ وأموال دُونَهُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) الآيَةَ، وَقَالَ (وَيَنْصُرُونَ الله ورسوله) الآيَةَ، وَأَمَّا نَصِيحَةُ الْمُسْلِمينَ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فالتِزَامُ التَّوْقِيرِ وَالإجْلالِ وشِدَّةُ المَحَبَّة لَهُ وَالمُثَابَرَةُ عَلَى تعلم سنته والنفقة فِي شَرِيعَتِهِ وَمَحَبَّةُ آلِ بَيْتِهِ وأصْحَابِهِ وَمُجَانَبَةُ من رَغِبَ عَنْ سُنّتِهِ وَانْحَرَفَ عَنْهَا وَبُغْضُهُ وَالتَّحْذِيِرُ مِنْهُ وَالشَّفَقَةُ عَلَى أُمَّتِهِ وَالْبَحْثُ عَنْ تَعَرُّفِ أَخْلَاقِهِ وَسِيَرِهِ وَآدَابِهِ وَالصّبْرُ عَلَى ذَلِكَ: فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ تَكُونُ النَّصِيحَةُ إحْدَى ثَمْراتِ المَحَبَّةِ وَعَلَامَةً من عَلَامَاتِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَحَكى (قوله التجيبى) بضم المثناة الفوقانية وفتحها وكسر الجيم (٣ - ٢) (*)
الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ أَنَّ عَمْرو بن اللَّيْثِ أَحَد مُلُوكِ خُرَاسَانَ وَمَشَاهِيرِ الثُّوَّارِ المَعْرُوفَ بِالصَّفّارِ رؤى فِي النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّه بك؟ فَقَالَ غَفَرَ لِي، فَقِيلَ بِمَاذَا؟ قَالَ صَعِدْتُ ذِرْوَةَ جَبَلٍ يَوْما فَأشْرَفْتُ عَلَى جُنُودِي فأعجبتى كَثْرَتُهُمْ فَتَمَنَّيْتُ أَنّي حَضَرْتُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأعْنتُهُ وَنَصْرتُهُ فَشَكَرَ اللَّه لِي ذَلِكَ وَغَفَرَ لِي * وما النُّصْحُ لْأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ فَطَاعَتُهُمْ فِي الْحَقّ وَمَعُونَتُهُمْ فِيهِ وَأمْرُهُمْ بِهِ وَتَذْكِيرُهُمْ إيّاهُ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى مَا غَفَلُوا عَنْهُ وَكُتِمَ عَنْهُمْ من أُمُور المُسْلِمينَ وَتَرْكُ الخُرُوجِ عَلَيْهِمُ وَتَضْرِيبِ النَّاسِ وَإفْسَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِمُ والصح لِعَامَّةِ المُسْلِمينَ إرْشَادُهُمْ إِلَى مَصَالِحِهمْ وَمَعُونَتُهُمْ فِي أمْرِ دِينِهِمْ
وَدُنْيَاهُمْ بِالْقَوْلِ وَالفِعْلِ وَتَنْبِيهُ غَافِلهِمْ وَتَبْصِيرُ جَاهِلِهمْ وَرَفْدُ مُحْتَاجِهِمْ وَسَتْرُ عَوْرَاتِهِمْ وَدَفْعُ المضار عنهم وجل المَنَافِعِ إِلَيْهِمْ
في علامة محبته صلى الله عليه وسلم
اعْلَمْ أَنَّ من أَحَبَّ شَيْئًا آثره وَآثَرَ مُوَافَقَتَهُ وَإلَّا لَمْ يَكُنْ صَادقًا فِي حُبّهِ وَكَانَ مُدَّعِيًا فالصَّادِقُ فِي حُبَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تَظْهَرُ علامة ذَلِكَ عَلَيْهِ وَأوَّلُهّا: الاقْتِدَاءُ بِهِ وَاسْتِعْمَالُ سُنّتِهِ وَاتّبَاعُ أقْوَالِهِ وَأفْعَالِهِ وَامْتِثَالُ أوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِهِ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ وَمَنْشَطِهِ وَمَكْرهِهِ وَشَاهِدُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتبعوني يحبكم الله) وَإِيثَارُ مَا شَرَعَهُ وَحَضَّ عَلَيْهِ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ وَمُوافَقَةِ شَهْوَتِهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَالَّذِينَ تبوؤا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خصاصة) وَإسْخَاطُ الْعِبَادِ فِي رِضَى اللَّه تَعَالَى * حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سعيد بن الْمُسَيِّبِ قَالَ أَنَسُ بن
مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ) ثُمَّ قَالَ لِي (يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أحْيَا سُنَّتِي فقد أحبني ومن أحبى كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ) فَمَنِ اتَّصَفَ بِهِذِهِ الصّفَةِ فَهُوَ كَامِلُ الْمَحَبَّةِ لله وَرسولِهِ وَمَنْ خَالَفَهَا فِي بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ فَهُوَ نَاقِصُ الْمَحَبَّةِ وَلَا يَخْرُجُ عَنِ اسْمِهَا، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي حَدُّهُ فِي الْخَمْرِ فَلَعَنَةُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ مَا أَكْثَرُ مَا يُؤْتى بِهِ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَلْعَنْهُ فَإنَّهُ يُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ) وَمِنْ عَلَامَاتِ مَحَبَّةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثْرَةُ ذِكِْرهِ لَهُ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ ذِكْرَهُ وَمِنْهَا كَثْرَةُ شَوْقِهِ إلى لِقَائِهِ فَكُلُّ حَبِيبٍ يُحِبُّ لِقَاءَ حَبِيبِه وَفِي حَدِيث الأشْعَرِيّينَ عِنْدَ قُدُومِهِمُ الْمَدِينَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْتَجِزُونَ (غدا نلق الْأَحِبَّهْ * مُحَمَّدًا وَصَحْبَهْ) وَتَقَدَّمَ قَوْلُ بِلَالٍ وَمِثْلُهُ قَالَ عَمَّارٌ قَبْلَ قَتْلِهِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ من قِصَّةِ خَالِد بن مَعْدَانَ * وَمِنْ عَلَامَاتِهِ مَعَ كثرة
ذِكْرِهِ تَعْظِيمُهُ لَهُ وَتَوْقيرُهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَإظْهَارُ الْخُشُوعِ وَالانْكِسَارِ مَعَ سَمَاعِ اسْمهِ، قَالَ إِسْحَاق التُّجِيبِيُّ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ لَا يَذْكُرُونَهُ إلَّا خَشَعُوا وَاقْشَعَرَّتْ جُلُودُهُمْ وَبَكَوْا وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ من يَفْعَلُ ذَلِكَ مَحَبَّة لَهُ وَشَوْقًا إليْهِ، وَمِنْهُمْ من يَفْعَلُهُ تَهيُّبًا وتَوْقِيرًا * وَمِنْهَا مَحَبَّتُهُ لِمَنْ أَحَبَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ هُوَ بِسَبَبهِ من آل بَيْتِهِ وَصَحَابَتِهِ من المهاجرين والأنصار وعداوة من عاداهم وَبُغْضُ من أبْغَضَهُمْ وَسَبَّهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ من يُحِبُّ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا) وَفِي رِوَايَة فِي الْحَسَنِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحَبَّ مَنْ يُحِبُّهُ) وَقَالَ (مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمِنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ وَمَنْ أبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ) وَقَالَ (اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فيحبى أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) وقال فِي فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا (إِنَّهَا بِضْعَةٌ من يغضبني ما أغضيها) وَقَالَ لِعَائِشَةَ فِي أسامة بن زيد (أحيه فَإنّي أُحِبُّهُ) ، وَقَالَ: (آيَةُ الْإِيمَان حُبُّ الْأَنْصَارِ وَآيةُ النّفَاقِ بُغْضُهُمْ) وَفِي حَدِيث ابن عُمَرَ (من أَحَبَّ الْعَرَبَ فَبِحُبِّي
أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ فَبِالْحَقِيقَةِ مَنْ أحب شيئا أحب كل
شئ يحبه) وهذه سِيرةُ السَّلَفِ حَتَّى في الْمُبَاحَاتِ وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ وَقَدْ قَالَ أَنَسٌ حِينَ رَأى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبّاءَ من حَوَالي الْقَصْعَةِ فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الدُّبَّاء من يَوْمَئِذٍ، وَهَذَا الْحَسَنُ بن عَلِيٍّ وَعَبد الله ابن عَبَّاسٍ وَابْنُ جَعْفَرِ أتَوْا سَلَمى وَسَألُوهَا أنْ تَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا مِمَّا كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ ابن عُمَرَ يَلْبَسُ النّعَال السَّبْتِيَّة وَيصْبُغُ بالصُّفْرَةِ إِذْ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ نَحْو ذَلِكَ * وَمِنْهُا بُغْضُ من أبْغَضَ اللَّه وَرَسُولهُ وَمُعَادَاةُ من عَادَاهُ وَمُجَانَبَةُ من خَالَفَ سُنَّتَهُ وَابْتَدَعَ فِي دِينِهِ وَاسْتِثْقَالُهُ كُلَّ أمر يُخَالِف شَرِيعَتَهُ قَالَ الله تعالى (لا نجد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورسوله) وَهَؤْلَاءِ أصْحَابُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَتَلُوا أحِبَّاءَهُمْ وَقَاتَلُوا آباءَهُمْ وَأبْنَاءَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ وَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه بنُ عَبْد اللَّه بن أبي: لَوْ شِئْتَ لأتَيْتُكَ بِرَأْسِهِ
يَعْنِي أبَاهُ.
وَمِنْهَا أَن يُحِبَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أتى بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَدَى بِهِ وَاهْتَدَى وَتَخَلّقَ بِهِ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ
وَحُبُّهُ لِلْقُرْآنِ تِلَاوَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَتَفَهُّمُهُ وَيُحِبُّ سُنَّتَهُ وَيَقِفُ عِنْدَ حُدُودِهَا، قَالَ سَهْلُ بن عَبْد اللَّه: عَلَامَةُ حُبّ اللَّه حُبُّ الْقُرْآنِ وَعَلَامَةُ حُبّ الْقُرْآنِ حُبُّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَامَةُ حُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبُّ السُّنَّةِ وَعَلَامَةُ حُبّ السُّنَّةِ حُبُّ الآخِرَةِ وَعَلَامَةُ حُبّ الآخِرَةِ بُغْضُ الدُّنْيَا وَعَلَامَةُ بُغْضِ الدُّنْيَا أنْ لَا يَدَّخِرَ مِنْهَا إلَّا زَادًا وَبُلْغَةً إِلَى الآخِرَةِ، وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ لَا يَسْألُ أَحَدٌ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا الْقُرْآن فإنْ كَانَ يُحِبُّ الْقُرْآنَ فَهُوَ يُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ حُبّهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفَقَتُهُ عَلَى أمَّته وَنُصْحُهُ لَهُمْ وَسَعْيُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ وَرَفْعُ الْمَضَارّ عَنْهُمْ، كَمَا كان صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُؤْمِنينَ رؤوفا رَحِيمًا.
وَمِنْ عَلَامَةِ تَمَامُ مَحَبَّتِهِ زُهْدُ مُدَّعِيهَا فِي الدُّنْيَا وَإيثَارُهُ الْفَقْر وَاتّصَافُهُ بِهِ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي: (إنَّ الْفَقْرَ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أسْرَعُ مِنَ السيْلِ مِنْ أَعْلَى لوادى أَوِ الْجَبَلِ إِلَى أَسْفَلِهِ) وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بن مُغَفَّلٍ قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي أُحِبُّكَ فَقَالَ (انْظُرْ مَا تَقُولُ) قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - قَالَ (إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا) ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حديث أبي سعيد بمعناه.