توقيره وتعظيمه
الباب الثالث في تعظيم أمره ووجوب توقيره وبره
قَالَ اللَّه تَعَالَى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وتعزروه وتوقروه) وقال (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تقدموا
بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورسوله، و: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي) الثلاث آيات وَقَالَ تَعَالَى (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بعضا) فأوجب تعالى تعذيره وَتَوْقِيرَهُ وَألْزَمَ إكْرَامَهُ وتعظيمه، وقال ابن عَبَّاس تُعَزّرُوهُ تُجِلُّوُه وَقَالَ المُبَرّدُ تُعَزّرُوهُ تُبَالغُوا فِي تَعْظِيمِهِ، وَقَالَ الْأخْفَشُ تَنْصُرُونَهُ، وقَالَ الطَّبَرِيُّ تُعِينُونَهُ، وَقُرِئَ تعززوه براءين مِنَ العِزّ، وَنَهى عَنِ التَّقَدُّمِ بين يديه بالقول وسوء الأدب بسبقه بالكلام على قول ابن عباس وغيره هو اختيار ثعلب، قال سهل ابن عبد اللَّه لا تقولوا قبل أن يقول وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا، ونهوا عن التقدم وَالتَّعَجُّلِ بِقَضَاءِ أمْرٍ قبل قضاء فِيه وَأَنْ يَفْتَاتُوا بشئ فِي ذَلِكَ من قَتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ من أمْرِ دِينِهِمْ إلَّا بأمْرِهِ وَلَا يَسْبِقُوهُ بِهِ، وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ قَوْلُهُ الحسن ومجاهد والصحاك وَالسُّدّيّ وَالثَّوْرِيّ ثُمَّ
وَعَظَهُمْ وَحَذَّرَهُمْ مُخَالَفَةَ ذَلِكَ فَقَالَ (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ اتَّقُوه يَعْنِي فِي التَّقَدُّمِ، وَقَالَ السُّلَمِيُّ اتَّقُوا اللَّه فِي إِهْمَالِ حَقِّهِ وَتَضْيِيعِ حُرْمَتِهِ إنَّهُ سَمِيعٌ لِقَوْلِكُمْ عَلِيمٌ بِفِعْلِكُمْ، ثُمَّ نَهَاهُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ وَالجَهْرِ لَهُ بِالقَوْلِ كَمَا يَجْهَرُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَقِيلَ كَمَا يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِاسْمِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكّيٌّ أَيْ لَا تُسَابِقُوهُ بِالكَلَامِ وَتُغْلِظُوا له بالخطاب ولا تنادوه باسْمِهِ نِدَاءَ بَعْضِكُمْ
لِبَعْضٍ وَلِكنْ عَظِّمُوهُ وَوَقِّرُوهُ وَنَادُوهُ بأشْرَفِ مَا يُحِبُّ أنْ يُنَادَى بِهِ: يَا رَسُولَ اللَّه يَا نَبِيَّ اللَّه، وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي الآيَة الْأُخْرى (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ وَقَالَ غَيْره لَا تحاطبوه إلَّا مُسْتَفْهِمِينَ، ثُمَّ حوفهم اللَّه تَعَالَى بِحَبْطِ أَعْمَالِهِمْ إنْ هُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهُ، قِيلَ نَزَلَت الآيَةُ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَقِيلَ فِي غَيْرِهِمْ أتَوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادُوهُ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إِلَيْنَا فَذَمَّهُمُ اللَّه تَعَالَى بالجَهْلِ وَوَصَفَهُمْ بِأنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، وَقِيلَ نَزَلَتِ الآيَةُ الْأُولَى فِي مُحَاوَرَةٍ كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بَيْنَ يَدَي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتِلَافٍ جَرَي بَيْنَهُمَا حَتَّى ارْتَفَعتْ أصْوَاتُهُمَا وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بن قَيْسِ بن شَمَّاسٍ خَطِيبِ النَّبِيّ صَلَّى الله عليه وسلم في مخافرة بَنِي تَمِيمٍ وَكَانَ فِي أُذُنَيْهِ صَمَمٌ فَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ وَخَشِيَ أَنَّ يَكُونَ حَبِطَ عَمَلُهُ ثُمَّ أتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيّ اللَّه لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أكُونَ هَلَكْتُ، نَهَانَا اللَّه أنْ نَجْهَرَ بِالْقَولِ وَأنا امْرُؤ جَهِيرُ الصَّوْتِ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا ثَابِتُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ
حَمِيدًا وَتُقْتَلَ شَهِيدًا وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟) فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَرُويَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ والله يَا رَسُولَ اللَّه لَا أُكَلّمُكَ بَعْدَهَا إلَّا كأخِي السّرَارِ وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ إذَا حَدّثَه حَدّثَه كَأخِي السّرَارِ مَا كَانَ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ فأنْزَلَ الله
تَعَالَى فِيهِمْ (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عظيم) وَقِيلَ نَزَلَتْ (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحجرات) فِي غَيْرِ بَنِي تَمِيمٍ نَادَوْهُ بِاسْمِهِ، وَرَوَى صَفْوَانُ بن عَسَّال بَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيّ أيا مُحَمَّدُ أيا مُحَمَّدُ أيا مُحَمَّدُ فَقُلْنَا لَهُ اغضُضْ من صَوْتِكَ فَإنَّكَ قَدْ نُهيتَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، وقال الله تعالى (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تقولوا راعنا) قَالَ بَعْضُ الْمُفَسّرِينَ هِيَ لُغَةٌ كَانَتْ فِي الْأَنْصَارِ نُهُوا عَنْ قَوْلِهَا تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتبْجِيلًا لَهُ لِأَنَّ مَعْنَاهَا ارْعَنَا نرعك فَنُهُوا عَنْ قَوْلِهَا إِذْ مُقْتَضَاهَا كَأنَّهُمْ لَا يَرْعَوْنَهُ إلَّا بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ بَلْ حَقُّهُ أنْ يُرْعَى عَلَى كُلّ حال وَقِيلَ كَانَت اليَهُودُ تُعَرّضُ بها للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرُّعُونَةِ فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ قَوْلِهَا قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ ومنها للتَّشَبُّهِ بهم فِي قَوْلِهَا لِمُشَارَكَةِ اللَّفْظَةِ.
وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا
فصل فِي عادة الصَّحَابَةِ فِي تعظيمه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتوقيره وإجلاله حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ وَأَبُو بَحْرٍ الأَسَدِيُّ بِسَمَاعِي عَلَيْهِمَا فِي آخَرِينَ قَالُوا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ حدثنا محمد بن
عِيسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنَّى وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالُوا حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ عَنْ عَمْرٍو قَالَ وَمَا كَانَ أحد أحب إلي من رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي مِنْهُ إِجْلَالًا له وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لأَنَّي لَمْ أَكُنْ أملأ عينى وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى أصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وهم جُلُوسٌ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِ بَصَرَهُ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ لَهُمَا، وَرَوَى أسَامَةُ بن شَرِيكٍ قَالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصْحَابُهُ حَوْلَهُ كأنما على رؤسهم الطَّيْرُ، وَفِي حَدِيث صِفَتِهِ إذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جلساؤه كأنما على رؤسهم الطَّيْرُ، وَقَالَ عروة بن مَسْعُودٍ حِينَ
وَجَّهَتْهُ قُرَيْشٌ عام القَضِيَّةِ إِلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأى من تَعْظِيم أصْحابِهِ لَهُ مَا رَأَى وَأنَّهُ لَا يَتَوَضَّأ إلا ابتدروا وضوئه وكادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا وَلَا يتخم نُخَامَةً إلَّا تَلَقَّوْهَا بِأكْفّهِمْ فَدَلكُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ وَلَا تَسْقُطُ مِنْهُ شَعَرَةٌ إِلَّا ابْتَدَرُوهَا وَإِذَا أمَرَهُمْ بِأَمْرٍ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَلَمّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنّي جئت كِسْرى فِي مُلْكِهِ وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ وَالنَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِ وَإِنَّي والله مَا رَأَيْتُ مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطُّ مِثْلُ مُحَمَّدٍ فِي أصْحَابِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ إنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظّمُهُ أصْحابُهُ مَا يعظم محمد أصْحَابُهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ أبدًا، وَعَنْ أَنَسٍ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى الله عليه وسلم والحلاق يَحْلِقُهُ وَأطَافَ بِهِ أصحابه فما يرويدن أنْ تَقَعَ شَعَرَةٌ إلَّا فِي يَد رَجُلٍ وَمِنْ هَذَا لَمّا أذِنَتْ قُريْشٌ لِعُثْمَانَ فِي الطّوَافِ بِالبَيْتِ حِينَ وَجَّهَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فِي القَضِيَّةِ أَبَى وَقَالَ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي حَدِيث طَلْحَةَ أَنَّ أصْحَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
قَالُوا لْأَعْرَابِيّ جاهِلٍ سَلْهُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ، وكانوا يَهَابُونَهُ وَيُوقّرُونَهُ، فَسَألَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ إِذْ طَلَعَ طَلْحَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(هَذَا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ، وَفِي حَدِيث قَيْلَةَ: فَلَمّا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالسًا القُرْفُصَاءَ أُرْعدْتُ مِنَ الفَرَقِ وَذَلِكَ هَيْبَةً لَهُ وَتَعظِيمًا، وَفِي حَدِيث المُغِيرَة كَانَ أصْحَابُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالْأَظَافِرِ، وَقَالَ البَرَاءُ بن عازِبٍ لَقَدْ كُنْتُ أُرِيدُ أنْ أسْألَ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وَسَلَّمَ عَنِ الْأَمْر فأؤخّرُ سِنِينَ من هَيْبَتِهِ
فصل وَاعْلَمْ أَنَّ حُرْمَةَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَتَوْقِيرَهُ وَتَعْظِيمَهُ لازِمٌ كَمَا كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وذكر حَدِيثِهِ وَسُنّتِهِ وَسَمَاعِ اسْمِهِ وَسِيرَتِهِ وَمُعَامَلَةِ آلِهِ وَعِتْرَتِهِ وَتَعْظِيمِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَصَحَابَتِهِ قَالَ أَبُو إبراهيم التّجِيبيُّ وَاجِبٌ عَلَى كُلّ مُؤْمِن مَتَى ذَكَرَهُ أَوْ ذُكِرَ عِنْدَهُ أنْ يَخْضَعَ وَيَخْشَعَ ويتوقر وَيَسْكُن من حَرَكَتِهِ وَيَأْخُذَ فِي هَيْبَتِهِ وَإجْلالِهِ بِمَا كَانَ يَأْخُذُ بِهِ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيتَأدَّبَ بِمَا أدَّبَنَا اللَّه بِهِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَهَذِهِ كَانَتْ سِيرَةُ سَلَفِنَا الصَّالِحِ وَأَئِمَّتِنَا الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَدَّثَنَا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن
الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بن بَقِيٍّ الْحَاكِمُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ فيما أجازونيه قالو أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بن عُمَرَ بن دِلْهَاثٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن فِهْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بن أَحْمَدَ بن الفَرَجِ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ اللَّهِ بن المُنْتَابِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن إِسْحَاقَ بن أَبِي إِسْرَائِيلَ حَدَّثَنَا ابن
حميد قال ناظرا أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنينَ مَالِكًا فِي مَسْجِدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لَهُ مَالِكٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِي هَذَا المَسْجِدِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَدَّبَ قَوْمًا فَقَالَ (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي) الآيَةَ، وَمَدَحَ قَوْمًا فَقَالَ (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رسول الله) الآيَةَ، وَذَمَّ قَوْمًا فَقَالَ (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ) الآيَةَ وَإِنَّ حُرْمَتَهُ مَيتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا فَاسْتَكَانَ لَهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ وَلم تَصْرفْ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ عيه السَّلَامُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَلِ اسْتَقْبِلْهُ واسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعهُ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظلموا أنفسهم) الآيَةَ وَقَالَ مَالِك - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أيُوبَ السَّخْتِيَانِي - مَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ أحَدٍ إلَّا وَأيُّوبُ أفْضَلُ مِنْهُ، قَالَ وَحَجَّ حَجَّتَيْنِ فَكُنْتُ أرْمُقُهُ وَلَا اسْمَعُ مِنْهُ غيرا أنَّهُ كَانَ إذَا ذُكِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكى حَتَّى أرْحَمَهُ فَلَمّا رَأَيْتُ مِنْهُ مَا رَأَيْتُ وَإجْلَالَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ كَتَبْتُ عَنْهُ، وَقَالَ مُصْعَبُ بن عَبْد الله
كَانَ مَالِكٌ إذَا ذُكِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ وَيَنْحَنِي حَتَّى يَصْعُبَ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقِيلَ لَهُ يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَوْ رَأيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَما أنْكَرْتُمْ عَليَّ مَا تَرَوْنَ وَلَقَدْ كُنْتُ أرَى مُحَمَّدَ بن الْمُنْكَدِرِ وَكَانَ سَيّدَ الْقُرّاءِ لَا نكاد سأله عَنْ حَدِيثٍ أبَدًا إلَّا يَبْكِي حَتَّى نَرْحَمَهُ وَلَقَدْ كُنْتُ أرَى جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ وَكَانَ كَثِيرَ الدُّعَابَةِ وَالتَّبَسُّم فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيّ صلى الله عليه وَسَلَّمَ اصْفَرَّ وَمَا رأته يُحَدَّثُ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ، وَلَقَد اخْتَلَفْتُ إليْهِ زَمَانًا فَمَا كُنْتُ أرَاهُ إلَّا عَلَى ثَلَاثِ خِصَال إِمَّا مُصَلّيًا وإما صامتا وَإِمَّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يعْنِيهِ وَكَانَ مِنَ الْعُلمَاءِ وَالْعُبّادِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وَلَقَدْ كَانَ عَبْد الرَّحْمنِ بن الْقَاسِمِ يَذْكُرُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُنْظَرُ إِلَى لَوْنِهِ كَأنَّهُ نُزِفَ مِنْهُ الدَّمُ وَقَدْ جَفَّ لِسَانُهُ فِي فَمِهِ هَيْبَةً مِنْهُ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَقَدْ كُنْتُ آتي عَامِرَ بن عَبْد اللَّه بن الزُّبَيْرِ فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكى حَتَّى لَا يَبْقَى فِي عَيْنَيْه دُمُوعٌ، وَلَقَدْ رَأيْتُ الزُّهْرِيَّ وَكَانَ من أهْنَأ النَّاسِ وَأقْرَبِهِمْ فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَأنَّهُ مَا عَرَفَكَ ولا عرفته، لقد كُنْتُ آتي صَفْوَانَ بن سُلَيْمٍ وَكَانَ مِنَ المتعبدين
المُجْتَهِدِينَ فَإِذَا ذُكِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكى فَلَا يَزَالُ يَبْكِي حَتَّى يَقُوم النَّاسُ عَنْهُ وَيَتْرُكُوهُ، وَرُويَ عَنْ قَتَادَةَ أنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الحديث أحذه العَوِيلُ وَالزَّويلُ ولما كَثُرَ عَلَى مَالِكٍ النَّاس قِيلَ لَهُ لو جَعَلْتَ مُسْتَملِيًا يُسْمِعُهُمْ، فَقَالَ قَالَ الله تعالى (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي) وَحُرْمَتُهُ حَيًّا وَمَيّتًا سَوَاء، وَكَانَ ابن سِيرِينَ رُبَّمَا يَضْحَكُ فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَشَعَ وَكَانَ عَبْد الرَّحْمنِ بن مَهْدِيّ إذَا قَرَأ حَدِيثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمَرَهُمْ بِالسُّكُوتِ وَقَالَ (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صوت النبي) وبتأول أنه
يجيب لَهُ مِنَ الإنْصَاتِ عِنْدَ قِرَاءةِ حَدِيثِهِ مَا يَجِبُ لَهُ عِنْدَ سِمَاع قَوْلِهِ
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بن مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ بن خَيْرُونَ حدَّثَنَا أَبُو بَكْر البَرْقَانِيُّ وَغَيْرُهُ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيّ بن مُبَشّرِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن سِنِان القَطَّانُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن هَارُونَ حَدَّثَنَا المَسْعُودِي عَنْ مُسْلِم البَطِينِ عَنْ عَمْرو بن مَيْمُون قَالَ اخْتَلَفْتُ إِلَى ابن
مَسْعُودٍ سَنَةً فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَّهُ حَدَّثَ يَوْمًا فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَلَاهُ كَرْبٌ حَتَّى رَأَيْتُ العَرَقَ يَتَحَدَّرُ عَنْ جَبْهَتِهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه أَوْ فَوْقَ ذَا أَوْ مَا دُونَ ذَا أَوْ مَا هُوَ قَرِيبٌ من ذا، وَفِي رِوَايَة فَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ وَفِي رِوَايَة وَقَدْ تَغَرْغَرَتْ عَيْنَاهُ وانفخت أوْدَاجُهُ: وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بن عَبْد اللَّه بن قُرَيْمٍ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي المدِينَةِ مَرَّ مالك ابن أَنَسٍ عَلَى أَبِي حازِم وَهُوَ يُحَدّثُ فَجَازَهُ وَقَالَ إنّي لَمْ أجِدْ مَوْضِعًا أجْلِسُ فِيهِ فَكَرِهْتُ أَن آخُذَ حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا قَائِم وَقَالَ مَالِكٌ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابن الْمُسَيّبِ فَسَألَهُ عَنْ حَدِيثٍ وهو مضطجع فجلس وَحَدَّثَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ وَدِدْتُ أنك لَمْ تَتَعَنَّ فَقَالَ
إنّي كَرِهْتُ أنْ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ وَأَنَا مُضْطَجِع * وَرُويَ عَنْ مُحَمَّدِ بن سِيرِينَ أنَّهُ قَدْ يَكُون يَضْحَكُ فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَشَعَ * وَقَالَ أَبُو مُصْعَب كَانَ مَالِكُ بن أَنَسٍ لَا يُحَدّثُ بِحَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ إجْلَالًا لَهُ * وَحَكَى مَالِكٌ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ بن محمد، وقال مصعب ابن عَبْد اللَّه كَان مَالِك بن أَنَس إذَا حَدَّث عَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه
وَسَلَّم تَوَضَّأ وَتَهَيَّأ وَلَبِس ثِيَابَه ثُمّ يُحَدث قَال مُصْعَب فَسُئِل عَن ذَلِك فَقَال إنَّه حَدِيث رسول الله صلى الله عليه وسلم قَال مُطَرّف كَان إذَا أتَى النَّاس مَالِكًا خَرَجَت إِلَيْهِم الْجَارِيَة فَتَقُول لَهُم يَقُول لَكُم الشَّيْخ تُرِيدُون الْحَدِيث أَو الْمَسَائِل؟ فَإن قَالُوا الْمَسَائِل خَرَج إِلَيْهِم وَإن قَالُوا الْحَدِيث دَخَل مُغْتَسَلَه واغْتَسَل وبطيب وَلَبِس ثِيَابًا جُدُدًا وَلَبِس سَاجَه وَتَعَمَّم وَوَضَع عَلَى رَأْسِه رِدَاءَه وَتُلْقَى لَه مصة فَيَخْرُج فَيَجْلِس عَلَيْهَا وَعَلَيْه الْخُشُوع وَلَا يَزَال يُبَخّر بِالعُود حَتَّى يَفْرُغ من حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قَال غَيْرِه وَلَم يَكُن يَجْلِس عَلَى تِلْك الْمِنَصَّة إلَّا إذَا حَدَّث عَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم، قَال ابن أَبِي أُوَيْس فَقِيل لِمَالِك فِي ذَلِك فَقَال أُحِبّ أن أنظم حَدِيث رَسُول اللَّه صلى الله عليه وَسَلَّم وَلَا أُحَدّث بِه إلَّا عَلَى طَهَارَة مُتَمَكّنًا، قَال وَكَان يَكْرَه أن يُحَدّث فِي الطّرِيق أَو وَهُو قَائِم أو مُسْتَعْجِل وَقَال أُحِبّ أن أُفَهّم
حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قَال ضِرار بن مُرَّة كَانُوا يَكْرَهُون أن يُحَدّثُوا عَلَى غَيْر وُضُوء وَنَحْوَه عَن قَتَادَة وكان الأعمش
إذَا حَدَّث وَهُو عَلَى غَيْر وُضُوء تَيَمَّم، قَال عَبْد اللَّه بن الْمُبَارَك كُنْت عِنْد مَالِك وَهُو يُحَدّثُنَا فَلَدَغَتْه عَقْرَب سِتّ عَشْرَة مَرَّة وَهُو يَتَغَيَّر لَوْنُه وَيَصْفَرّ وَلَا يَقْطَع حَدِيث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمّا فَرَغ مِن الْمَجْلِس وَتَفَرَّق عَنْه النَّاس قُلْت لَه يَا أَبَا عَبْد اللَّه لَقَد رَأيْت مِنْك الْيَوْم عَجَبًا قَال نَعَم إنَّمَا صَبَرْت إجْلَالًا لِحَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم.
قَال ابن مَهْدِيّ مَشَيْت يَوْمًا مَع مَالِك إِلَى الْعَقِيق فَسَألْتُه عَن حَدِيث فاتتهرنى وَقَال لِي كُنْت فِي عَيْنِي أجَلّ من أَنّ تَسْأل عَن حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَنَحْن نَمْشِي، وَسَأَلَه جَرِير ابن عَبْد الحمِيد الْقَاضِي عَن حَدِيث وَهُو قَائِم فَأمَر بِحَبْسِه، فَقِيل لَه إنَّه قَاض، قَال: الْقَاضِي أَحَقّ من أُدّب، وَذُكِر أَنّ هِشَام بن الْغَازِي
سَأل مَالِكًا عَن حَدِيث وَهُو وَاقِف فَضَرَبَه عِشْرين سَوْطًا ثُمّ أشْفَق عَلَيْه فَحَدَّثَه عِشْرِين حَدِيثًا فَقَال هِشَام وَدِدْت لَو زادني سِيَاطًا وَيَزِيدُنِي حَدِيثًا، قَال عَبْد اللَّه بن صَالِح كَان مَالِك وَاللَّيْث لَا يَكْتُبَان الْحَدِيث إلَّا وَهُمَا طَاهِرَان، وَكَان قَتَادَة يَسْتَحِبّ أن لَا يَقْرَأ أَحَادِيث
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا عَلَى وُضُوء وَلَا يُحَدّث إلَّا عَلَى طَهَارَة، وَكَان الْأَعْمَش إذَا أرَاد أن يُحَدّث وَهُو عَلَى غَيْر وُضُوء تَيَمَّم
فصل وَمِن تَوْقِيرِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَبِرّه بر آلِه وَذُرّيَّتِه وَأُمَّهَات الْمُؤْمِنين أَزْوَاجِه كَمَا حَضّ عَلَيْه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَسَلَكَه السَّلَف الصَّالِح رَضِي اللَّه عَنْهُم قَال اللَّه تَعَالَى (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) الآية: وقال تعالى (وأزواجه أمهاتهم) * أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَدْلُ مِنْ كِتَابِهِ وَكَتَبْتُ مِنْ أَصْلِهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِي الْفَرْغَانِيُّ حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْقَاسِمِ بِنْتُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْخَفَّافُ قَالَتْ حَدَّثَنِي أَبِي حديثا حَاتِمٌ هُوَ ابْنُ عُقَيْلٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ الْحِمَّانِيُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ عَنْ زَيْدٍ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَهْلَ بَيْتِي - ثَلَاثًا -) قُلْنَا لِزَيْدٍ مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ قَال آلُ عَلِيٍّ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ الْعَبَّاسِ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ به لم تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرِفَةُ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم براءة
مِنَ النَّارِ وَحُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ جَوَازٌ عَلَى الصَّرَاطِ وَالْوِلايَةُ لآلِ مُحَمَّدٍ أَمَانٌ مِنَ الْعَذَابِ قَال بَعْض الْعُلمَاء مَعْرِفَتُهُم هِي مَعْرِفَة مَكَانِهِم مِن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَإذَا عَرَفَهُم بِذَلِك عَرَف وُجُوب حَقّهم وَحُرْمَتَهُم بِسَببِه * وَعَن عُمَر بن أَبِي سَلَمَة لَمّا نَزَلَت (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البيت) الآية - وذلك فِي بَيْت أمّ سَلَمَة - دَعَا فَاطِمَة وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُم بِكِسَاء وَعَلِيّ خَلْف ظَهْرِه ثُمّ قَال اللَّهُمّ هَؤْلَاء أَهْل بَيْتِي فأذْهِب عَنْهُم الرّجْس وَطَهّرْهُم تَطْهِيرًا * وَعَن سَعْد بن أَبِي وقاص لَمّا نَزَلَت آية المُبَاهَلَة دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلِيًّا وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا وَفَاطِمَة وَقَال (اللَّهُمّ هَؤْلَاء أَهْلِي) وَقَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي عَلِيٍّ (مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ) وَقَالَ فِيهِ (لَا يُحبُّكَ إِلا مومن وَلَا يُبْغِضُكَ إِلا مُنَافِقٌ) وَقَال للْعَبَّاسِ (وَالَّذِي نفسه بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يحبك لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي، وَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) وَقَال لِلعباس (اغْدُ عَلَيَّ يَا عَمِّ مَعَ وَلَدِكَ) فَجَمَعَهُمْ وَجَلَّلَهُمْ بِمُلاءَتِهِ وَقَالَ (هَذَا عَمِّي وَصِنْوُ
أَبِي وَهَؤْلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَاسْتُرْهُمْ مِنَ النَّارِ كَسَتْرِي إِيَّاهُمْ) فَأَمَّنَتْ أُسْكُفَّةُ الْبَابِ وَحَوَائِطُ الْبَيْتِ آمِينَ آمِينَ، وَكَانَ يَأخُذ بِيَد أُسَامَة بن زيد والحسن
وَيَقُول (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا) وَقَال أَبُو بَكْر رَضِي اللَّه عَنْه ارْقُبُوا مُحَمَّدًا فِي أَهْل بَيْتِه، وَقَال أيْضًا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَقَرَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَحَبّ إِلَيّ أن أصِل من قَرَابَتِي، وَقَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حَسَنًا) وَقَال (مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ - وَأَشَارَ إِلَى حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ - وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم (مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَهَانَهُ اللَّهُ) وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم (قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا) وَقَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لِأُمّ سَلَمَة (لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَة) ومن عُقْبَة بن الْحَارِث رَأَيْت أَبَا بَكْر رَضِي اللَّه عَنْه وَجَعَل الْحَسَن عَلَى عُنُقِه وَهُو يقول: بِأَبِي شَبيه بِالنَّبِيّ * لَيْس شَبِيهًا بِعَلِي.
وَعَلِيّ رَضِي اللَّه عَنْه يَضْحَك * وَرُوي عَن عَبْد اللَّه بن حَسَن بن حُسَيْن قَال أتَيْت عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز فِي حَاجَة فَقَال لِي إذَا كَان لَك حَاجَة فَأَرْسِل إِلَيّ أَو اكْتُب فَإنّي أسْتَحْيِي مِن اللَّه أن يَرَاك عَلَى بَابِي * وعن الشعبى
قَال صَلَّى زَيْد بن ثَابت عَلَى جِنَازَة أُمّه ثُمّ قربت له بَغْلَتُه لِيَرْكَبَهَا فَجَاء ابن عَبَّاس فَأَخَذ بِرِكَابِه فَقَال زيد خَلّ عَنْه يَا ابن عَمّ رَسُول الله فقال هكذا نَفْعَل بِالْعُلمَاء فَقَبَّل زَيْد يَد ابن عَبَّاس وَقَال هكَذَا أُمِرْنَا أن نَفْعَل بِأَهْل بَيْت نَبِيّنَا، وَرَأَى ابن عُمَر مُحَمَّد بن أسَامَة بن زيد فَقَال لَيْت هَذَا عَبْدِي فَقِيل لَه هُو مُحَمَّد بن أُسَامَة، فَطَأْطَأ ابن عُمَر رَأْسَه وَنَقَر بِيَدِه الْأَرْض وَقَال لَو رَآه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لأحَبَّه، وَقَال الْأَوزَاعِيّ دَخَلَت بِنت أسَامَة بن زيد صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز وَمَعَهَا موْلى لَهَا يُمْسِك بِيَدِهَا فَقَام لَهَا عُمَر وَمَشَى إِلَيْهَا حَتَّى جَعَل يَدَيْهَا بَيْن يَدَيْه وَيَدَاه فِي ثِيَابِه وَمَشَى بِهَا حَتَّى أَجْلَسَهَا عَلَى مَجْلِسَه وَجَلَس بَيْن يَدَيْهَا وَمَا تَرَك لَهَا حَاجَة إلَّا قصاها ولما فرص عُمَر بن الْخَطَّاب لابْنِه عَبْد اللَّه فِي ثَلَاثَة آلاف وَلِأُسَامَة بن زيد فِي ثَلَاثَة آلاف وخمسمائة
قَال عَبْد اللَّه لِأَبِيه لَم فَضَّلْتَه فو الله مَا سَبَقَنِي إِلَى مَشْهَد؟ فَقَال لَه لِأَنَّ زَيْدًا كَان أَحَبّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم من أبِيك وَأُسَامة أَحَبّ إليْه منْك فَآثرْت حُبّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى حُبّي * وَبَلَغ مُعَاوِيَة أنّ كَابِس بن رَبِيعَة يُشْبِه بِرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَلَمّا دَخَل عَلَيْه من بَاب الدّار قَام عَن سَرِيرِه وَتَلَقّاه وَقَبَّل بَيْن عَيْنَيْه وَأقْطَعَه الْمرْعَاب لِشَبَهِه صُورَة رسول الله صلى الله عليه وسلم * وَرُوي أَنّ مَالِكًا رَحِمَه اللَّه لَمّا ضَرَبَه جَعْفَر بن سلميان وَنَال مِنْه مَا نَال وَحُمِل مَغْشِيًّا عَلَيْه دخل عَلَيْه النَّاس فَأفَاق فَقَال أُشْهِدُكُم أنّي جَعَلْت ضَارِبِي فِي حِلّ، فُسُئِل بَعْد ذلك فعال خِفْت أن أمُوت فَأَلْقَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَأَسْتَحيي مِنْه أن يَدْخُل بَعْض آلِه النَّار بِسَبَبِي.
وَقِيل إن المنصور أفاده من جَعْفَر فَقَال لَه أَعُوذ بِالله وَالله مَا ارْتَفَع مِنْهَا سَوْط عَن جِسْمِي إلَّا وَقَد جَعَلْتُه فِي حِلّ لِقَرَابَتِه من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو بَكْر بن عَيَّاش لَو أَتانِي أَبُو بَكْر وعمر
وَعَلِيّ لَبَدَأْت بِحَاجَة عَلِيّ قَبْلَهُمَا لِقَرَابَتِه من رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَلِأَن أخِرّ مِن السَّمَاء إِلَى الْأَرْض أَحَبّ إِلَى من أن أُقَدّمَه عَلَيْهَمَا، وَقِيل لابن عباس مَاتَت فُلَانَة - لِبَعْض أزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم - فَسَجَد فَقِيل لَه أتَسْجُد هَذِه السَّاعَة؟ فَقَال أَلَيْس قَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (إِذَا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا) ؟ وَأَي آية أعْظَم من ذَهَاب أزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم؟ وَكَان أَبُو بَكْر وعمر يَزُورَان أُمّ أيْمَن مَوْلاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَيَقُولَان كَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم يَزُورُهَا ولما وَرَدَت حَلِيمَة السَّعْدِيَّة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بَسَط لَهَا رَدَاءَه وَقَضَى حَاجَتَهَا، فَلَمّا تُوُفي وَفَدَت عَلَى أَبِي بَكْر وعمُر فَصَنَعَا بِهَا مِثْل ذَلِك.
فصل وَمِن تَوَقِيرِه وَبِرّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم تَوْقِير أصْحَابِه وَبرُّهُم وَمَعْرِفَة حَقّهِم وَالاقْتِدَاء بِهِم وَحُسْن الثَّنَاء عَلَيْهِم وَالاسْتِغْفَار لَهُم وَالْإِمْسَاك عَمَّا شَجَر بَيْنَهُم وَمُعَادَاة من عَادَاهُم وَالإضْرَاب عَن أخْبَار المُؤَرّخِين وَجَهَلَة الرُّوَاة وَضُلَّال الشّيعَة وَالمُبْتَدِعِين القَادِحَة فِي أحِد مِنْهُم وَأن يُلْتَمَس لَهُم فِيمَا نُقِل عَنْهُم من مِثْل ذَلِك فِيمَا كَان بَيْنَهُم مِن الفِتَن أحْسَن التَّأْويلات وَيُخَرَّج لَهُم أصْوَب المَخَارِج إِذ هُم أَهْل ذَلِك وَلَا يُذْكَر
أحد مِنْهُم بِسُوء وَلَا يُغْمَص عَلَيْه أمْر بل نذكر حَسَناتُهُم وَفَضَائِلُهُم وَحَمِيد سِيرَهِم وَيُسْكَت عَمَّا وَرَاء ذَلِك كَمَا قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (إذَا ذُكِر أصْحَابِي فَأَمْسِكُوا) قَال اللَّه تَعَالَى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بينهم) إِلَى آخِر السُّورَة، وَقَال (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المهاجرين والأنصار) الآية وقال تَعَالَى (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) وقال (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) الآيَةَ.
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ وَأَبُو الْفَضْلِ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رَبْعيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (اقتدا بِاللَّذِينَ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) وَقَال (أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ) وَعَن أَنَس رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (مَثْلُ أَصْحَابِي كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِهِ) وَقَال (اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذى الله ومن آذى الله يوشك أن
يَأْخُذَهُ وَقَال لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ وَقَالَ مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والملائكة والناس أجمعين، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَقَالَ إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا وَقَال فِي حَدِيث جَابِر إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَاخْتَارَ لِي مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيًّا فَجَعَلَهُمْ خَيْرَ أَصْحَابِي وَفِي أَصْحَابِي كُلِّهِمْ خَيْرٌ) وَقَال (مَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمِنْ أَبْغَضَ عُمَرَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَقَال مَالِك بن أَنَس وَغَيْرُه: مَنْ أَبْغَضَ الصَّحَابَةَ وَسَبَّهُم فَلَيْس لَه في فئ الْمُسْلِمِينَ حَقٌّ وَنَزع بِآية الحَشْر (وَالَّذِينَ جاؤا من بعدهم) الآيَة، وَقَال: من غَاظَه أصْحَاب مُحَمَّد فَهُو كَافِر قَال اللَّه تَعَالَى (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) وَقَال عَبْد اللَّه بن الْمُبَارَك: خَصْلَتَان من كَانَتَا فِيه نَجَا: الصّدْق وَحُبّ أصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم، قَال أيُّوب السَّخْتِيَانِيّ: من أحَبّ أَبَا بَكْر فَقَد أقام الدّين وَمِن أحَبّ عُمَر فَقَد أوْضَح السَّبِيل وَمِن أحَبّ عُثْمَان فَقَد اسْتَضَاء بِنُور اللَّه وَمِن أَحَبّ عَلِيًّا فَقَد أَخَذ بِالْعُرْوَة الْوُثْقَى وَمِن أَحْسَن الثَّنَاء عَلَى أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَقَد بَرِئ مِن النّفَاق وَمِن انْتَقَص أحَدًا منهم فَهُو مُبْتَدع مُخَالِف لِلسُّنَّة وَالسَّلِف الصَّالِح وأخاف أن
لَا يَصْعَد لَه عَمَل إِلَى السَّمَاء حَتَّى يُحبَّهُم جَمِيعًا وَيَكُون قَلْبُه سَلِيمًا * وَفِي حَدِيث خَالِد بن سَعِيد أَنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قَال (أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَاضٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَاعْرَفُوا لَهُ ذَلِكَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَاضٍ عَنْ عُمَرَ وَعَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ عُثْمَانَ وَطلْحَةَ والزبير وسعد سعيد وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَاعْرَفُوا لَهُمْ ذَلِكَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لأَهْلِ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةَ، أيها الناس احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي وَأَصْهَارِي وَأَخْتَانِي لَا يُطَالِبَنَّكُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَظْلِمَةٍ فَإِنَّهَا مَظْلَمَةٌ لَا تُوهَبُ فِي الْقِيَامَةِ غَدًا) وَقَال رَجُل لِلْمُعَافَى بن عِمْرَان: أَيْن عمر بن عَبْد الْعَزِيز من مُعَاوِيَة فَغَضِب وَقَال لَا يُقَاس بِأصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أحَد: مَعَاويَة صَاحِبُه وَصِهْرُه وَكَاتبُه وَأمينُه عَلَى وَحْي اللَّه، وَأتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بِجِنَازَة رَجُل فَلَم يُصلّ عَلَيْه وَقَال (كان يغض عثمانا فَأَبْغَضَهُ اللَّهُ، وَقَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي الْأَنْصَار (اعفوا عن مسيئهم وَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ) وَقَال (احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي وَأَصْهَارِي فَإِنَّهُ مَنْ حَفِظَنِي فِيهِمْ حَفِظَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْنِي فِيهِمْ تَخَلَّى اللَّهُ مِنْهُ وَمَنْ تَخَلَّى اللَّهُ مِنْهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ) وَعَنْه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (مَنْ حَفِظَنِي فِي أَصْحَابِي كُنْتُ لَهُ حَافِظًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَقَالَ (مَنْ حَفِظَنِي فِي
أَصْحَابِي وَرَدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْنِي فِي أَصْحَابِي لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الْحَوْضَ وَلَمْ يَرَنِي إِلَّا مِنْ بَعِيدٍ) قَال مَالِك رَحِمَه اللَّه هَذَا النَّبِيّ مؤدّب الْخَلْق الَّذِي هَدَانَا اللَّه بِه وَجَعَله رَحمَة لِلْعَالَمِين يَخْرُج فِي جَوْف اللَّيْل إِلَى الْبَقيع فَيَدْعُو لَهُم وَيَسْتَغْفِر كَالْمُوَدّع لَهُم وَبِذَلِك أمَرَه اللَّه وَأَمَر النبي بِحُبّهِم وَمُوَالاتِهِم وَمُعَادَاة من عَادَاهُم، وَرُوي عَن كَعْب لَيْس أحَد من أصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم إلَّا لَه شَفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة، وَطَلَب مِن الْمُغيرَة بن نَوْفَل أَن يَشْفَع لَه يَوْم الْقِيَامَة قَال سَهْل بن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ: لَم يُؤْمِن بِالرَّسُول من لَم يُوقّر أصْحَابَه وَلَم يُعِزّ أوَامِرَه
فصل وَمِن إعْظَامِه وَإِكْبَارِه إِعْظَام جَمِيع أسْبَابِه وَإكْرَام مَشَاهِدِه وَأمْكِنَتِه من مَكَّة وَالْمَدِينَة وَمَعَاهِدِه وَمَا لَمَسَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَو عُرِف بِه وَرُوي عَن صَفِيَّة بِنْت نَجْدَة قَالَت كَان لأبي مَحْذُورَة قِصَّة فِي مُقَدَّم رَأْسِه إذَا قَعَد وَأرْسَلَهَا أَصَابَت الْأَرْض فَقِيل لَه ألا تَحِْلقُهَا فَقَال لَم أكُن بالَّذِي أحْلِقُهَا وَقَد مَسَّهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بِيَدِه، وكانت قَلَنْسُوَة خَالِد بن الْوَلِيد شَعَرَات من شَعَرِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَسَقَطَت قَلَنْسُوتُه فِي بَعْض حُرُوبِه فَشَدّ عَلَيْهَا شَدَّة أنْكَر عَلَيْه أصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم كَثْرَة من قُتِل فِيهَا فَقَال لَم أَفْعَلْهَا بِسَبَب الْقَلَنْسُوَة بَل لِمَا تَضَمَّنَتْه
من شَعَرِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لِئَلَّا أُسْلَب بَرَكَتَهَا وَتَقَع فِي أيْدِي المشركين، ورؤى ابن عُمَر وَاضِعًا يَدَه عَلَى مَقْعَد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وَضَعَهَا عَلَى وَجْهِه، ولهذا كَان مَالِك رَحِمَه اللَّه لَا يَرْكَب بِالْمَدِينَة دَابَّة
وَكَان يَقُول أسْتَحْيي مِن اللَّه أن أطَأ تُرْبَة فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بِحَافِر دَابّة، وَرُوي عَنْه أنَّه وَهَب لِلشَّافِعِيّ كُرَاعًا كَثِيرًا كَان عِنْدَه فَقَال الشَّافِعِيّ أمْسِك مِنْهَا دَابَّة فَأَجَابَه بِمِثْل هَذَا الْجَوَاب وَقَد حَكَى أَبُو عَبْد الرَّحْمن السُّلَمِيّ عَن أَحْمَد بن فَضْلُوَيْه الزّاهِد وكان من العزاة الرُّمَاة أنَّه قَال: مَا مَسسْت الْقَوْس بِيَدِي إلَّا عَلَى طَهَارة مُنْذ بَلَغَنِي أَنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَخَذ الْقَوْس بِيَدِه، وَقَد أَفْتى مَالِك فِيمَن قَال تُرْبَة الْمَدِينَة رَدِيَّة يُضْرب ثَلَاثِين دِرَّة وَأَمَر بحسبه وَكَان لَه قَدْر وَقَال مَا أحْوَجَه إِلَى ضرْب عُنُقِه: تُرْبَة دُفِن فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم يَزْعُم أَنَها غَيْر طَيّبَة! وَفِي الصَّحِيح أنَّه قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي الْمَدِينَة (مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والناس أجمعين لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) وَحُكِي أَن جهْجَاهًا الغِفَاريّ أَخَذ قَضِيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم من يَد عُثْمَان رَضِي اللَّه عَنْه وَتَنَاولَه لَيكْسِرَه عَلَى رُكْبَتِه
فَصَاح بِه النَّاس فَأَخَذَتْه الأَكِلَة فِي رُكْبَتِه فَقَطَعَهَا وَمَات قَبْل الحَوْل وَقَال صَلَّى اللَّه عليه وسلم (من خلف عَلَى مِنْبَرِي كَاذِبًا فليتبوأ مقعد، مِنَ النَّارِ) وَحُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيّ لَمّا وَرَد الْمَدِينَة زَائِرًا وَقرب من بُيُوتهَا تَرَجَّل وَمَشى بَاكِيًا مُنْشِدًا
وَلَمّا رَأَيْنَا رَسْم من لَم يَدَع لَنَا * فُؤَادًا لِعِرْفَان الرُّسوم وَلَا لُبَّا نَزَلْنَا عَن الأكْوَار نَمْشِي كَرَامَة * لِمَن بان عَنْه أن نلم به رَكْبَا وَحُكِي عَن بَعْض المُريدِين أنَّه لَمّا أشْرَف عَلَى مَدِينَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أنْشَأ يَقُول مُتَمَثّلًا رُفِع الْحِجَاب لَنَا فَلَاح لِنَاظِر * قَمَر تَقَطّع دُونَه الأوْهَام وَإذَا المَطيّ بِنَا بلعن مُحَمَّدًا * فَظَهُورُهُنّ عَلَى الرَّحَال حَرَام قَرَّبْنَنَا من خَيْر من وطئ الثرى * فلها عليا حُرْمَة وَذِمَام وَحُكِي عَن بَعْض الْمَشَايخ أنه حج ماشى فَقِيل لَه فِي ذَلِك فقال الْعَبْد الأبِق يَأْتِي إِلَى بَيْت مَوْلاه رَاكِبًا لَو قَدَرْت أن أمْشي عَلَى رَأْسِي مَا مَشَيْت عَلَى قَدَمَيّ، قَال الْقَاضِي وَجَدِير لِمواطِن عُمرت بالْوَحْي وَالتَّنْزِيل وَتَرَدَّد بِهَا جِبْرِيل ومِيكَائِيل وَعَرَجَت مِنْهَا الْمَلَائِكَة وَالرُّوح وَضَجَّت عَرَصَاتُهَا بالتَّقْدِيس وَالتَّسْبِيح وَاشْتَمَلَت تُرْبَتُهَا عَلَى جَسَد سيد البشر
وَانْتَشَر عَنْهَا من دِين اللَّه وَسُنَّة رَسُولِه مَا انْتَشَر مَدَارِس آيَات وَمَسَاجِد وَصَلَوات وَمَشَاهِد الْفَضَائِل وَالْخَيْرَات وَمَعَاهِد الْبَرَاهِين وَالْمُعْجِزَات وَمَنَاسِك الدّين وَمَشَاعِر الْمُسْلِمِين وَمَوَاقِف سَيّد الْمُرْسَلِين وَمُتَبَوّأ خَاتَم النَّبِيّين حَيْث انْفَجَرَت النُّبُوَّة وَأَيْن فَاض عُبَابُهَا وَمَوَاطِن طويت فيها لرسالة وَأَوَّل أَرْض مَسّ جِلْد الْمُصْطَفى تُرَابَهَا أن نعظم عَرَصَاتُهَا وَتُتَنَسَّم نَفَحَاتُهَا
وَتُقَبَّل رُبُوعُهَا وَجُدُرَاتُهَا يَا دَار خَيْر الْمُرْسَلِين وَمَن بِه * هُدَى الْأَنَام وَخُصّ بِالآيَات عِنْدِي لِأَجْلِك لَوْعَة وَصَبَابَة * وَتَشَوُّق مُتَوَقّد الْجَمَرَات وَعَلِيّ عَهْد إن مَلأْت مَحَاجِرِي * من تِلْكُم الْجُدرَات وَالْعَرَصَات لَأُعَفّرَنّ مَصُون شَيْبِي بَيْنَهَا * من كَثْرَة التَّقْبِيل وَالرَّشَفَاتِ لَوْلَا الْعَوَادِي وَالْأَعَادِي زُرْتُهَا * أبَدًا وَلَو سَحْبا على الْوَجَنَات لَكِن سَأهْدِي من حَفِيل تَحِيَّتِي * لقطين تلك الدّار وَالْحُجُرَات أزْكَى مِن الْمِسْك الْمُفَتَّق نَفْحَة * تَغْشَاه بِالآصَال وَالْبُكُرَات وَتَخُصُّه بِزَوَاكِي الصَّلَوَاتِ * وَنَوامِي التَّسْلِيم والبركات
في عادة الصحابة في تعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره وإجلاله
تَعَالَى فِيهِمْ (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عظيم) وَقِيلَ نَزَلَتْ (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحجرات) فِي غَيْرِ بَنِي تَمِيمٍ نَادَوْهُ بِاسْمِهِ، وَرَوَى صَفْوَانُ بن عَسَّال بَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيّ أيا مُحَمَّدُ أيا مُحَمَّدُ أيا مُحَمَّدُ فَقُلْنَا لَهُ اغضُضْ من صَوْتِكَ فَإنَّكَ قَدْ نُهيتَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، وقال الله تعالى (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تقولوا راعنا) قَالَ بَعْضُ الْمُفَسّرِينَ هِيَ لُغَةٌ كَانَتْ فِي الْأَنْصَارِ نُهُوا عَنْ قَوْلِهَا تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتبْجِيلًا لَهُ لِأَنَّ مَعْنَاهَا ارْعَنَا نرعك فَنُهُوا عَنْ قَوْلِهَا إِذْ مُقْتَضَاهَا كَأنَّهُمْ لَا يَرْعَوْنَهُ إلَّا بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ بَلْ حَقُّهُ أنْ يُرْعَى عَلَى كُلّ حال وَقِيلَ كَانَت اليَهُودُ تُعَرّضُ بها للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرُّعُونَةِ فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ قَوْلِهَا قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ ومنها للتَّشَبُّهِ بهم فِي قَوْلِهَا لِمُشَارَكَةِ اللَّفْظَةِ.
وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا
فصل فِي عادة الصَّحَابَةِ فِي تعظيمه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتوقيره وإجلاله حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ وَأَبُو بَحْرٍ الأَسَدِيُّ بِسَمَاعِي عَلَيْهِمَا فِي آخَرِينَ قَالُوا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ حدثنا محمد بن
عِيسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنَّى وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالُوا حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ عَنْ عَمْرٍو قَالَ وَمَا كَانَ أحد أحب إلي من رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي مِنْهُ إِجْلَالًا له وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لأَنَّي لَمْ أَكُنْ أملأ عينى وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى أصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وهم جُلُوسٌ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِ بَصَرَهُ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ لَهُمَا، وَرَوَى أسَامَةُ بن شَرِيكٍ قَالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصْحَابُهُ حَوْلَهُ كأنما على رؤسهم الطَّيْرُ، وَفِي حَدِيث صِفَتِهِ إذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جلساؤه كأنما على رؤسهم الطَّيْرُ، وَقَالَ عروة بن مَسْعُودٍ حِينَ
وَجَّهَتْهُ قُرَيْشٌ عام القَضِيَّةِ إِلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأى من تَعْظِيم أصْحابِهِ لَهُ مَا رَأَى وَأنَّهُ لَا يَتَوَضَّأ إلا ابتدروا وضوئه وكادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا وَلَا يتخم نُخَامَةً إلَّا تَلَقَّوْهَا بِأكْفّهِمْ فَدَلكُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ وَلَا تَسْقُطُ مِنْهُ شَعَرَةٌ إِلَّا ابْتَدَرُوهَا وَإِذَا أمَرَهُمْ بِأَمْرٍ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَلَمّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنّي جئت كِسْرى فِي مُلْكِهِ وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ وَالنَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِ وَإِنَّي والله مَا رَأَيْتُ مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطُّ مِثْلُ مُحَمَّدٍ فِي أصْحَابِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ إنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظّمُهُ أصْحابُهُ مَا يعظم محمد أصْحَابُهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ أبدًا، وَعَنْ أَنَسٍ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى الله عليه وسلم والحلاق يَحْلِقُهُ وَأطَافَ بِهِ أصحابه فما يرويدن أنْ تَقَعَ شَعَرَةٌ إلَّا فِي يَد رَجُلٍ وَمِنْ هَذَا لَمّا أذِنَتْ قُريْشٌ لِعُثْمَانَ فِي الطّوَافِ بِالبَيْتِ حِينَ وَجَّهَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فِي القَضِيَّةِ أَبَى وَقَالَ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي حَدِيث طَلْحَةَ أَنَّ أصْحَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
ومن توقيره صلى الله عليه وسلم وبره بر آله وذريته وأمهات المؤمنين
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا عَلَى وُضُوء وَلَا يُحَدّث إلَّا عَلَى طَهَارَة، وَكَان الْأَعْمَش إذَا أرَاد أن يُحَدّث وَهُو عَلَى غَيْر وُضُوء تَيَمَّم
فصل وَمِن تَوْقِيرِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَبِرّه بر آلِه وَذُرّيَّتِه وَأُمَّهَات الْمُؤْمِنين أَزْوَاجِه كَمَا حَضّ عَلَيْه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَسَلَكَه السَّلَف الصَّالِح رَضِي اللَّه عَنْهُم قَال اللَّه تَعَالَى (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) الآية: وقال تعالى (وأزواجه أمهاتهم) * أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَدْلُ مِنْ كِتَابِهِ وَكَتَبْتُ مِنْ أَصْلِهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِي الْفَرْغَانِيُّ حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْقَاسِمِ بِنْتُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْخَفَّافُ قَالَتْ حَدَّثَنِي أَبِي حديثا حَاتِمٌ هُوَ ابْنُ عُقَيْلٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ الْحِمَّانِيُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ عَنْ زَيْدٍ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَهْلَ بَيْتِي - ثَلَاثًا -) قُلْنَا لِزَيْدٍ مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ قَال آلُ عَلِيٍّ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ الْعَبَّاسِ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ به لم تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرِفَةُ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم براءة
مِنَ النَّارِ وَحُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ جَوَازٌ عَلَى الصَّرَاطِ وَالْوِلايَةُ لآلِ مُحَمَّدٍ أَمَانٌ مِنَ الْعَذَابِ قَال بَعْض الْعُلمَاء مَعْرِفَتُهُم هِي مَعْرِفَة مَكَانِهِم مِن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَإذَا عَرَفَهُم بِذَلِك عَرَف وُجُوب حَقّهم وَحُرْمَتَهُم بِسَببِه * وَعَن عُمَر بن أَبِي سَلَمَة لَمّا نَزَلَت (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البيت) الآية - وذلك فِي بَيْت أمّ سَلَمَة - دَعَا فَاطِمَة وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُم بِكِسَاء وَعَلِيّ خَلْف ظَهْرِه ثُمّ قَال اللَّهُمّ هَؤْلَاء أَهْل بَيْتِي فأذْهِب عَنْهُم الرّجْس وَطَهّرْهُم تَطْهِيرًا * وَعَن سَعْد بن أَبِي وقاص لَمّا نَزَلَت آية المُبَاهَلَة دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلِيًّا وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا وَفَاطِمَة وَقَال (اللَّهُمّ هَؤْلَاء أَهْلِي) وَقَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي عَلِيٍّ (مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ) وَقَالَ فِيهِ (لَا يُحبُّكَ إِلا مومن وَلَا يُبْغِضُكَ إِلا مُنَافِقٌ) وَقَال للْعَبَّاسِ (وَالَّذِي نفسه بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يحبك لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي، وَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) وَقَال لِلعباس (اغْدُ عَلَيَّ يَا عَمِّ مَعَ وَلَدِكَ) فَجَمَعَهُمْ وَجَلَّلَهُمْ بِمُلاءَتِهِ وَقَالَ (هَذَا عَمِّي وَصِنْوُ
أَبِي وَهَؤْلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَاسْتُرْهُمْ مِنَ النَّارِ كَسَتْرِي إِيَّاهُمْ) فَأَمَّنَتْ أُسْكُفَّةُ الْبَابِ وَحَوَائِطُ الْبَيْتِ آمِينَ آمِينَ، وَكَانَ يَأخُذ بِيَد أُسَامَة بن زيد والحسن
وَيَقُول (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا) وَقَال أَبُو بَكْر رَضِي اللَّه عَنْه ارْقُبُوا مُحَمَّدًا فِي أَهْل بَيْتِه، وَقَال أيْضًا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَقَرَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَحَبّ إِلَيّ أن أصِل من قَرَابَتِي، وَقَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حَسَنًا) وَقَال (مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ - وَأَشَارَ إِلَى حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ - وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم (مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَهَانَهُ اللَّهُ) وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم (قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا) وَقَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لِأُمّ سَلَمَة (لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَة) ومن عُقْبَة بن الْحَارِث رَأَيْت أَبَا بَكْر رَضِي اللَّه عَنْه وَجَعَل الْحَسَن عَلَى عُنُقِه وَهُو يقول: بِأَبِي شَبيه بِالنَّبِيّ * لَيْس شَبِيهًا بِعَلِي.
وَعَلِيّ رَضِي اللَّه عَنْه يَضْحَك * وَرُوي عَن عَبْد اللَّه بن حَسَن بن حُسَيْن قَال أتَيْت عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز فِي حَاجَة فَقَال لِي إذَا كَان لَك حَاجَة فَأَرْسِل إِلَيّ أَو اكْتُب فَإنّي أسْتَحْيِي مِن اللَّه أن يَرَاك عَلَى بَابِي * وعن الشعبى
قَال صَلَّى زَيْد بن ثَابت عَلَى جِنَازَة أُمّه ثُمّ قربت له بَغْلَتُه لِيَرْكَبَهَا فَجَاء ابن عَبَّاس فَأَخَذ بِرِكَابِه فَقَال زيد خَلّ عَنْه يَا ابن عَمّ رَسُول الله فقال هكذا نَفْعَل بِالْعُلمَاء فَقَبَّل زَيْد يَد ابن عَبَّاس وَقَال هكَذَا أُمِرْنَا أن نَفْعَل بِأَهْل بَيْت نَبِيّنَا، وَرَأَى ابن عُمَر مُحَمَّد بن أسَامَة بن زيد فَقَال لَيْت هَذَا عَبْدِي فَقِيل لَه هُو مُحَمَّد بن أُسَامَة، فَطَأْطَأ ابن عُمَر رَأْسَه وَنَقَر بِيَدِه الْأَرْض وَقَال لَو رَآه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لأحَبَّه، وَقَال الْأَوزَاعِيّ دَخَلَت بِنت أسَامَة بن زيد صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز وَمَعَهَا موْلى لَهَا يُمْسِك بِيَدِهَا فَقَام لَهَا عُمَر وَمَشَى إِلَيْهَا حَتَّى جَعَل يَدَيْهَا بَيْن يَدَيْه وَيَدَاه فِي ثِيَابِه وَمَشَى بِهَا حَتَّى أَجْلَسَهَا عَلَى مَجْلِسَه وَجَلَس بَيْن يَدَيْهَا وَمَا تَرَك لَهَا حَاجَة إلَّا قصاها ولما فرص عُمَر بن الْخَطَّاب لابْنِه عَبْد اللَّه فِي ثَلَاثَة آلاف وَلِأُسَامَة بن زيد فِي ثَلَاثَة آلاف وخمسمائة
قَال عَبْد اللَّه لِأَبِيه لَم فَضَّلْتَه فو الله مَا سَبَقَنِي إِلَى مَشْهَد؟ فَقَال لَه لِأَنَّ زَيْدًا كَان أَحَبّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم من أبِيك وَأُسَامة أَحَبّ إليْه منْك فَآثرْت حُبّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى حُبّي * وَبَلَغ مُعَاوِيَة أنّ كَابِس بن رَبِيعَة يُشْبِه بِرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَلَمّا دَخَل عَلَيْه من بَاب الدّار قَام عَن سَرِيرِه وَتَلَقّاه وَقَبَّل بَيْن عَيْنَيْه وَأقْطَعَه الْمرْعَاب لِشَبَهِه صُورَة رسول الله صلى الله عليه وسلم * وَرُوي أَنّ مَالِكًا رَحِمَه اللَّه لَمّا ضَرَبَه جَعْفَر بن سلميان وَنَال مِنْه مَا نَال وَحُمِل مَغْشِيًّا عَلَيْه دخل عَلَيْه النَّاس فَأفَاق فَقَال أُشْهِدُكُم أنّي جَعَلْت ضَارِبِي فِي حِلّ، فُسُئِل بَعْد ذلك فعال خِفْت أن أمُوت فَأَلْقَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَأَسْتَحيي مِنْه أن يَدْخُل بَعْض آلِه النَّار بِسَبَبِي.
وَقِيل إن المنصور أفاده من جَعْفَر فَقَال لَه أَعُوذ بِالله وَالله مَا ارْتَفَع مِنْهَا سَوْط عَن جِسْمِي إلَّا وَقَد جَعَلْتُه فِي حِلّ لِقَرَابَتِه من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو بَكْر بن عَيَّاش لَو أَتانِي أَبُو بَكْر وعمر