السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

صلاته وصومه وقراءته

الطبقات الكبيرمحمد بن سعد، ت ٢٣٠هـ

باب صفة قراءته، -صلى الله عليه وسلم-، فى صلاته وغيرها وحسن صوته، -صلى الله عليه وسلم-

٢/٣٢٣٢/٣٢٣

أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا سُفيان عن منصور عن إبراهيم قال: كانت قراءة النّبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، تُعرف بتحريك لحيته.

أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا همّام قال: أخبرنا ابن جُريج عن ابن أبي مُليكة عن أمّ سلمة قالت: كانت قراءة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، قال فوصفت: بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحِيمِ الحَمْدُ للهِ رَبّ العالَمينَ. قال: فوصفت حرفًا حرفًا.

أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعتُ قَتادة قال: سألت أنس بن مالك قال قلت: كيف كانت قراءة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: كان يمُدّ صوته مَدًّا.

أخبرنا عَمرو بن عاصم الكلابي، أخبرنا هَمّام بن يحيَى وجَرير بن حازم قالا: أخبرنا قَتادة قال سُئل أنس: كيف كانت قراءة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: كانت مَدًّا، ثمّ قال: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحيمِ، يمدّ بِسْمِ اللهِ، ويمدّ الرّحْمَنِ، ويمدّ الرحيمِ.

٢/٣٢٤٢/٣٢٤

أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا الحُسام بن مِصَكّ عن قتادة قال: ما بعث الله نبيًّا قطّ إلّا بعثه حَسن الوجه حَسن الصوت، حتى بعث نبيّكم، - صلى الله عليه وسلم -، فبعثه حَسن الوجه، حَسن الصوت، ولم يكن يرجّع ولكن كان يمدّ بعض المدّ.

أخبرنا يوسف بن العِرْق، أخبرنا الطيّب بن سلمان، حدّثنا عَمْرَةُ قالت: سمعتُ عائشة، - رضي الله عنها -، تقول: إن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، كان لا يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث.

الشمائل المحمدية والخصائل المصطفويةالترمذي، ت ٢٧٩هـ

باب صلاة الضحى

١/٢٣٧١/٢٣٧

٢٨٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: «نَعَمْ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»

٢٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الزِّيَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّبِيعِ الزِّيَادِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ⦗٢٣٨⦘: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى سِتَّ رَكَعَاتٍ»

١/٢٣٩١/٢٣٩

٢٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا أُمُّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ فَسَبَّحَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ»

١/٢٤٠١/٢٤٠

٢٩٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: «لَا إِلَا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ»

٢٩٣ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا "

١/٢٤١١/٢٤١

٢٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ، عَنْ قَرْثَعٍ الضَّبِّيِّ، أَوْ عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ قَرْثَعٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ⦗٢٤٢⦘ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْمِنُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُدْمِنُ هَذِهِ الْأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَقَالَ: «إِنَّ ⦗٢٤٣⦘ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَلَا تُرْتَجُ حَتَّى تُصَلَّى الظُّهْرُ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِي تِلْكَ السَّاعَةِ خَيْرٌ» قُلْتُ: أَفِي كُلِّهِنَّ قِرَاءَةٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . قُلْتُ: هَلْ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ فَاصِلٌ؟ قَالَ: «لَا» أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ قَرْثَعٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ

١/٢٤٣١/٢٤٣

٢٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَقَالَ: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ»

١/٢٤٤١/٢٤٤

٢٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ «كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّيهَا عِنْدَ الزَّوَالِ وَيَمُدُّ فِيهَا»

باب صلاة التطوع في البيت

١/٢٤٥١/٢٤٥

٢٩٨ - حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِي وَالصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: «قَدْ تَرَى مَا أَقْرَبَ بَيْتِي مِنَ الْمَسْجِدِ، فَلَأَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَا أَنْ تَكُونَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً»

زاد المعاد في هدي خير العبادابن القيم، ت ٧٥١هـ

في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى

٢/٤٠٨٢/٤٠٨

روى البخاري في «صحيحه» (٨) عن عائشة قالت: ما رأيتُ رسول الله

٢/٤٠٩٢/٤٠٩

- صلى الله عليه وسلم - يصلِّي سُبْحة الضُّحى، وإني لأستَحِبُّها (١) ». وروى (٢) أيضًا من حديث مورِّق العِجْلي: قلت لابن عمر: أتصلِّي الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: لا إخاله.

وذكر (٣) أيضًا عن ابن أبي ليلى قال: ما حدثنا أحد أنه رأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي الضحى غير أم هانئ، فإنها قالت: إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل، وصلَّى ثمان ركعات؛ فلم أر صلاةً قطّ أخفَّ منها غير أنه يتمّ الركوع والسجود.

وفي «صحيح مسلم» (٤) عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة: هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي الضحى؟ فقالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه. قلت: هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرُن بين السور؟ قالت: من المفصَّل.

وفي «صحيح مسلم» (٥) عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي الضُّحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله.

وفي «الصحيحين» (٦) عن أمِّ هانئ أنه صلَّى يوم الفتح ثمان ركعات.

٢/٤١٠٢/٤١٠

قالت: وذلك ضحًى.

٢/٤١١٢/٤١١

وقال الحاكم في «المستدرك» (١) : ثنا الأصمُّ، ثنا الصغاني (٢) ، ثنا ابن أبي مريم، ثنا بكر بن مضر، ثنا (٣) عمرو بن الحارث، عن بكير (٤) بن الأشج، عن الضحاك بن عبد الله، عن أنس قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ صلّى سبحةَ الضحى ثمان ركعات، فلما انصرف قال: «إنِّي صلّيتُ صلاةَ رغبة ورهبة، فسألتُ ربِّي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً. سألتُه أن لا يقتل أمتي بالسِّنين، ففعل. وسألتُه أن لا يُظهِر عليهم عدوًّا، ففعل. وسألته أن لا يُلبِسَهم شِيَعًا، فأبى عليَّ» . قال الحاكم: صحيح. قلت: الضحاك بن عبد الله هذا، يُنظَر مَن هو؟ وما حاله؟ (٥) .

وقال الحاكم في كتاب «فضل الضحى» (٦) : ثنا أبو بكر الفقيه، أخبرنا بشر بن موسى (٧) ، ثنا محمد بن الصَّباح (٨) الدُّولابي، ثنا خالد بن عبد الله، عن (٩) الحصين، عن هلال بن يساف، عن زاذان، عن عائشة: صلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الضحى، ثم قال: «اللهم اغفر لي وارحمني وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الغفور (١٠) » حتى قالها مائة مرة (١١) .

٢/٤١٢٢/٤١٢

ثنا أبو العباس الأصم، ثنا أُسَيد (١) بن عاصم، ثنا الحسين (٢) بن حفص، عن سفيان، عن عمر (٣) بن ذر، عن مجاهد أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلّى الضُّحى ركعتين وأربعًا وستًّا وثمانيًا (٤) .

وقال الإمام أحمد (٥) : ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا عثمان بن عبد الملك العُمَري، حدثتنا عائشة بنت سعد، عن أم درّة (٦) قالت: رأيت عائشة تصلِّي الضُّحى، وتقول: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي إلا أربع ركعات.

٢/٤١٣٢/٤١٣

وقال الحاكم (١) أيضًا: أخبرنا أبو أحمد بكر (٢) بن محمد المروزي، ثنا أبو قلابة، ثنا أبو الوليد (٣) ، ثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرة، عن عُمَارة بن عمير (٤) ، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي صلاة الضُّحى.

وقال الحاكم (٥) أيضًا: ثنا إسماعيل بن نُجَيد (٦) ، ثنا محمد بن

٢/٤١٤٢/٤١٤

عدي بن كامل، ثنا وهب بن بقية الواسطي، ثنا خالد بن عبد الله، عن محمد بن قيس، عن جابر بن عبد الله أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلّى الضُّحى سِتَّ ركعات.

ثم روى الحاكم (١) من طريق إسحاق بن بِشْر البخاري (٢) ، ثنا عيسى بن موسى غنجار (٣) ، عن عمر بن صبح، عن مقاتل بن حيان، عن مسلم بن صُبَيح، عن مسروق، عن عائشة وأم سلمة قالتا: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي صلاة الضحى ثنتي عشرة ركعةً» . وذكر حديثًا طويلًا.

قال الحاكم (٤) : ثنا أبو أحمد بكر (٥) بن محمد الصيرفي، ثنا أبو قِلابة الرقاشي، ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة عن علي أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي الضُّحى.

وبه إلى أبي الوليد، ثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مُرَّة، عن عُمَارة بن عُمير العبدي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه

٢/٤١٥٢/٤١٥

أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي الضُّحى (١) .

قال الحاكم: وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، وأبي ذرٍّ الغفاري، وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وبريدة الأسلمي، وأبي الدرداء، وعبد الله بن أبي أوفى، وعِتْبان بن مالك، وأنس بن مالك، وعُتبة بن عبد (٢) السُّلَمي، ونُعَيم بن همَّار الغطفاني (٣) ، وأبي أمامة الباهلي؛ ومن النساء: عائشة بنت أبي بكر، وأم هانئ، وأم سلمة= كلُّهم شهدوا أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّيها (٤) .

وذكر الطبري (٥) من حديث علي وأنس وعائشة وجابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي الضُّحى ستَّ ركعات.

فمنهم من رجَّح روايةَ الفعل على الترك بأنها مثبِتة تتضمَّن زيادة علم

٢/٤١٦٢/٤١٦

خفيت على النافي (١) . قالوا: وقد يجوز أن يذهب علمُ مثلِ هذا على كثير من الناس ويوجد عند الأقل. قالوا: وقد أخبرت عائشة وأنس وجابر وأمُّ هانئ وعلي بن أبي طالب أنه صلَّاها. قالوا: ويؤيِّد هذا الأحاديث الصحيحة المتضمِّنة للوصيةِ (٢) بها، والمحافظةِ عليها، ومدحِ فاعلها والثناء عليه.

ففي «الصحيحين» (٣) عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بصيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتِرَ قبل أن أرقُدَ (٤) . وفي «صحيح مسلم» (٥) نحوه عن أبي الدرداء.

وفي «صحيح مسلم» (٦) عن أبي ذر يرفعه قال: «يُصْبح على كلِّ سُلامى من أحدكم صدقة. فكلُّ تسبيحة صدقة، وكلُّ تحميدة صدقة، وكلُّ تهليلة صدقة، وكلُّ تكبيرة صدقة. وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة. ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضُّحى» .

وفي «مسند الإمام أحمد» (٧) عن معاذ بن أنس الجُهَني أنَّ رسول الله (٨)

٢/٤١٧٢/٤١٧

- صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن قعد في مُصلّاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبِّح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرًا= غُفِر (١) له خطاياه، وإن (٢) كانت مثل زبد البحر».

وفي «الترمذي» و «سنن ابن ماجه» (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن حَافَظ على شُفْعَة الضحى غُفِر له ذنوبُه وإن كانت مثل زَبَد البحر» .

وفي «المسند» و «السنن» (٤) عن نعيم بن همَّار قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قال الله عز وجل: ابنَ آدم، لا تُعْجِزْني من (٥) أربع ركعات في أول النهار أَكفِك آخرَه». ورواه الترمذي (٦) من حديث أبي الدَّرداء وأبي ذَرٍّ.

٢/٤١٨٢/٤١٨

وفي «جامع الترمذي» و «سنن ابن ماجه» (١) عن أنس (٢) مرفوعًا: «من صلّى الضُّحى ثنتي عشرة ركعةً بنى الله له قصرًا في الجنَّة من ذهب» .

وفي «صحيح مسلم» (٣) عن زيد بن أرقم أنه رأى قومًا يصلُّون من الضُّحى في مسجد قُباء، فقال: أمَا، لقد علموا أنَّ الصلاة في غير هذه الساعة أفضَلُ. إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة الأوَّابين حين تَرْمَضُ الفِصَالُ» . وقوله: «ترمض الفصال» أي: يشتدُّ حَرُّ النهار، فتجد الفِصالُ حَرَّ الرَّمضاء.

وفي «الصحيح» (٤) أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلّى الضُّحى في بيت عِتبان بن مالك ركعتين.

وفي «مستدرك الحاكم» (٥) من حديث خالد بن عبد الله الواسطي، عن

٢/٤١٩٢/٤١٩

محمد بن عمرو، عن أبي سلَمة، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحافظ على صلاة الضُّحى إلا أوَّاب» ، وقال: هذا إسناد قد احتجَّ بمثله مسلم بن الحجَّاج (١) ، فإنه حدث عن شيوخه (٢) عن محمد بن عمرو عن أبي سلَمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أذِن اللهُ لشيءٍ أَذَنَه (٣) لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن». قال: ولعلَّ قائلًا يقول (٤) :

قد أرسله حماد بن سلَمة وعبد العزيز بن محمد الدَّراوردي عن محمد بن عمرو، فيقال له: خالد بن عبد الله ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة.

ثم روى الحاكم (٥) : ثنا عبدان بن يزيد، ثنا محمد بن المغيرة السُّكَّري، ثنا القاسم بن الحكم العُرَني (٦) ، ثنا سليمان بن داود اليمامي (٧) ،

٢/٤٢٠٢/٤٢٠

حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ للجنَّة بابًا يقال له: باب الضُّحى، فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى، هذا بابكم، فادخلوه برحمة الله» .

وقال الترمذي في «الجامع» (١) : ثنا أبو كريب محمد بن العلاء، ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني موسى بن فلان، عن عمه ثمامة بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى الضُّحى ثنتي عشرة ركعةً بنى الله له قصرًا في الجنة من ذهب (٢) ». قال (٣) : «حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وكأنَّ أحمد يرى (٤) أصحَّ شيء في هذا الباب حديث أم هانئ» (٥) . قلت: موسى ابن فلان هذا هو موسى بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك (٦) .

٢/٤٢١٢/٤٢١

وفي «جامعه» (١) أيضًا من حديث عطية (٢) العوفي عن أبي سعيد (٣) قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي الضحى حتى نقول: لا يدَعُها، ويدَعُها حتى نقول: لا يصلِّيها» . قال: هذا حديث حسن غريب.

وقال الإمام أحمد في «مسنده» (٤) : ثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن الحارث الذِّمَاري، عن القاسم، عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهِّر كان له كأجر الحاجِّ المُحْرِم، ومَن مشى إلى سُبحة الضُّحى كان له كأجر المعتمِر، وصلاةٌ على إثر صلاة لا لغوَ بينهما كتابٌ في علّيّين» . قال أبو أمامة: الغدوُّ والرَّواحُ إلى هذه المساجد من الجهاد في سبيل الله عز وجل. وقال الحاكم (٥) : ثنا

٢/٤٢٢٢/٤٢٢

أبو العباس، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني (١) ، ثنا أبو المورِّع محاضر بن المورِّع، ثنا أبو الأحوص (٢) بن حكيم، حدثني عبد الله بن عامر (٣) الأَلْهاني، عن منيب، عن عُتبة بن عبد (٤)

السُّلَمي وعن أبي أمامة (٥) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: «من صلَّى الصبح في مسجد جماعة، ثم ثبَت فيه حتى يُسبِّح فيه سُبْحة (٦) الضُّحى، ثم صلَّى (٧) سبحة الضحى= كان له كأجر حاجٍّ أو معتمرٍ تامٍّ له حجُّه وعمرتُه».

وقال ابن أبي شيبة (٨) : حدثني حاتم بن إسماعيل، عن حُميد بن صخر،

٢/٤٢٣٢/٤٢٣

عن المقبُري (١) ، عن أبي هريرة قال: بعث النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جيشًا فأعظموا الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة، فقال رجل: يا رسول الله، ما رأينا بعثًا قطُّ أسرعَ كرَّةً ولا أعظمَ غنيمةً من هذا البعث. فقال: «ألا أُخبِركم بأسرعَ كرَّةً وأعظمَ غنيمةً؟ رجلٌ توضَّأ في بيته, فأحسن وضوءه, ثم عمَد إلى المسجد, فصلَّى فيه صلاة الغداة، ثم أعقب بصلاة الضحى= فقد أسرعَ الكرَّة, وأعظمَ الغنيمة» .

وفي الباب أحاديث سوى هذه لكن هذه أمثلها. قال الحاكم: صحبتُ جماعةً من أئمة الحديث الحفاظ الأثبات، فوجدتهم يختارون هذا العدد ــ يعني أربع ركعات ــ ويصلُّون هذه الصلاة أربعًا لتواتر الأخبار الصحيحة فيه. وإليه أذهب وإليه أدعو اتِّباعًا للأخبار المأثورة، واقتداءً بمشايخ الحديث فيه.

قال ابن جرير الطبري (٢) ــ وقد ذكر الآثار المرفوعة في صلاة الضحى واختلاف عددها ــ: وليس من هذه الأحاديث حديث يُدفَع صاحبُه، وذلك لأنَّ (٣) من حكى الضُّحى أربعًا جائزٌ أن يكون رآه في حال فعله ذلك، ورآه غيرُه في حال أخرى صلَّى ركعتين، ورآه آخَر في حال أخرى صلَّاها ثمانيًا، وسمعه آخر يحُثُّ على أن يصلِّي سِتًّا، وآخر يحُثُّ على ركعتين، وآخر على

٢/٤٢٤٢/٤٢٤

عشر، وآخر على ثنتي عشرة= فأخبر كلُّ واحد منهم عمَّا رأى وسمِع.

قال: والدليل على صحة قولنا ما روي عن زيد بن أسلم. قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول لأبي ذرٍّ: أوصِني يا عمِّ. قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما سألتني، فقال: «مَن صلّى الضُّحى ركعتَين لم يُكتَب من الغافلين، ومن صلّى أربعًا كُتِب من العابدين، ومَن صلّى ستًّا لم يلحقه ذلك اليومَ ذنبٌ، ومن صلّى ثمانيًا كُتِب من القانتين، ومن صلّى عشرًا بنى الله له بيتًا في الجنة» (١) .

وقال مجاهد (٢) : صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا الضُّحى ركعتين، ثم يومًا أربعًا، ثم يومًا ستًّا، ثم يومًا ثمانيًا، ثم ترك.

فأبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا من احتمال خبر كلِّ مُخْبِر ممَّن تقدَّم قولُه (٣) أن يكون إخباره بما أخبر عنه في صلاة الضُّحى على قدر ما شاهده وعاينه.

٢/٤٢٥٢/٤٢٥

فالصواب إذا كان الأمر كذلك: أن يصليها مَن أراد على ما شاء من العدد. وقد روي هذا عن قوم من السلف: ثنا ابن حميد (١) ، ثنا جرير، عن إبراهيم: سأل رجلٌ الأسودَ: كم أصلّي الضُّحى؟ قال: كم شئت (٢) .

وطائفة ثانية ذهبت إلى أحاديث الترك ورجَّحتها من جهة صحة إسنادها وعمل الصحابة بموجَبها.

فروى البخاري (٣) عن ابن عمر أنه لم يكن يصلِّيها ولا أبو بكر ولا عمر. قلت (٤) : فالنبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: لا إخاله.

وقال وكيع (٥) : ثنا سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى صلاة الضُّحى إلا يومًا واحدًا.

وقال علي بن المديني (٦) : ثنا معاذ بن معاذ، ثنا شعبة، ثنا فُضيل (٧) بن

٢/٤٢٦٢/٤٢٦

فَضالة، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: رأى أبو بكرة ناسًا يصلُّون الضَّحى، فقال: إنَّكم لَتصلُّون صلاةً ما صلَّاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عامة أصحابه.

وفي «موطأ مالك (١) » (٢) عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت (٣) : ما سبَّح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُبحة الضحى قطُّ، وإني لأستحبُّها (٤) . وإن كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لَيدَعُ العملَ وهو يحبُّ أن يَعمَل به خشيةَ أن يُعمَل به (٥) ، فيُفتَرض (٦) عليهم.

قال أبو الحسن علي بن بطال (٧) : فأخذ قوم من السلف بحديث عائشة ولم يروا صلاة الضحى. وقال بعضهم: إنها بدعة. روى الشعبي عن قيس بن عبد (٨) قال: كنت أختلف إلى ابن مسعود السَّنة كلَّها، فما رأيته مصلِّيًا الضُّحى. وروى شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أنَّ عبد الرحمن بن

٢/٤٢٧٢/٤٢٧

عوف كان لا يصلِّي الضحى. وعن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجدَ، فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة، وإذا الناس يصلُّون في المسجد صلاة الضحى. فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة. وقال مرّةً: ونعمت البدعة. وقال الشعبي: سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى. وسئل أنس عن صلاة الضحى فقال: الصلوات خمس.

وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب (١) فعلها غِبًّا، فتصلَّى في بعض الأيام دون بعض. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد (٢) . وحكاه الطبري عن جماعة قال (٣) : واحتجُّوا بما روى الجُريري عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه (٤) . ثم ذكر حديث أبي سعيد: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي الضحى حتى نقول: لا يدَعُها، ويدَعُها حتى نقول: لا يصلِّيها» وقد تقدَّم.

ثم قال: ذكرُ (٥) من كان يفعل ذلك من السلف:

روى شعبة عن حبيب بن الشهيد عن عكرمة قال: كان ابن عباس يصلِّيها يومًا، ويدعها عشرة أيام يعني صلاة الضحى (٦) .

٢/٤٢٨٢/٤٢٨

وشعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان لا يصلِّي الضحى، فإذا أتى مسجد قباء صلّى، وكان يأتيه كلَّ سبت (١) .

وسفيان عن منصور (٢) قال: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة. ويصلُّون، ويدَعون، يعني صلاة الضحى (٣) .

وعن سعيد بن جبير: إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها مخافةَ أن أراها حتمًا عليَّ (٤) .

وقال مسروق: كنَّا نُقرئ (٥) في المسجد، فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم فنصلِّي الضحى. فبلغ ابن مسعود ذلك فقال: لِمَ تحمِّلون عبادَ الله ما لم يحمِّلهم الله؟! إن كنتم لا بدَّ فاعلين ففي بيوتكم (٦) .

٢/٤٢٩٢/٤٢٩

وكان أبو مِجْلَز يصلِّي الضحى في منزله (١) .

قال هؤلاء: وهذا أولى، لئلا يتوهَّم متوهِّم وجوبَها بالمحافظة عليها أو كونَها سنَّةً راتبةً. ولهذا قالت عائشة: «لو نُشِر لي أبوَيَّ (٢) ما تركتُها (٣) » (٤) ، فإنها كانت تصلِّيها في البيت حيث لا يراها الناس.

وذهبت طائفة رابعة إلى أنها إنما تُفعَل لسبب من الأسباب وأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنما فعلها لسبب. قالوا (٥) : وصلاته - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح ثمان ركعاتٍ ضحًى إنما كانت (٦) من أجل الفتح، وإن سنَّة الفتح أن يصلَّى عنده ثمان ركعات،

٢/٤٣٠٢/٤٣٠

وكان (١) الأمراء يسمُّونها «صلاة الفتح» . وذكر الطبري في «تاريخه» (٢) عن الشعبي قال: لما فتح خالد بن الوليد الحِيرَة صلَّى صلاة الفتح ثمان ركعات لم يسلِّم فيهن، ثم انصرف.

قالوا: وقول أم هانئ: «وذلك ضحًى» تريد أن فعله لهذه الصلاة كان ضحًى، لا أنَّ الضُّحى اسم لتلك الصلاة.

قالوا: وأما صلاته في بيت عِتبان بن مالك فإنما كانت لسبب أيضًا، فإنَّ عتبان قال له: إنِّي أنكرتُ بصري وإنَّ السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلوددتُ أنَّك جئت فصلَّيت في بيتي مكانًا أتخذه مسجدًا، فقال: «أفعل إن شاء الله» . فغدا (٣) عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر معه بعدما اشتدّ النهار، فاستأذن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فأذنتُ له، فلم يجلس حتى قال: «أين تحبُ أن أصلِّي من بيتك؟» . فأشار إليه من المكان الذي أحبَّ أن يصلِّي فيه. فقام وصففنا (٤) خلفه، ثم سلّم وسلَّمنا حين سلَّم. متفق عليه.

فهذا أصل هذه الصلاة وقصَّتها ولفظ البخاري (٥) فيها، فاختصره بعض الرواة عن عِتبان فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلّى في بيته سبحة الضحى، فقاموا وراءه، فصلَّوا (٦) .

٢/٤٣١٢/٤٣١

وأما قول عائشة: «لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي الضحى إلا أن يقدَم من مغيبه» فهذا من أبين الأمور أنَّ صلاته لها إنما كانت لسبب، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قدِم من سفر بدأ بالمسجد، فصلَّى فيه ركعتين. فهذا كان هديه، وعائشة أخبرت بهذا وهذا، وهي القائلة: ما صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الضحى قطُّ.

فالذي أثبتَتْه فعلُها لسببٍ كقدومه من سفر، وفتحه، وزيارته لقوم ونحوه. وكذلك إتيانه مسجدَ قباء للصلاة فيه. وكذلك ما رواه يوسف بن يعقوب (١) : ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا سلمة بن رجاء، حدثتنا الشعثاء قالت: رأيت ابن أبي أوفى صلَّى الضحى ركعتين يوم بُشِّر برأس أبي جهل. فهذا إن صحَّ فهو صلاة شكر وقعت وقتَ الضحى كشكر الفتح.

والذي نفته هو ما كان يفعله الناس: يصلُّونها (٢) لغير سبب، وهي لم تقل: إن ذلك مكروه ولا مخالف لسنَّته، ولكن لم يكن من هديه فعلُها لغير سبب. وقد أوصى بها، وندب إليها، وحضّ عليها. وكان يستغني عنها بقيام الليل فإنَّ فيه غُنيةً عنها، وهي كالبدل منه. قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً

٢/٤٣٢٢/٤٣٢

لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢) } [الفرقان: ٦٢] ، قال ابن عباس والحسن وقتادة (١) : عوضًا وخلفًا يقوم أحدهما مقام صاحبه، فمن فاته عملٌ في أحدهما قضاه في الآخر. قال قتادة: فأدُّوا (٢) الله من أعمالكم خيرًا في هذا الليل والنهار، فإنهما مطيتان، يُقحِمان (٣) الناس إلى آجالهم، ويقرِّبان كلَّ بعيد، ويُبليان كلَّ جديد، ويجيئان بكلِّ موعود إلى يوم القيامة. وقال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: فاتتني الصلاة الليلة. فقال: أَدرِك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر (٤) .

قالوا: وفعلُ الصحابة على هذا يدل، فإن ابن عباس كان يصلِّيها يومًا، ويدعها عشرةً. وكان ابن عمر لا يصلِّيها، فإذا أتى مسجدَ قباء صلَّاها، وكان يأتيه كلَّ سبت. وقال سفيان عن منصور: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ويصلُّون ويدَعُون (٥) .

٢/٤٣٣٢/٤٣٣

قالوا: ومن هذا أيضًا الحديث الصحيح عن أنس أنَّ رجلًا من الأنصار كان ضخمًا، قال (١) للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنِّي لا أستطيع أن أصلي معك، فصنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعامًا، ودعاه إلى بيته، ونضَح له طرَفَ حصيرٍ بماء، فصلَّى عليه ركعتين. قال أنس: ما رأيته صلَّى الضُّحى غير ذلك اليوم. رواه البخاري (٢) .

ومن تأمَّل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة وجدها لا تدل إلا على هذا القول. وأما أحاديث الترغيب فيها والوصية بها، فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذر لا يدل على أنها سنَّة راتبة لكلِّ أحد. وإنما أوصى أبا هريرة بذلك، لأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة (٣) ، فأمَره بالضحى بدلًا من قيام الليل. ولهذا أمره أن لا ينام حتى يوتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة.

وعامَّةُ أحاديث الباب في أسانيدها مقال. وبعضُها منقطع، وبعضها موضوع لا يحِلُّ الاحتجاج به كحديثٍ يروى عن أنس مرفوعًا: «من داوم على صلاة الضحى ولم يقطعها إلا من علَّةٍ كنتُ أنا وهو في زَورقٍ من نور في بحر من نور» (٤) ، وضعه زكريا بن دويد (٥) الكندي عن حميد. وحديثِ (٦)

٢/٤٣٤٢/٤٣٤

يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى منكم صلاة الضحى فليصلِّها متعبِّدًا، فإنَّ الرجل لَيصلِّيها السَّنة من الدهر، ثم ينساها ويدعها (١) ، فتحِنُّ إليه كما تحِنُّ الناقة إلى (٢) ولدها إذا فقدته» (٣) .

ويا عجبًا للحاكم كيف يحتجُّ بهذا وأمثاله! فإنه يروي هذا الحديث في كتاب أفرده للضحى. وهذه نسخة موضوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أعني نسخة يعلى بن الأشدق. قال ابن عدي (٤) : روى يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله بن جُراد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديثَ كثيرةً منكرةً، وهو وعمه غير معروفين. وبلغني عن أبي مُسْهِر قال: قلت ليعلى بن الأشدق: ما سمع عمُّك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: «جامع سفيان» و «موطأ مالك» وشيئًا من الفوائد!

وقال أبو حاتم بن حِبَّان (٥) : لقي يعلى عبدَ الله بن جراد، فلما كبر اجتمع عليه مَن لا دِين له، فوضعوا له شبيهًا بمائتي حديث، فجعل يحدِّث بها وهو لا يدري. وقد قال له بعض مشايخ أصحابنا: أيُّ شيء سمعته من عبد الله بن جراد؟ فقال: هذه النسخة و «جامع سفيان» . لا تحِلُّ الرواية عنه بحال.

٢/٤٣٥٢/٤٣٥

وكذلك حديث عمر بن صبح عن مقاتل بن حيان: حديث عائشة المتقدم: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي صلاة الضحى ثنتي عشرة ركعةً» . وهو حديث طويل ذكره الحاكم في «صلاة الضحى» ، وهو حديث موضوع، المتَّهَمُ به عمر بن صبح. قال البخاري (١) : حدثني يحيى بن علي بن جرير (٢) ، قال: سمعت عمر بن صبح يقول: أنا وضعت خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن عدي (٣) : منكر الحديث. وقال ابن حبان (٤) : يضع الحديث على الثقات، لا يحِلُّ كَتْبُ حديثِه إلا على جهة التعجُّب منه. وقال الدارقطني (٥) : متروك. وقال الأزدي (٦) : كذاب.

وكذلك حديث عبد العزيز بن أبان، عن الثوري، عن حجاج بن فُرَافِصَة، عن مكحول، عن أبي هريرة مرفوعًا: «من حافظ على شفعة الضُّحى غُفِرت له ذنوبه، ولو كانت بعدد الجَراد، وأكثر من زَبَد البحر» . ذكره

٢/٤٣٦٢/٤٣٦

الحاكم أيضًا. وعبد العزيز هذا قال ابن نمير: هو كذاب. وقال يحيى: ليس بشيء، كذاب خبيث، يضع الحديث. وقال البخاري والنسائي والدارقطني: متروك الحديث (١) .

وكذلك حديث النَّهَّاس بن قَهْم، عن شداد، عن أبي هريرة يرفعه: «من حافظ على شفعة الضحى غُفِرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زَبَد البحر» . والنهَّاس هذا قال يحيى: ليس بشيء، ضعيف، كان يروي عن عطاء عن ابن عباس أشياء منكرةً. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عدي: لا يساوي شيئًا. وقال ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير ويخالف الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدارقطني: مضطرب الحديث، تركه يحيى القطان (٢) .

البداية والنهايةابن كثير، ت ٧٧٤هـ

ذكر سماع الجن لقراءة رسول الله ﷺ

٤/٣٤٢٤/٣٤٢

لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. ثُمَّ نَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ قَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ; لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» .

فَصْلٌ

وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ سَمَاعَ الْجِنِّ لِقِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَلِكَ مَرْجِعَهُ مِنَ الطَّائِفِ حِينَ بَاتَ بِنَخْلَةَ، وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الصُّبْحَ، فَاسْتَمَعَ الْجِنُّ الَّذِينَ صُرِفُوا إِلَيْهِ قِرَاءَتَهُ هُنَالِكَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ قَوْلَهُ: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الْأَحْقَافِ: ٢٩]

قُلْتُ: وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي «التَّفْسِيرِ» ، وَتَقَدَّمَ قِطْعَةٌ مِنْ ذَلِكَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ مَرْجِعَهُ مِنَ الطَّائِفِ فِي جِوَارِ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، وَازْدَادَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ حَنَقًا، وَغَيْظًا، وَجُرْأَةً، وَتَكْذِيبًا، وَعِنَادًا. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

٤/٣٤٣٤/٣٤٣

وَقَدْ ذَكَرَ الْأُمَوِيُّ فِي «مَغَازِيهِ» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُرَيْقِطٍ إِلَى الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُجِيرَهُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: إِنَّ حَلِيفَ قُرَيْشٍ لَا يُجِيرُ عَلَى صَمِيمِهَا. ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو; لِيُجِيرَهُ، فَقَالَ: إِنَّ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ لَا تُجِيرُ عَلَى بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. فَبَعَثَهُ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ; لِيُجِيرَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْ لَهُ فَلْيَأْتِ. فَذَهَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَبَاتَ عِنْدَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَ مَعَهُ هُوَ وَبَنُوهُ سِتَّةٌ - أَوْ سَبْعَةٌ - مُتَقَلِّدِي السُّيُوفَ جَمِيعًا، فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : طُفْ. وَاحْتَبَوْا بِحَمَائِلِ سُيُوفِهِمْ فِي الْمَطَافِ، فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مُطْعِمٍ، فَقَالَ: أَمُجِيرٌ أَمْ تَابِعٌ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مُجِيرٌ. قَالَ: إِذًا لَا تُخْفَرُ. فَجَلَسَ مَعَهُ حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوَافَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ انْصَرَفُوا مَعَهُ، وَذَهَبَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَجْلِسِهِ. قَالَ: فَمَكَثَ أَيَّامًا ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ تُوُفِّيَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: وَاللَّهِ لَأَرْثِيَنَّهُ، فَقَالَ فِيمَا قَالَ:

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العبادمحمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ

الباب الثالث في وقت قيامه - صلى الله عليه وسلم - من الليل وقدره وقدر نومه وصفة قراءته

٩/٢٧٦٩/٢٧٦

روى الطبراني من طريق أبي بكر المديني عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يتسوك من الليل مرتين، أو ثلاثا، كلما رقد فاستيقظ استاك وتوضأ، وصلى ركعتين أو ركعة [ (١) ] .

وروى الشيخان عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه-: قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إذا قام من الليل يشوص فاه» [ (٢) ] .

وروى مسلم، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن سعد بن هشام سألها عن وتر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله تعالى ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ [ (٣) ] .

وروى الطبراني بسند صحيح عن الحجاج بن غزية [ (٤) ] والطبراني عن الحجاج بن عمرو المازني- رضي الله تعالى عنه: قال: «أيحسب أحدكم إذا قام من الليل يصلي حتى يصبح أنه قد تهجد [إنما التهجد المرء يصلي] بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة وتلك كانت صلاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم» وفي رواية «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يتهجد بعد نومه وكان يستن قبل أن يتهجد» [ (٥) ] .

وروى أبو داود عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «إن كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليوقظه الله عز وجل من الليل فما يجيء السّحر حتى يفرغ من حزبه» وفي لفظ: من وتره [ (٦) ] .

وروى الإمام، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، عن مسروق- رحمه الله تعالى- قال:

«سألت عائشة- رضي الله تعالى عنها- أي العمل كان أحب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟» قالت:

٩/٢٧٧٩/٢٧٧

«الدائم» قلت: فأيّ حين كان يقوم من الليل؟ قالت: «كان يقوم إذا سمع الصارخ» [ (١) ] الصارخ الديك.

وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «بت عند خالتي ميمونة، فصلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- العشاء ثم جاء فصلى أربع ركعات، ثم نام ثم قام فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه فصلى خمس ركعات ثم صلى ركعتين ثم نام حتى سمعت غطيطه أو قال:

خطيطه ثم خرج إلى الصلاة» [ (٢) ] .

وروى أبو داود عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت لما سئلت عن صلاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في جوف الليل: ما صلى العشاء في جماعة ثم يرجع إلى أهله، إلا صلى أربع ركعات أو ست، ولقد مطرنا مرة بالليل فطرحنا نطعا فكأني أنظر إلى ثقب فيه ينبع منه الماء وما رأيته متفيئا الأرض بشيء من ثيابه قط» [ (٣) ] .

وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن الأسود- رحمه الله تعالى- قال: «سألت عائشة- رضي الله عنها- عن صلاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالليل قالت:

كان ينام أوله ويقوم آخره فيصلي ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذّن المؤذن وثب فإن كان به حاجة اغتسل والا توضأ وخرج» [ (٤) ] .

وروى الإمام أحمد، والثلاثة، وأبو الحسن الضحاك، عن يعلى بن مملك رحمه الله تعالى أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصلاته فقالت: «ما لكم ولصلاته وقراءته، كان يصلي العتمة ثم يسبّح، ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل ثم يرقد» وفي لفظ «كأن يصلي ثم ينام قدر ما صلّى ثم يصبح ثم نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا» [ (٥) ] .

وروى ابن ماجه عن أم هانئ رضي الله تعالى عنها- قالت: «كنت أسمع قراءة النبي- صلى الله عليه وسلّم- بالليل وأنا على عريشي» [ (٦) ] .

وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كانت قراءة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-

٩/٢٧٨٩/٢٧٨

بالليل يرفع له طورا ويخفض طورا [ (١) ] الطور: المرة الواحدة يعني مرة كذا ومرة كذا والأطوار الحالات المختلفة.

وروى النسائي عن عوف بن مالك قال: «قمت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فلما ركع قدر سورة البقرة يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» [ (٢) ] .

وروى عبد الرزاق عن حذيفة، رضي الله تعالى عنه- قال: «قام النبي- صلى الله عليه وسلم- ليلة وهو يصلي في المسجد، فقمت أصلي وراءه يخيل إلى أنه لا يعلم، فاستفتح بسورة البقرة، فقلت:

إذا جاء مائة آية ركع فجاءها فلم يركع، فقلت: إذا جاء مائتي آية ركع فجاءها فلم يركع، فقلت:

إذا ختمها ركع فختمها فلم يركع فلما ختم، قال: «اللهم لك الحمد» ، ثم استفتح آل عمران فقلت: إذا ختمها ركع فختمها ولم يركع وقال: «اللهم لك الحمد» ، ثم استفتح النساء، فقلت:

إذا ختمها ركع، فختمها فلم يركع وقال: «اللهم لك الحمد» ثلاثا ثم استفتح بسورة المائدة» فقلت: إذا ختمها ركع، فختمها فركع فسمعته يقول: «سبحان ربي العظيم» ، ويرجع شفتيه فأعلم أنه يقول: غير ذلك فلا أفهم غيره ثم استفتح بسورة الأنعام، فتركته وذهبت» .

وروى ابن أبي شيبة عنه قال: «أتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة لأصلي بصلاته، فاستفتح الصلاة فقرأ قراءة ليست بالرفيعة ولا الخفيفة، قراءة حسنة يرتل فيها يسمعنا، قال: ثم ركع نحوا من سورة قال ثم رفع رأسه فقال: «سمع الله لمن حمده ذو الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» ، ثم قام نحوا من سورة قال وسجد نحوا من ذلك حتى فرغ من الطول وعليه سواد من الليل» .

وروى أبو يعلى عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: ألا يقوم أحدكم فيصلّي أربع ركعات قبل العصر ويقول فيهنّ ما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «تمّ نورك فهديت فلك الحمد، عظم حلمك فعفوت فلك الحمد، بسطت يدك فأعطيت فلك الحمد، ربّنا وجهك أكرم الوجوه وجاهك أعظم الجاه، وعطيّتك أفضل العطيّة وأهنؤها، تطاع ربا فتشكر، وتعصى ربّنا فتغفر وتجيب المضطرّ، وتكشف الضّرّ وتشفي السّقيم، وتغفر الذّنب وتقبّل التّوبة، ولا يجري بآلائك أحد، ولا يبلغ مدحتك قول قائل» [ (٣) ] .

وروى ابن منيع، وأبو يعلى عن مسلم بن مخراق وقال: قلت لعائشة- رضي الله تعالى

٩/٢٧٩٩/٢٧٩

عنها- إن عندنا قوما يقرؤون القرآن مرة وثلاثة في ليلة فقالت: أولئك قرؤوا ولم يقرؤوا لقد رأيتني وأنا أقوم مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الليل التمام يقرأ بسورة (البقرة، وآل عمران والنساء) لا يمر بآية رجاء إلا سأل ربه ودعا، ولا يمر بآية تخويف إلا دعا ربه واستعاذ» [ (١) ] .

وروى الحارث بن أسامة، عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: «لقد لقيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بعد العتمة، فقلت: يا رسول الله ائذن لي أن أتعبد بعبادتك فذهب وذهبت معه إلى البئر، فأخذت ثوبه فسترت عليه، ووليته ظهري، ثم أخذ ثوبي فستر علي حتى اغتسلت، ثم أتى المسجد فاستقبل القبلة، وأقامني عن يمينه، ثم قرأ الفاتحة، ثم استفتح سورة البقرة، ولا يمر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا آية تخويف إلا استعاذ، ولا مثل إلا فكر حتى ختمها ثم كبر، فرفع، فسمعته يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» ويرد فيه شفتيه حتى أظن أنه يقول: «وبحمده» ، فمكث في ركوعه قريبا من قيامه، ثم رفع رأسه ثم كبر فسجد فسمعته يقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى» ، ويرد شفتيه، فأظن أنه يقول: «وبحمده» ، فمكث في سجوده قريبا من قيامه، ثم نهض حين فرغ من سجدته فقرأ فاتحة الكتاب، ثم استفتح (آل عمران) لا يمر بآية رحمة إلا سأل ولا مثل إلا فكّر، حتى ختمها، ثم فعل في الركوع والسجود كفعل الأول، ثم سمعت النداء بالفجر، قال حذيفة فما تعبدت عبادة كانت عليّ أشد منها» .

وروى ابن مالك، وأبو الحسن بن الضحاك، وأبو نعيم عنه، أنه صلى مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من الليل فلما دخل في الصلاة قال: «الله أكبر، سبحان ذي الملك والجبروت والكبرياء والعظمة» ، ثم قرأ «البقرة» قراءة ليست بالخفيضة ولا بالرفيعة، حسنة يرتل فيها ليسمعنا، ثم يركع، فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربي العظيم» ثم يرفع رأسه فكان قيامه نحوا من ركوعه وهو يقول: «سمع الله لمن حمده» ، ثم قال: «الحمد لله ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» ، فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول «سبحان ربي الأعلى» ثم رفع رأسه، وكان بين السجدتين نحوا من السجود وكان يقول: «رب اغفر لي، رب اغفر لي» حتى قرأ «البقرة» و «آل عمران» و «الأنعام» ، و «النساء» و «المائدة» و «الأنعام» قال شعبة: لا أدري المائدة ذكر أو الأنعام.

جماع أبواب سيرته - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الضحى، وصلاة الزوال

٩/٣٠١٩/٣٠١

واختلف الرواة في فضلها «هل صلاها أم لا؟ فمنهم المثبت، ومنهم النافي، فمن العلماء من رجح رواية المثبت على النافي، جريا على القاعدة المعروفة، لأنها تتضمن زيادة علم فقدمت على النافين، قالوا وقد يجوز أن يذهب علم مثل هذا على كثير من الناس، ويوجد عند الأقل.

ومنهم من رجح رواية النافي بقرينة، ولم يعتد برواية المثبت، إما لضعفها، أو صرفها عن صلاة الضحى» .

وروى الإمام أحمد ومسلم وابن ماجة، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى أربعا، ويزيد ما شاء» [ (١) ] .

وروى سعيد بن منصور، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «طلبت صلاة الضحى في القرآن فوجدتها هاهنا يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ [ (٢) ] [ص ١٨] .

وروى الطبراني، من طريق حجاج بن نصير عنه، قال: «كنت أمر بهذه الآية، فما أدري ما هي قوله يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ حتى حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب: «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دخل عليها فدعا بوضوء في جفنة كأني أنظر إلى أثر العجين فيها فتوضأ، ثم صلى صلاة الضحى، ثم قال: «يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق» [ (٣) ] .

وروى أحمد بن منيع عنه قال: أتى علينا زمان ما ندري ما وجه هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ حتى رأينا الناس يصلون الضحى.

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه، والبيهقي في الشعب عنه، قال: «إن صلاة الضحى في القرآن، وما يغوص عليها إلا غواص في قوله تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ.

وروى الأصبهاني في الترغيب عن عون العقيلي. في قوله تعالى فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً قال الذين يصلون صلاة الضحى.

٩/٣٠٢٩/٣٠٢

وفيه نوعان

روى الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والحارث بن أبي أسامة، عن قتادة، عن معاذة، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى أربعا، ويزيد ما شاء» [ (١) ] .

وروى أبو نعيم، عن حنظلة الثقفي، قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا ارتفع النهار وذهب كل أحد وانفلت الناس خرج إلى المسجد فركع ركعتين» [ (٢) ] .

وروى الإمام أحمد- برجال ثقات- والطيالسي والنسائي في الكبرى بسند رجاله ثقات، عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى» ورواه أبو يعلى إلا أنه قال: «كان يصلي من الضحى» [ (٣) ] .

وروى النسائي عنه قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي حين يرتفع النهار ركعتين، وقبل نصف النهار أربع ركعات، ويجعل التسليم في آخره [ (٤) ] .

وروى مسدد عن رميثة [ (٥) ] قالت: «رأيت عائشة- رضي الله عنها- صلت الضحى ثمان ركعات» وفي رواية له «كانت عائشة تصلي الضحى فتطيلها» [ (٦) ] .

وروى ابن حبان، عن عائشة قالت: «دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بيتي فصلى الضحى ثمان ركعات» [ (٧) ] .

وروى مسدد، والسنائي في اليوم والليلة، عن زاذان أبي عمر عن رجل من الأنصار قال: «رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى ذات يوم، فلما فرغ قال: «اللهم اغفر لي، وتب

٩/٣٠٣٩/٣٠٣

علي، إنك أنت التواب الغفور» قالها مرة أو أكثر من مائة مرة» [ (١) ] .

وروى ابن أبي شيبة، عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه: «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يصلي الضحى ثمان ركعات في حرة بني معاوية» [ (٢) ] .

وروى أحمد بن منيع، عن الحسن، أو الحسين- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يصلي الضحى، وقال: «من صلاها بني له بيت في الجنة» ، وأظنه قال: «غفر له ما كان في ساعات النهار من ذنب» .

وروى الإمام أحمد- برجال الصحيح، عن عتبان بن مالك- رضي الله تعالى عنه-: «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- صلى في بيته سبحة الضحى» [ (٣) ] .

وروى الطبراني بسند حسن عن جبير بن مطعم- رضي الله تعالى عنه- أنه رأى «رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى» [ (٤) ] .

وروى الإمام أحمد- برجال ثقات- عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سفر صلى سبحة الضحى ثمان ركعات الحديث» [ (٥) ] .

وروى البزار من طريق عبد الله بن شبيب، عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- قال: «صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بمكة يوم فتحها ثمان ركعات يطيل فيها القراءة والركوع» [ (٦) ] .

وروى الطبراني بسند جيد عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أنه رأى «رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى بمكة ست ركعات» [ (٧) ] .

روى الطبراني- برجال ثقات- عن أم هانئ- رضي الله تعالى عنها- قال: «لما كان فتح مكة دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بماء وسترت أم هانئ، وأم سليم، أم أنس بن مالك بملحفة. ثم دخل بيت أم هانئ فصلى الضحى أربع ركعات» [ (٨) ] .

٩/٣٠٤٩/٣٠٤

وروى الطبراني عنها بسند حسن «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- دخل عليها يوم الفتح فصلى سنّة الضحى ست ركعات» [ (١) ] .

وروى البزار من طريق يوسف بن خالد السمتي [ (٢) ] عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان لا يترك الضحى في سفر ولا غيره» [ (٣) ] .

وروى الطبراني من طريق سعيد بن مسلمة الأموي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «رأينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى ست ركعات، فما تركهن بعد ذلك» [ (٤) ] .

وروى الإمام مالك، والشيخان، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، وفي رواية، مولى أم هانئ بنت أبي طالب أن أم هانئ- رضي الله تعالى عنها- أخبرته: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- صلى عام الفتح ثمان ركعات ملتحفا في ثوب واحد» .

ورواه الحارث بن أبي أمامة، من طريق الليث بن سعد [ (٥) ] ، عن أبي مرة بلفظ: «أخذ ثوبه فالتحف به، ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى» .

ورواه أبو الحسن الضحاك، عن كريب- مولى ابن عباس- عن أم هانئ- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات يسلم بين كل ركعتين» .

ورواه مسلم، وأبو بكر البرقاني، عن ابن أبي ليلى قال: ما أخبرنا أحد «أنه رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى غير أم هانئ، فإنها ذكرت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح اغتسل في بيتها، وصلى ثمان ركعات خفافا لم أره صلى مثلهن إلا أنه يتم الركوع والسجود» [ (٦) ] .

ورواه مسلم، وأبو الحسن بن الضحاك، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال:

٩/٣٠٥٩/٣٠٥

سألت وحرصت على أن أجد أحدا من الناس يخبرني أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- صلى سبحة الضحى فلم أجد أحدا يحدثني بذلك غير أم هانئ بنت أبي طالب، أخبرتني: «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أتى بعد ما ارتفع النهار يوم الفتح، فأتي بثوب فستر عليه فاغتسل، ثم قام فركع ثماني ركعات لا أدري أقيامه فيها أطول، أم ركوعه، أم سجوده؟ وكل ذلك منه متقارب قالت فلم أره سبحها قبل ولا بعد» [ (١) ] .

وروى أبو الحسن بن الضحاك، فقال: هذا غريب لم يرو عن عائشة فيما يقال إلا من هذا الوجه عن رميثة قالت: «بت عند عائشة أم المؤمنين- رضي الله تعالى عنها- فلما أصبحت اغتسلت، ودخلت بيتا، وأجافت الباب دوني، فقلت: يا أم المؤمنين إنما أقمت عندك لهذه الساعة، فقالت: ادخلي فقامت فصلت ثمان ركعات ما أدري أقيامهن أطول أم ركوعهن، أم سجودهن؟ فلما سلّمت، قالت: يا رميثة إنني رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يصليهن فلو نشدني أبواي على تركهن ما تركتهن» .

روى الإمام أحمد، وأبو يعلى، من طريق عبد الله بن رواحة [ (٢) ] ، عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- «أنه لم ير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلى الضحى قط، إلا أن يخرج في سفر أو يقدم من سفر» [ (٣) ] .

وروى الإمام أحمد- برجال ثقات- عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «ما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلى الضحى إلا مرة» [ (٤) ] .

وروى الطبراني ورجاله ثقات، عن أبي أمامة أن سهل بن حنيف قال: «أول من صلى الضحى رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يكنى أبا الزوائد» [ (٥) ] .

وروى البزار ورجاله موثقون، وفي بعضهم كلام لا يضر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الضحى إلا يوم فتح مكة» [ (٦) ] .

٩/٣٠٦٩/٣٠٦

قال أبو عمر بن عبد البر في قول عائشة «ما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يصلي سبحة الضحى قط: ليس أحد من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره، والإحاطة ممتنعة، فقد صح أنه- صلى الله عليه وسلّم- صلى الضحى، وحمل البخاري أحاديث الإثبات على الحضر وأحاديث النفي على السفر، ويؤيد حديث ابن عمر على السفر أنه كان لا يسبح على السفر ويقول لو كنت مسبّحا لأتممت، فيحمل على نفيه لصلاة الضحى، على عادته المعروفة في السفر» .

قال في الهدى: واختلف الناس في هذه الأحاديث على طرق: فمنهم من رجح رواية الفعل على الترك، بأنها مثبتة تتضمن زيادة علم [خفيت] على النافي، قالوا: ويجوز أن يذهب علم مثل هذا على كثير من الناس، ويوجد عند الأقل، قالوا: وقد أخبرت عائشة، وأنس، وجابر، وأم هانئ وعليّ بن أبي طالب أنه صلاها، قال: «ويؤيد هذا الأحاديث الصحيحة المتضمنة للوصية بها، والمحافظة عليها، ومدح فاعليها، والثناء عليه» .

قال الحاكم: وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وأبي ذر الغفاري، وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وبريدة الأسلمي، وأبي الدرداء، وعبد الله بن أبي أوفى، وعتبان بن مالك، وأنس بن مالك وعتبة بن عبد السلمي، ونعيم بن هماز الغطفاني وأبي أمامة الباهلي، ومن النساء عائشة بنت أبي بكر، وأم هانئ وأم سلمة كلهم، شهدوا: «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يصليها» .

وذكر الطبراني من حديث علي، وأنس، وعائشة، وجابر «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يصليها ست ركعات» .

وطائفة ثانية ذهبت إلى أحاديث الترك ورجحتها من جهة صحة إسنادها، وعمل الصحابة بموجبها.

وطائفة ثالثة إلى استحباب فعلها غبا، فتصلي في بعض الأيام دون بعض.

وطائفة إلى أنها إنما تفعل بسبب من الأسباب، وأن النبي- صلى الله عليه وسلم- إنما فعلها كذلك يوم الفتح.

٩/٣٠٧٩/٣٠٧

قال الباجي: وليس صلاة الضحى من الصلوات المحصورة بالعدد فلا يزاد عليها، ولا ينقص منها، ولكنها من الرغائب التي يفعل الإنسان منها ما أمكنه.

قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا الذي قاله هو الصواب المختار، فلم يرد في شيء، من الأحاديث ما يدل على حصرها في عدد مخصوص، وقد أخرج سعيد بن منصور في «سننه» عن الأسود: «أن رجلا قال له كم أصلي الضحى؟ قال: ما شئت» .

وأخرج عن الحسن أنه سئل هل كان أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يصلون الضحى؟

قال: «نعم كان منهم من يصلي ركعتين، ومنهم من يصلي أربعا، ومنهم من يمد إلى نصف النهار» .

وأخرج أحمد في «الزهد» عن الحسن: أن أبا سعيد الخدري، كان من أشد الناس توخيا للعبادة، وكان يصلي عامة الضحى.

وأخرج أبو نعيم في «الحلية» عن عبد الله بن غالب «أنه كان يصلي الضحى مائة ركعة» [ (١) ] .

وقال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: «لم أر عن أحد من الصحابة أنه حصرها في اثنتي عشرة ركعة، ولا عن أحد من أئمة المذاهب، كالشافعي، وأحمد، وإنما ذكره الروياني فقط فتبعه الرافعي، ثم النووي» .

٩/٣٠٨٩/٣٠٨

روى الإمام أحمد مطولا، وأبو داود، وابن ماجه مختصرا، عن أبي أيوب- رضي الله تعالى عنه- قال: أدمن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أربع ركعات عند زوال الشمس، فقلت: «يا رسول الله: ما هذه الركعات التي أراك أدمنتها؟ قال: «إن أبواب السماء تفتح عند زوال الشمس، فلا تريح حتى يصلي الظهر، فأحب أن يصعد لي فيها خير» ، فقلت: يا رسول الله تقرأ فيهن كلهن؟ قال: «نعم» [قلت] ففيها سلام فاصل؟ قال: لا [ (١) ] .

وروى الإمام أحمد، والترمذي، عن عبد الله بن السائب- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يصلي قبل الظهر بعد الزوال أربعا، ويقول: «إن أبواب السماء تفتح عند زوال الشمس فأحب أن أقدّم فيها عملا صالحا» [ (٢) ] .

وفي لفظ: «أن يصعد لي فيها عمل صالح» [ (٣) ] .

وروى الإمام أحمد، وابن ماجة، عن عائشة- رضي الله [تعالى] عنها- قالت: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يصلي أربعا قبل الظهر، يطيل فيهن القيام، ويحسن فيهن الركوع والسجود» [ (٤) ] .

وروى النسائي عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يصلي حين ترتفع الشمس ركعتين، وقبل نصف النهار أربع ركعات، ويجعل التسليم في آخرها» [ (٥) ] .

وروى الإمام أحمد- بسند جيد- عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- «ما هجرت إلا وجدت النبي- صلى الله عليه وسلم- يصلي» [ (٦) ] .

وروى الطبراني- بسند ضعيف- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إذا استوى النهار خرج إلى بعض حيطان المدينة، وقد سير له فيها طهوره، فإن كانت له حاجة قضاها، وإلا تطهر، فإذا زالت الشمس، عن كبد السماء قدر شراك قام

٩/٣٠٩٩/٣٠٩

فصلى أربع ركعات لم يتشهد بينهن، ويسلم في آخر الأربع، ثم يقوم فيأتي المسجد» الحديث [ (١) ] .

وروى البزار- بسند ضعيف- عن ثوبان [ (٢) ]- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كان يستحب أن يصلي بعد نصف النهار، فقالت عائشة: يا رسول الله أراك تستحب الصلاة هذه الساعة، قال: «تفتح أبواب السماء، وينظر الله تعالى بالرحمة إلى خلقه» الحديث [ (٣) ] .

وروى ابن عساكر، وأبو داود، عن أبي أيوب- رضي الله تعالى عنه- قال: «رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا زالت الشمس أو زاغت، أو كما قال: إن كان في يده عمل الدنيا رفضه، وإن كان نائما يوقظ له، فيقوم فيغتسل، أو يتوضأ، ثم يركع ركعات يتمهن ويحسنهن، ويتمكن فيهن، فلما أراد أن ينطلق، قلت يا رسول الله رأيتك إذا زالت الشمس، أو زاغت، فإن كان في يدك عمل من الدنيا رفضته، وإن كنت نائما، فكأنما توقظ له، فتغتسل أو تتوضأ، ثم تركع أربع ركعات تتمهن وتحسنهن، وتمكث فيهن، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إن السموات، وأبواب الجنة تفتح في تلك الساعة، فما ترتج أبواب السماوات وأبواب الجنة حتى تصلى هذه الصلاة، فأحببت أن يصعد لي تلك الساعة خير» [ (٤) ] .

وفي رواية: «فأحب أن يرفع لي عمل في أول عمل العابدين» .

عرض الوسادة بفتح العين، قيل: هو المراد هنا، وبالضم الناحية، والوسادة هنا ما يتوسد إليه، وعليه، ويكون المراد به: الفراش، وكان اضطجاع ابن عباس لرؤيتهما أو لأجلهما، وذلك لصغره لأنه يجوز تسمية الفراش وسادة، وينبغي إبقاؤه على حقيقته، ويكون اضطجاع النبي- صلى الله عليه وسلم- عليها وضعه رأسه على طولها، واضطجاع ابن عباس وضعه رأسه على عرضها.

الحيطان: جمع حائط- بحاء مهملة، وآخره طاء: البستان.

ترتج- بتاء مثناة فوقية مضمومة، فراء ساكنة، فمثناة فوقية، فجيم: تغلق.