كلامه وضحكه وبكاؤه
باب صفة كلامه، -صلى الله عليه وسلم-
أخبرنا رَوْح بن عُبادة، أخبرنا أُسامة بن زَيد عن الزُّهريّ عن عُروة عن عائشة، - رضي الله عنها -، قالت: كان رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، لا يسَرد سَرْدكم هذا، يتكلّم بكلام فَصْل، يحفظه مَن سَمِعَه (١) .
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ، أخبرنا مِسْعر قال: سمعتُ شيخًا يقول سمعتُ جابر بن عبد الله يقول: كان في كلام رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، تَرتيل وتَرسيل (٢) .
باب كيف كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم
٢٢٤ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ، عَنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْرُدُ سرْدَكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ، يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ»
٢٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُعْقَلَ عَنْهُ»
٢٢٦ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنٍ لِأَبِي هَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي هِنْدُ بْنُ أَبِي هَالَةَ، وَكَانَ وَصَّافًا، فَقُلْتُ: صِفْ لِي مَنْطِقَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ دَائِمَ الْفِكْرَةِ لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ، طَوِيلُ السَّكْتِ، لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، يَفْتَتِحُ الْكَلَامَ وَيَخْتِمُهُ ⦗١٨٥⦘ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، كَلَامُهُ فَصْلٌ، لَا فُضُولَ وَلَا تَقْصِيرَ، لَيْسَ بِالْجَافِي وَلَا الْمُهِينِ، يُعَظِّمُ النِّعْمَةَ، وَإِنْ دَقَّتْ لَا يَذُمُّ مِنْهَا شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَذُمُّ ذَوَّاقًا وَلَا يَمْدَحُهُ، وَلَا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا، وَلَا مَا كَانَ لَهَا، فَإِذَا تُعُدِّيَ الْحَقُّ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، وَلَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَنْتَصِرُ لَهَا، إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا، وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا، وَضَرَبَ بِرَاحَتِهِ الْيُمْنَى بَطْنَ إِبْهَامِهِ الْيُسْرَى، وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، وَإِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، يَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ»
باب ما جاء في ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم
٢٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ وَهُوَ ابْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: " كَانَ فِي سَاقَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمُوشَةٌ، وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا، فَكُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ قُلْتُ: أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ "
٢٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
٢٢٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْخَلَّالُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّيْلَحَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «مَا كَانَ ضَحِكُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تَبَسُّمًا» قَالَ أَبُو عِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ»
٢٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي لَأَعْلَمُ أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَآخَرَ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ وَيُخَبَّأُ عَنْهُ ⦗١٨٨⦘ كِبَارُهَا، فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا، وَهُوَ مُقِرٌّ لَا يُنْكِرُ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِهَا فَيُقَالُ: أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلَهَا حَسَنَةً، فَيَقُولُ: إِنَّ لِي ذُنُوبًا مَا أَرَاهَا هَهُنَا " قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ
٢٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ بَيَانٍ ⦗١٨٩⦘، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ»
٢٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: «مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا رَآنِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا تَبَسَّمَ»
٢٣٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي لَأَعْرفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ " قَالَ: " فَيَذْهَبُ لِيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، قَدْ أَخَذَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ، فَيَقُولُ: نَعَمْ " قَالَ: " فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ " قَالَ: " فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةَ أَضْعَافِ الدُّنْيَا " قَالَ: " فَيَقُولُ: تَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ " ⦗١٩٠⦘ قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ
٢٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ ⦗١٩١⦘: شَهِدْتُ عَلِيًّا، أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] . ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا، سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ. فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُكَ "
٢٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ ⦗١٩٢⦘: قَالَ سَعْدٌ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ؟ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مَعَهُ تُرْسٌ، وَكَانَ سَعْدٌ رَامِيًا، وَكَانَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا بِالتُّرْسِ يُغَطِّي جَبْهَتَهُ، فَنَزَعَ لَهُ سَعْدٌ بِسَهْمٍ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ رَمَاهُ فَلَمْ يُخْطِئْ هَذِهِ مِنْهُ - يَعْنِي جَبْهَتَهُ - وَانْقَلَبَ الرَّجُلُ، وَشَالَ بِرِجْلِهِ: «فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» . قَالَ: قُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكَ؟ قَالَ: مِنْ فِعْلِهِ بِالرَّجُلِ
في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه
وقال بعضهم: حتى يُرى بياضُ الجلد (١) .
قال الطحاوي: ولما كان التقصير مسنونًا عند الجميع كان الحلق فيه أفضل قياسًا على الرأس. وقد دعا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للمحلِّقين ثلاثًا وللمقصِّرين واحدةً، فجعل حلقَ الرأس أفضلَ من تقصيره، فكذلك الشارب (٢) . والله أعلم وأحكم.
فصل
في هديه في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه
كان - صلى الله عليه وسلم - أفصح خلق الله، وأعذبهم كلامًا، وأحسنهم (٣) أداءً، وأحلاهم منطقًا، حتى كان كلامه يأخذ القلوب، ويسبي الأرواح. وشهد له بذلك أعداؤه.
وكان إذا تكلَّم تكلَّم بكلام مفصَّل مبيَّن يعُدُّه العادُّ، ليس بَهذٍّ مسرع لا يُحفَظ، ولا مقطَّع يتخلَّلُه السكتات بين أفراد الكلم، بل هديه فيه أكمل الهدي. قالت عائشة: «ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسرُد سردَكم هذا، ولكن كان
يتكلم بكلامٍ يبيِّنه، فَصْلٍ يحفظه مَن جلس إليه» (١) . وكان كثيرًا ما يعيد الكلمة ثلاثًا لِتُعقلَ عنه. وكان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا.
وكان طويل السَّكْت، لا يتكلَّم في غير حاجة. يفتتح الكلام ويختتمه (٢) بأشداقه. ويتكلَّم بجوامع الكلِم، فَصْلٌ (٣) لا فضول ولا تقصير. وكان لا يتكلَّم فيما لا يعنيه، ولا يتكلَّم إلا فيما يرجو ثوابه.
وإذا كره الشيء عُرِف في وجهه. ولم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا ولا صخَّابًا.
وكان جُلُّ ضحكه بل كلُّه التبسُّم. وكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه. وكان يضحك مما يُضحَك منه، وهو ما يُتعجَّب من مثله، ويُستغرَب وقوعُه ويُستندَر.
وللضحك أسباب عديدة، هذا أحدها. والثاني: ضحك الفرح، وهو أن يرى ما يسُرُّه أو يباشره. والثالث: ضحك الغضب، وهو كثيرًا ما يعتري الغضبان إذا اشتدَّ غضبه. وسببه تعجُّبُ الغضبان مما أورد عليه الغضب، وشعورُ نفسه بالقدرة على خصمه وأنه في قبضته. وقد يكون ضحِكُه لمَلَكةِ نفسه (٤) عند
الغضب، وإعراضِه عمن أغضبه، وعدمِ اكتراثه به (١) .
وأما بكاؤه - صلى الله عليه وسلم - فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كان تدمع عيناه حتى تهمُلا (٢) ، ويُسمَع لصدره أزيز. وكان بكاؤه تارةً رحمةً للميت، وتارةً خوفًا على أمته وشفقةً، وتارةً من خشية الله، وتارةً عند سماع القرآن وهو بكاءُ اشتياقٍ ومحبَّةٍ وإجلالٍ مصاحبٍ للخوف والخشية.
ولما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه، وبكى رحمةً له، وقال: «تدمَع العينُ ويحزَن القلبُ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا؛ وإنَّا بك يا إبراهيم لمحزونون» (٣) .
وبكى لمَّا شاهد إحدى بناته، ونفسُها تفيض (٤) . وبكى لما قرأ عليه ابنُ مسعود سورة النساء، وانتهى فيها إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] (٥) . وبكى لما مات عثمان بن مظعون (٦) . وبكى لما كسَفت الشمسُ، فصلَّى صلاة الكسوف
وجعل يبكي في صلاته وينفخ ويقول: «ربِّ ألم تعِدْني أن لا تعذِّبَهم وأنا فيهم وهم يستغفرون؟ ونحن نستغفرك» (١) . وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته (٢) . وكان يبكي أحيانًا في صلاة الليل.
والبكاء أنواع:
أحدها: بكاء الرحمة والرِّقَّة.
والثاني: بكاء الخوف والخشية.
والثالث: بكاء المحبَّة والشَّوق.
والرابع: بكاء الفرح والسُّرور.
والخامس: بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله.
والسادس: بكاء الحزن. والفرق بينه وبين بكاء الخوف: أن بكاء الحزن يكون على ما مضى من حصول مكروه أو فوات محبوب، وبكاء الخوف يكون لما يتوقَّع في المستقبل من ذلك. والفرق بين بكاء السرور والفرح وبكاء الحزن: أن دمعة السرور باردة والقلب فرحان، ودمعة الحزن حارَّة
والقلب حزين. ولهذا يقال لما يُفرَح به: هو قُرَّة عين، وأقرَّ الله عينه به؛ ولما يُحزِن: هو سُخْنةُ عين، وأسخن الله عينه به.
والسابع: بكاء الخوَر والضعف.
والثامن: بكاء النفاق، وهو أن تدمع العين والقلب قاس (١) ، فيظهر صاحبه الخشوع وهو من أقسى الناس قلبًا.
والتاسع: البكاء المستعار والمستأجَر عليه، كبكاء النائحة بالأجرة، فإنها كما قال عمر بن الخطاب: تبيع عبرتَها، وتبكي بشجو (٢) غيرها (٣) .
والعاشر: بكاء الموافقة، وهو أن يرى الرجلُ الناسَ يبكون لأمرٍ ورد عليهم فيبكي معهم، ولا يدري لأيِّ شيء يبكون، ولكن رآهم يبكون، فبكى.
وما كان من ذلك دمعًا بلا صوت فهو بُكًى ــ مقصور ــ وما كان معه صوت فهو بكاء ــ ممدود ــ على بناء الأصوات (٤) . قال الشاعر (٥) :
وما كان منه مستدعًى متكلَّفًا فهو التباكي، وهو نوعان: محمود ومذموم. فالمحمود أن يُستجلَب لرقَّة القلب ولخشية الله (١) ، لا للرياء والسمعة. والمذموم أن يُجتلَب (٢) لأجل الخلق.
وقد قال عمر بن الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يُبكيك يا رسول الله؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإلَّا تباكيتُ (٣) . ولم ينكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - (٤) .
وقال بعض السلف: ابكُوا من خشية الله، فإن لم تبكُوا فتباكَوا (٥) .
الباب الأول في صفة كلامه صلى الله عليه وسلم
وفيه أنواع:
روى أبو داود، وابن سعد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيلا أو ترسيلا [ (١) ] .
وروى الترمذي، وابن سعد، والشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسرد الحديث كسردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام فصل، يحفظه من يجلس إليه، لو عده العادّ لأحصاه [ (٢) ] .
وروى أبو داود عنها قالت: كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلا، يفهمه كل من يسمعه [ (٣) ] .
وروى الخلعي عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم تكلم نزرا، وأنتم تنثرون الكلام نثرا [ (٤) ] .
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه.
وروى أبو داود عن رجل خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث حديثا أعاده ثلاث مرات [ (٥) ] .
وروى الإمام أحمد والبخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم سلم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا [ (٦) ] .
وروى ابو سعد النيسابوري في شرف النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تحدث بالحديث، أو سئل عنه كرره ثلاثا ليفهم عنه.
وروى أبو بكر الشافعي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم تكلم ثلاثا [ (١) ] .
روى أبو بكر بن أبي خيثمة عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث حديثا إلا وهو يتبسم في حديثه [ (٢) ] .
وروى البخاري وابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم يرى كالنور من بين ثناياه.
روى أبو داود وقاسم بن إصبع، وبقيّ بن مخلد عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حدّث، وفي لفظ: إذا جلس يتحدث، يكبر ويرفع طرفه إلى السماء [ (٣) ] .
وروى التّرمذي وأبو الشيخ والبيهقي عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم في غير حاجة، طويل السّكت، يفتتح الكلام، ويختتمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلا لا فضول فيه، ولا تقصير [ (٤) ] .
وروى الحارث بن أبي أسامة والبيهقي عن أم معبد رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سماه وعلاه البهاء، كان حسن المنطق.
وروى الإمام أحمد وأبو بكر الشافعي عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم كثير الصمت وفي لفظ طويل الصمت [ (٥) ] .
وروى ابن ماجه ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن امرأة رفاعة القرظي جاءت
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أن رفاعة طلقني، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزّبير، وإنما معه مثل الهدبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة،؟ لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» [ (١) ] .
روى البخاري في الأدب عن علي رضي الله تعالى عنه قال: استأذن عمّار على النبي صلى الله عليه وسلم فعرف صوته، فقال: «مرحبا بالطّيّب المطيّب» [ (٢) ] .
وروى فيه أيضاً عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أقبلت فاطمة رضي الله تعالى عنها تمشي- مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقال: «مرحبا» ، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله [ (٣) ] .
الأول: أراد هند رضي الله تعالى عنه بكونه صلى الله عليه وسلّم يفتح الكلام بأشداقه: رحب شدقيه، وأما ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في المتشدّقين، فإنه أراد به الذين يتشدقون إذا تكلموا فيميلون أشداقهم يمينا وشمالا، ويتنطعون في القول.
الثاني: قال في زاد المعاد: كان صلى الله عليه وسلّم أفصح خلق الله وأعذبهم كلاما وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتى كان كلامه يأخذ بالقلوب، وينعش الأرواح، وشهد له بذلك أعداؤه، وكان إذا تكلم تكلم بكلام فصل مفصل.
الترتيل: بفوقية مفتوحة، فراء ساكنة، ففوقية، فتحتية، فلام: التأني.
الترسيل: بفوقية مفتوحة، فراء ساكنة، فسين مهملة، فتحتية، فلام: الهنة والرفق والتأني.
يسرد الحديث: يسوق سياقا جيدا.
بكلام فصل: بفاء فصاد مهملة: بيّن ظاهر محكم، لا يعاب قائله، وحقيقته الفاصل بين الحق والباطل، والخطأ والصواب.
النزر: بنون فزاي: القليل.
السّكت: بفتح السين المهملة: السكون.
جوامع الكلم: القليلة الألفاظ، الكثيرة المعاني، جمع جامعة: وهي اللفظة الجامعة للمعاني، لا فضول فيه، والفضول من الكلام ما زاد على الحاجة وفضل، ولذلك عطف ولا تقصير.
الهدبة: بهاء مضمومة، فدال مهملة ساكنة، فموحدة: خمل الثوب.
عسيلته: بعين مهملة مضمومة، فسين مهملة مفتوحة، فتحتية ساكنة، فلام، فتاء تأنيث، وإنما أنث لأنه أراد قطعة من العسل، شبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقا، وقيل على إعطائها معنى النّطفة، وقيل العسل في الأصل مذكر ومؤنث، فمن صغّره مؤنّثا قال عسيلة كقويسة وسمينة، وإنما صغره إشارة إلى النّزر القليل الذي يحصل به الحبل.
مرحبا: بميم مفتوحة، فراء ساكنة، فحاء مهملة، فباء موحدة: لقيت سعة.