The Hijra to Madinah
Monday, 12 Rabi' al-Awwal · his age ﷺ 53
The sources speak in their Arabic; the English translation under each text is still to be written.
الهجرة إلى المدينة المنورة
تدل النصوص الصحيحة على أن اختيار المدينة مهاجراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان بوحي إلهي كما في الحديث: "رأيتُ في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب" ١ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٢٦ وصحيح مسلم ٤/ ١٧٧٩. وأما حديث "إن الله أوحى إلي أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك، المدينة أو البحرين أو قنسرين". (سنن الترمذي ٥/ ٧٢١ وقال: غريب) فهو منكر كما قال ابن حبان في الثقات ٧/ ٣١١ والذهبي (الميزان ٣/ ٣٣٨) وقال ابن حجر: في ثبوته نظر لأنه مخالف لما في الصحيح (فتح الباري ٧/ ٢٢٨).
والحديث "إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين" ١ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٣١ وبين الزهري أن اللابتين هما الحرتان) فتح الباري ٧/ ٢٣٤).
و "كأن النبي أرى دار الهجرة بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم أري الصفة المختصة بالمدينة فتعيَّنت" ١ .
- ١ابن حجر: فتح الباري ٧/ ٢٣٤ نقلاً عن ابن التين وهو أحد شراح صحيح البخاري.
أوائل المهاجرين
ويتفق موسى بن عقبة وابن إسحاق على أن أبا سلمة بن عبد الأسد هو أول من هاجر من مكة إلى المدينة بعد أن آذته قريش إثر عودته من هجرة الحبشة فتوجَّه إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة ١ .
- ١سيرة ابن هشام ١/ ٤٦٨ من طريق ابن إسحاق بدون إسناد وابن حجر: فتح الباري ٧/ ٢٦١. لذلك قالت أم سلمة رضي الله عنها إن أبا سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله (صحيح مسلم ٢/ ٦٣٢).
وكذلك فإن مصعب بن عمير وابن أم مكتوم كانا من أوائل المهاجرين حيث كانا يقرئان الناس القرآن ١ . وقد تتابع المهاجرون فقدم المدينة بلال بن رباح وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر ثم عمر بن الخطاب في عشرين من الصحابة ٢ .
- ١و
- ٢صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٦٠) من حديث البراء بن عازب.
وقد سعت قريش بشتى الطرق إلى عرقلة الهجرة إلى المدينة، وإثارة المشاكل أمام المهاجرين، مرة بحجز أموالهم ومنعهم من حملها، ومرة بحجز زوجاتهم وأطفالهم، وثالثة بالاحتيال لإعادتهم إلى مكة. لكن شيئا من ذلك كله لم يعق موكب الهجرة. فالمهاجرون كانوا على أتم الاستعداد للانخلاع عن أموالهم وأهليهم ودنياهم كلها تلبية لداعي العقيدة. قالت أم المؤمنين أم سلمة ١ رضي الله عنها: "لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة. قالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده. وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبا منها. حتى مر بي رجل من بني عمي - أحد بني المغيرة - فرأى ما بي، فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. قالت: وردَّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني. قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. وما معي أحد من خلق الله. قالت: فقلت: أتبلغُ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي. حتى إذا كنتُ بالتنعيم لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال لي: إلى أين يابنت أبي أميَّة؟ قالت فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قالت فقلت: لا والله إلا الله وبنيَّ هذا. قال: والله ما لك من مترك.
- ١هند بنت أبي أمية، هاجرت إلى الحبشة ثم إلى المدينة، ولما مات زوجها أبو سلمة بن عبد الأسد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإصابة لابن حجر ٨/ ١٥٠) وقد ذكر الواقدي أن عمرها حين وفاتها ٨٤ سنة، وبينت الروايات الصحيحة أنها كانت حية في أيام ثورة ابن الزبير على يزيد ابن معاوية، ولعل وفاتها كانت سنة ٦١ هـ كما قال محمد بن حبيب (المحبر ٨٥) فتكون سنها حين الهجرة ٢٣ سنة وحين زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ٢٧ سنة.
فأخذ بخطام البعير. فانطلق معي يهوي بي، فو الله ما صحبت رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيَّده في الشجرة، ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله.
ثم استأخر عني فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقاد بي حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة.
فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلاً - فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعاً إلى مكة. قال فكانت تقول: والله ما علمت أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة. وما رأيت صاحباً قط أكرم من عثمان بن طلحة " ١ .
- ١سيرة ابن هشام ١/ ٤٦٩ - ٤٧٠ من رواية ابن إسحاق بإسناد صالح للاعتبار فيه سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة مقبول، ولم أجد له متابعاً، وقد تفرد بتوثيقه ابن حبان (البخاري: التاريخ الكبير ٤/ ٨٠ وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٤/ ١٦٦ وابن حبان: الثقات ٦/ ٣٩٩ وابن حجر: تهذيب التهذيب ٤/ ١٤٨ - ١٤٩ وتقريب التهذيب ٢٤٨). وعلى أية حال فهو خبر تاريخي لا يتعلق بالعقيدة أو الشريعة ورد من طريق صالحة لإثبات الحدث تاريخياً.
وقد سقت الخبر بطوله لما فيه من دلالة على الصعوبات التي واجهها المهاجرون، وهي تشير إلى أثر العصبية في اتخاذ العشائر القرشية مواقفها من الأحداث. فقد انحاز قوم أبي سلمة إليه رغم مخالفتهم له في العقيدة، ثم إن الخبر يكشف عن صورة من صور المروءة التي عرفها المجتمع القرشي قبل الإسلام تتمثل في موقف عثمان بن طلحة وتطوعه في مصاحبة المرأة وإحسان معاملتها مما يدل على سلامة الفطرة التي قادته أخيراً إلى الإسلام بعد صلح الحديبية، ولعل إضاءة قلبه بدأت منذ تلك الرحلة مع المرأة المسلمة.
وثمة صورة تاريخية لحدث آخر هو هجرة عمر بن الخطاب كما حدَّث بها بنفسه قال: "اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمي، التناضب من أضاءة بني غفار فوق سرف ١ ، وقلنا أينا (لا) ٢ يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنها هشام، وفتن فافتتن.
- ١التناضب: ضرب من الشجر، وأضاءة بني غفار على عشرة أميال من مكة، والأضاءة: الغدير (الروض الأنف للسهيلي ٤/ ١٨٨ - ١٩٠) وسرف: وادٍ من أودية مكة دخل في العمران حالياً.
- ٢الزيادة يقتضيها السياق.
فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة - وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما - حتى قدما علينا المدينة - ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة - فكلماه وقالا: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، فرق لها. فقلت له: يا عياش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ... فقال: أبَرُّ قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه. فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما.
فأبي عليّ إلا أن يخرج معهما.
فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذا قد فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلول. فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليهما معهما.
حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى. قال: فأناخ وأناخ ليتحول عليها, فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن. قال: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتَتَن صرفاً ولا عدلاً ولا توبةً؛ قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قالوا: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ١ . قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام ابن العاص. قال فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى ٢ أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها. حتى قلت: اللهم فهمنيها. قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول لأنفسنا ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم. ٣ .
- ١الزمر ٥٣ - ٥٥.
- ٢ذو طوى: واد بمكة.
- ٣سيرة ابن هشام ١/ ٤٧٤ بإسناد حسن لذاته حيث صرح ابن إسحاق بالتحديث، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٣٥ وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي. وقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ٦١). وانظر روايات أخرى للواقدي في الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/ ٢٧١ وكأنه اختصار لمتن ابن إسحاق وفيها "وكنا إنما نخرج سراً".
وأما ما روى من إعلان عمر لهجرته وتهديده من يلحق به بثكل أمه فلم يصح ١ .
- ١ابن الأثير: أسد الغابة ٤/ ٥٢ بإسناد فيه مجاهيل ثلاثة (الألباني: دفاع عن الحديث النبوي والسيرة ١٤٣. وانظر شرح المواهب اللدنية ١/ ٣١٩ والسيرة الشامية للصالحي ٣/ ٣١٥. وفي إسنادهما المجاهيل الثلاثة.
لقد نزل كثير من المهاجرين في قباء في مكان يسمى (العصبة) قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان سالم بن معقل مولى أبي حذيفة يؤمهم في مسجد قباء، لكونه أكثرهم قرآناً ١ . لقد أرخ الزهري لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. قال الزهري: "مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج بقية ذي الحجة، والمحرم وصفر ثم إن مشركي قريش اجتمعوا" - يعني على قتله - قال الحاكم: "تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين" ٢ وقد أذن الله تعالى لرسوله بالهجرة إلى المدينة، وكان يتردد على بيت أبي بكر كل يوم صباحاً ومساءا، لا يكاد يدع ذلك ٣ ، فلما أذن له بالهجرة جاءهم ظهراً على غير عادته وهو متقنع، فأخبر أبا بكر بذلك. واختياره وقت الظهر لأن الناس تأوي إلى بيوتها للقيلولة فراراً من الحر، وتقنُعُهُ يفيد شعوره بالخطر من حوله، فقد اعتزمت قريش قتله، ولابد أنها ستعمد إلى رصد تحركه. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٤ . وقد بينت رواية ضعيفة - بسبب الإرسال - قصة اجتماع المشركين على باب الرسول صلى الله عليه وسلم وذره التراب على رءوسهم ٥ . كما بيَّنَ ابن عباس حصار المشركين لبيته ابتغاء قتله، ومبيت علي على فراشه، ولحاقه صلى الله عليه وسلم بالغار، ولما علم المشركون ذلك في الصباح اقتصوا أثره إلى الغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فتركوه. ولكن هذه الرواية لا تصح للاحتجاج بها وهي "أجود ما روى في قصة نسيج العنكبوت على فم الغار" ٦ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٢/ ١٨٤، ١٣/ ١٦٧).
- ٢فتح الباري ٧/ ٢٣٦.
- ٣صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٣٠).
- ٤الأنفال ٣٠.
- ٥سيرة ابن هشام ١/ ٤٨٣ بسند صحيح إلى محمد بن كعب القرظي لكنه مرسل.
- ٦مسند أحمد ١/ ٣٤٨ بإسناد ضعيف لكنه صالح للاعتبار، وقد حسنه ابن كثير (البداية والنهاية ٣/ ١٧٩ وقال: وهو أجود ما روى في قصة نسج العنكبوت على فم الغار) وحسنه ابن حجر. = (الفتح ٧/ ٢٣٦) وحسنه الزرقاني (شرح المواهب ١/ ٣٢٣) وفي السند عثمان بن عمرو بن ساج الجزري فيه ضعف (ابن حجر: تقريب ٣٨٦) تفرد بتوثيقه ابن حبان، وحديثه صالح للاعتبار (تهذيب التهذيب ٧/ ١٤٥) قال الألباني: واعلم أنه لا يصح حديث في العنكبوت والحمامتين (سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/ ٣٣٩).
وقد ورد حديث ضعيف جداً يفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بات في غار ثور أمر الله شجرةً، فنبتت في وجه الغار، وأمر حمامتين وحشيتين، فوقعتا بفم الغار. وأن ذلك سبب صدود المشركين عن الغار. ومثل هذه الأساطير تسربت إلى مصادر كثير في الحديث والسيرة ١ .
- ١أخرجه ابن سعد: ١/ ٢٢٩ وفي سنده أبو مصعب المكي مجهول وعوين بن عمرو منكر الحديث وسماه (عون) وأخرجه البزار كما في مسنده ٢ /ق ٢٣٢ وانظر كشف الأستار ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠ وفي إسناده عوين بن عمرو، وهو منكر الحديث لا شئ، وقد تفرد به، وشيخه أبو مصعب مجهول، وقد تسرب الحديث إلى المعجم الكبير للطبراني ٢٠/ ٤٤٣ ودلائل النبوة لأبي نعيم ٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠ ودلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٢١٣ - ٢١٤ والبداية والنهاية لابن كثير ٣/ ١٨١ وقال: غريب جدا من هذا الوجه. وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ١/ ٣٣١ وسبل الهدى والرشاد ٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠.
وعلى أية حال فإن ائتمار المشركين لقتله ثابت بنص الآية فلا يبعد أن يحاصروا بيته. قالت عائشة رضي الله عنها: "فبينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فدخل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أخرج من عندك. فقال أبو بكر: إنما هم أهلك ١ بأبي أنت يا رسول الله. قال: فإني قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم قال أبو بكر: فخذ - بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن. قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وضعنا لهم سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب. وبذلك سميت ذات النطاق. قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر - وهو غلام شاب ثقف لقن - فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح من قريش بمكة كبائت، فلا يسمح أمرًا يُكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حيث يختلط الظلام، ويرعى عليهم عامر بن فُهَيرة - مولى أبي بكر - منحة من غنم، فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
- ١وكان قد زوجه عائشة رضي الله عنها.
واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عدي بن عدي - هاديًا خريتًا ١ قد غمس حلفًا في العاص بن وائل السهمي - وهو على دين الكفار - فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث " ٢ .
- ١قال الزهري: والخريت الماهر بالهداية (فتح الباري ٧/ ٢٣٨) وقد سماه ابن إسحاق "عبد الله بن أرقط".
- ٢صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٣١ - ٢٣٢).
وتشير رواية صحيحة أخرى إلى أن رسول الله وأبا بكر "ركباً فانطلقا حتى أتيا الغار وهو بثور" ١ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٨٩).
وثمة رواية حسنة تفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الغار من بيته، حيث حاصره المشركون يريدون قتله، فلبس علي رضي الله عنه ثوبه ونام مكانه، واخترق رسول الله صلى الله عليه وسلم حصار المشركين دون أن يروه، بعد أن أوصى عليا بأن يخبر أبا بكر أن يلحق به، فجاء أبو بكر وعلي نائم، وأبو بكر يحسب أنه نبي الله. قال فقال: يا نبي الله. فقال له علي: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد انطلق نحو بئر ميمون ١ فأدركه. قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار. قال: وجعل علي يُرمي بالحجارة، كما كان يُرمي نبي الله وهو يتضور، قد لفَّ رأسه في الثوب لا يخرجه، حتى أصبح ٢
- ١تقع في سبيل الست في طريق منى.
- ٢تشير رواية ضعيفة إلى كسر الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى رضي الله عنه لصنم نحاسي كان في أعلى الكعبة، وذلك في الليلة التي بات فيها علي في فراشه صلى الله عليه وسلم، ومدار الرواية على نعيم بن حكيم وهو صدوق له أوهام، ومثله لا يحتج بما تفرد به، وقد تفرد بهذه الرواية (مصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩ ومسند أحمد ١/ ٨٤ والنسائي: الخصائص ١٣٤ - ١٣٥ وتهذيب الآثار ٣/ ٢٣٧ ومستدرك الحاكم ٣/ ٥ وشيخ الحاكم هنا هو أبو بكر محمد بن إسحق القطيعي، ٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧ وقال الذهبي: إسناده نظيف والمتن منكر. وتاريخ بغداد ١٣/ ٣٠٢، وموضع أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٤٣٢. والبوصيري: اتحاف المهرة الخيرة ٩٣ أ.
ثم كشف رأسه، فقالوا: إنك للئيم!. كان صاحبك نرميه فلا يتضوَّر وأنت تتضوَّر وقد استنكرنا ذلك ١ .
- ١مسند أحمد ٥/ ٢٦ - ٢٧ (ط: أحمد محمد شاكر) من حديث ابن عباس بإسناد حسن فيه أبو بلج صدوق. وقد صحح الشيخ أحمد محمد شاكر سنده، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بَلْج الفزاري وهو ثقة وفيه لين (مجمع الزوائد ٩/ ١١٩ - ١٢٠) وقال ابن حجر: "أبو بلج صدوق ربما أخطأ" (تقريب ٦٢٥). وقد انفرد بهذا الحديث وقد قال ابن حبان: "أرى أن لا يحتج بما انفرد به من الرواية (المجروحين ٣/ ١١٢).
لقد كان غار ثور قد تحدد منطلقًا للهجرة، وضُرب الموعد مع الدليل في ذلك المكان، وكان خروج المصطفى والصديق إلى الغار ليلًا ١ .
- ١يؤيده ما في مغازي عروة ص ١٢٨، ١٢٩ ومغازي موسى بن عقبة، وكذلك رواية الواقدي في طبقات ابن سعد ١/ ٢٢٧.
ولا تقوى هذه الرواية على معارضة ما في الصحيح، ولكن يمكن التوفيق بينهما، لأن رواية الصحيح ليست صريحة في ركوبهما من بيت الصديق رضي الله عنه. فإذا افترضنا أن اصطحابهما معاً جرى من بئر ميمون أمكن التوفيق بين الروايتين.
لقد حمل أبو بكر رضي الله عنه ثورته ليضعها تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرت أسماء ابنته أنها خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم ١ .
- ١مستدرك الحاكم ٣/ ٥ ودلائل البيهقي ٢/ ٤٨٠ بإسناد فيه انقطاع بين يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير وأسماء، ولكن يحيى أخذ الخبر عن أبيه عباد كما في سيرة ابن هشام ١/ ٤٨٨ فهو الذي يروي عن جدته أسماء لذلك فإن السند حسن. ثم هو مما يتداول عادة في الوسط العائلي.
لقد مكث الاثنان في الغار ثلاث ليالٍ وقد تمكن المشركون من اقتفاء أثرهم إلى الغار حيث رأى الصديق أقدامهم فقال: "يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. قال: "أسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما" ١ . وإلى هذا اليقين والتوكل الكامل تشير الآية ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٢ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٥٧).
- ٢التوبة ٤٠.
لقد أخفقت قريش في العثور عليهما، فأعلنت مكافأة لمن يقتلهما أو يأسرهما ١ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٣٨).
لقد أرخت رواية واهية خروج النبي صلى الله عليه وسلم من الغار في ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، وأدركتهما القيلولة ظهر يوم الثلاثاء بقديد. وهذا التحديد يثير الشك بصحة الرواية فضلًا عن ضعف الإسناد ١ .
- ١ابن سعد: الطبقات ١/ ٢٣٢ بإسناد واهٍ فيه عبد الملك بن وهب المذحجي اسمه الحقيقي سليمان بن عمرو النخعي قال الإمام البخاري: معروف بالكذب (التاريخ الكبير ٢/ ٢/ ٢٨ وانظر حاشية المعلمي اليماني على الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/ ٣٧٣) وانفرد بتوثيقه ابن حبان (الثقات ٧/ ١٠٨) وفي السند محمد بن بشر بن محمد الواسطي أبو أحمد العسكري، والصحيح أنه بشر بن محمد بن أبان السكري البصري. ترجم له البخاري ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً (التاريخ الكبير ١/ ٢/ ٨٤) وقال أبو زرعة الرازي: هو شيخ (الجرح والتعديل ٢/ ٣٦٤) وذكر ابن عدي فيه جرحاً شديداً (الكامل ٣/ ١٠٩٦ - ١١٠٠) ثم إن اعلاه يشك البخاري في إرساله حيث تسائل: الحر ما أدرى أدرك أبا معبد؟ (التاريخ الكبير ١/ ٢/ ٨٤).
لقد مضى الاثنان في الطريق إلى المدينة وهما يحسان برصد المشركين لهما. قال أبو بكر: "أخذ علينا بالرصد فخرجنا ليلًا" ١ ، ووقعت معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة، ولنقرأ ما سجّله الصديق رضي الله عنه عن بداية الرحلة قال: "أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق فلا يمر فيه أحد، حتى رُفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيتُ الصخرة فسويت بيدي مكاناً ينام فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ظلها ثم بسطت عليه فروة. ثم قلت: "نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، فنام "
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٥٥).
ثم حكى أبو بكر خبر مرور راع بهما، فطلب منه لبنا، وصادف استيقاظ الرسول فشرب ثم قال: "ألم يأن للرحيل" قلت: بلى قال: فارتحلنا بعدما زالت الشمس، وأتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جَلد من الأرض ١ ٢ .
- ١يعني أرضاً صلبة مستوية.
- ٢صحيح مسلم ٤/ ٢٣٠٩ من حديث البراء بن عازب.
وقد اشتهر في كتب السيرة والحديث خبرُ نزول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بخيمة أم مَعْبد بقديد طالبين القِرى، فاعتذرت لهم لعدم وجود طعام عندها، إلا شاة هزيلةَ لا تدرً لبناً. فأخذ الشاة فمسح ضرعها بيده، ودعا الله، وحلب في إناء حتى علت الرغوة، وشرب الجميع، ولكن هذه الرواية طرقها ما بين ضعيفة وواهية ١ إلا طريقاً واحدة يرويها الصحابي قيس بن النعمان السكوني ونصها "لما انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يستخفيان نزلاً بأبي مَعْبد فقال: والله ما لنا شاة، وإن شاءنا لحوامل فما بقي لنا لبن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسبه - فما تلك الشاة؟ فأتي بها. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة عليها، ثم حلب عسّاً فسقاه، ثم شربوا، فقال أنت الذي يزعم قريش أنك صابيء؟ قال: إنهم ليقولون. قال: أشهد أن ما جئت به حق. ثم قال: أتبعك قال: لا حتى تسمع أنا قد ظهرنا. فاتَّبَعَهُ بعدُ". وهذا الخبر فيه معجزة حسيَّة للرسول صلى الله عليه وسلم. شاهدها أبو معبد فأسلم ٢ .
- ١أخرجها ابن إسحاق بإسناد معضل كما في دلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٤٩٣ من رواية يونس بن بكير عنه. - وابن خزيمة كما ذكر ابن حجر في الإصابة. ولم أقف على سنده - والطبراني: المعجم الكبير ٤/ ٥٦ فإسناد فيه مكرمٍ بن محرز انفرد ابن حبان بتوثيقه (الثقات ٩/ ٢٠٧) ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحاً ولا تعديلاً (الجرح والتعديل ٨/ ٤٤٣) وفيه محرز بن مهدي مجهول، وهشام بن خنيس مجهول الحال. وقال الهيثمي: وفي إسناده جماعة لم أعرفهم (مجمع الزوائد ٦/ ٥٨). - وأخرجه الطبراني من طريق آخر فيه عبد العزيز بن يحيى المديني نسبه البخاري وغيره إلى الكذب وفيه مجاهيل أيضاً كما يقول الهيثمي (مجمع الزوائد ٨/ ٢٧٩ وانظر ميزان الاعتدال ٣/ ٥٧٣ والضعفاء للعقيلي ٤/ ٧٤). - وأخرجه ابن سعد: الطبقات ١/ ٢٣٠ بإسناد واهٍ فيه سليمان بن عمرو النخعي، وقد دلس اسمه عبد الملك بن وهب المذحجي وهو كذاب (الكامل لابن عدي ٣/ ١٠٩٦). - وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١/ ٨٤ وفي إسناده عبد الملك بن وهب المذحجي كذاب (التاريخ الكبير ٢/ ٢/ ٢٨) وشك البخاري في انقطاع السند. - وأخرجه البزار بإسنادين أحدهما فيه عبد الرحمن بن عقبة مجهول الحال ويعقوب بن محمد الزهري صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء (كشف الأستار ٢/ ٣٠٠) والآخر سنده حسن ومتنه قال عنه البزار: وهو يخالف سائر الأحاديث في قصة أم معبد (كشف الأستار ٢/ ٣٠١) ومن اختلاف متنه قوله "نزلا بأبي معبد" وذكره إسلام أبي معبد آنذاك. وهذه الرواية من حديث قيس بن النعمان أخرجها الطبراني بسند صحيح وسياق أتم فيما ذكر ابن حجر (الإصابة ٥/ ٥٠٦). وساقها الحاكم في المستدرك ٣/ ٩ من حديث هشام بن حبيش مجهول الحال. وساقها من طريق قيس بن النعمان ٣/ ٨ - ٩ ولم يصرح باسم الراعي. وأخرجه البغوي ابن شاهين وابن منده من طريق حزام بن هشام بن حبيش بن خالد عن أبيه (السيوطي: الخصائص الكبرى ١/ ٣٠٩). وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني بسنده من حديث هشام بن حبيش (دلائل ٢٨٢).= = وأخرجه ابن سيد الناس من طريق أبي بكر الشافعي بإسناد فيه الكديمي وعبد العزيز بن يحيي متهمان (عيون الأثر ١/ ١٨٨). وبإسناد فيه ابن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر مُعضلاً. وبإسناد فيه هشام بن حبيش مجهول الحال، وأضاف ابن سيد الناس إلى أسانيد أبي بكر الشافعي سنداً فيه سيف بن عمر التميمي وهو متروك. وساق ابن كثير الخبر من طريق ابن أبي ليلى، وليس فيه التصريح بأم معبد أو بأبي معبد، فسنده منقطع. كما ساقها من رواية البزار بالسند الذي فيه عبد الرحمن بن عقبة (البداية والنهاية ٣/ ١٨٩).ثم ساقها ابن كثير بواسطة البيهقي وفي إسناده عبد الملك بن وهب المذحجي كذاب (البداية والنهاية ٣/ ١٩٠) ويرى ابن كثير أن قصة أم معبد مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضاً (البداية والنهاية ٣/ ١٨٨). ثم إن الحافظ ابن حجر ذكر أن ابن منده ساقها من طريق عبد الرحمن بن عقبة (الإصابة ٦/ ١٦٩) وقد سبق أنه مجهول الحال. وذكر الحافظ ابن حجر أيضاً (الإصابة ٨/ ٣٠٦ - ٣٠٧) أن ابن السكن أخرجها من طريقين: طريق ابن الأشعث حفص بن يحي التيمي ولم أقف على ترجمته، ومن طريق آخر بسند لم يذكر ابن حجر سائر رجاله لكن متن روايتي ابن السكن مخالف لمتون الروايات الأخرى. كذلك أخرج القصة ابن عبد البر في الاستيعاب (١٩٥٨) بإسناد فيه الحكم بن أيوب الخزاعي انفرد ابن حبان بتوثيقه (لسان الميزان ١/ ٤٧٨) وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٢٤٥) فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً وفيه محمد بن سليمان بن الحكم الخزاعي ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٧/ ٢٦٩ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولكنه كتب عنه فيبدوا أنه - على الأقل - يُعتبر بحديثه. وفيه عبد الله بن محمد بن عيسى بن حكيم لم أقف على ترجمته. وهكذا لا يخلو طريق من طرقها من العلل القادحة، وهي بمجموع طرقها لا تصلح للاحتجاج بها في موضوع المعجزات. ولكن حديثي التابعي الكبير عبد الرحمن بن أبي ليلى والصحابي جابر بن عبد الله هما أمثل طرق قصة أم معبد يعتضدان إلى الحسن لغيره. لكنهما لا يقويان على مناهضة حديث قيس بن النعمان من طريق الطيالسي فإنه حسن لذاته بل يرى أبن حجر أنه صحيح.
- ٢رواه البزار بإسناد حسن وقال معقباً: لا نعلم روى قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا، ولا نعلمه بهذا اللفظ إلا عنه وهو يخالف سائر الأحاديث في قصة أم معبد (كشف الأستار ٢/ ٣٠١) وقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح (٦/ ٥٨) وقال الحافظ ابن حجر: "أخرجها الطبراني من حديث قيس بن النعمان بسند صحيح وسياق أتم. (الإصابة ٥/ ٥٠٦).
ولندع رواية سراقة بن مالك تكمل الخبر التاريخي ففيها تفاصيل تكشف عن المعجزة النبوية. قال سراقة: "لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم. قال: فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علي آنفاً إني لأراهم محمداً وأصحابه. قال: فأومأت إليه بعيني أن أسكت. ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم، قال: لعلَّهُ، ثم سكت. قال: ثم مكثت قليلاً ثم قمت فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي فقيِّد لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي، فأخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي التي أستقسم بها ١ . ثم انطلقت فلبست لأمتى، ثم أخرجتُ قِداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره: لا يضره. قال: وقد كنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المائة الناقلة. قال: فركبت على أثره، فبينا فرسي يشتدُّ بي عثر بي فسطت عنه. قال فقلت: ما هذا!! قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمتُ بها، فخرج السهم الذي أكره: لا يضره. قال: فأبيت إلا أن أتبعه. قال: فركبت في أثره، فبينا فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه. قال فقلت: ما هذا!! قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره: لا يضره. قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره، فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار. قال: فعرفتُ حين رأيت أنه قد منع مني، وأنه ظاهر. قال: فناديت القوم، فقلت: أنا سراقة بن جعشم، أنظروني أكلمكم فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: قل له وما تبتغي منا؟ فقال لي ذلك أبو بكر. قال قلت: تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك. قال: اكتب له يا أبا بكر.
- ١القِداح والازناد والسهام والأقلام والأزلام معناها واحد، وهي أعواد تسوَّي للاستقسام الذي هو من القسم أي النصيب وهي متشابهة في أقدار الأجسام، وإنما تختلف بالعلامات والوسام، وبواسطتها يستشير المشرك الآلهة (محمود سليم الحوت: في طريق المثيولوجيا عند العرب ص ١٤٢ - ١٤٦).
فكتب لي كتابًا في عظم أو في رقعة أو في خزفة، ثم ألقاه إلي، فأخذته فجعلته في كنانتي، ثم رجعت فسكت، فلم أذكر شيئًا مما كان". ثم حكى خبر لقائه برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وإسلامه ١ .
- ١سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٢ - ١٠٤ بإسناد صحيح لغيره، لأن ابن إسحاق توبع في صحيح البخاري، تابعه عُقيل (صحيح البخاري كما في فتح الباري ٧/ ٢٣٠ - ٢٤٨، وبين الحافظ ابن حجر وصل حديث الزهري في ٧/ ٢٤٠).
وقد ذكر سراقة في رواية صحيحة أنه اقترب من الاثنين حتى سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، كما ذكر أنه عرض عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئًا، وأنّ وصيته كانت: أخف عنا ١ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
وتذكر رواية صحيحة أنه صار آخر النهار مسلمة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كان جاهداً عليه أوله. وأن الرسول هو الذي دعا عليه فصرعه الفرس ١ . وقد احتاط الاثنان في الكلام مع الناس الذين يقابلونهم في الطريق، فإذا سئل أبو بكر عن رسول الله قال: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب إنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير ٢ . وقد صحَّ أن الدليل أخذ بهم طريق السواحل ٣ . وفصَّل ابن إسحق وصف الطريق الذي سلكوه قال: "فلما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل - حتى عارض الطريق - أسفل من عُسْفان، ثم سلك بهما أعلى أسفل أَمَج، ثم استجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما الخَرَّار، ثم سلك ثَنيَّة الُمَّرة، ثم سلك بهما لقْفاً ثم أجاز بهما مدْلَجة لقْف، ثم استبطن بهما مَدْلَجة مَحَاج، ثم سلك بهما مَرْجِح مَحَاج، ثم تبطَّن بهما مَرْجح من ذي الغَضْوين ثم من ذي كَشْر، ثم أخذ بهما على الجَدَاجد، ثم على الأجْرد ثم سلك بهما ذا سَلَم من بطن أَعْداء مَدْلَجة تِعْهِن، ثم على العبابيد، ثم أجاز بهما الفاجَّة. قال ابن هشام: ثم هبط بهما العَرْج وقد أبطأ عليهما بعضُ ظهرهم، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم - رجل من أسلم أوسن بن حُجْر على جمل له يقال له ابن الرّداء إلى المدينة وبعث معه غلاماً يقال له مسعود بن هُنيدة، ثم خرج بهم دليلهما من العَرْج، فسلك بهما ثَنيَّة العائر عن يمين ركوبة حتى هبط بهما بطن رِئم ثم قدم بهما قُباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، يوم الاثنين حين اشتدَّ الضحاء، وكادت الشمس تعتدل ٤ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
- ٢صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٤٩).
- ٣صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٣٢).
- ٤الحاكم: المستدرك ٣/ ٨ بإسناد حسن وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وصححه ابن حجر وأشار إلى طريقين آخرين له (فتح الباري ٧/ ٢٣٨). وانظر سيرة ابن هشام ١/ ٤٩١ - ٤٩٢ بدون إسناد. وفي صحيح مسلم ٤/ ٢٣١١ أن قدومهما المدينة ليلاً، ويجمع بينهما أن الوصول ليلاً والدخول نهاراً (الفتح ٧/ ٢٤٤).
وكان المسلمون في المدينة قد سمعوا بخروجه من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة ينتظرونه، حتى إذا اشتد الحرُّ عليهم عادوا إلى بيوتهم، حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه انتظروه حتى لم يبق ظل يستظلون به فعادوا، وقدم الرسول وقد دخلوا بيوتهم، فبصر به يهودي فناداهم، فخرجوا فاستقبلوه، وكانت فرحتهم به غامرة فقد حملوا أسلحتهم وتقدموا نحو ظاهر الحرة فاستقبلوه.
وقد نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قُباء في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء ١ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٣٩، ٢٦٥)، وسيرة ابن هشام ١/ ٤٩٢ بسند حسن وهو صحيح لغيره.
ولما عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل المدينة أرسل إلى زعماء بني النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم ١ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٦٥).
وقد سجلت رواية أن عدد الذين استقبلوه خمسمائة من الأنصار ١ . فأحاطوا بالرسول وبأبي بكر وهما راكبان، ومضي الموكب داخل المدينة، "وقيل في المدينة: جاء نبي الله جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم" ٢ . وقد صعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرَّق الغلمان في الطرق ينادون: يا محمد يا رسول الله، يا محمد يا رسول الله ٣ . قال الصحابي البراء بن عازب - وهو شاهد عيان: "ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ٤ .
- ١أخرجه البخاري في التاريخ الصغير كما في فتح الباري ٧/ ٢٥١ ولم أجده في المطبوع وإسناده صحيح.
- ٢صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٥٠).
- ٣صحيح مسلم ٤/ ٢٣١١.
- ٤صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٦٠).
· · · · · · · · · · · · · ·