The Seerah
ع
Seerah Search the Seerah ع

Uhud

The dateShawwal, year 3
His age ﷺ55
The placeUhud
Revealed about itQur’an 3:121

Shawwal, year 3 · his age ﷺ 55

The sources speak in their Arabic; the English translation under each text is still to be written.

Reading in al-Mubarakpuri · d. 1427 AH · 172 texts on this event Print: دار الفكر، بيروت، ٢٠٠٢ م
Its whole telling The book on Shamela
Its headings (54)
  1. استعداد قريش لمعركة ناقمة
  2. قوام جيش قريش وقيادته
  3. جيش مكة يتحرك
  4. الإستخبارات النبوية تكشف حركة العدو
  5. استعداد المسلمين للطوارئ
  6. الجيش المكي إلى أسوار المدينة
  7. المجلس الإستشاري لأخذ خطة الدفاع
  8. تكتيب الجيش الإسلامي وخروجه إلى ساحة القتال
  9. استعراض الجيش
  10. المبيت بين أحد والمدينة
  11. تمرد عبد الله بن أبي وأصحابه
  12. بقية الجيش الإسلامي إلى أحد
  13. خطة الدفاع
  14. الرسول صلى الله عليه وسلم ينفث روح البسالة في الجيش
  15. تعبئة الجيش المكي
  16. مناورات سياسية من قبل قريش
  17. جهود نسوة قريش في التحميس
  18. أول وقود المعركة
  19. ثقل المعركة حول اللواء وإبادة حملته
  20. القتال في بقية النقاط
  21. مصرع أسد الله حمزة بن عبد المطلب
  22. السيطرة على الموقف
  23. من أحضان المرأة إلى مقارعة السيوف والدرقة
  24. نصيب فصيلة الرماة في المعركة
  25. الهزيمة تنزل بالمشركين
  26. غلطة الرماة الفظيعة
  27. خالد بن الوليد يقوم بخطة تطويق الجيش الإسلامي
  28. موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق
  29. تبدد المسلمين في الموقف
  30. إحتدام القتال حول رسول الله صلى الله عليه وسلم
  31. أحرج ساعة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
  32. بداية تجمع الصحابة حول الرسول صلى الله عليه وسلم
  33. تضاعف ضغط المشركين
  34. البطولات النادرة
  35. إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم وأثره على المعركة
  36. الرسول صلى الله عليه وسلم يواصل المعركة وينقذ الموقف
  37. مقتل أبي بن خلف
  38. طلحة ينهض بالنبي صلى الله عليه وسلم
  39. آخر هجوم قام به المشركون
  40. تشويه الشهداء
  41. مدى استعداد أبطال المسلمين للقتال حتى نهاية المعركة
  42. بعد انتهاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الشعب
  43. شماتة أبي سفيان بعد نهاية المعركة وحديثه مع عمر
  44. مواعدة التلاقي في بدر
  45. التثبت من موقف المشركين
  46. تفقد القتلى والجرحى
  47. جمع الشهداء ودفنهم
  48. الرسول صلى الله عليه وسلم يثني على ربه عز وجل ويدعوه
  49. الرجوع إلى المدينة، ونوادر الحب والتفاني
  50. الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة
  51. قتلى الفريقين
  52. حالة الطوارئ في المدينة
  53. القرآن يتحدث حول موضوع المعركة
  54. الحكم والغايات المحمودة في هذه الغزوة

استعداد قريش لمعركة ناقمة

1/2241/224

كانت مكة تحترق غيظا على المسلمين مما أصابها في معركة بدر من مأساة الهزيمة وقتل الصناديد والأشراف، وكانت تجيش فيها نزعات الانتقام وأخذ الثأر، حتى إن قريشا كانوا قد منعوا البكاء على قتلاهم في بدر، ومنعوا من الإستعجال، في فداء الأسارى، حتى لا يتفطن المسلمون مدى مأساتهم وحزنهم.

وعلى أثر غزوة بدر اتفقت قريش على أن تقوم بحرب شاملة ضد المسلمين، تشفي غيظها، وتروي غلة حقدها، وأخذت في الإستعداد للخوض في مثل هذه المعركة.

وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبد الله بن أبي ربيعة أكثر زعماء قريش نشاطا وتحمسا لخوض المعركة.

وأول ما فعلوه بهذا الصدد أنهم احتجزوا العير التي كان قد نجا بها أبو سفيان والتي كانت سببا لمعركة بدر، وقالوا للذين كانت فيها أموالهم: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرا، فأجابوا لذلك، فباعوها، وكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار، وفي ذلك أنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال: ٣٦] .

ثم فتحوا باب التطوع لكل من أحب المساهمة في غزو المسلمين من الأحابيش وكنانة وأهل تهامة، وأخذوا لذلك أنواعا من طرق التحريض، حتى إن صفوان بن أمية أغرى أبا عزة الشاعر- الذي كان قد أسر في بدر فمنّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأطلق سراحه بغير فدية، وأخذ منه العهد بأن لا يقوم ضده- أغراه على أن يقوم بتحريض القبائل ضد المسلمين، وعاهده أنه إن رجع عن الغزوة حيا يغنيه، وإلا يكفل بناته، فقام أبو عزة بتحريض القبائل بأشعاره التي كانت تذكي حفائظهم، كما اختاروا شاعرا آخر- مسافع بن عبد مناف الجمحي- لنفس المهمة.

1/2251/225

وكان أبو سفيان أشد تأليبا على المسلمين بعد ما رجع عن غزوة السويق، خائبا لم ينل ما في نفسه، بل أضاع مقدارا كبيرا من تمويناته في هذه الغزوة.

وزاد الطينة بلّة- أو زاد النار إذكاء، إن صح هذ التعبير- ما أصاب قريشا أخيرا في سرية زيد بن حارثة من الخسارة الفادحة التي قصمت فقار اقتصادها، وزودها من الحزن والهم ما لا يقادر قدره، وحينئذ زادت سرعة قريش في استعدادها للخوض في معركة تفصل بينهم وبين المسلمين.

قوام جيش قريش وقيادته

ولما استدارت السنة كانت مكة قد استكملت عدتها، واجتمع إليها من المشركين ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش، ورأى قادة قريش أن يستصحبوا معهم النساء، حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال دون أن تصاب حرماتهم وأعراضهم، وكان عدد هذه النسوة خمس عشرة امرأة وكان سلاح النقليات في هذا الجيش ثلاثة آلاف بعير ومن سلاح الفرسان مائتا فرس ١ جنبوها طول الطريق، وكان من سلاح الوقاية سبعمائة درع.

  1. ١زاد المعاد ٢/ ٩٢ وهو المعروف، وفي فتح الباري مائة فرس ٧/ ٣٤٦.

وكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان بن حرب، وقيادة الفرسان إلى خالد بن الوليد، يعاونه عكرمة بن أبي جهل، أما اللواء فكان إلى بني عبد الدار.

جيش مكة يتحرك

تحرك الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام نحو المدينة، وكانت التارات القديمة والغيظ الكامن يشعل البغضاء في القلوب، ويشف عما سوف يقع من قتال مرير.

الإستخبارات النبوية تكشف حركة العدو

وكان العباس بن عبد المطلب يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية، فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رسالة مستعجلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ضمنها جميع تفاصيل الجيش.

وأسرع رسول العباس بإبلاغ الرسالة، وجدّ في السير حتى إنه قطع الطريق بين مكة والمدينة- التي تبلغ مسافتها إلى خمسمائة كيلو مترا- في ثلاثة أيام، وسلم الرسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد قباء.

1/2261/226

قرأ الرسالة على النبيّ صلى الله عليه وسلم أبيّ بن كعب، فأمره بالكتمان، وعاد مسرعا إلى المدينة، وتبادل الرأي مع قادة المهاجرين والأنصار.

استعداد المسلمين للطوارئ

وظلت المدينة في حالة استنفار عام، لا يفارق رجالها السلاح، حتى وهم في الصلاة، استعدادا للطوارئ.

وقامت مفرزة من الأنصار- فيهم سعد بن معاذ، وأسيد بن حصير، وسعد بن عبادة- بحراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يبيتون على بابه وعليهم السلاح.

وقامت على مداخل المدينة وأنقابها مفرزات تحرسها، خوفا من أن يؤخذوا على غرة.

وقامت دوريات من المسلمين- لاكتشاف تحركات العدو- تتجول حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للإغارة على المسلمين.

الجيش المكي إلى أسوار المدينة

وتابع جيش مكة سيره على الطريق الغربية الرئيسة المعتادة، ولما وصل إلى الأبواء اقترحت هند بنت عتبة- زوج أبي سفيان- بنبش قبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيد أن قادة الجيش رفضوا هذا الطلب، وحذروا من العواقب الوخيمة التي تلحقهم لو فتحوا هذا الباب.

ثم واصل جيش مكة سيره حتى اقترب من المدينة، فسلك وادي العقيق ثم انحرف منه إلى ذات اليمين، حتى نزل قريبا بجبل أحد في مكان يقال له عينين، في بطن السبخة، من قناة على شفير الوادي- الذي يقع شمالي المدينة- فعسكر هناك يوم الجمعة السادس من شهر شوال سنة ثلاث من الهجرة.

المجلس الإستشاري لأخذ خطة الدفاع

ونقلت استخبارات المدينة أخبار جيش مكة خبرا بعد خبر، حتى الخبر الأخير عن معسكره، وحينئذ عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا استشاريا عسكريا أعلى، تبادل فيه الرأي لاختيار الموقف، وأخبرهم عن رؤيا رآها، قال «إني قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا يذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته وتأول الدرع بالمدينة» .

1/2271/227

ثم قدم رأيه إلى صحابته ألايخرجوا من المدينة. وأن يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون بمعسكرهم أقاموا بشر مقام وبغير جدوى، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، وكان هذا هو الرأي. ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبيّ بن سلول- رأس المنافقين- وكان قد حضر المجلس بصفته أحد زعماء الخزرج. ويبدو أن موافقته لهذا الرأي لم تكن لأجل أن هذا هو الموقف الصحيح من حيث الوجهة العسكرية، بل ليتمكن من التباعد عن القتال دون أن يعلم بذلك أحد، وشاء الله أن يفتضح هو وأصحابه- لأول مرة- أمام المسلمين، وينكشف عنهم الغطاء الذي كان كفرهم ونفاقهم يكمن وراءه، ويتعرف المسلمون في أحرج ساعتهم على الأفاعي التي كانت تتحرك تحت ملابسهم وأكمامهم.

فقد بادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، فأشاروا على النبيّ صلى الله عليه وسلم بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، حتى قال قائلهم: يا رسول الله، كنا نتمنى هذا اليوم وندعوا الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير، اخرج إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنّا عنهم.

وكان في مقدمة هؤلاء المتحمسين حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم- الذي كان قد رأى فرند سيفه في معركة بدر- فقد قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة ١ .

  1. ١السيرة الحلبية ٢/ ١٤.

ورفض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه أمام رأي الأغلبية، واستقر الرأي على الخروج من المدينة، واللقاء في الميدان السافر.

تكتيب الجيش الإسلامي وخروجه إلى ساحة القتال

ثم صلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالناس يوم الجمعة، فوعظهم وأمرهم بالجد والإجتهاد، وأخبر أن لهم النصر بما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك.

ثم صلى بالناس العصر، وقد حشدوا وحضر أهل العوالي، ثم دخل بيته، ومعه صاحباه أبو بكر وعمر، فعمماه وألبساه، فتدجج بسلاحه، وظاهر بين درعين- أي لبس درعا فوق درع- وتقلد السيف، ثم خرج على الناس.

1/2281/228

وكان الناس ينتظرون خروجه، وقد قال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج، فردوا الأمر إليه، فندموا جميعا على ما صنعوا، فلما خرج قالوا له: يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت، إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته- وهي الدرع- أن يضعها، حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ١ » .

  1. ١رواه أحمد والنسائي ومحاكم وابن إسحاق.

وقسم النبيّ صلى الله عليه وسلم جيشه إلى ثلاث كتائب: ١- كتيبة المهاجرين، وأعطى لواءها مصعب بن عمير العبدري.

٢- كتيبة الأوس من الأنصار، وأعطى لواءها أسيد بن حضير.

٣- كتيبة الخزرج من الأنصار، وأعطى لواءها الحباب بن المنذر.

وكان الجيش متألفا من ألف مقاتل، فيهم مائة دارع وخمسون فارسا ١ ، وقيل لم يكن من الفرسان أحد، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة، وأذن بالرحيل، فتحرك الجيش نحو الشمال، وخرج السعدان أمام النبيّ صلى الله عليه وسلم يعدوان دراعين.

  1. ١قاله ابن القيم في الهدى ٢، ٩٢. وقال ابن حجر: هو غلط بين. وقد جزم موسى بن عقبة بأنه لم يكن معهم في أحد شيء من الخيل، ووقع عند الواقدي كان معهم فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس لأبي بردة (فتح الباري ٧/ ٣٥٠) .

ولما جاوز ثنية الوداع رأى كتيبة حسنة التسليح منفردة عن سواد الجيش، فسأل عنها، فأخبر أنهم اليهود من حلفاء الخزرج ١ ، يرغبون المساهمة في القتال ضد المشركين، فسأل: هل أسلموا؟ فقالوا: لا. فأبى أن يستعين بأهل الكفر على أهل الشرك.

  1. ١روى ذلك ابن سعد وفيه أنهم من بني قينقاع (٢/ ٣٤) ومعلوم أن بني قينقاع كان قد تم إجلاؤهم عقب بدر.

استعراض الجيش

وعندما وصل إلى مقام يقال له: (الشيخان) استعرض جيشه، فرد من استصغره ولم يره مطيقا للقتال، وكان منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد، وأسيد بن ظهير، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وعرابة بن أوس، وعمرو بن حزم، وأبو سعيد الخدري، وزيد بن حارثة الأنصاري، وسعد بن حبة، ويذكر في هؤلاء البراء بن عازب، لكن حديثه في البخاري يدل على شهوده القتال ذلك اليوم.

1/2291/229

وأجاز رافع بن خديج، وسمرة بن جندب على صغر سنهما، وذلك أن رافع بن خديج كان ماهرا في رماية النبل فأجازه، فقال سمرة: أنا أقوى من رافع. أنا أصرعه، فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أمرهما أن يتصارعا أمامه، فتصارعا، فصرع سمرة رافعا، فأجازه أيضا.

المبيت بين أحد والمدينة

وفي هذا المكان أدركهم المساء، فصلى المغرب، ثم صلى العشاء، وبات هنالك، وانتخب خمسين رجلا لحراسة المعسكر يتجولون حوله، وكان قائدهم محمد بن مسلمة الأنصاري، بطل سرية كعب بن الأشرف، وتولى ذكوان بن عبد قيس حراسة النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة.

تمرد عبد الله بن أبي وأصحابه

وقبل طلوع الفجر بقليل أدلج، حتى إذا كان بالشوط صلى الفجر، وكان بمقربة جدا من العدو فقد كان يراهم ويرونه، وهناك تمرد عبد الله بن أبي المنافق، فانسحب بنحو ثلث العسكر- ثلاثمائة مقاتل- قائلا: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟ ومتظاهرا بالإحتجاج بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك رأيه وأطاع غيره.

ولا شك أن سبب هذا الإنعزال لم يكن هو ما أبداه هذا المنافق من رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه، وإلا لم يكن لسيره مع الجيش النبوي إلى هذا المكان معنى. بل لو كان هذا هو السبب لا نعزل عن الجيش منذ بداية سيره، بل كان هدفه الرئيسي من هذا التمرد- في ذلك الظرف الدقيق- أن يحدث البلبلة والإضطراب في جيش المسلمين على مرأى ومسمع من عدوهم، حتى ينحاز عامة الجيش عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتنهار معنويات من يبقى معه، بينما يتشجع العدو، وتعلو همته لرؤية هذا المنظر، فيكون ذلك أسرع إلى القضاء على النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه المخلصين، ويصحو بعد ذلك الجو لعودة الرياسة إلى هذا المنافق وأصحابه.

وكان المنافق ينجح في تحقيق بعض ما يهدف إليه، فقد همت طائفتان- بنو حارثة من الأوس، وبنو سلمة من الخزرج- أن تفشلا، ولكن الله تولاهما، فثبتتا بعد ما سرى فيهما الإضطراب وهمتا بالرجوع والإنسحاب، وعنهما يقول الله تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا، وَاللَّهُ وَلِيُّهُما، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٢٢] .

1/2301/230

وحاول عبد الله بن حرام- والد جابر بن عبد الله- تذكير هؤلاء المنافقين بواجبهم في هذا الظرف الدقيق، فتبعهم وهو يوبخهم ويحضهم على الرجوع، ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فرجع عنهم عبد الله بن حرام قائلا: أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه.

وفي هؤلاء المنافقين يقول الله تعالى: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا، وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا، قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا، قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ، هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ [آل عمران: ١٦٧] .