Uhud
Shawwal, year 3 · his age ﷺ 55
The sources speak in their Arabic; the English translation under each text is still to be written.
عرفت هذه الغزوة باسم الجبل الذي وقعت عنده، ويقع في شمال المدينة وكان يرتفع ١٢٨ مترا أما الآن فيرتفع ١٢١ مترا فقط بسبب عوامل التعرية، ويبعد عن المسجد النبوي خمسة أكيال ونصف الكيل ١ بدءا من باب المجيدي أحد أبواب المسجد النبوي، ويتكون أحد من صخور جرانيتية حمراء وله رءوس متعددة، ويقابله من جهة الجنوب جبل صغير يسمى "عينين" وهو الذي عرف بعد المعركة بجبل الرماة، وبين الجبلين واد عرف بوادي قناة.
- ١الكيل مصطلح أطلقه المجمع العلمي بدمشق على الكيلو متر. وانظر عن تقدير المسافة (العياشي: المدينة بين الماضي والحاضر ص ١٢) وهو: عبد القدوس الأنصاري: آثار المدينة المنورة ١٩٧.
وقد وقعت هذه المعركة نتيجة هجوم شنته قريش على المدينة ولم يمر على غزوة بدر سوى سنة واحدة وشهر، واستهدفت الثأر لقتلاها ببدر، وإنقاذ طرق التجارة إلى الشام من سيطرة المسلمين واستعادة مكانتها عند العرب بعد أن زعزعتها موقعة بدر. وقد اتفق كتاب السيرة على أن أحد كانت في شوال في السنة الثالثة من الهجرة، واختلفوا في اليوم الذي وقعت فيه، وأشهر الأقوال أنها في يوم السبت للنصف من شوال ١ .
- ١روى ذلك خليفة بن خياط بإسناد فيه مجهول عن الزهري ويزيد بن رومان (تاريخ خليفة ٩٧) والطبري - بإسناد فيه حسين عبد الله الهاشمي وهو ضعيف - عن عكرمة (تفسير الطبري ٧/ ٣٩٩) وهو أصح ما في الباب على ضعفه.
وقد ذكر ابن إسحق عن جمع من شيوخه أن قريشا أعدت لغزوة أحد منذ هزيمتها ببدر حيث خصصت القافلة التجارية التي نجت ١ أو أرباحها ٢ لتجهيز جيشها. ويذكر ابن إسحق أنهم أخرجوا معهم ثماني نسوة سماهن في حين يذكر الواقدي أنهن أربع عشرة سماهن ٣ . وبلغ عدد جيش قريش ثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فرس جعلوا على ميمنتها خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل ٤ . وكان فيهم سبعمائة دارع ٥ .
- ١سيرة ابن هشام ٣/ ١ وشيوخ ابن إسحق فيهم الثقات والضعفاء وقد جمع كلامهم ولم يميزه وبعضهم من صغار التابعين فروايتهم مرسلة ضعيفة ولكن في مثل هذا الخبر يتساهل عادة.
- ٢الواقدي: المغازي ١/ ٢٠٠.
- ٣سيرة ابن هشام ٣/ ٦ دون إسناد ومغازي الواقدي ١٥٨ وهو ضعيف.
- ٤سيرة ابن هشام ٣/ ٨ - ١٢ من رواية ابن إسحق دون إسناد والطبري: تاريخ ٣/ ٥٠٤ من رواية الواقدي. ولا تصح رواية في ذلك وإنما هي أقوال الإخباريين المعنيين بذلك.
- ٥الطبري: تاريخ ٣/ ٥٠٤ من رواية الواقدي.
يتكون جيش المشركين من قريش ومن أطاعها من كنانة وأهل تهامة ١ . وقد علم المسلمون بقدوم جيش المشركين لغزو المدينة، ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم رؤيا - ورؤيا الأنبياء حق وهي من الوحي - حكاها لأصحابه فقال: "رأيت في رؤيا أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد كأحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت بقرا - والله خير - فإذا هم المؤمنون يوم أحد" ٢ . وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا بأن هزيمة تكون في أصحابه وقتلا يقع فيهم ٣ ، وفي رواية أخرى: "ورأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة" ٤ .
- ١ابن إسحق دون إسناد (سيرة ابن هشام ٣/ ٤ ومغازي الواقدي ١/ ١٠١).
- ٢رواه البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٧٤).
- ٣و
- ٤رواه أحمد (الفتح الرباني ٢١/ ٥٠ وقال الساعاتي: سنده صحيح). وانظر روايات أخرى في الفتح الرباني ٢١/ ٥ وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٤٥ كلاهما بإسناد رجاله ثقات وفيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس.
وقد شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في البقاء في المدينة والتحصن فيها "وكانت المدينة قد شبكت بالبنيان فهي كالحصن" ١ أو الخروج لملاقاة جيش قريش فقال: "إنا في جنة حصينة" . فقال ناس من أصحابه من الأنصار: يا نبي الله إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع من الغزو في الجاهلية، فبالإسلام أحق أن نمتنع منه، فابرز إلى القوم، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته ٢ . فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتم بغيره، فاذهب يا حمزة فقل لنبي الله صلى الله عليه وسلم (أمرنا لأمرك تبع) فأتى حمزة فقال له: (يا نبي الله إن القوم قد تلاوموا فقالوا: أمرنا لأمرك تبع) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز) ٣ . ومن الواضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم عود أصحابه على التصريح بآرائهم عند مشاورته لهم حتى لو خالفت رأيه، فهو إنما يشاورهم فيما لا نص فيه تعويدا لهم على التفكير في الأمور العامة ومعالجة مشاكل الأمة، فلا فائدة من المشورة إذا لم تقترن بحرية إبداء الرأي، ولم يحدث أن لام الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا لأنه اخطأ في اجتهاده ولم يوفق في رأيه، وكذلك فإن الأخذ بالشورى ملزم للإمام، فلا بد أن يطبق الرسول صلى الله عليه وسلم التوجيه القرآني ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٤ لتعتاد على ممارسة الشورى، وهنا يظهر الوعي السياسي عند الصحابة رضوان الله عليهم، فرغم أن لهم إبداء الرأي إلا أنه ليس لهم فرضه على القائد فحسبهم أن يبينوا رأيهم ويتركوا للقائد حرية اختيار ما يترجح لديه من الآراء فلما رأوا أنهم ألحوا في الخروج وأن الرسول صلى الله عليه وسلم عزم على الخروج بسبب إلحاحهم عادوا فاعتذروا إليه، لكن الرسول الكريم علمهم درسا آخر هو من صفات القيادة الناجحة وهو عدم التردد بعد العزيمة والشروع في التنفيذ، فإن ذلك يزعزع الثقة بها ويغرس الفوضى بين الأتباع.
- ١عبد الرزاق: المصنف ٥/ ٣٦٣.
- ٢اللأمة: الدرع الحصينة وسائر أداة الحرب.
- ٣تفسير الطبري ٧/ ٣٧٢ بإسناد حسن إلى قتادة مرسل لكن الإمام أحمد وصله من طريق أبي الزبير عن جابر نحوه وفيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس وتقوية رواية البيهقي بسند حسن عن ابن عباس وبمجموع الطرق يصح الحديث كذلك حكم عليه الألباني في فقه السيرة.
- ٤سورة آل عمران: آية ١٥٩.
وتتلخص دوافع الراغبين في الخروج بإظهار الشجاعة أمام الأعداء، وبرغبة الذين فاتتهم المشاركة في غزة بدر أن يشاركوا في موقعة مماثلة.
أما رأي الرسول صلى الله عليه وسلم ومن وافقه فمبني على الإفادة من حصون المدينة في الدفاع مما يقلل من خسائر المدافعين ويزيد من خسائر المهاجمين، ثم الإفادة من طاقات سائر السكان حتى الذين لا يستطيعون القتال في الميادين المكشوفة من النساء والصبيان.
وعلى أية حال فقد ارتفعت راية سوداء ١ وثلاثة ألوية، لواء المهاجرين يحمله مصعب بن عمير، فلما قتل حمله علي بن أبي طالب، لواء الأوس يحمله أسيد بن حضير ولواء الخزرج يحمله الحباب بن المنذر ٢ . واجتمع تحتها ألف من المسلمين والمتظاهرين بالإسلام، معهم فرسان فقط ومائة دارع ٣ .
- ١خليفة بن خياط (تاريخ ٦٧) بإسناد حسن إلى سعيد بن المسيب مرسلا ومراسيله قوية.
- ٢مغازي الواقدي ١/ ٣٣، وانظر الاستعياب لابن عبد البر ٣/ ٤٥٠ ولم تصح رواية في موضوع الألوية.
- ٣الطبري: تاريخ ٣/ ٥٠٤ وابن سعد: الطبقات ٣/ ٤٤.
ولبس رسول الله صلى الله عليه وسلم درعين ١ . رغم علمه بأن الله تعالى يعصمه من القتل تعويدا لأمته على الأخذ بالأسباب المادية ثم التوكل على الله.
- ١الحاكم: المستدرك ٣/ ٢٥ وصححه ووافقه الذهبي.
وخرج الجيش الإسلامي إلى أحد مخترقا الجانب الغربي من الحرة الشرقية ١ حيث انسحب المنافق عبد الله بن أبي بن سلول بثلثمائة من المنافقين، مدعيا أنه لن يقع قتال مع المشركين!! معترضا على قرار الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج بقوله (أطاعهم وعصاني) ٢ .
- ١منطقة ملعب التعليم الآن، وكان يجري فيها سباق الخيل قديماً (العياشي: المدينة بين الماضي والحاضر ٣٦٩ والبلادي: معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية ص ١٧٠).
- ٢ابن إسحق (سيرة ابن هشام ٣/ ٨ - ١٢) بدون إسناد.
أما الواقدي فذكر أن انسحاب المنافقين كان من منطقة الشيخين قريبا من منطقة أحد ١ . وقد بين القرآن الكريم أن انسحاب عبد الله بن أبي بالمنافقين إنما هو تنقية لصف المؤمنين وتمييز لهم فلا يبقى فيهم من يرجف ويخذل. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ٢ . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ ٣ . وقد ورد في رواية مرسلة لابن إسحق عن شيوخه أن عبد الله بن عمرو بن حرام حاول إقناع المنافقين بالعودة فأبوا وذكروا ما حكته الآية الكريمة السابقة، فقال: "أبعدكم الله أعداء الله فسيغنى الله عنكم نبيه" ٤ .
- ١تاريخ الطبري ٣/ ٥٠٤ وطبقات ابن سعد ٣/ ٤٤.
- ٢سورة آل عمران: آية ١٧٩.
- ٣سورة آل عمران: آية ٦٦، ٦٧.
- ٤سيرة ابن هشام ٣/ ٩.
وقد ظهر رأيان في أوساط الصحابة، الأول: يرى قتل المنافقين الذين خذلوا المسلمين بعودتهم واشنقاقهم عن الجيش. والثاني: لا يرى قتلهم، وقد بين القرآن الكريم موقف الفريقين في الآية ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ ١ .
- ١النساء: ٨٨ والحديث في مسند أحمد ٥/ ١٨٤، ١٨٧ بإسناد رجاله ثقات، وقد رواه البخاري (فتح الباري ٤/ ٩٦) ومسلم: الصحيح ٤/ ٢١٤٢ حديث رقم ٢٧٧٦.
وقد أثر موقف المنافقين في نفوس طائفتين من المسلمين ففكروا بالعودة إلى المدينة، ولكنهم غالبوا الضعف الذي ألم بهم, وانتصروا على أنفسهم بعد أن تولاهم الله تعالى فدفع عنهم الوهن، فثبتوا مع المؤمنين وهما بنو سلمة (من الخزرج) وبنو حارثة (من الأوس) ١ . وقد صور القرآن الكريم موقف الطائفتين فقال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ...﴾ ٢ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٥٧ و ٨/ ٣٢٥). وصحيح مسلم ٢/ ٤٠٢ وسيرة ابن هشام ٣/ ٦٧.
- ٢سورة آل عمران: آية ١٢٢.
وفي موقع الشيخين عسكر جيش المسلمين واستعرض الرسول صلى الله عليه وسلم صغار السن الذين لا طاقة لهم بقتال ممن هم أبناء أربع عشرة سنة أو أقل فردهم سوى رافع بن خديج أجازه لما قيل له أنه رام، وسمرة بن جندب لما علم أنه أقوى من رافع ١ ، وبلغ عدد من ردهم من صغار السن أربعة عشر صبياً سماهم ابن سيد الناس ٢ وقد صح أن ابن عمر منهم ٣ وموقف هؤلاء الصبيان وهم مقبلون على الموت بشجاعة ورغبة يبعث على الدهشة حقا، وقد تنافسوا في ذلك متطلعين إلى نيل الشهادة في سبيل الله دون أن يجبرهم قانون للتجنيد أو تدفع بهم قيادة غاشمة إلى ميدان القتال، ولكن أليست هذه سمات التربية المحمدية ومزايا الروح الإسلامية؟
- ١ابن إسحق (ابن هشام: السيرة ٣/ ١١) والواقدي: مغازي ١/ ١٠٩. وابن حزم: جوامع السيرة ١٥٩ ولم تصح في ذلك رواية. ولكن شتان بين صحة الأخبار حديثياً - وهي عزيزة - وبين نفيها.
- ٢عيون الأثر ٢/ ٧.
- ٣رواه البخاري (فتح الباري ٥/ ٢٧٦) وصحيح مسلم ٢/ ١٤٢.
وقد تقدم الجيش الإسلامي إلى ميدان أحد، واتخذ مواقعه بموجب خطة محكمة حيث نظم الرسول صلى الله عليه وسلم صفوف جيشه جاعلا ظهورهم إلى جبل أحد ووجوههم تستقبل المدينة، وجعل خمسين من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير فوق جبل عينين المقابل لأحد لحماية المسلمين من التفاف خيالة المشركين عليهم وشدد عليهم بلزوم أماكنهم وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا مكانكم" ١ . وبذلك سيطر المسلمون على المرتفعات تاركين الوادي لجيش قريش الذي تقدم وهو يواجه أحد وظهره إلى المدينة.
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٦/ ١٦٢).
وتشير روايات ضعيفة - حديثياً - إلى وقوع مبارزة قبل التحام الجيشين بين علي بن أبي طالب وطلحة بن عثمان حامل لواء المشركين وأن عليا قتله ١ ، وإلى محاولة أبي عامر الفاسق (الراهب) - الذي كان من زعماء الأوس وترك المدينة فالتحق بالمشركين - إقناع الأوس بالالتحاق به، لكنهم ردوه رداً شديداً ٢ .
- ١الطبري بإسناد صحيح لكنه من مراسيل السدي (تفسير ٧/ ٢٨١).
- ٢سيرة ابن هشام ٣/ ١٣ ومغازي الواقدي ١/ ٢٢٣ وهو من رواية عاصم بن عمر بن قتادة ولم يسنده.
وقد اشتد القتال بين الجيشين وتراجع المشركون إلى معسكرهم فقد أبدى المسلمون بطولة فائقة فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ سيفا فيقول: من يأخذ مني هذا؟ فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا. أنا قال: من يأخذه بحقه؟ قال: فأحجم القوم. فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه. قال: فأخذه ففلق به هام المشركين ١ . وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الأبطال. فلما طلب سباع بن عبد العزى المبارزة تصدى له فقتله، وكان وحشي مولى جبير بن مطعم قد وعده مولاه أن يعتقه إن قتل حمزة - وكان حمزة قد قتل عمه طعيمة بن عدي ببدر - فكمن له وحشي تحت صخرة فلما دنا منه رماه بحربته فقتله غيلة ٢ ، وهل لمثل وحشي أن ينازل حمزة منازلة الأبطال أو يواجهه كما يفعل الرجال!!
- ١صحيح مسلم ٢/ ٣٨٤.
- ٢رواه البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٦٧) من حديث وحشي نفسه
واستشهد آخرون في هذه المرحلة الأولى من القتال منهم حامل الراعية داعية الإسلام مصعب بن عمير. قال خباب: "هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى - أو ذهب - لم يأكل من أجره شيئا كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يترك إلا نمرة (أي كساء) كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطى بها رجلاه خرج رأسه. فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: " غطوا بها رأسه واجعلوا الأذخر أو قال ألقوا على رجليه من الأذخر " ١ .ولما استشهد مصعب بن عمير أخذ علي بن أبي طالب اللواء ٢ . وقد أشارت الآية الكريمة ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ ٣ إلى قتل المسلمين للمشركين بإذن الله في هذه المرحلة من القتال.
- ١من وراية البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٧٥) والإذخر: نبات معروف زكي الريح وإذا جف أبيض (المصباح / ١/ ٢٤٥).
- ٢تاريخ خليفة ٦٧ من مرسل سعيد بن المسيب ومراسيله قوية.
- ٣سورة آل عمران: آية ١٥٢، والحس: القتل.
فلما رأى الرماة هزيمة المشركين قالوا لعبد الله بن جبير: "الغنيمة الغنمية ظهر أصحابكم فما تنتظرون. فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة" ١ . ثم انطلقوا يجمعون الغنائم.
- ١من رواية البخاري (فتح الباري ٦/ ١٦٢).
وتبين رواية مرسلة للسدي ما حدث بعد نزول الرماة، فقد رأى خالد بن الوليد - وكان على خيالة المشركين - الفرصة سانحة ليقوم بالالتفاف حول المسلمين، ولما رأى المشركون ذلك عادوا إلى القتال من جديد ١ . وأحاطوا بالمسلمين من جهتين، وفقد المسلمون مواقعهم الأولى، وأخذوا يقاتلون دون تخطيط، بل لم يعودوا يميزون بعضهم، فقد قتلوا اليمان - والد حذيفة بن اليمان - وهو شيخ كبير وابنه يصيح فيهم: أبي. فأجهزوا عليه فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ٢ !!
- ١البداية والنهاية ٤/ ٢٣.
- ٢الحاكم: المستدرك ٣/ ٢٠٢ وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي ومسند أحمد ٤/ ٢٦٠٩ ط. شاكر.
ولم ينفع بأس المسلمين وحرارة قتالهم ما دام لا تحكمه خطة منظمة، فأخذوا يتساقطون شهداء في الميدان وقد فقد المسلمون اتصالهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وشاع أنه قد قتل ١ .
- ١فتح الباري ٧/ ٣٦١ من رواية البخاري.
وأسقط في يد المسلمين، ففر كثيرون منهم من ميدان القتال، وانتحى بعضهم جانبا فجلس دون قتال ١ في حين آثر آخرون الموت على الحياة بعد فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أنس بن النضر الذي كان يأسف لعدم شهوده بدرا ويقول: "والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله كيف أصنع" . فلما رأى في أحد بعض المسلمين جلوسا محتارين صاح "واها لريح الجنة أجد دون أحد" فقاتل حتى قتل ووجد في جسده بضع وثمانون أثرا من بين ضربة ورمية وطعنة حتى ما عرفته أخته الربيع بنت النضر إلا ببنانه، ونزلت فيه وفي أمثاله من المجاهدين الصادقين هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ٢ . وقد أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بعد المعركة يتفقد أنس بن النضر، فوجده بين القتلى وبه رمق فما كان منه - بعد أن رد علي سلام الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن قال: "أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي من الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفر يطرف. وفاضت عينه ٣ . فما أروعها من وصية وما أقواه من التزام لا يؤثر فيه الموت وآلام الجراحات!!.
- ١انظر عن قعود البعض سيرة ابن هشام ٣/ ٣٣ وتفسير الطبري ٧/ ٢٥٦.
- ٢ابن المبارك: كتاب الجهاد ٦٣ والبخاري (فتح الباري ٦/ ٢١، ٧/ ٢٧٤، ٨/ ٥١٧). وانظر عن سبب النزول أيضا وأنه في مصعب (الحاكم: المستدرك ٣/ ٢٠٠) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
- ٣من رواية ابن إسحق بإسناد رجاله ثقات (مجمع البحرين ٢/ ٢٣٩ وشرح المواهب ٢/ ٤٤).
وقد حكى القرآن خبر فرارهم والعفو عنهم فقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ١ . ويبدو أنهم ترخصوا في الفرار لسماعهم بخبر قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ٢ وكان أول من عرف بأن الرسول صلى الله عليه وسلم حي هو كعب بن مالك فنادى في المسلمين يبشرهم فأمره الرسول بالسكوت لئلا يفطن له المشركون ٣ .
- ١سورة آل عمران: آية ١٥٥.
- ٢ابن الجوزي: زاد المسير ١/ ٤٨٣.
- ٣الحاكم: المستدرك ٣/ ٢٠١ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي وقال: صحيح.
وقد صمدت فئة قليلة كانت حول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ثبت في الميدان ولم تزعزعه الأحداث كما هو شأنه عليه الصلاة والسلام في سائر المواقف الصعبة، فكان يدعو أصحابه كما حكى القرآن الكريم ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ١ . وخلص بعض المشركين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه وهو في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فقال: "من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ فقاتلوا عنه واحدا واحدا حتى استشهد الأنصار السبعة ٢ . ثم قاتل عنه طلحة بن عبيد الله قتالا مشهورا حتى شلت يده بسهم أصابها ٣ ، وقاتل سعد بن أبي وقاص بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يناوله السهام ويقول: " إرم فداك أبي وأمي " ٤ وكان سعد من مشاهير الرماة. ودافع أبو طلحة الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان راميا، فكان النبي يشرف على القتال فيقول له أبو طلحة: " لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك " وكان إذا مر الرجل معه جعبة السهام يقول الرسول: " انثرها لأبي طلحة " ٥ . وقد عبر الرسول عن إعجابه بقتاله فقال: " لصوت أبي طلحة في الجيش أشد على المشركين من فئة" ٦ .
- ١سورة آل عمران: آية ١٥٣، وتصعدون أني تهربون في بطون الأودية والشعاب. (تفسير الطبري ٧/ ٣٠١ - ٣٠٢).
- ٢صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٤٦.
- ٣من رواية البخاري (الفتح ٧/ ٣٥٩).
- ٤من رواية البخاري (الفتح ٧/ ٣٥٨).
- ٥من رواية البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٦١).
- ٦رواه أحمد (الفتح الرباني ٢٢/ ٥٨٩) بإسناد رجاله ثقات.
ورغم استبسال الصحابة في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أصيب إصابات كثيرة فكسرت رباعيته وشج وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الإسلام" فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ١ . لقد استبعد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يوفق الله من آذوه بهذه الصورة فأخبره الله سبحانه بأن ذلك ليس ببعيد إن أراد الله هدايتهم، فقال عليه الصلاة والسلام لما طمع بإسلامهم "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ٢ .
- ١صحيح مسلم ٢/ ١٤٩ وسيرة ابن هشام ٣/ ٢٩ والبخاري معلقا. (فتح الباري ٧/ ٣٦٥).
- ٢صحيح مسلم ٢/ ١٤٩.
وقد ورد أن أبا دجانة كان يحمي الرسول صلى الله عليه وسلم بظهره حتى كثر النبل فيه، وأن قتادة بن النعمان أبلى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن عينه أصيبت فردها الرسول صلى الله عليه وسلم بيده فكانت أحسن عينيه ١ . وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال "في الجنة فألقى ثمرات في يده ثم قاتل حتى قتل ٢ .
- ١ابن إسحق من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة، ولم تثبت من طريق صحيحة، ولكن اشتهرت في كتب السيرة دون إسناد أو بمراسيل (سيرة ابن هشام ٣/ ٨٢ ط السقا ومغازي الواقدي ١/ ٢٤٢ والبداية والنهاية ٤/ ٢٣).
- ٢صحيح البخاري (الفتح ٧/ ٣٥٤) وصحيح مسلم ٢/ ١٥٤ وهذا الرجل المبهم آخر غير عمير بن الحمام الذي استشهد ببدر.
وكان عبد الله بن جحش قد دعا ربه فقال: (إني أقسم أن نلقي العدو فإذا لقينا العدو أن يقتلوني ثم يبقروا بطني ثم يمثلوا بي فإذا لقيتك سألتني: فيم هذا؟ فأقول: فيك.
فلقى العدو ففعل ذلك به) ١ .
- ١الحاكم: المستدرك ٣/ ١٩٩ من مرسل سعيد بن المسيب وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لولا إرسال فيه. وقال الذهبي (مرسل صحيح) قلت: لأن مراسيل سعيد ابن المسيب قوية.
وقد أبى عمرو بن الجموح- وكان أعرج شديد العرج مما يسقط عنه الجهاد - إلا أن يشهد المعركة مع أبنائه الأربعة طلبا لشهادة، فقال للرسول صلى الله عليه وسلم: "أرأيت إن قتلت اليوم أطأ بعرجتي هذه الجنة؟ قال: نعم قال: فوالذي بعثك بالحق لأطأن بها الجنة اليوم إن شاء الله ثم قاتل حتى قتل ١ .
- ١ابن المبارك: كتاب الجهاد ٦٩ من مرسل عكرمة وابن إسحق عن أبيه عن أشياخ من بني سلمة (سيرة ابن هشام ٣/ ٤٤) وتقويان ببعضهما لتعدد المخارج.
واستشهد حنظلة بن أبي عامر الغسيل وهو جنب، وكان عروسا ليلة أحد فسمع النداء بالخروج فعجل بالخروج ولم يغتسل فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "إن صاحبكم لتغسله الملائكة " ١ !!
- ١الحاكم: المستدرك ٣/ ٢٠٤وقال: صحيح على شرط مسلم وسكت عنه الذهبي وقال الألباني: الحديث حسن فقط لأن ابن إسحق إنما أخرج له مسلم في المتابعات وله شاهد عند ابن عساكر، قال عنه: هذا حديث حسن صحيح (الأحاديث الصحيحة ٤/ ٣٦ رقم ٣٢٦).
وقتل في أحد مخيريق الذي كان من علماء يهود بني النضير وكان قد أوصى بأمواله - إن قتل - للرسول صلى الله عليه وسلم فقبلها ١ .
- ١سيرة ابن هشام ٢/ ١٥٢، ١٤٨ ولم يصح في إسلامه حديث ولكن نص على ذلك ابن إسحق والواقدي دون إسناد، ويؤيده أن ابن حجر ترجم له في الصحابة (الإصابة ٦/ ٥٧ وانظر عن أموال مخيريق هذه طبقات ابن سعد ١/ ٥٠١ - ٥٠٣ وتركة النبي ٧٨).
وقد أبى شيخان كبيران تركهما الرسول صلى الله عليه وسلم في الحصون مع النساء والأطفال عند خروجه إلا اللحاق به والاشتراك في القتال طلبا للشهادة وهما اليمان والد حذيفة بن اليمان وثابت بن وقش فاستشهدا في الميدان. فأما ثابت فقتله المشركون، وأما اليمان فقتله المسلمون خطأ ووداه الرسول صلى الله عليه وسلم فتصدق ابنه حذيفة بديته مما زاده عند الرسول خيراً ١ .
- ١سيرة ابن هشام ٣/ ٤٠ والحاكم: المستدرك ٣/ ٢٠٢ وقال: حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وسارع عمرو بن أقيش إلى أحد، وكان للإسلام كارها، فلما رآه المسلمون منعوه، فقال: "إني قد آمنت " فقاتل حتى جرح فحمل إلى أهله جريحا، فجاءه سعد بن معاذ فقال لأخته: " سليه حمية لقومك أو غضباً لهم أو غضبا لله؟ فقال: بل غضبا لله ولرسوله، فمات فدخل الجنة وما صلى لله صلاة" ١ !!
- ١سنن أبي داؤد ٢/ ١٩ ومستدرك الحاكم ٣/ ٢٨.
وقد ثبت أن رجلاً ١ أخبر الناس الرسول صلى الله عليه وسلم عن حسن بلائه. فقاله: إنه من أهل النار، ثم أخبرهم الرجل بأنه إنما قاتل عصبية لقومه وليس لله. وقد انتحر بسهمه لما آلمته الجراح!!
- ١سماه ابن إسحق "قزمان" ووافقه الواقدي (سيرة ابن هشام ٣/ ٤ ومغازي الواقدي ١/ ٢٣٦).
وفي هذين الخبرين آية وبيان لمكان النية في الجهاد، فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ومن قاتل لغير ذلك من الأهداف مهما سمت في نظر الناس فليس بشهيد ١ .
- ١الهيثمي: المقصد العلي ١ /ق ٨٠ من رواية أبي يعلي وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
وقد خرجت بعض النسوة مع جيش المسلمين إلى أحد منهن أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية التي اضطرت للقتال دفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جرحت جراحا كثيرة ١ . وكانت حمنة بنت جحش الأسدية تسقي العطشي وتداوي الجرحى ٢ . وثبت أن أم سليط كانت تحمل قرب الماء لسقاية المسلمين ٣ .
- ١ابن هشام: السيرة ٣/ ٣٢ بإسناد منقطع. ومغازي الواقدي ١/ ٢٦٨ وهو ضعيف جداً.
- ٢مجمع الزوائد ٩/ ٢٩٢ وقال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن.
- ٣فتح الباري ٧/ ٣٦٦.
وصح أن عائشة (رض) وأم سليم قامتا بسقي الجرحى بعد تراجع المسلمين ١ .وهذه الآثار تدل على جواز الانتفاع بالنساء عند الضرورة لمداواة الجرحى وخدمتهم إذا أمنت فتنتهن مع لزومهن الستر والصيانة، ولهن أن يدافعن عن أنفسهن بالقتال إذا تعرض لهن الأعداء. مع أن الجهاد فرض على الرجال وحدهم إلا إذا داهم العدو ديار الإسلام فيجب قتاله من الجميع رجالاً ونساء.
- ١فتح الباري ٦/ ٧٨ وشرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ١٨٩.
ورغم ما أصاب المسلمين من جراح، وما لحق بالرسول صلى الله عليه وسلم من أذى فقد استمر القتال بين الطرفين وأجهد الجانبين.
وقد بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بالانسحاب نحو شعاب أحد وقد لحق به المسلمون حتى صعد في أحد شعابه وتمكن المسلمون من صد المشركين عنه، وقد ثبت أن الله تعالى أرسل جبريل وميكائيل من الملائكة ليقاتلا دفاعا عنه لأن الله تعالى تكفل بعصمته من الناس ١ . ولم يصح أن الملائكة قاتلت في أحد سوى هذا القتال. وإن وعدهم الله تعالى أن يمدهم، لأنه جعل وعده معلقاً على ثلاثة أمور: الصبر والتقوى وإتيان الأعداء من فورهم، ولم تتحقق هذه الأمور فلم يحصل الإمداد ٢ . ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ٣
- ١رواه البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٥٨ و ١٠/ ٢٨٢) وصحيح مسلم (٢/ ٣٢١).
- ٢تفسير ابن كثير ١/ ٤٠١.
- ٣سورة آل عمران: آية ١٢٤ - ١٢٥.
وكان المسلمون مغتمين لما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم ولما أصابهم فأنزل الله تعالى عليهم النعاس فناموا يسيرا ثم أفاقوا وقد زال عنهم الخوف وامتلأت نفوسهم طمأنينة، قال أبو طلحة الأنصاري: "كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط فآخذه" ١ . وقال تعالى ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ . وهذه الطائفة التي أهمتها نفسها دون أن تفكر بمصاب المسلمين ومصير الإسلام هي المنافقون الذين قال قائلهم: (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا) ٢ . ولا شك أن النعاس أعاد للمسلمين بعض طاقتهم ونشطهم للدفاع عن أنفسهم خلال الانسحاب، وقد تبعهم بعض المشركين منهم أبي بن خلف الجمحي وقد حلف أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرماه الرسول بحربة فجرحه فرجع إلى أصحابه ومات في طريق عودتهم من أحد ٣ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٦٥).
- ٢تفسير الطبري ٧/ ٣٢٣ وتفسير ابن كثير ١/ ٤١٨.
- ٣الطبري: تفسير ٧/ ٢٥٤ وتاريخ ٤/ ٢٣ من مرسل السدي. وابن سعد: الطبقات ٢/ ٤٦ من مرسل سعيد بن المسيب ومراسيله قوية، ووصله الواحدي في أسباب النزول ص ٥٦. والخبر تواردته كتب السيرة. (سيرة ابن هشام ٣/ ٣٥ - ٣٦ ومغازي الواقدي ١/ ٢٥٢.
· · · · · · · · · · · · · · · · · · · · ·