al-Muraysi' (Banu al-Mustaliq)
Sha'ban 5; or 4, or 6 · his age ﷺ 57
The sources speak in their Arabic; the English translation under each text is still to be written.
١ - وقت الغزوة
اختلف العلماء في ذلك وانحصرت أقوالهم فيها في ثلاثة أقوال، فمن قائل أنها سنة ست، قال بذلك ابن إسحاق إمام المغازي، وتبعه على ذلك خليفة بن خياط، وابن جرير الطبري، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن العربي، وابن الأثير، وابن خلدون، فقد صرح كل منهم بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة السادسة للهجرة ١ .
- ١تاريخ خليفة ص ٨٠، جوامع السير ابن حزم ص: ٢٠٦، الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص: ٢٠٠ - ٢٠٢، عارضه الأحوذي لابن العربي: ١٢/ ٤٩، تاريخ ابن خلدون: ٢/ ٢٩، الكامل لابن الأثير: ٢/ ١٩٢، تاريخ الطبري: ٢/ ٦٠٤.
ولابن حزم رأي آخر، وافقه عليه عدد من العلماء، منهم مالك بن أنس وموسى بن عقبة، والبخاري، وابن قتيبة ويعقوب بن سفيان الفسوي والنووي، وابن خلدون أنها كانت في شعبان من العام الرابع للهجرة ١ .
- ١البداية والنهاية ابن كثير: ٤/ ٩٣ - ٩٤، وفتح الباري: ٧/ ٤٢٨، والمعرفة والتاريخ للفسوي: ٣/ ٢٥٧، شرح صحيح مسلم للنووي: ٤/ ٥٣٢، وابن خلدون في تاريخه: ٢/ ٢٩، المعارف ابن قتيبة ص ٧٠.
وذهبت طائفة إلى أنها كانت في شعبان من السنة الخامسة للهجرة وذهب إلى هذا القول: موسى بن عقبة، وابن سعد، وابن قتيبة، والبلاذري، والذهبي، وابن القيم وابن حجر العسقلاني، وابن كثير رحمهم الله ومن المحدثين الخضري بك، والغزالي، والبوطي، وأبو شهبة والشيخ الساعاتي، وهذا القول هو الأصح والأظهر، والله أعلم؛ لأن الأدلة كلها متظاهرة ومتفقة على تأييد هذا القول، ومن هذه الأدلة: أ - روى البيهقي عن عروة، وموسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أنه قال: "ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس" ١ .
- ١البداية والنهاية: ٣/ ٢٤٢، ٤/ ١٥٦، طبقات ابن سعد: ٢/ ٦٣، المعارف لابن قتيبة ص: ٧٠، أنساب الأشراف البلاذري ص: ٣٤١، ٣٤٣، العبر في خبر من غبر: ١/ ٧، تاريخ الإِسلام: ٢/ ٢٧٢ وكلاهما للذهبي، ابن القيم رحمه الله (زاد المعاد: ٣/ ٢٥٦، نور اليقين: ص: ١٥٢، فقه السيرة الغزالي: ٣١٦، فقه السيرة البوطي القسم الثاني: ٩٣، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: ١٩٦، الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد الشيباني: ١٤/ ١٠٩، فتح الباري: ٧/ ٤٣٠.
ب - قال ابن كثير: قال موسى بن عقبة عن الزهري: "هذه مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل فيها، يوم بدر في رمضان سنة ثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق -وهو يوم الأحزاب وبني قريظة- في شوال أربع، ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس" .
ثم أورد ابن كثير قول البخاري عن موسى بن عقبة "أنها سنة أربع" ١ وعقب عليه بقوله: هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة أنها سنة أربع، والذي حكاه موسى بن عقبة، عن الزهري وعن عروة أنها كانت في شعبان سنة خمس ٢ .
- ١أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٩/ ٥٤: ١٣٠ البخاري في المغازي باب غزوة بني المصطلق فتح الباري: ٧/ ٤٢٨.
- ٢البداية والنهاية: ٣/ ٢٤٢، ٤/ ١٥٦.
وعقب ابن حجر العسقلاني في فتح الباري على قول البخاري "وقال موسى ابن عقبة سنة أربع" بقوله: "كذا ذكره البخاري، وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس، فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق، أخرجها الحاكم، وأبو سعيد النيسابوري، والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس.
ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب ثم قاتل رسول الله ﷺ بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس) ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد (عن ابن عمر أنه غزا مع النبي ﷺ بني المصطلق في شعبان سنة أربع) ولم يؤذن له في القتال؛ لأنه إنما أذن له فيه في الخندق كما تقدم، وهي بعد شعبان سواء قلنا أنها كانت خمس أو سنة أربع). وقال الحاكم في الإكليل: قول عروة وغيره أنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق. قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك: أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك كما سيأتي، فلو كانت المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها، لكان ما وقع في الصحيح من ذكره سعد بن معاذ غلطًا، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل سنة أربع.
فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان، لتكون قد وقعت قبل الخندق؛ لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضًا، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودًا في المريسيع ورُميَ بعد ذلك بسهم ومات من جراحته في قريظة، ويؤيده أيضًا أن حديث الإفك كان سنة خمس، إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة، فيكون المريسيع بعد ذلك فيرجح أنها سنة خمس" ١ .
- ١فتح الباري: ٧/ ٤٣٠، في المغازي باب غزوة بني المصطلق وغزوة أنمار.
٢ - سبب غزوهم
كان لذلك أسبابًا عدة منها: ١ - تأييد هذه القبيلة لقريش وتكتلها معها في معركة أحد ضد المسلمين، وذلك ضمن كتلة الأحابيش ١ التي كانت في الجيش المكي.
- ١الأحابيش: هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة، وسمو بذلك لأنهم تحالفوا وتعاقدوا مع قريش على أنهم يد على من سواهم، وكان ذلك عند جبل بأسفل مكة يقال له حبشي فنسبوا إليه، وقيل سموا بذلك لتجمعهم والتحبش التجمع، والحباشة الجماعة، لسان العرب ابن منظور: ٨/ ١٦٦، القاموس المحيط الفيروز آبادي: ٢/ ٢٦٧.
٢ - سيطرة هذه القبيلة على الخط الرئيسي المؤدي إلى مكة، فكانت حاجزًا منيعًا من نفوذ المسلمين إلى مكة.
٣ - من أهم الأسباب في هذه الغزوة أن قبيلة بني المصطلق أخذت تجمع المجموع لغزو المدينة المنورة، وقد أطمعها في التفكير في غزو المدينة والتصميم على ذلك انتصار المشركين في غزوة أحد، فلما بلغ رسول الله ﷺ ذلك أعد عدته، واتخذ التدابير المناسبة، وباغتهم في مكانهم، وهزمهم شر هزيمة. ٤٠٦ - قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثني ببعض حديث بني المصطلق قال: "بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له … " فذكر الحديث ١ .
- ١قال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٤٢، رواه الطبراني ورجاله ثقات، وانظر سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٩٠، وسنده صحيح.
٤٠٧ - من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : "أن ابن عون قال: كتبت إلى نافع فكتب إلى أن النبي ﷺ أغار علي بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية، حدثني به ابن عمر وكان في ذلك الجيش" لفظ البخاري، وفي لفظ مسلم، قال ابن عون: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإِسلام، قد أغار رسول الله ﷺ علي بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبي سبيهم" الحديث فذكر بقية الحديث " ١ .
- ١أخرجه البخاري في العتق باب من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع رقم: ٢٥٤١، وسلم في كتاب الجهاد باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام رقم:١٧٣٠، أبو داود في الجهاد باب في دعاء المشركين: ٢٦٣٢، وأحمد في المسند: ٢/ ٣١، ٣٢، ٥١، شرح معاني الآثار للطحاوي كتاب السير: ٣/ ٢٠٩، السنن الكبرى للبيهقي: ٩/ ٥٤، ٩/ ١٠٧، كتاب الأموال لأبي عبيد ص: ١٧٥.
ترك الشيخ محمَّد الغزالي رواية البخاري ومسلم المتفق عليها في طريقة غزوه ﷺ لبني المصطلق وأثبت أثرًا مخالفًا، وعلل ذلك بقوله "وفي الوقت الذي فسحت مكانًا لهذا الأثر -على ما به- صددت عن إثبات رواية البخاري ومسلم مثلًا للطريقة التي تمت بها غزوة بني المصطلق، فإن رواية الصحيحين تشعر بأن الرسول ﷺ باغت القوم وهم غارون، ما عرضت عليهم دعوة الإِسلام، ولا بدا من جانبهم نكوص، ولا عرف من أحوالهم ما يقلق … " إلى آخر كلامه ١ وقد جانب الشيخ الصواب لأسباب عدة منها: ١ - صحة حديث ابن عمر وصراحته في ذلك، وهو ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، فلا يرده رأي يراه أي إنسان أو قول يحب أن ينصره.
- ١فقه السيرة محمَّد الغزالي ص: ١٠ تحت عنوان حول أحاديث هذا الكتاب.
٢ - صرح كثير من العلماء بأن من بلغته الدعوة العامة إلى الإِسلام وقربت داره، أو حاول النيل من المسلمين أنه يجوز مباغتته على غرة ١ .
- ١صحيح مسلم بشرح النووي: ٤/ ٣٤٣، شرح معاني الآثار للطحاوي: ٣/ ٢٠٧ - ٢١٠ المدونة الكبرى لمالك: ٢/ ٢ تحفة الأحوذي: ٥/ ١٥٥ - ١٥٦، فتح الباري: ٦/ ١١٢، ٧/ ٣٤٠،٤٤٥.
٣ - أن المستند الذي استند عليه الشيخ الغزالي حفظه الله لم تثبت صحته، في أثناء ذكره لسياق حديث غزوة بني المصطلق، وهو لا يقاوم الحديث الصحيح المسند المتفق على صحته إن كان صحيحًا فما بالك وهو ضعيف.
٤ - ذكر الدكتور أكرم ضياء العمري حفظه الله أنه "لا يمكن معارضة آية قرآنية، أو حديث صحيح، برواية من كتب التاريخ والأدب.
وقال في موطن آخر "ولا شك أن مادة السيرة في كتب الحديث موثقة يجب الاعتماد عليها، وتقديمها على روايات كتب المغازي والتواريخ العامة، وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحة؛ لأنها ثمرة جهود جبارة قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث ونقده سندًا ومتنًا. وهذا التدقيق والنقد الذي حظي به الحديث، لم تحظ به الكتب التاريخية" .
٣ - أحداث الغزوة
٤٠٨ - وعن محمَّد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله ابن أبي بكر ومحمد بن يحيى ابن حبان كل قد حدثني ببعض حديث بني المصطلق قال: "بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث، زوج رسول الله ﷺ .
فلما سمع بهم رسول الله ﷺ خرج إليهم، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق (وقتل الحارث بن أبي ضرار أبا جويرية) ، وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم.
وكان رسول الله ﷺ أصاب منهم سبيًا كثيرًا، قسمه بين المسلمين (وكان فيما أصاب يومئذ جويرية بنت أبي ضرار سيدة قومها) .
وقد أصيب رجل من المسلمين من بني كلب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ، وقد وفد مقيس بن صبابة من مكة مسلمًا فيما يظهر، فقال: يا رسول الله جئتك مسلمًا، وجئت أطلب دية أخي، قتل خطأ.
فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه هشام بن صبابة، فأقام عند رسول الله ﷺ غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدًا، وأصيب من بني المصطلق يومئذ ناس، وقتلَ علي بن أبي طالب منهم رجلين مالكًا وابنه، وقتل عبد الرحمن بن عوف رجلًا من فرسانهم يقال له: أحمر، أو أحيمر " ١ .
- ١ابن هشام في السيرة: ٢٩٠ - ٢٩٣، وسنده صحيح إلى ابن إسحاق وقد صرح بالتحديث وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٤٢، رواه الطبراني ورجاله ثقات، ومدار الحديث على ابن إسحاق ورجاله ثقات وهم رجال الصحيح غير أنه مرسل، ويشهد له حديث عبد الله بن عمر فإنه صريح في وجود القتل والسبي وبذلك يكون الحديث حسنًا لغيره.
وليس بين هذا الحديث وبين حديث ابن عمر في الصحيح تعارض، فقد جمع ابن حجر رحمه الله بينهما بقوله: "ويحتمل أن يكون لما دهم المسلمون بني المصطلق وهم على الماء ثبتوا قليلًا وقاتلوا، ولكن وقعت الغلبة عليهم " ١ .
- ١فتح الباري: ٧/ ٤٣٠ - ٤٣١، في التعليق علي حديث غزوة بني المصطلق في المغازي.
٤ - شعار المسلمين في غزوة بني المصطلق
٤٠٩ - من حديث سنان بن وبرة قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق فكان شعارهم: "يا منصور أمت أمت" ١ .
- ١مجمع الزوائد: ٦/ ١٤٢، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وإسناده حسن، وهو كما قال الهيثمي وإن كان فيه الحارث بن رافع الجهني قال فيه في التقريب مقبول عملًا بقاعدة تحسين الحديث للمستور إذا كان من التابعين كما هو مذهب ابن كثير وابن رجب رحمهما الله تعالى.
٥ - قصة جويرية بنت الحارث وزواج النبي عليه السلام بها
٤١٠ - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، وكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها. قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي، فكرهتها وعرفته أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عمه له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابي. قال: (فهل لك خير من ذلك؟) قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: (أقضي كتابتك وأتزوجك) ، قالت: نعم يا رسول الله، قال: (قد فعلت) . قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا ما بيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها" ١ .
- ١أخرجه أحمد في المسند: ٦/ ٢٧٧، والحاكم: ٤/ ٢٦، وسكت عنه هو والذهبي وأخرجه ابن هشام في السيرة النبوية وقد صرح ابن إسحاق بالسماع وسنده متصل: ٢/ ٢٩٤ والطبراني في الكبير: ٢٤/ ٦١ وقال الساعاتي في الفتح الرباني: ١٤/ ١٠٩ - ١١٠ سنده جيد. أبو داود في كتاب العتق باب في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة: ٣٩٣١ وسنده حسن- وقد صرح ابن إسحاق بالسماع وسنده متصل.
٦ - محاولة المنافقين إثارة الفتنة بين المسلمين في هذه الغزوة
٤١١ - من حديث جابر بن عبد الله قال: "كنا مع النبي ﷺ في غزوة، قال: يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع ١ رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول الله ﷺ فقال: (ما بال دعوى جاهلية؟) قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: (دعوها فإنها منتنة) .
- ١كسع: ضرب دبره أخرجه بيد أو رجل أو سيف.
فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ثم أن المهاجرين كثروا بعدا " ١ .
- ١أخرجه البخاري في التفسير باب قوله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ رقم: ٤٩٠٥، ٤٩٠٧، مسلم كتاب البر والآداب والصلة باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا رقم: ٢٥٨٤، والترمذي في التفسير باب ومن سورة المنافقين حديث رقم: ٣٣١٥، وقال حسن صحح أحمد في المسند: ٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣، والطيالسي: ٢/ ٧٦ رقم: ٢٢٧٢، والحميدي: ١٢٣٩، واللفظ لأحمد.
كيف عالج رسول الله عليه الصلاة والسلام
٤١٢ - من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه : قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ". وقال: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله, فاجتهد يمينه ما فعل، قالوا: كذب زيد رسول الله ﷺ فوقع في نفسي ما قالوا شدة حتى أنزل الله عز وجل تصديقي في قوله: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فبعث إليَّ النبي فقرأ فقال: (إن الله قد صدقك يا زيد) ١ .
- ١أخرجه البخاري في التفسير سورة المنافقين باب إذا جاءك المنافقون رقم: ٤٩٠٠، ٤٩٠١، ٤٩٠٢، ٤٩٠٣، ٤٩٠٤، مسلم أول صفات المنافقين رقم: ٢٧٧٢، الترمذي في التفسير باب ومن سورة المنافقين حديث رقم: ٣٣١٢، وقال حسن صحيح: ٣٣١٣ وقال حسن صحيح: ٣٣١٤ وقال حسن صحح، وأحمد في المسند: ٤/ ٣٦٩، ٣٧٣.
٤١٣ - من طريق محمَّد بن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثني حديث بني المصطلق وساق الحديث، وذكر قصة الأنصار والمهاجرين والخصومة بينهما إلى أن قال: (… فغضب عبد الله بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم: زيد بن أرقم غلام حدث! فقال: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدّنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حصره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم.
فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله ﷺ ، وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ من عدوه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله ﷺ : (فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه! لا, ولكن أذن بالرحيل) وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله ﷺ ، حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله، ما قلت ما قال، ولا تكلمت به -وكان في قومه شريفًا عظيمًا- فقال من حضر رسول الله ﷺ من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، حدبًا على ابن أبي بن سلول، ودفعًا عنه.
فلما استقل رسول الله ﷺ وسار، لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة، ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله ﷺ : (أوما بلغك ما قال صاحبكم؟) قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: (عبد الله بن أبي) ، قال: وما قال: قال: (زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأنت يا رسول الله، والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى إنك قد استلبته ملكًا.
ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدد يومهم ذلك، حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ ليشتغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي" إلى أن قال: وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: (كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت ١ له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته). قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري" ٢ :
- ١لأرعدت له أنف: انتفخت واضطربت أنوفهم حمية وعصبية.
- ٢سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢ والحديث رجاله ثقات ولكنه مرسل، وابن جرير الطبري في تاريخه: ٢/ ٦٠٥، وله شاهد مرسل من طريق عروة عند ابن أبي حاتم قال فيه ابن حجر، أنه مرسل جيد فتح الباري: ٨/ ٦٤٩، وأصله في الصحيحين كما سبق من حديث زيد بن أرقم، وجابر بن عبد الله وبهذا يكون الحديث حسنًا لغيره.
موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه
٤١٤ - في رواية الترمذي لحديث جابر السابق الذكر عن غزوة بني المصطلق ومحاولة المنافقين إثارة الفتنة زيادة لطيفة ليست عند البخاري ومسلم حيث قال الترمذي بعد قول النبي لعمر: (دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) ، وقال غير عمرو (يعني ابن دينار) : فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز ففعل ١ .
- ١سبق تخريجه دون هذه الزيادة من حديث جابر رقم: ٤١١، فانظر هناك.
وقد جاء موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه واستئذانه لرسول الله ﷺ في أربعة أحاديث كلها منقطعة، ولكن رجالها ثقات عند الحميدي ١ من طريق أبي هارون، وعند الطبراني من طريق عروة بن الزبير، قال فيه الهيثمي ٢ رجاله رجال الصحيح، ومن طريق عاصم بن عمر بن قتادة عند ابن جرير الطبري وابن هشام في السيرة ٣ ، ومن طريق عكرمة وابن زيد عند ابن كثير في التفسير والتاريخ ٤ .
- ١مسند الحميدي: ٢/ ٥٢٠.
- ٢مجمع الزوائد: ٩/ ٣١٨.
- ٣سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣، ابن جرير التاريخ: ٢/ ٦٠٨ تفسير: ٢٨/ ١١٦.
- ٤تفسير ابن كثير: ٤/ ٣٧٢، تاريخ البداية والنهاية: ٤/ ١٥٨.
ولكن مجموع هذه الطرق يؤيد بعضها بعضًا، وترتقي إلى درجة الحسن لغيره، ويقويها رواية الترمذي السابقة الذكر، وقد جاء أيضًا ما يقويها من حديث أبي هريرة دون ذكر أنها كانت في غزوة بني المصطلق.
٤١٥ - من حديث أبي هريرة قال: "مر رسول الله ﷺ بعبد الله بي أبي وهو في ظل أطم ١ فقال: عبر علينا ابن أبي كبشة (يعني بذلك رسول الله) فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله، والذي أكرمك لئن شئت لآتينك برأسه، فقال: (لا ولكن بر أباك وأحسن صحبته) " ٢ .
- ١أطم: بناء مرتفع.
- ٢قال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٣١٨، رواه البزار ورجاله ثقات.
هبوب ريح شديدة لموت عظيم من المنافقين
٤١٦ - من حديث ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان. "أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة بني المصطلق سلك بالناس طريق الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له نقعاء، فلما راح رسول الله ﷺ هبت على الناس ريح شديدة آذتهم، وتخوفوها، فقال رسول الله ﷺ : (لا تخافوها، فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار، فلما قدموا المدينة، وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بن قينقاع، وكان عظيمًا من عظماء يهود، وكهفًا للمنافقين، مات في ذلك اليوم …) " ١ .
- ١سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٩٢ وهو مرسل رجاله ثقات وصرح ابن إسحاق بالتحديث.
وقد وصله الإِمام مسلم، وعبد بن حميد، وأحمد من طريق آخر عن جابر دون ذكر أن الريح كانت في غزوة بني المصطلق وسأكتفي هنا بإيراد رواية مسلم.
٤١٧ - من حديث جابر رضي الله عنه قال: أن رسول الله ﷺ قدم من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله ﷺ قال: (بعثت هذه الريح لموت منافق، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات) ١ .
- ١أخرجه مسلم في كتاب صفة المنافقين رقم: ٢٧٨٢ أحمد في المسند: ٣/ ٣١٥، ٣٤١، ٣٤٦ وأبو يعلى في مسنده: ٤/ ٢٠١، والطبري في تاريخه: ٢/ ٦٠٧ والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٦١.
وبهذا الشاهد يعلم أن حديث ابن إسحاق يصبح حسنًا لغيره.
· · · · · · · · · · · · · · · · · · · ·