غزوة ذات الرقاع في سنة أربع
The sources speak in their Arabic; the English translation under each text is still to be written.
الباب الخامس والعشرون في غزوة ذات الرقاع
وهي غزوة محارب، وبني ثعلبة، وسببها أنّ قادما قدم بجلب إلى المدينة، فاشتراه منه أهلها، فقال للمسلمين: إنّ بني أنمار بن بغيض، وبني سعد بن ثعلبة قد جمعوا لكم جموعا، وأراكم هادئين عنهم، فبلغ ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فاستخلف على المدينة- قال ابن إسحاق: أبا ذرّ الغفاري، وقال محمد بن عمر وابن سعد وابن هشام: عثمان بن عفان، وخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من المدينة ليلة السبت لعشر خلون من المحرم. في أربعمائة أو سبعمائة، أو ثمانمائة، وسلك على المضيق، ثم أفضى إلى وادي الشّقرة، فأقام فيها يوما، وبثّ السّرايا، فرجعوا منها مع الليل وخبّروه أنهم لم يروا أحدا، ووطئوا آثارا حديثة، فسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أصحابه حتى أتى نخلا، وأتى مجالسهم، فلم يجد فيها أحدا إلا نسوة، فأخذهن وفيهن جارية وضيئة، وقد هربت الأعراب في رؤوس الجبال، وهم مطلّون على المسلمين. قال ابن إسحاق: فلقي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جمعا من غطفان، فتقارب الناس، ولم يكن بينهم قتال، فخاف الفريقان بعضهم من بعض، خاف المسلمون أن يغير المشركون عليهم، وهم غارّون، وخاف المشركون أن لا يبرح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى يستأصلهم.
ولما حانت الصلاة- صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بأصحابه صلاة الخوف.
وروى البيهقي عن جابر- رضي الله عنه- قال: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الظهر، فهمّ به المشركون، فقالوا: دعوهم فإن لهم صلاة بعد هذه أحبّ إليهم من أبنائهم، فنزل جبريل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخبره، فصلى العصر صلاة الخوف. قال ابن سعد: وكان ذلك أول ما صلّاها، ثم انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- راجعا إلى المدينة.
وبعث بجعال- بضم الجيم، وبالعين المهملة، واللام، ابن سراقة- رضي الله عنه- بشيرا إلى أهل المدينة بسلامة المسلمين.
وغاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خمس عشرة ليلة.
وقد وقع في هذه الغزوة آيات كثيرة: روى أكثرها جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه-.
روى البزار والطبراني في الأوسط عنه، قال: كانت غزوة ذات الرقاع تسمّى غزوة الأعاجيب- انتهى. منها ما وقع عند إرادة غوث بن الحرث الفتك برسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
روى الشيخان وغيرهما من طرق عن جابر- رضي الله عنه- قال: غزونا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قبل نجد- وفي رواية ذات الرقاع، فلمّا قفل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أدركته القائلة يوما بواد كثير العضاة فنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تحت ظل شجرة فعلّق بها سيفه، فنمنا نومة، فإذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدعونا فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال: «إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله. قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله- ثلاث مرّات، فشام السيف وجلس، ولم يعاقبه رسول الله- صلى الله عليه وسلم [ (١) ] .
ولهذه القصة طرق تأتي مع بعض ما يتعلّق بها من الفوائد في أبواب عصمته- صلى الله عليه وسلم- ممن أراد الفتك به.
ومنها قصة الصبيّ الذي به جنون، روى البزار والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم عن جابر- رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة ذات الرقاع حتى إذا أتى حرّة وأقم، حضرت امرأة بدويّة بابن لها، فقالت: يا رسول الله، هذا ابني قد غلبني عليه الشيطان، ففتح فاه فبزق فيه، فقال: «اخسأ عدو الله أنا رسول الله ثلاثا، ثم قال: «شأنك بابنك لن يعود الله بشيء، مما كان يصيبه»
روى محمد بن عمر، وأبو نعيم عن جابر- رضي الله عنه- قال في غزوة ذات الرقاع: جاء علبة بن زيد الحارثي- رضي الله عنه- بثلاث بيضات أداحي، فقال يا رسول الله: وجدت البيضات هذه في مفحص نعام، فقال: دونك يا جابر، فاعمل هذه البيضات فعملتهن، ثم جئت بهنّ في قصعة فجعلت أطلب خبزا فلا أجده، فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يأكلون من ذلك البيض بغير خبز حتى انتهى إلي حاجته والبيض في القصعة كما هو، ثم قام فأكل منه عامة أصحابه، ثم رحنا مبردين [ (٣) ] .
ومنها قصة الرجل الذي دعا عليه- صلى الله عليه وسلّم- بضرب رقبته: روى محمد بن عمر، والحاكم، وأبو نعيم عن جابر- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رأى على رجل ثوبا مخروقا، فقال: ما له غيره؟ فقالوا له ثوبان جديدان في العيبة، فأمره بلبسهما، فلما ولّى الرجل، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أليس هذا أحسن؟ ماله ضرب الله عنقه؟» فسمعه الرجل فقال: يا رسول الله في سبيل الله تعالى، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- في سبيل الله فقتل الرجل في وقعة اليمامة [ (١) ] .
ومنها قصة الجمل الّذي شكا إليه حاله.
روى البزار، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم عن جابر- رضي الله عنه- قال: رجعنا من غزوة ذات الرقاع، حتى إذا كنا بمهبط الحرة، أقبل جمل يرقل، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أتدرون ما قال هذا الجمل؟» هذا جمل يستعديني على سيّده، يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين، وأنه أراد أن ينحره، اذهب يا جابر إلى صاحبه فأت به، فقلت: لا أعرفه. فقال: إنه سيدلّك عليه» فخرج بين يديّ مقنعا، حتى وقف على صاحبه، فجئت به فكلمه- صلى الله عليه وسلم- في شأن الجمل [ (٢) ] .
ومنها قصة جمل جابر- رضي الله عنه- روى الإمام أحمد عن جابر- رضي الله عنه- قال: فقدت جملي في ليلة مظلمة، فمررت على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقال: «مالك» . فقلت يا رسول الله!! فقدت جملي، فقال: «ذاك جملك، اذهب فخذه» . فذهبت نحو ما قال فلم أجده، فرجعت إليه، فقال مثل ذلك، فذهبت فلم أجده، فرجعت إليه، فانطلق معي حتّى أتينا الجمل، فدفعه إليّ [ (٣) ] .
قصة أخرى
روى الإمام أحمد، وأبو نعيم والشيخان، ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عمر من طرق عن جابر- رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة بني ثعلبة، وخرجت على ناضح لي، فأبطأ عليّ، وأعياني حتى ذهب الناس، فجعلت أرقبه، وهمّني شأنه فأتى على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «ما شأنك» ، فقلت: يا رسول الله!! أبطأ عليّ جملي، فأناخ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعيره، فقال: «معك ماء» ؟ فقلت: نعم. فجئته بقعب من ماء، فنفث فيه ثم نضح على رأسه وظهره، وعلى عجزه. ثم قال: «أعطني عصا» ، فأعطيته عصا معي، أو قال: قطعت له عصا من شجرة، ثم نخسه نخسات، ثم قرعه بالعصا، ثم قال: «اركب» فركبت فخرج- والذي بعثه بالحق- يواهق [ (٤) ] ناقته مواهقة ما تفوته ناقته، وجعلت أكفّه عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حياء منه، وجعلت أتحدث مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وبقية الحديث يأتي في باب مزاحه ومداعبته- صلى الله عليه وسلم- وفي باب كرمه وجوده، وفي باب بيعه وشرائه.
ومنها قصة الشجرتين، وقصة تخفيف العذاب عن ميتين، وقصة نبع الماء من بين أصابعه، وقصة الدّابة التي ألقاها البحر لمّا شكا المسلمون من الجوع.
روى مسلم، وأبو نعيم، والبيهقي: عن جابر- رضي الله عنه- قال: سرنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة ذات الرّقاع، حتى نزلنا واديا أفيح، وذهب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقضي حاجته، واتبعته بإداوة من ماء، فنظر فلم ير شيئاً يستتر به، وإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، وقال: «انقادي عليّ بإذن الله تعالى» فانقادت منه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أنّت الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها وقال: «انقادي عليّ بإذن الله تعالى» فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالنصف فيما بينهما لأم بينهما، يعني جمعهما فقال: «التئما عليّ بإذن الله تعالى» . فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحسّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بقدمي فيبتعد فجلست أحدّث نفسي، فحانت منّي لفتة، فإذا أنا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- مقبل، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقف وقفة فقال برأسه: «هكذا يمينا وشمالا» . ثم أقبل، فلما انتهى إلى قال: «يا جابر! هل رأيت مقامي؟» قلت: نعم يا رسول الله. قال: «فانطلق إلى الشّجرتين فاقطع من كلّ واحدة منهما غصنا وأقبل بهما، حتّى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك» . قال جابر: فقمت، فأخذت حجرا فكسرته وحسرته فانزلق لي، ثم أتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجترهما حتّى إذا قمت مقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري، ثم لحقت برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقلت: قد فعلت يا رسول الله، فعمّ ذلك؟ قال: إني مررت بقبرين يعذّبان، فأحببت بشفاعتي أن يرحه عنهما ما دام القضيبان رطبين فأتينا العسكر، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: يا جابر، ناد بالوضوء، فناديت: ألا وضوء ألا وضوء؟ يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة، وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- الماء في أشجاب له على حمازة من جريد، فقال: «انطلق إلى فلان بن فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شيء؟
فانطلقت إليه فنظرت فلم أجد فيها قطرة ماء إلّا قطرة في عزلاء شجب منها، لو انّي أفرغه بشربة يابسة؟ فأتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، قال: «اذهب فاتني به، فأتيته به، فأخذه بيده، فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو، ويغمزه بيده، ثم أعطانيه، فقال: «يا جابر، ناد بجفنة» ، فقلت: يا جفنة الركب فأتيت بها تحمل، فوضعت بين يديه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيده هكذا، فبسطها في الجفنة، ففرّق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: «خذ يا جابر، فصبّ عليّ، وقل بسم الله» فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ففارت الجفنة، ودارت حتّى امتلأت. فقال: «يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء فأتى الناس فاستقوا حتّى رووا، فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ ورفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يده من الجفنة، وهي ملأى.
وشكا الناس الجوع، فقال: «عسى الله أن يطعمكم بسيف البحر» فأتينا سيف البحر، فألقى دابة فأورينا على شقّها النّار، فشوينا، وأكلنا وطبخنا، وشبعنا. قال جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان، حتى عدّ خمسة في حجاج عينها، ما يرانا أحد حتّى خرجنا، وأخذنا ضلعا من أضلاعها، فقوسناه، ثم دعونا بأعظم رجل في الركب وأعظم جمل فدخل تحته ما يطأطئ رأسه.
ذكر قصة الطائر الذي سقط على فرخه لما صاده بعض الصحابة رضي الله عنهم
روى محمد بن عمر، وأبو نعيم- رحمه الله تعالى- عن جابر- رضي الله عنه- قال: إنّا لمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ جاء رجل من أصحابه بفرخ طائر، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- ينظر إليه، فأقبل أبواه أو أحدهما حتّى طرح نفسه في يدي الذي أخذ فرخه، فرأيت النّاس يعجبون من ذلك، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أتعجبون من هذا الطّائر؟ أخذتم فرخه، فطرح نفسه رحمة بفرخه، والله لربّكم أرحم بكم من هذا الطّائر بفرخه» .
ذكر منقبة لعباد بن بشر - رضي الله عنه
روى ابن إسحاق عن جابر- رضي الله عنه- ومحمد بن عمر عن شيوخه- رحمهما الله تعالى إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أصاب في نخل المشركين في هذه الغزوة امرأة، وكان زوجها غائبا، فلما أتى أخبر الخبر، وقفل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فحلف زوجها لا ينتهي حتّى يهريق في أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم- دما، فخرج يتبع أثر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- منزلا ليلة ذات ريح في شعب استقبله. فقال: «من رجل يكلأنا» ؟ فقام عباد بن بشر، وعمار بن ياسر- رضي الله عنهما- فقالا، نحن يا رسول الله نكلؤك، وجعلت الريح لا تسكن، وجلس الرّجلان على فم الشّعب، فقال أحدهما لصاحبه: أيّ الليل أحب إليك أن أكفيك أوّله، وتكفيني آخره؟ قال: اكفني أوّله، فنام عمار بن ياسر، وقام عبّاد يصلّي، فأقبل زوج المرأة يطلب غرّة، وقد سكنت الرّيح، فلما رأى سواد عباد من قريب قال: يعلم الله إن هذا ربيئة القوم، ففوّق سهما فوضعه فيه، فانتزعه عبّاد، فرماه بآخر فوضعه فيه، فانتزعه، فرماه بآخر فانتزعه، فلمّا غلبه الدّم ركع وسجد، ثم قال لصاحبه: اجلس فقد أتيت، فجلس عمار، فلما رأى الأعرابي عمّارا قد قام علم أنه قد تذرا به، فهرب، فقال عمار: أي أخي، ما منعك أن توقظني في أول سهم رمي به؟ قال: كنت في سورة أقرأها وهي سورة الكهف، فكرهت أن أقطعها حتى أفرغ منها، ولولا أني خشيت أن أضيّع ثغرا أمرني به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما انصرفت، ولو أتي على نفسي.
ويقال إن المرميّ عمار، قال محمد بن عمر: وأثبتها عندنا عباد بن بشر- رضي الله عنه.
وروى ابن إسحاق عن جابر- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لمّا قدم صرارا نزل به، وأمر بذبح جزور، وأقام عليها والمسلمون يومهم ذلك، فلما أمسى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دخل المدينة ودخلنا معه.
تنبيهات
الأول: اختلف في تسمية هذه الغزوة بذات الرّقاع- بكسر أوله، فقيل: هي اسم شجرة سميت الغزوة بها، وقيل: لأن أقدامهم نقبت فلقوا عليها الخرق كما في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري، وقيل: بل سمّيت برقاع كانت في ألويتهم. قال في تهذيب المطالع: والأصح أنه موضع، لقوله: حتى إذا كنا بذات الرقاع. وكانت الأرض التي نزلوها ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض. قال محمد بن عمر الأسلمي: سميت بجبل هناك فيه بقع، ورجّح السّهيلي، والنّوويّ السّبب الّذي ذكره أبو موسى الأشعري.
قال النووي- رحمه الله تعالى- ويحتمل أنها سمّيت بالمجموع، وبه جزم صاحب تهذيب المطالع. في التقريب.
الثاني: اختلف متى كانت هذه الغزوة فقال البخاري ومن تبعه: أنها كانت بعد خيبر، لأن أبا موسى الأشعري جاء من الحبشة سنة سبع بعد خيبر، كما في الصحيح في باب غزوة خيبر. وتقدّم ذكره هناك. وصح أيضا كما في الصحيح أنه شهد ذات الرّقاع، وإذا كان ذلك كذلك لزم أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وقال أبو هريرة- رضي الله عنه- صليت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة نجد صلاة الخوف. رواه البخاري تعليقا، وأبو داود، والطحاوي، وابن حبان موصولا. قال البخاري، وأبو هريرة: إنما جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلّم أيام خيبر أي فدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وتعقب بأنه لا يلزم من كون الغزوة كانت في جهة نجد، أي لا تتعدد، فإن نجدا وقع القصد إلى جهتها في عدة غزوات. وذكرت في باب صلاته- صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف ما يغنى عن إعادته، فيحتمل أن يكون أبو هريرة حضر التي بعد خيبر، لا التي قبلها، والجواب أن غزوة نجد إذا أطلقت فالمراد بها غزوة ذات الرقاع، كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة.
وكذلك عبد الله بن عمر، ذكر أنه- صلى مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- صلاة الخوف بنجد، وتقدم أن أول مشاهده الخندق، فتكون ذات الرقاع بعد الخندق.
وفي الصحيح عن جابر- رضي الله عنه- قال: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف في غزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع. قال الحافظ: قوله في غزوة السابعة، من إضافة الشيء إلى نفسه على رأي، أو فيه حذف تقديره: غزوة السفرة السابعة. وقال الكرماني [ (١) ] وغيره: تقديره غزوة السنة السابعة، أي من الهجرة، وفي هذا التقدير نظر، إذ لو كان مرادا لكان هذا نصا في أن غزوة ذات الرقاع تأخرت بعد خيبر، نعم التنصيص بأنها سابع غزوة من غزوات النبي- صلى الله عليه وسلّم- تأييد لما ذهب إليه البخاري من أنّها كانت بعد خيبر، فإنه إذا كان المراد الغزوات التي خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فيها بنفسه مطلقا، سواء قاتل أو لم يقاتل، فإن السابعة منها تقع قبل أحد، ولم يذهب أحد إلى أنّ ذات الرقاع قبل أحد إلّا ما سيأتي من تردد ابن عقبة، وفيه نظر، لأنهم متفقون على أن صلاة الخوف متأخرة عن غزوة الخندق، فتعيّن أن يكون ذات الرقاع بعد قريظة، فتعيّن أنّ المراد الغزوات التي وقع فيها القتال.
والأولى منها بدر، والثانية أحد، والثالثة الخندق، والرابعة قريظة، والخامسة المريسيع، والسادسة خيبر، فيلزم من هذا أن تكون ذات الرقاع بعد خيبر للتّنصيص على أنها السابعة، فالمراد تاريخ الوقعة لا عدد المغازي، وهذه العبارات أقرب مما وقع عند الإمام أحمد بلفظ كانت صلاة الخوف في السابعة، فإنه يصح أن يكون التقدير في الغزوة السابعة، كما يصح في غزوة السنة السابعة، قلت: لا مزيد على هذا التحقيق البليغ، فرحم الله الحافظ وجزاه خيرا.
وجزم أبو معشر: بأنها كانت بعد بني قريظة، وهو موافق لما ذهب إليه البخاري، قال في الزهر- وأبو معشر [ (٢) ] من المعتمدين في المغازي. وقال ابن القيم بعد أن ذكر الخلاف في تاريخها: الصواب تحويل غزوة ذات الرقاع من هذا الموضع، يعني كونه ذكرها بعد غزوة بني النّضير، وقبل غزوة بدر الموعد إلى بعد الخندق، بل بعد خيبر. قال: وإنما ذكرته ههنا تقليدا لأهل المغازي والسير، ثم تبيّن لنا وهمهم الثالث: قال ابن عقبة: لا ندري هل كانت ذات الرقاع قبل بدر أو بعدها، أو قبل أحد أو بعدها. قال الحافظ: وهذا التردّد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة، لأن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت، وحديث وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع يدل على تأخرها بعد الخندق.
الرابع: قال أبو الفتح- رحمه الله تعالى- جعل البخاريّ حديث أبي موسى حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر، وليس في خبر أبي موسى ما يدل على شيء من ذلك. قال الحافظ- رحمه الله تعالى- وهذا النّفي مردود، والدّلالة من ذلك واضحة كما تقدم تقريره.
وقال الإمام علاء الدين الخازن- رحمه الله تعالى- وهذا الذي ذكره البخاري ظاهر الوضوح لأن سياق الأحاديث يدل على ما قاله.
الخامس: ادعى الحافظ الدمياطي غلط الحديث الصحيح، فإن جميع أهل السير على خلافه، والجواب أن الاعتماد على ما في الحديث أولى، لأن أصحاب المغازي مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق، أنها بعد بني النّضير، وقبل الخندق في سنة أربع.
وعند ابن سعد، وابن حبّان: إنها كانت في المحرم سنة خمس وجزم أبو معشر بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق، وجزم ابن عقبة بتقديمها، لكن تردّد في وقتها كما تقدم.
وأيضا فقد ازداد حديث أبي موسى قوة بحديث أبي هريرة، وبحديث ابن عمر كما تقدم تقريره.
السادس: قيل: إنّ الغزوة التي شهدها أبو موسى، وسمّيت ذات الرقاع غير غزوة ذات الرقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف، لأن أبا موسى قال في روايته: أنهم كانوا ستة أنفس، والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف. كان المسلمون فيها أضعاف ذلك، والجواب عن ذلك أن العدد الذي ذكره أبو موسى محمول على من كان مرافقا له من إلزامه، إلا أنّه أراد من كان مع النبي- صلى الله عليه وسلم.
السابع: وقع في الصحيح «باب غزوة ذات الرقاع» وهي غزوة محارب بن خصفة من بني ثعلبة بن غطفان. قال الحافظ- رحمه الله تعالى- وهو يقتضي أن ثعلبة جدّ لمحارب، وليس كذلك، ووقع عند القابسي: خصفة بن ثعلبة، وهو أشد في الوهم. والصواب ما وقع عند ابن إسحاق وغيره، وبني ثعلبة بواو العطف، فإن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وغطفان بن سعد بن قيس عيلان، ومحارب بن خصفة بن قيس عيلان، فمحارب وغطفان ابنا عم!! فكيف يكون الأعلى منسوبا إلى الأدنى؟! وفي الصحيح في حديث جابر بلفظ محارب وثعلبة بواو العطف على الصحيح، وفي قوله ثعلبة من غطفان بميم فنون نظر أيضا كما يعلم مما تقدم، وقد يكون نسبه لجده الأعلى، وفي الصحيح من رواية بكر بن سوادة يوم محارب وثعلبة، فغاير بينهما ومحارب بضم الميم، وبالحاء المهملة والموحدة، وخصفة بفتح الخاء المعجمة، والصاد المهملة، ثم فاء، أضيف إليه محارب للتمييز عن غيره من المحاربين، فإن في مضر محارب بن فهر، وفي المغتربين محارب بن صباح، وفي عبد القيس محارب بن عمرو.
الثامن: غورث: وزن جعفر، وقيل بضم أوله، وهو بغين معجمة وواو وثاء مثلثة، مأخوذ من الغرث وهو الجوع، ووقع عند الخطيب بالكاف بدل المثلثة، وحكى الخطابي فيه غويرث بالتصغير. وحكى القاضي عن بعض رواة الصحيح: من المعارثة بالعين المهملة. قال القاضي: وصوابه بالمعجمة.
وذكر غويرث هذا الذهبي في التجريد من جملة الصحابة، ولفظ غورث بن الحرث الذي قال: من يمنعك مني؟ قال: الله تعالى- فوقع السيف من يده، قاله البخاري من حديث جابر. ا. هـ.
· · · · · · · · · · · · · · · ·