The Seerah
ع
Seerah Search the Seerah ع

غزوة ذي قرد

The sources speak in their Arabic; the English translation under each text is still to be written.

Reading in al-Salihi al-Shami · d. 942 AH · 193 texts on this event Print: تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ
Its whole telling The book on Shamela

الباب الثالث والعشرون في غزوة ذي قرد - وهي الغابة

6/956/95

والسّبب فيها إغارة عيينة بن حصن بن حذيفة الفزاري في خيل غطفان على لقاح رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

روى الشيخان، والبيهقي عن يزيد بن أبي عبيد، ومسلم وابن سعد، والبيهقي عن إياس بن سلمة بن الأكوع كلاهما عن سلمة- رضي الله عنه. وابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر ومن لا يتّهم عن عبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن عمر عن شيوخه، وابن سعد عن رجاله، أن لقاح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كانت عشرين لقحة وكانت ترعى البيضاء ودون البيضاء إلى الجبل، وهو طريق خيبر، فأجدب ما هنالك فقرّبوها إلى الغابة تصيب من أثلها وطرفائها وتغدو في الشجر، وكان الرّاعي يؤوب بلبنها كل ليلة عند المغرب [ (١) ] . قال محمد بن عمر: وكان أبو ذرّ قد استأذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى لقاحه، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إني أخاف عليك من هذه الضاحية أن تغير عليك» . ونحن لا نأمن من عيينة بن حصن وذويه وهي في طرف من أطرافهم، فألحّ عليه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «لكأني بك قد قتل ابنك وأخذت امرأتك، وجئت تتوكأ على عصاك» فكان أبو ذرّ يقول: عجبا لي، إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول: «لكأني بك» وأنا ألحّ عليه، فكان- والله- ما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال أبو ذر: والله إني لفي منزلنا، ولقاح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد روّحت وعطّفت وحلبت عتمتها، ونمنا، فلما كان الليل أحدق بنا عيينة بن حصن في أربعين فارسا، فصاحوا بنا وهم قيام فأشرف لهم ابني فقتلوه، وكانت معه امرأته وثلاثة نفر فنجوا، وتنحيت عنهم، وشغلهم عني إطلاق عقل اللّقاح، ثم صاحوا في أدبارها، فكان آخر العهد بها، ولمّا قدمت على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأخبرته تبسّم. وقال سلمة بن الأكوع: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى، وكانت لقاح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذي قرد، فبعث رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بظهره مع رباح- بفتح الراء وبالموحدة- غلام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا معه، وخرجت بفرس طلحة أندّيه مع الظّهر، فلقيت غلاما لعبد الرحمن بن عوف كان في إبل لعبد الرحمن بن عوف فأخطئوا مكانها، واهتدوا للقاح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخبرني أن لقاح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد أغار عليها عيينة بن حصن في أربعين فارسا من غطفان. قال محمد بن عمر وابن سعد: ليلة الأربعاء، قال سلمة: فقلت: يا رباح اقعد على هذا الفرس، فالحق بطلحة، وأخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن قد أغير على سرحه، وقمت على تلّ بناحية سلع، فجعلت وجهي من قبل المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات يا صباحاه أسمع ما بين لابتيها ثم انبعث القوم ومعي سيفي ونبلي، فجعلت أردّهم، وفي لفظ: أرميهم، وأعقر بهم، وذلك حين يكثر الشجر، فإذا رجع إليّ فارس جلست له في أصل شجرة، ثم رميت، فلا يقبل عليّ فارس إلا عقرت به، فجعلت أرميهم وأنا أقول: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع فألحق رجلا فأرميه وهو على رحله فيقع سهمي في الرحل حتى انتظمت كتفه فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فإذا كنت بالشجر أحرقتهم بالنّبل، وإذا تضايقت الثّنايا علوت الجبل فرميتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز حتّى ما خلق الله- تعالى- شيئا من ظهر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلا خلفته وراء ظهري واستنقذته من أيديهم.

6/966/96

قال ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا، وأكثر من ثلاثين بردة يستخفّون منها، ولا يلقون من ذلك شيئاً إلا جعلت عليه الحجارة، وجمعته على طريق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى إذا اشتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري ممدا لهم. وهم في ثنيّة ضيقه، ثم علوت الجبل، فأنا فوقهم. فقال عيينة: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح [ (١) ] ما فارقنا بسحر حتى الآن، وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم، وقال: ليقم إليه نفر منكم، فقام إليّ أربعة منهم فصعدوا في الجبل، فلما أسمعتهم الصوت قلت لهم: أتعرفونني؟ فقالوا: ومن أنت، قلت: أنا ابن الأكوع، والذي أكرم وجه محمد- صلى الله عليه وسلم- لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني. فقال رجل منهم: إني أظن فرجعوا.

ذكر حث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلب العدو وتقديمه جماعة أمامه

قال ابن إسحاق: وبلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صياح ابن الأكوع يصرخ بالمدينة «الفزع الفزع» . فترامت الخيول إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فكان أول من انتهى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من الفرسان المقداد بن عمرو، وهو الذي يقال له ابن الأسود حليف بني زهرة، زاد محمد بن عمر- نقلا عن عمارة بن غزية، وابن سعد- فنودي «يا خيل الله اركبي» ، وكان أول ما نودي بها- كذا قال، وزاد ابن عائذ عن قتادة: أن أول ما نودي «يا خيل الله اركبي» في غزوة بني قريظة، وهي قبل هذه عندهم. قال محمد بن عمر: وكان المقداد يقول: لما كانت ليلة السّرح جعلت فرسي سبحة لا تقرّ ضربا ضربا بيدها، وصهيلا، فأقول: والله إنّ لها لشأنا، فأنظر إلى آريّها [ (١) ] فإذا هو مملوء علفا، فأقول: عطشى فأعرض عليها الماء فما تريده. فلما طلع الفجر أسرجتها ولبست سلاحي، ثم خرجت حتّى أصلّي مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الصبح، فلم أر شيئاً، ودخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيته، ورجعت إلى بيتي، والفرس لا تقرّ، فوضعت سرجها والسّلاح واضطجعت، فأتاني آت فقال: إن الخيل قد صيح بها، فخرجت. قال ابن إسحاق: ثم كان أول فارس وقف على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد المقداد من الأنصار عبّاد بتشديد الموحدة ابن بشر- بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة، وسعد بسكون العين- بن زيد، وأسيد- بضم أوله وفتح ثانيه- ابن ظهير- وهن- تصغير ظهر- بظاء معجمة مشالة، ومحرز [ (٢) ] بضم الميم وسكون الحاء المهملة فراء مكسورة فزاي ابن نضلة بالنون وسكون الضاد المعجمة، وربيعة بن أكثم بالثاء المثلثة، وعكاشة بتشديد الكاف وتخفيفها ابن محصن بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وأبو عيّاش بالتحتية والشين المعجمة الزّرقي، وأبو قتادة فلما اجتمعوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أمّر عليهم سعد بن زيد، ثم قال: «اخرج في طلب القوم حتّى «ألحقك بالناس» . وقال محمد بن عمر، وابن سعد: عقد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للمقداد لواء في رمحه، وقال: «أمض حتّى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك»

6/976/97

قالا: والثّبت عندنا إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أمّر على هذه السّرية سعد ابن زيد الأشهليّ، ولكن الناس نسبوها للمقداد، لقول حسّان.. غداة فوارس المقداد. فعاتبه سعد بن زيد فقال: اضطرني الوزن إلى المقداد. قال ابن إسحاق: وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيما بلغني عن رجل من بني زريق- لأبي عيّاش: «يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالقوم» [ (٣) ] ، قال أبو عياش فقلت يا رسول الله أنا أفرس النّاس، وضربت الفرس، فو الله ما جرى بي خمسين ذراعا حتى طرحني، فعجبت إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول: «لو أعطيته أفرس منك» وأنا أقول: أنا أفرس الناس، فزعم رجال من بني زريق إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما أعطى فرس أبي عيّاش معاذ بن ماعص وكان ثامنا، أو عائذ- بالتحتية والمعجمة ابن ماعص بعين مكسورة فصاد مهملتين.

6/986/98

وذكر الطبري أن معاذ بن ماعص وأخاه قتلا يوم بئر معونة شهيدين كما سيأتي في السرايا، وبعض النّاس يعد سلمة بن الأكوع أحد الثمانية ويسقط أسيد بن ظهير- والله أعلم أي ذلك كان، فخرج الفرسان حتّى تلاحقوا، وكان أول من لحق بالقوم محرز بن نضلة، وكان يقال له الأخرم بخاء معجمة ساكنة وراء، ويقال له قمير- بضم القاف وفتح الميم.

وإنّ الفزع لمّا كان جال فرس لمحمود بن مسلمة في الحائط حين سمع صاهلة الخيل وكان فرسا صنيعا جامحا، فقال نساء من نساء بني عبد الأشهل- حين رأين الفرس يجول في الحائط بجذع نخل هو مربوط به: يا قمير هل لك في أن تركب هذا الفرس؟ فإنه كما ترى، ثم تلحق برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبالمسلمين؟ قال: نعم، فأعطيته إيّاه، فخرج عليه، فلم يلبث أن بذّ الخيل بجماحة حتى أدرك القوم، فوقف بين أيديهم، ثم قال: قفوا يا معشر بني اللّكيعة حتّى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار، فحمل عليه رجل منهم فقتله، وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على آريّة في بني عبد الأشهل. قال سلمة بن الأكوع: فما برحت من مكاني حتّى رأيت فوارس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يتخلّلون الشّجر، فإذا أوّلهم الأخرم الأسدي، وعلى أثره أبو قتادة، وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي، فولى المشركون مدبرين، قال سلمة: فنزلت من الجبل، وأخذت بعنان فرس الأخرم، وقلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتّى يلحق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أنّ الجنّة حقّ والنّار حق، فلا تحل بيني وبين الشّهادة. فخلّيته، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة فعثر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله. وتحوّل على فرسه، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين، فعقر بأبي قتادة، وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة إلى الفرس.

وروى محمد بن عمر عن صالح بن كيسان، قال محرز بن نضلة قبل أن يلقى العدوّ بيوم: رأيت السّماء فرجت لي حتى دخلت في السماء الدنيا، حتى انتهيت إلى السماء السابعة، ثم انتهيت إلى سدرة المنتهى، فقيل لي: هذا منزلك، فعرضتها على أبي بكر الصّديق- وكان من أعبر النّاس- فقال: أبشر بالشهادة. فقتل بعد ذلك بيوم. قال سلمة: ثم خرجت أعدو في أثر القوم فو الذي أكرم وجهه حتى ما أرى من ورائي من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا غبارهم شيئا، ويعرضون قبل غيبوبة الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدو وراءهم فعطفوا عنه، وأسندوا في الثنية «ثنيّة ذي بئر» وغربت الشّمس، وألحق رجلا فأرميه وقلت: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع قال: فقال يا ثكل أم الأكوع بكرة فقلت: نعم أي عدو نفسه.

6/996/99

وكان الذي رميته بكرة، فأتبعته بسهم آخر فعلق به سهمان، وخلّفوا فرسين، فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: ولمّا تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه ببرده، ثم لحق بالناس، وقال محمد بن عمر، وابن سعد: وقتل المقداد بن عمرو حبيب بن عيينة بن حصن. وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر، فالله أعلم. وأدرك عكّاشة بن حصن أوبارا، وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا، واستنقذوا بعض اللقّاح.

وروى البيهقي عن عبد الله بن أبي قتادة: أن أبا قتادة اشترى فرسه من دوابّ دخلت المدينة. فلقيه مسعدة الفزاري فقال: يا أبا قتادة، ما هذا الفرس؟ فقال أبو قتادة: فرس أردت أن أربطها مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال ما أهون قتلكم وأشد حربكم، قال أبو قتادة: أما إني أسال الله- تعالى- أن يلقينيك وأنا عليها فقال أمين وكان أبو قتادة ذات يوم يعلف فرسه تمرا في طرف بردته إذ رفعت رأسها وأصرت أذنيها؟ فقال: أحلف بالله لقد أحسّت بريح خيل: فقالت له أمه: والله يا بني ما كنا نرام في الجاهلية، فكيف حين جاء الله بمحمد- صلى الله عليه وسلم- ثم رفعت الفرس أيضا رأسها، وأصرت أذنيها، فقال: أحلف بالله لقد أحست بريح خيل. فوضع سرجها فأسرجها، وأخذ بسلاحه، ثم نهض حتى أتى مكانا يقال له الزّوراء فلقيه رجل من أصحابه، فقال له: يا أبا قتادة، تشوّط دابتك، وقد أخذت اللقاح. وقد ذهب النبيّ في طلبها وأصحابه؟ ! فقال: أين؟ فأشار إليه نحو الثنيّة. فإذا بالنبي- صلى الله عليه وسلم- في نفر من أصحابه جلوس عند ذباب، فقمع دابّته، ثم خلّاها، فمرّ بالنبي- صلى الله عليه وسلم- فقال له: «امض يا أبا قتادة صحبك الله» قال أبو قتادة: فخرجت فإذا بإنسان يحاكيني فلم ننشب أن هجمنا على العسكر، فقال لي: يا أبا قتادة ما تقول؟ أمّا القوم فلا طاقة لنا بهم، فقال له أبو قتادة: تقول: إني واقف حتّى يأتي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أريد أن تشدّ في ناحية وأشدّ في ناحية، فوثب أبو قتادة فشقّ القوم. فرموه بسهم، فوقع في جبهته، قال أبو قتادة: فنزعت قدحي، وأظنّ أني قد نزعت الحديدة. ومضيت على وجهي فلم أنشب أن طلع عليّ فارس على فرس فاره وعليه مغفر له فأثبتني ولم أثبته. قال: لقد ألقانيك الله يا أبا قتادة وكشف عن وجهه وأداة كليلة. على وجهه فإذا هو مسعدة الفزاريّ، فقال: أيّما أحبّ إليك مجالدة أو مطاعنة أو مصارعة؟ قال: فقلت: ذاك إليك، قال فقال: صراع، فأجال رجله على دابته، وأجلت رجلي على دابتي، وعقلت دابّتي وسلاحي إلى شجرة، وعقل دابته وسلاحه إلى شجرة، ثمّ تواثبنا، فلم أنشب أن رزقني الله- تعالى- الظّفر عليه، فإذا أنا على صدره، فو الله إني لمن أهمّ الناس من رجل متأبط قد هممت أن أقوم فآخذ سيفي، ويقوم فيأخذ سيفه، وإنّا بين عسكرين لا آمن أن يهجم على أحدهما، إذا بشيء مسّ رأسي، فإذا نحن قد تعالجنا، حتّى بلغنا سلاح مسعدة فضربت بيدي إلى سيفه، فلمّا رأى أنّ السّيف وقع بيدي قال: يا أبا قتادة، استحيني، قلت: لا، والله أو ترد أمّك الهاوية. قال: فمن للصّبية؟ قلت: النّار. قال: ثمّ قتلته وأدرجته في بردي، ثم أخذت ثيابه فلبستها، ثم أخذت سلاحه، ثم استويت على فرسه، وكانت فرسي نفرت حين تعالجنا فرجعت إلى العسكر، قال: فعرقبوها. قال: ثم مضيت على وجهي فلم أنشب أنا حتى أشرفت على ابن أخيه وهو في سبعة عشر فارسا، قال فألحت إليهم فوقفوا، فلمّا أن دنوت منهم حملت عليهم حملة وطعنت ابن أخيه طعنة دققت عنقه، وانكشف من كان معه. وحبست اللّقاح برمحي [ (١) ] .

ذكر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطلب العدو

6/1006/100

قال محمد بن عمر، وابن سعد: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- غداة الأربعاء راكبا مقنعّا في الحديد. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال: وخلف سعد بن عبادة- رضي الله عنه- في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة. قال ابن إسحاق: ولمّا مر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- والمسلمون بحبيب مسجّى ببرد أبي قتادة استرجعوا، وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «ليس بأبي قتادة، ولكنّه قتيل لأبي قتادة، وضع عليه برده لتعرفوا أنّه صاحبه»

[ (٢) ] .

قال ابن سعد قال سلمة لحقنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والخيول عشاء قال أبو قتادة- رضي الله عنه- في حديثه السّابق: وأقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن معه من أصحابه، فلمّا نظر إليهم العسكر فروا قال: فلما انتهوا إلى موضع المعسكر إذا بفرس أبي قتادة قد عرقبت فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله!! قد عرقبت فرس أبي قتادة، قال: فوقف عليها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم فقال: «ويح أمك، ربّ عدو لك في الحرب» مرتين. ثم أقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأصحابه حتّى إذا انتهوا إلى الموضع الّذي تعالجنا فيه إذا هم بأبي قتادة- فيما يرون مسجّى في ثيابه، فقال رجل من الصّحابة: يا رسول الله، قد استشهد أبو قتادة، قال، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أبا قتادة، والّذي أكرمني بما أكرمني به أن أبا قتادة على آثار القوم يرتجز» . فدخلهم الشّيطان أنهم ينظرون إلى فرسي قد عرقبت، وينظرون إليه مسجى عليه ثيابي [ (١) ] . قال: فخرج عمر بن الخطاب وأبو بكر- رضي الله عنهما- يسعيان حتى كشف الثوب، فإذا وجه مسعدة، فقالا: الله أكبر، صدق الله ورسوله، مسعدة يا رسول الله. فكبّر الناس، ولم ينشب أن طلع عليهم أبو قتادة يحوش اللّقاح، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أفلح وجهك يا أبا قتادة، أبو قتادة سيّد الفرسان، بارك الله فيك يا أبا قتادة» [ (٢) ] . قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، سهم أصابني، والّذي أكرمك بما أكرمك، وفي ولدك وفي ولد ولدك- وأحسب عكرمة قال وفي ولد ولد ولدك. ما هذا بوجهك يا أبا قتادة؟ قد ظننت أنّي قد نزعته، قال: «ادن مني يا أبا قتادة» قال: فدنوت منه. قال: فنزع النّصل نزعا رفيقا، ثم بزق فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ووضع راحته عليه، فو الذي أكرم محمدا- صلى الله عليه وسلّم- بالنبوة ما ضرب عليّ ساعة قط، ولا قرح قط عليّ.

6/1016/101

وروى محمد بن عمر وابن سعد عن أبي قتادة قال: لمّا أدركني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: اللهم بارك له في شعره وبشره، وقال: أفلح وجهك، قلت: ووجهك يا رسول الله، قال: «قتلت مسعدة» ؟ قلت: نعم، وذكر نحو ما تقدم قال: فمات أبو قتادة وهو ابن سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة.

وذهب الصّريخ إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الإمداد، فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم والإبل، والقوم يعتقبون البعير والحمار حتى انتهوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بذي قرد قال ابن إسحاق: واستنقذوا عشر لقاح زاد- فيها جمل لأبي جهل، وأفلت القوم بعشر.

وكانت راية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- العقاب، يحملها سعد بن زيد، وكان شعارهم أمت أمت.

وصلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومئذ صلاة الخوف، وسيأتي بيانها في أبواب صلاته- صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف. وقال سلمة: ولحقني عمّي بسطيحة فيها مذقة من لبن، وسطيحة فيها ماء فتوضأت وشربت.

6/1026/102

وروى ابن سعد عنه قال: لحقنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والخيول عشاء انتهى. قال سلمة: فأتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو على الماء الذي أجليتهم عنه، فإذا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد أخذ تلك الإبل، وكلّ ما قد استنقذته من المشركين، وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التي استنقذت من القوم، وشوى لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- من سنامها وكبدها فقلت: يا رسول الله!! قد حميت القوم الماء، وهم عطاش خلفي، فانتخب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى مخبر إلا قتلته. فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه في ضوء النّار، وقال: «يا سلمة أتراك كنت فاعلا؟» قلت: نعم. والذي أكرمك. فقال: «ملكت فأسجح، إنهم ليغبقون» [ (١) ] وفي لفظ ليقّرون في أرض غطفان» ،

نحر لهم فلان جزورا، فلما كشطوا جلدها رأوا غبارا، قالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين. قال ابن إسحاق: وقسّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أصحابه في كل مائة جزورا.

وأقام- صلى الله عليه وسلّم- بذي قرد يوما وليلة يتحسّب الخبر.

وفي حديث سلمة أنهم كانوا خمسمائة. قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد: ويقال سبعمائة، وبعث سعد بن عبادة- رضي الله عنه- بأحمال تمر، وبعشر جزائر فوافت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذي قرد، قال سلمة: فلمّا أصبحنا قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجّالتنا سلمة»

[ (٢) ] .

ثم أعطاني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سهم الفارس والراجل فجمعهما لي جميعا، ثم أردفني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، فلما كان بينها وبينه قريب من ضحوة، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق، فجعل ينادي: هل من يسابق؟ إليّ رجل يسابق إلى المدينة، فعل ذلك مرارا، وأنا وراء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مردفي، قلت له: أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال: لا، إلا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي خلّني فلأسابق الرّجل، قال: «إن شئت» قلت: أذهب، فطفر عن راحلته، وثنيت رجلي، فطفرت عن الناقة، ثم ارتبطت عليه شرفا أو شرفين، يعني استبقيت نفسي، ثمّ عدوت حتّى ألحقه، فأصكّ بين كتفيه بيدي، وقلت: سبقتك والله، فضحك وقال: والله إن أظن، فسبقته حتى قدمنا المدينة، فلم نلبث إلا ثلاثا حتى خرجنا إلى خيبر. قال محمد بن عمر وابن سعد: ورجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة يوم الاثنين، وقد غاب خمس ليال.

6/1036/103

وروى الزبير بن بكار عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي قال: مر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة ذي قرد على ماء يقال له بيسان، فسأل عنه، فقيل: اسمه يا رسول الله بيسان- وهو مالح- فقال: «بل هو نعمان وهو طيب» فغيّر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الاسم- وغير الله عز وجل الماء، فاشتراه طلحة، فتصدّق به

ذكر قدوم امرأة أبي ذر على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

روى الإمام أحمد، ومسلم وأبو داود عن عمران بن حصين- رضي الله عنهما- فذكر الحديث، وفيه «فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم.

فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه، حتى انتهت إلى العضباء فلم ترغ، قال: وهي ناقة مدربة، فقعدت في عجزها، ثم زجرتها فانطلقت، وقد رأوها فطلبوها فأعجزتهم، قال: ونذرت إن نجّاها الله- عز وجل- لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العضباء ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقالت: إنّها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرّنها، فأتوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فذكروا ذلك له فقال: «سبحان الله، بئس ما جزتها نذرت إن نجّاها الله لتنحرنّها، لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم» . زاد ابن إسحاق من مرسل الحسن «إنما هي ناقة من إبلي، ارجعي إلى أهلك على بركة الله»

[ (١) ] .

وقدم ابن أخي عيينة بلقحة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السّمراء فبشرته بها سلمى، فخرج- صلى الله عليه وسلّم مستبشرا، وإذا رأسها بيد ابن أخي عيينة، فلما رآها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عرفها، ثم قال: أيم بربك فقال: يا رسول الله أهديت لك هذه اللقحة، فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقبضها منه، ثم أقام عنده يوما أو يومين، ثم أمر له رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بثلاث أواق من فضّة، فجعل يتسخّط، قالت سلمى: فقلت: يا رسول الله أتثيبه على ناقة من إبلك؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم» : نعم وهو يتسخّط عليّ» .

ثم صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الظهر، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الرّجل ليهدي إليّ النّاقة من إبلي أعرفها كما أعرف بعض أهلي، ثمّ أثيبه عليها فيظلّ يتسخّط عليّ، لقد هممت أن لا أقبل هديّة إلّا من قرشي أو أنصاري أو ثقفيّ أو دوسيّ» .

ذكر من قتل في هذه الغزوة

6/1046/104

فمن المسلمين محرز بن نضلة، أحد بني أسد بن خزيمة، وابن وقّاص بن مجزّز- بميم مضمومة فجيم فزايين معجمتين، الأولى مشددة مكسورة المدلجيّ- فيما نقل ابن هشام عن غير واحد من أهل العلم.

ومن الكفار مسعدة بن حكمة- بفتحتين، وأوثار- بضم الهمزة وبالثاء المثلثة عند محمد بن عمر، وابن سعد، وبالموحدة عند ابن إسحاق، وقال ابن عقبة: أوبار- بفتح الهمزة وسكون الواو فموحدة والله أعلم.

وابنه عمرو بن أوبار، وحبيب بن عيينة، وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر، ووقع عند ابن عقبة: وقرفة امرأة مسعدة.

ذكر بعض ما قيل من الشعر في غزوة ذي قرد

قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: لولا الّذي لاقت ومسّ نسورها ... بجنوب ساية أمس في التّقواد للقينكم يحملن كلّ مدجّج ... حامي الحقيقة ماجد الأجداد ولسرّ أولاد اللّقيطة أنّنا ... سلم غداة فوارس المقداد كنّا ثمانية وكانوا جحفلا ... لجبا فشكّوا بالرّماح بداد كنّا من القوم الّذين يلونهم ... ويقدّمون عنان كلّ جواد كلّا وربّ الرّاقصات إلى منّى ... يقطعن عرض مخارم الأطواد حتّى نبيل الخيل في عرصاتكم ... ونؤوب بالملكات والأولاد رهوا بكلّ مقلّص وطمرّة ... في كلّ معترك عطفن وواد أفنى دوابرها ولاح متونها ... يوم تقاد به ويوم طراد وكذا الرّعان جيادنا ملبونة ... والحرب مشعلة بريح غواد وسيوفنا بيض الحدائد تجتلي ... جنن الحديد وهامة المرتاد أخذ الإله عليهم بحرامه ... أيام ذي قرد وجوه عباد فلما قالها حسان بن ثابت غضب عليه سعد بن زيد، وحلف أن لا يكلمه أبدا، ثم قال: انطلق إلى خيلي وفوارسي فجعلها للمقداد، فاعتذر إليه حسّان، وقال: ما ذاك أردت ولكن الرّوي وافق اسم المقداد، وقال أبياتا يرضي بها سعدا إذا أردتّم الأشدّ الجلدا ... أو ذا غناء فعليكم سعدا سعد بن زيد لا يهدّ هدّا فلم يقبل منه سعد ولم يغن شيئا. وقال كعب بن مالك في يوم ذي قرد للفوارس: أتحسب أولاد اللّقيطة أنّنا ... على الخيل لسنا مثلهم في الفوارس وإنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... ولا ننثني عند الرّماح المداعس وإنّا لنقري الضّيف من قمع الذّرى ... ونضرب رأس الأبلج المتشاوس نردّ كماة المعلمين إذا انتخوا ... بضرب يسلّي نخوة المتقاعس بكلّ فتى حامي الحقيقة ماجد ... كريم كسرحان الغضاة مخالس يذودون عن أحسابهم وتلادهم ... ببيض تقدّ الهام تحت القوانس فسائل بني بدر إذا ما لقيتهم ... بما فعل الإخوان يوم التّمارس إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم ... ولا تكتموا أخباركم في المجالس وقولوا زللنا عن مخالب خادر ... به وحر في الصّدر ما لم يمارس قال ابن إسحاق: وقال شدّاد بن عارض الجشميّ في يوم ذي قرد، يعني لعيينة بن حصن، وكان عيينة يكنى بأبي مالك: فهلّا كررت أبا مالك ... وخيلك مدبرة تقتل ذكرت الإياب إلى عسجد ... وهيهات قد بعد المقفل وطمّنت نفسك ذا ميعة ... مسحّ النّضال إذا يرسل إذا قبّضته إليك الشّما ... ل جاش كما اضطرم المرجل فلمّا عرفتم عباد الإل ... هـ لم ينظر الآخر الأوّل عرفتم فوارس قد عوّدوا ... طراد الكماة إذا أسهلوا إذا طردوا الخيل تشقى بهم ... فضاحا وإن يطردوا ينزلوا فيعتصموا في سواء المقا ... م بالبيض أخلصها الصّيقل

تنبيهات

6/1056/105

الأول: ذو قرد- بفتح القاف والراء، وحكي الضّم فيها، وحكي ضم أوله وفتح ثانيه. قال الحازمي- رحمه الله-: الأوّل ضبط أصحاب الحديث، والضّم عن أهل اللغة، وقال البلاذري- رحمه الله- الصّواب الأول.: وهي على نحو بريد مما يلي بلاد غطفان، وقيل على مسافة يوم، قال السهيلي: والقرد في اللغة الصّوف.

6/1066/106

الثاني: قال البخاري في صحيحه في غزوة ذي قرد: كانت قبل خيبر بثلاث، وذكرها بعد الحديبية قبل خيبر. قال الحافظ: ويؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه فذكر قصة الحديبية، ثم قصة ذي قرد، وقال في آخرها: فرجعنا- أي من الغزوة- إلى المدينة، فو الله ما لبثنا بالمدينة إلّا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر.

وأما ابن إسحاق، ومحمد بن عمر وابن سعد فقالوا: كانت غزوة ذي قرد في سنة ستّ قبل الحديبية.

قال محمد بن عمر وابن سعد في ربيع الأول.

وقيل في جمادى الأولى. وقال ابن إسحاق في شعبان فيها، فإنه قال: كانت غزوة بني لحيان في شعبان سنة ست، فلما رجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة لم يقم إلّا ليالي حتى أغار عيينة بن حصن على لقاحه- صلى الله عليه وسلم- قال ابن كثير: وما ذكره البخاريّ أشبه بما ذكره ابن إسحاق.

وقال أبو العباس القرطبي- وهو شيخ صاحب التذكرة والتفسير- تبعا لأبي عمر- رحمهم الله: لا يختلف أهل السير أنّ غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، يكون ما وقع في حديث سلمة وهم من بعض الرّواة. قال: ويحتمل أن يجمع بأن يقال يحتمل أن يكون- صلى الله عليه وسلّم- أغزى سريّة فيهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه وعمّن خرج معه، يعني حيث قال: خرجنا إلى خيبر قال: ويؤيده أن ابن إسحاق ذكر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرّتين. انتهى. قال الحافظ- رحمه الله- تعالى: وسياق الحديث يأبى هذا الجمع، فإن فيه بعد قوله: خرجنا إلى خيبر مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فجعل عمّي يرتجز بالقوم، وفيه قول النبي- صلى الله عليه وسلم- من السّائق وفيه مبارزة عمه لمرحب وقتل عامر، وغير ذلك مما وقع في غزوة خيبر حيث خرج إليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فعلى هذا ما في الصحيح أصحّ مما ذكره أهل السير. قال الحافظ: ويحتمل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللّقاح وقعت مرّتين، الأولى التي ذكرها ابن إسحاق وهي قبل الحديبية، والثانية بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر.

6/1076/107

وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن عيينة كما في سياق سلمة عند مسلم، ويؤيّده أنّ الحاكم ذكر في الإكليل أنّ الخروج إلى ذي قرد تكرّر، ففي الأولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد، وفي الثانية خرج إليها النبي- صلى الله عليه وسلم- في ربيع الآخر سنة خمس، والثّالثة هذه المختلف فيها- انتهى. فإذا ثبت هذا قوي الجمع، الذي ذكرته، والله أعلم.