The sources speak in their Arabic; the English translation under each text is still to be written.
وقعت هذه الغزوة في رجب من صيف عام تسع للهجرة بعد العودة من حصار الطائف بستة أشهر تقريباً ١ . ورغم أن المؤرخين - على عادتهم - حاولوا أن يجدوا سبباً مباشراً لها، فذكر ابن سعد أن هرقل جمع جموعاً من الروم وقبائل العرب الموالية لها، وأن المسلمين علموا بخبرهم فخرجوا إلى تبوك ٢ . وذكر اليعقوبي أن الثأر لجعفر بن أبي طالب هو سبب الغزوة ٣ ولكن الصحيح أنها استجابة طبيعية لفريضة الجهاد وقد نبه على ذلك الحافظ ابن كثير بقوله: "فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم، لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ " ٤ . ولا صحة لما قيل أن الخروج إلى تبوك كان عن مشورة يهود وقولهم إنها أرض المحشر وأرض الأنبياء تغريراً بالمسلمين ليخرجوهم من المدينة ويعرضوهم لخطر المواجهة مع الروم، وأن الآية ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ نزلت في ذلك، فإن الخبر في ذلك مرسل ضعيف ويرده أن الآية مكية ٥ وتتميز هذه الغزوة وغزوة مؤتة التي سبقتها بأن وجهتها إلى الروم ونصارى العرب، في حين كانت الغزوات والسرايا الأخرى وجهتها إلى يهود والقبائل العربية المشتركة. وكانت النصرانية قد فقدت روحها وأضاعت تعاليمها وانقسمت إلى فرق عديدة، ومنشأ الخلاف عقيدتهم في المسيح (عليه السلام) فأكثرهم يعتقد بالأقانيم الثلاثة (الأب والابن وروح القدس) واتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح، وبعضهم يرى أن له طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية وهم اليعاقبة (المنوفستية) في الشام ومصر، وقد عقدوا لذلك المؤتمرات، وحاول هرقل التأليف بين الفرق الدينية حفاظا على الإمبراطورية الرومانية دون جدوى، وقد أوقعت الإمبراطورية الاضطهاد بسكان الشام ومصر اليعاقبة (المنوفستية) مما أدى إلى نفي بعض كبار رجال الدين من مصر وفرار بعضهم الآخر.
- ١ابن حجر: فتح الباري ٨/ ٨٤، وما أشار إليه من أنها بعد حصار الطائف بستة أشهر ورد في رواية محمد بن عائذ صاحب المغازي بإسناد ضعيف من جهة عثمان بن عطاء الخراساني وأبيه. ولكنه لا يتعارض كثيراً مع المشهور من كونها في رجب ومن كون الرسول صلى الله عليه وسلم دخل المدينة بعد العودة من حصار الطائف في شهر ذي الحجة.
- ٢الطبقات الكبرى ٢/ ١٦٥.
- ٣تاريخ اليعقوبي ٢/ ٦٧.
- ٤ابن كثير: البداية والنهاية ٢/ ٥؛ والآية من سورة التوبة (١٢٣). وأنظر: تفسير الطبري ١١/ ٧١.
- ٥ابن كثير: تفسير ٥/ ٢١٠ - ٢١١ وأصل الرواية في سبب النزول هذا في تاريخ دمشق لابن عساكر ١/ ١٦٧ - ١٦٨، وفي إسناده أحمد بن عبد الجبار العطاردي ضعيف.
ولم يقتصر الفساد على النواحي العقيدية بل امتد إلى سائر جوانب الحياة، فالظلم والاستبداد، وكثرة الضرائب وثقلها على الشعوب، والروح الطبقية التي تجعل الناس متفاوتين في المكانة بحكم المولد والانتماء للطبقة، كل ذلك كان يعشعش على البلاد، حتى إنه لم تعد ثمة فروق أساسية بين حياة النصارى والمشركين، وقد أمر الله تعالى المسلمين بجهاد أهل الكتاب كما أمرهم بجهاد المشركين، ولكنه وافق على احتفاظهم بدينهم إذا خضعوا سياسياً للمسلمين وأدوا إليهم الجزية، خلافاً لعبدة الأوثان فإنه لم يقبل منهم الجزية بل لا بد لهم من الدخول في الإسلام إذا أرادوا الأمن من القتال ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١ .
- ١سورة التوبة.
وبذلك دخل المسلمون مرحلة جديدة بعض قضائهم على الوثنية في جزيرة العرب، وإجلائهم أهل الكتاب من يهود إلى قتال أهل الكتاب من النصارى ١ .
- ١تفسير الطبري ١١/ ٧٢، حيث يوضح ذلك تفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي المتوفي ١٨٢ هـ وهو مفسر كبير لكنه ضعيف عند المحدثين (تقريب ١/ ٤٨٠).
هذا التحول الذي يتسق مع طبيعة الإسلام وأهدافه في الحياة والذي تعتبر غزوة تبوك أحد شواهده.
وتبوك موقع شمال الحجاز يبعد عن المدينة المنورة ٧٧٨ كيلا حسب الطريق المعبدة في الوقت الحاضر، وكانت من ديار قضاعة الخاضعة لسلطان الروم آنذاك، وقد سماها الرسول صلى الله عليه وسلم بتبوك ١ ، وسميت بغزوة العسرة أيضا لما كان أصاب المسلمين من الضيق الاقتصادي وقتها ٢ ، والذي تدل عليه أيضا الآية الكريمة ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ..﴾ ٣ ، وقد بين كل من قتادة ومجاهد ٤ - وهما إمامان كبيران في التفسير بالمأثور - أن "الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتناولون التمرة بينهم يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها" ٥ ولا يعرف إن كانت الأزمة الاقتصادية وقت هذه الغزوة ترجع إلى توقيت الحملة قبل جني ثمار التمر وبيعه أم أنها ترجع لعوامل أخرى أبعد ٦ .
- ١صحيح مسلم: كتاب الفضائل ٧/ ٦٠ - ٦١.
- ٢صحيح البخاري: كتاب التوحيد ٩/ ١٢٩، ومواضع أخرى من صحيحه؛ وصحيح مسلم ٥/ ٨٢. انظر: فتح الباري ٨/ ٨٤؛ وانظر عن الضيق الاقتصادي أيضاً: صحيح مسلم ١/ ٢٦ - ٢٧، ٤١ - ٤٢؛ والنووي: شرح صحيح مسلم ١/ ٢٢١ - ٢٢٣؛ وتفسير القرطبي ٨/ ٢٧٩.
- ٣سورة التوبة: الآية (١١٧).
- ٤الإسنادان منقطعان حيث أن قتادة ومجاهدا لم يدركا ذلك، والإسناد إلى قتادة صحيح وأما الإسناد إلى مجاهد ففيه ضعف سنيد بن داؤد المصيصي.
- ٥تفسير الطبري ١١/ ٥٥.
- ٦فتح الباري ٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
المنفقون على جيش تبوك
وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على النفقة ووعد المنفقين بعظيم الأجر من الله، فسارع أغنياء الصحابة وفقراؤهم إلى تقديم الأموال، وكان عثمان بن عفان أكثر المنفقين على جيش تبوك، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من جهز جيش العسرة فله الجنة" فجهزهم عثمان ١ . حيث جاء بألف دينار فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما ضرَّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم" - يرددها مرارا ٢ -. وقد وردت روايات أخرى لكنها ضعيفة تفيد أن عثمان قدم معونات أخرى للجيش كالإبل وعدتها ٣ . وإن كان ذلك لا يمنع أن عثمان قدم ذلك، فقد ثبت أن الصحابة أقروا له بتجهيز جيش العسرة، وهم ثلاثون ألف مقاتل فلابد أنه أنفق نفقة عظيمة في ذلك.
- ١صحيح البخاري: كتاب الوصايا ٤/ ١١؛ وفتح الباري ٥/ ٣٠٦، وقارن بسنن الترمذي؛ كتاب المناقب ١٢/ ١٥٣ - ١٥٤، وقال: حديث حسن صحيح غريب.
- ٢مسند أحمد ٥/ ٥٣؛ وسنن الترمذي: كتاب المناقب ١٣/ ١٥٤ - ١٥٥. وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. والحاكم: المستدرك ٣/ ١٠٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التصحيح، ولكن يبدو أنهما تساهلا في تصحيحه لأن في إسناده كثير بن أبي كثير مولى ابن سمرة حكم عليه الحافظ في التقريب أنه مقبول (٢/ ١٣٣) ووثقه العجلي وابن حبان وهما متساهلان (ميزان الاعتدال ٣/ ٤١٠) ويبدو أن الحديث صالح للاعتبار ويقوي بغيره إلى الحسن.
- ٣سنن الترمذي، كتاب المناقب ١٣/ ١٥٣ - ١٥٤ وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث السكن بن المغيرة. والحاكم: المستدرك ٣/ ١٠٢ وصححه ووافقه الذهبي، ولكن فيه فرقد أبو طلحة مجهول العين (تهذيب التهذيب ٨/ ٢٦٤) فلا يسلم لهما بهذا التصحيح.
وقد ذكر الطبري بأسانيد عديدة لا تخلوا جميعا من ضعف لكنها تتساند لتقوية الخبر تاريخيا - أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم - وهي نصف أمواله في تجهيز جيش العسرة ١ .
- ١الطبري: تفسير ١٠/ ١٩١ - ١٩٦ وفيه المثنى بن إبراهيم الأملي لا يعرف وعمر ابن أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف نبه الشيخ محمود محمد شاكر على سقوطه من السند وأنه يضعف. و١٠/ ١٩٤ - ١٩٥ وهو مسلسل بالضعفاء العوفيين. و١٠/ ١٩٧ وفي إسناده محمد بن رجاء أبو سهل العباداني لا يعرف وعامر بن يساف ضعيف. و١٠/ ١٩٥ وهو من مرسل مجاهد وفي سنده عبد الله بن أبي نجيح وهو مدلس وقد عنعن عن مجاهد. و١٠/ ١٩٥ وهو من مرسل قتادة بإسنادين صحيحين إليه.
ولم يجد فقراء المسلمين إلا أن يتقدموا باليسير الذي يقدرون عليه فجاءوا على استحياء متعرضين لسخرية المنافقين. فقد جاء خيثمة الأنصاري بصاع تمر فلمزه المنافقون ١ وجاء أبو عقيل بنصف صاع من تمر، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا!! وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ٢ ﴾ ٣ فهم يتهمون الأغنياء بالرياء ويسخرون من فقر الفقراء!!.
- ١صحيح البخاري: كتاب التفسير ٦/ ٥٦؛ وفتح الباري ٨/ ٣٣٠.
- ٢تفسير الطبري: ١٠/ ١٩٧، بإسناد صحيح.
- ٣سورة التوبة: الآية (٧٩).
موقف المنافقين في غزوة تبوك
وقد استعلن أمر النفاق في هذه الغزوة وقام المنافقون بحرب دعائية عند إعلان النفير فمضوا يثبطون الناس ويقولن: (لا تنفروا في الحر) فقد كان الحر شديدا، وكان الناس يفيئون إلى ظلال الأشجار، فكان المنافقون يستغلون ذلك لإشاعة روح التخاذل وقد ذهب بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه بالتخلف مبدياً الأعذار الكاذبة حتى عاتب الله نبيه على إذنه لهم ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ١ وقد وصف القرآن منافقي الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً من منافقي أهل المدينة لأنهم أقسى قلوباً وأقل علماً بالسنن والأحكام ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ٢ . وهكذا فإن النفاق لم يكن منحصراً في المدينة بل امتد إلى البوادي ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ٣ . وقد نهى القرآن عن قبول أعذار المنافقين وتصديقهم ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٤ ووصفهم القرآن بأنهم رجس ٥ .
- ١سورة التوبة: الآية (٤٣). وتفسير الطبري ١٠/ ١٤٢، بإسناد صحيح إلى مجاهد مرسلاً.
- ٢سورة التوبة: الآية (٩٧). وتفسير الطبري ١١/ ٣.
- ٣سورة التوبة: الآية (١٠١).
- ٤سورة التوبة: الآية (٩٤).
- ٥سورة التوبة: (الآية ٩٥).
وهكذا وضعت الحواجز بين المؤمنين والمنافقين، ولم يعد التعامل مع المنافقين يقوم على الستر وعدم المجابهة، بل صارت المفاصلة أساسا للتعامل، فقد فضحهم القرآن الكريم، وامتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار الذي بنوه وأحرقه كما أمتنع عن الصلاة على أمواتهم وكان قد صلى على عبد الله ابن أبي بن سلول حين موته عقب عودة المسلمين من تبوك ثم منعه الله من ذلك ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ ١ .
- ١فتح الباري ٨/ ٣٣٣، ٣/ ٢١٤ بإسناد صحيح. والآية في سورة التوبة: (٨٤).
وقد ابتنى المنافقون مسجداً قبيل غزوة تبوك ليجتمعوا فيه مكايدة للمسلمين ومضرة بهم، وزعموا أنهم بنوه للمنفعة والتوسعة على المسلمين، وقد أرادوا أن يفرقوا اجتماع المؤمنين في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة بصرف بعضهم للصلاة فيه، وقد طلب المنافقون من الرسول أن يصلي فيه تمويهاً على الناس فنهاه القرآن عن ذلك وسماه مسجدا ضراراً ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ١ .
- ١سورة التوبة: آيتي (١٠٧ - ١٠٨). وتفسير الطبري ١١/ ٢٣ - ٢٤.
وقد تخلف معظم المنافقين عن الغزوة ومضى بعضهم الآخر مع الجيش يقتنصون الفرص للكيد والإرجاف.
وقد انفرد الواقدي بأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رسلا إلى القبائل يستنفرها للخروج إلى تبوك ١ . ورغم تفرده فإنه يتفق مع النفير العام المعلن ولا شك أن قبائل العرب استنفرت للقتال كما تدل على ذلك سورة التوبة.
- ١مغازي ٣/ ٩٩٠ وقد اعتمد عليه من ذكر ذلك بعده، ولا يحتج بالواقدي إذا انفرد، ولكن لابد أن يتم استنفار للقبائل خارج المدينة كما استنفر الصحابة بالمدينة.
أما داخل المدينة فقد أعلن النفير، وذكر ذلك القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ١ . فقد ذكر مجاهد أنها نزلت في غزوة تبوك حيث أمروا بالنفير حين جني التمر وطيب الثمار واشتهاء الظلال. فشق عليهم المخرج ٢ . وقد طالبهم القرآن الكريم كما يبين مجاهد بأن ينفروا شباناً وشيوخاً وأغنياء وفقراء بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣ . ولما استأذن بعضهم في التخلف عن الغزوة نزل فيهم قرآن ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ إذا كانت تبوك بعيدة عن المدينة والسفر إليها شاقاً، ولم تكن غنيمة سهلة ٤ .
- ١سورة التوبة: الآية (٢٨).
- ٢تفسير الطبري ١٠/ ١٣٣، ورجال إسناده إلى مجاهد ثقات لكنه مرسل، وفيه عنعنة عبد الله ابن أبي نجيح المكي وهو مدلس.
- ٣سورة التوبة: الآية (٤١). والإسناد إلى مجاهد صحيح لكنه مرسل (تفسير الطبري ١٠/ ١٣٨).
- ٤تفسير الطبري ١٠/ ١٤١، بإسناد حسن إلى قتادة لكنه مرسل.
فتخلف الأعراب والمنافقون وعدد يسير من الصحابة رضوان الله عليهم من أصحاب الأعذار سوى ثلاثة لم يكن لهم عذر عن شهود هذه الغزوة.
مسارعة المؤمنين إلى الجهاد
ونظرا لبعد السفر وكثرة الأعداء فقد كشف الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين عن وجهته ليستعدوا لذلك خلافا لنهجه في الحروب فإنه لا يعلن وجهته حتى لا يصل الخبر إلى عدوه فيأخذوا أهبتهم ١ .
- ١حديث صحيح رواه البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٣).
وقد سارع المؤمنون إلى الخروج في هذه الغزوة، حتى إذا طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من علي بن أبي طالب أن يخلفه في أهله، قال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟ وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي ١ " ، وهكذا شأن أصحاب العقيدة لا يفرحون بالثمار والظلال بل يؤثرون الحر والظمأ والجوع في سبيل الله، فهي غنيمتهم التي يدخرونها لآخرتهم. قال أبو خيثمة الأنصاري: "تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت حائطا فرأيت عريشا قد رش بالماء، ورأيت زوجتي فقلت: ما هذا بإنصاف، رسول الله صلى الله عليه وسلم في السموم والحرور وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي وتمرات فخرجت، فلما طلعت على العسكر فرآني الناس، قال النبي: كن أبا خيثمة فجئت، فدعا لي" ٢ .
- ١صحيح البخاري ٥/ ١٧، ومواضع أخرى وصحيح مسلم ٧/ ١٢٠ - ١٢١.
- ٢رواه الطبراني (فتح الباري ٨/ ١١٩). والرواية ذكرها بتفصيل ابن إسحق بدون إسناد (سيرة ابن هشام ٤/ ١٦٣ - ١٦٤)، وذكرها وزاد عليه كل من عروة بن الزبير وموسى بن عقبة (ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ٧ - ٨). وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه ٨/ ١٠٧؛ والإمام أحمد في مسنده ٦/ ٣٨٧ - ٣٨٨ قسما من هذه الرواية وهو قول: "كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة".
وقد حزن الفقراء المؤمنين لأنهم لا يملكون نفقة الخروج إلى الجهاد فهذا علبة بن زيد أحد البكاءين صلى من الليل وبكى، وقال: "اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ولم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في جسد أو عرض " فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد غفر له ١ .
- ١قصة علبة بن زيد وردت من طرق ضعيفة متعددة المخارج ولها شاهد صحيح لكن دون تسمية صاحب الصدقة وهي بالجملة تصلح للشاهد التاريخي (راجع الإصابة ٤/ ٥٤٦ - ٥٤٨).
وجاء الأشعريون يتقدمهم أبو موسى الأشعري يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملهم على إبل ليتمكنوا من الخروج للجهاد فلم يجد ما يحملهم عليه حتى مضي بعض الوقت فحل لهم على ثلاثة من الإبل ١ .
- ١صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٠ - ١١١)؛ ومسند أحمد ٤/ ٣٩٨ بسند صحيح.
وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة ممن أقعدهم المرض أو النفقة عن الخروج إلى حد البكاء شوقا للجهاد وتحرجا من القعود حتى نزل فيهم قرآن: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ ١ وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء المتخلفين المعذورين ممن حسنت نياتهم واستقامت طويتهم بقوله: "إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ ! قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر" ٢ . وقد حكى كعب بن مالك أنه لم يبق بالمدينة إلا المنافقون وأهل الأعذار من الضعفاء ٣ .
- ١سورة التوبة: آيتي (٩١ - ٩٢). وتفسير الطبري ١٠/ ٢١١، ولم يصح شيء في تعيين من نزلت بحقهم بالأسماء حيث اختلفت الروايات في ذلك. فمن قائل إنها في البكاءين أو في العرباض بن سارية أو عائذ بن عمرو أو في بني مقرن.
- ٢فتح الباري ٨/ ١٢٦.
- ٣فتح الباري ٨/ ١٢٦.
- *صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٤).
عدد جيش تبوك
وقد وردت روايات في عدد جيش تبوك ظاهرها التعارض ولكن يسهل التوفيق بينها فقد قال كعب بن مالك: "والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان" ١ .
- ١حديث صحيح رواه البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٣).
وفي رواية أخرى عن كعب: "يزيدون على عشرة آلاف" ١ .
- ١صحيح مسلم ٨/ ١١٢.
وقال الحاكم في الإكليل إنهم "زيادة على ثلاثين ألفاً" وبهذه العدة جزم ابن إسحق.
وقال الواقدي "إنه كان معه عشرة آلاف فرس" فيمكن أن تحمل رواية كعب على إرادة عدد الفرسان ١ ، دون بقية الجيش من المشاة، ونقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا أربعين ألفاً ٢ . وقال زيد بن ثابت إنهم كانوا ثلاثين ألفاً ٣ .
- ١ابن حجر: فتح الباري ٨/ ١١٨.
- ٢المصدر السابق ٨/ ١١٨.
- ٣مغازي الواقدي ٣/ ٩٩٦.
ويبدو أن أغلب المؤرخين يميلون إلى القول أنهم كانوا ثلاثين ألفاً وهو عدد يدل على مدى استجابة المؤمنين لدواعي العقيدة في تلك الظروف القاسية من الحر الشديد والعسرة. وهو أكبر جيش قاده الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته. ويذكر الواقدي أنه لما اجتمع الجيش مضى بهم الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى ذي خشب على ٤٠ كيلاً من المدينة في طريق الشام، ومنها انطلق إلى تبوك وكان دليله علقمة ابن الفغواء الخزاعي ١ .
- ١مغازي الواقدي ٢/ ٩٩٩ وهو متروك فلا حاجة للنظر إلى سند الرواية وقد ذكر فيها أنه صلى الله عليه وسلم كان يجمع بذي خشب بين الظهر والعصر، ونظراً لأن الكلام يتعلق بحكم شرعي والواقدي شديد الوهن فلم أشر إلى ذلك في المتن.
وفي تبوك أعطى اللواء الأعظم للصديق (رضي) والراية العظمى للزبير، وراية الأوس إلى أسيد بن حضير ولواء الخزرج إلى أبي دجانة ويقال إلى الحباب ابن المنذر ١ . وأمر كل بطن من الأنصار أن يتخذوا لواء وراية، والقبائل من العرب فيها الرايات والألوية. وكان زيد بن ثابت يحمل راية بني مالك بن النجار، وأبو زيد يحمل لواء بني عمرو بن عوف، ومعاذ بن جبل يحمل راية بني مسلمة ٢ . وسائر هذه المعلومات عن طريق الجيش وتوزيع الرايات ينفرد بها الواقدي، وهو متروك، ولكنه غزير المعلومات في السيرة، وأخذ مثل هذه المعلومات منه لا يضر.
- ١مغازي الواقدي ٢/ ٩٩٦ وابن سعد: طبقات ٣/ ١٦٩
- ٢ابن عساكر: تاريخ دمشق ١/ ٤١٦ بإسناده إلى الواقدي أيضا.
المتخلفون عن غزوة تبوك
وقد تخلف عن غزوة تبوك ثلاثة من الصحابة وهم: كعب بن مالك ومرارة ابن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، والثلاثة من الأنصار المعروفين بحسن إيمانهم، فقد شهد كعب بن مالك سائر الغزوات قبلها سوى بدر، كما شهد بيعة العقبة الثانية، وقد سوَّف في الاستعداد للغزوة ولم يكن يعتزم التخلف عنه، ولكن غلبه التسويف، والميل إلى الظلال والثمار حتى خرج الناس!!
وأما مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فكلاهما قد شهد بدراً، كما تخلف عنه بعضة وثمانون رجلاً ١ آخرون، وقد ذكر الواقدي أن هذا العدد كان من منافقي الأنصار، وأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضا اثنين وثمانين رجلا من بني غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي ومن أطاعه من قومه كانوا من غير هؤلاء، وكانوا عدد كثيرا ٢ . وكان من يختلف يظن أن لا أحد يفطن لتخلفه لكثرة الجيش ٣ .
- ١و
- ٢صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٤). وتفسير الطبري ١١/ ٥٨ من مرسل الزهري.
- ٣فتح الباري ٨/ ١١٩.
وقد تفقد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى تبوك بعض من تخلف وسأل أبارهم كلثوم بن حصين الغفاري عمن تخلف من بني غفار واسلم ١ كما سأل في تبوك عن كعب بن مالك ٢ .
- ١سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٢ - ١٧٣ من رواية ابن إسحق عن الزهري ولم يصرح بالسماع بل بلفظ "وذكر الزهري" فلعله أخذها وجادة من مغازي الزهري وقد وردت من طريق معمر عن الزهري (موارد الظمآن في زوائد ابن حبان ٤١٨) فتقوى الرواية إلى الحسن لغيره.
- ٢صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٤).
وقد عقَّبت سورة التوبة بتفصيل على موقف المتخلفين، فأنكرت عليهم التخلف عن النفير العام حيث تحول الجهاد بذلك إلى فرض عين، ثم أعلنت قبول توبتهم وأخذ صدقات أموالهم بعد اعترافهم بذنوبهم في التخلف عن الغزوة وطلبهم قبول صدقاتهم منهم، كما عرَّت السورة المنافقين وأنهم لا يؤمنون بقدر الله ويحبون الحياة ويرغبون عن الجهاد بالنفس خوفاً من الموت، وقد ينفقون المال كرهاً دون نية صالحة، ولهم جرأة على قول الباطل فهم يتهمون سواهم بالجبن فإذا حوسبوا عن أقوالهم تنصلوا منها وزعموا أنهم كانوا يمزحون!! وقد رفض القرآن عذرهم وأعلن كفرهم ونهى عن الاستغفار لهم والصلاة على أمواتهم، وتوعدهم بالبكاء طويلاً في جهنم مقابل ضحكهم في الدنيا الفانية، ومنعهم من المشاركة في الجهاد مستقبلاً تبكيتاً لهم وتنقية لصف المؤمنين من أمثالهم، وتمييزاً لهم عن المؤمنين لئلا يشيعوا فيهم الضعف والخذلان، وقد أرجأت إحدى الآيات البت في أمر بعض المتخلفين الذين ندموا على تخلفهم وهم من غير المنافقين المعتذرين والمتخلفين المعترفين بخطئهم.
وقد عاتبت هذه السورة المتخلفين من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب مبينة عظيم أجر الجهاد. وما ذلك إلا لأن الجهاد يصير متعيناً وقت النفير العام.
الوصول إلى تبوك
وقد ذكرت المصادر نصَّ خطبة طويلة ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في تبوك ولم تثبت هذه الخطبة من طريق صحيح ١ رغم أن فقراتها مأخوذة من أحاديث أخرى معروفة بعضها صحيح وبعضها حسن، ويبدو أن بعض الرواة لفق منها هذه الخطبة.
- ١أخرج الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٣٧ وأبو عبيد: الأموال ٢٥٥ - ٢٥٦ نص خطبة قصيرة وفي إسنادهما أبو الخطاب المصري مجهول. وأخرج الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٥/ ١٣ - ١٤ نص خطبة طويلة وفي إسناده عبد العزيز بن عمران متروك.
وفي تبوك أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد مع عدد من الصحابة إلى دومة الجندل وقد ذكر عروة بن الزبير مرسلا أنه أرسله في أربعمائة وعشرين فارسا ١ ، حيث أسر أكيدر بن عبد الملك الكندي - ملكها - وهو في الصيد خارجها ٢ ، فصالحه النبي صلى الله عليه وسلم على الجزية ٣ . وقد تعجب المسلمون من قباء كان أكيدر يلبسه فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد ابن معاذ في الجنة أحسن من هذا" ٤ . وقد ورد أن غنائم خالد من أكيدر كانت ثمانمائة من السبي وألف بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح ٥ .
- ١ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ١٧ وفي إسناده ابن لهيعة عن أبي الأسود، وابن لهيعة هنا ضعيف فضلا عن إرسالة عروة.
- ٢ابن حجر: الإصابة ١/ ٤١٢ - ٤١٥ من طريق ابن إسحق بإسناد حسن عن عاصم بن عمر عن أنس لولا عنعنة ابن إسحق وهو مدلس. والسيوطي: الخصائص الكبرى ٢/ ١١٢ - ١١٣ من طريق ابن إسحق أيضا عن شيخيه عبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان مرسلا وقد صرح ابن إسحق بالسماع.
- ٣سيرة ابن هشام ٤/ ١٨٢.
- ٤سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٠ بإسناد حسن.
- ٥ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ١٧ وفي إسناده ابن لهيعة عن أبي الأسود وابن لهيعة هنا ضعيف فضلا عن إرسال عروة.
وقد وصلت إلى تبوك هدية ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي بغلة بيضاء وبرد، فصالحه على الجزية ١ .
- ١صحيح البخاري، كتاب الجزية ٦/ ٧٧ وصحيح مسلم، كتاب الفضائل ٧/ ٦١.
وتشير رواية ضعيفة إلى قيام مراسلة بين النبي صلى الله عليه وسلم وهرقل ملك الروم من تبوك وأن النبي أوفد دحية الكلبي إليه، وأن هرقل أرسل التنوخي ليعرف بعض علامات النبوة ١ ولو صح ذلك لكان إرسال دحية للمرة الثانية لأنه حمل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر في أول سنة ٧ هـ.
- ١مسند أحمد ١/ ٢٠٣، ٣/ ٤٤٢، ٤/ ٧٤، ٥/ ٢٩٢ بإسناد فيه سعيد بن أبي راشد وهو مقبول وقد تفرد به.
ولم يقع قتال مع الروم في هذه الغزوة بل انتهى المسلمون إلى تبوك ولم يلقوا جموع الروم والقبائل العربية المتنصرة وآثر حكام المدن الصلح على الجزية.
وقد مكث الجيش عشرين ليلة ١ في تبوك ثم عادوا إلى المدينة.
- ١موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ١٤٥ بإسناد صحيح.
العودة من تبوك
وفي طريق العودة من تبوك إلى المدينة مر المسلمون بالحجر، وهي في ديار ثمود الذين امتحنوا بالناقة فنحروها فأخذتهم الصيحة لعتوهم وعصيانهم ١ وقد سارع الناس إلى دخول بيوت الحجر فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم ٢ وقال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي ٣ ، كما نهاهم عن شرب الماء من بئرها أو الوضوء منه، وأن يعلفوا إبلهم ما عجنوه من عجين بمائها ٤ .
- ١صحيح البخاري، كتاب الأنبياء ٤/ ١١٨ - ١١٩ وصحيح مسلم ٨/ ٢٢٠ - ٢٢١.
- ٢مسند أحمد ٤/ ٢٣١ بإسناد حسن وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ٥/ ١١ وقال: إسناده حسن وصححه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٤٠ - ٢٤١ ووافقه الذهبي.
- ٣صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ١٢٥).
- ٤ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ١١ بإسناد حسن إلى العباس بن سهل بن سعد الساعدي مرسلاً.
وقد اشتكى المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أصاب إبلهم من الجهد في طريق العودة فدعا ربَّه: "اللهم احمل عليها في سبيلك، إنك تحمل على القوي والضعيف، وعلى الرطب واليابس، في البر والبحر" فنشطت بهم حتى أبلغتهم المدينة ولم يشتكوها ١ .
- ١مسند أحمد ٦/ ٢٠ بإسناد حسن، وموارد الظمآن في زوائد ابن حبان ٤١٨.
وفي طريق العودة حاول المنافقون وهم متلثمون لا يعرفون تنفير دابة الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى الثنايا لتطرحه، ففطن لهم وأمر بإبعادهم ١ .
- ١مسند أحمد ٥/ ٣٩٠ - ٣٩١ بإسناد حسن. والبيهقي: السنن الكبرى ٩/ ٣٢ - ٣٣ من طريقين أحداهما عن ابن إسحق بدون إسناد والثانية عن عروة بن الزبير مرسلاً أيضاً، وفي الإسناد إلى عروة ضعف بسبب ابن لهيعة.
· · · · · · · · · · · · · · · · · ·