The two pledges of al-Aqaba
his age ﷺ 51
The sources speak in their Arabic; the English translation under each text is still to be written.
بيعة العقبة الأولى
نص البيعة: قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، عن عبادة ابن الصامت، قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا, ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا, ولا نعصيه في معروف. فإن وفيتم فلكم الجنة. وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله -عَزَّ وجَلَّ- إن شاء عذب وإن شاء غفر. ١ قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله بن عبد الله الخولاني أبي إدريس أن عبادة بن الصامت حدثه أنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليلة العقبة الأولى على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا, ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا, ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا، فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله -عَزَّ وجَلَّ- إن شاء عذب وإن شاء غفر.
- ١أخرجه البخاريُّ في مناقب الأنصار (٤/ ٢٥) باب وفود الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمكة وبيعة العقبة.
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا الحكم بن نافع أبو اليمان ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خيثم حدثني إسماعيل بن عبيد الأنصاري فذكر الحديث ١ فقال عبادة (يعني ابن الصامت -رضي الله عنه-) لأبي هريرة يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إنا بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في اليسر والعسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في الله تبارك وتعالى ولا نخاف لومة لائم فيه وعلى أن ننصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم التي بايعنا عليها فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وفى الله تبارك وتعالى بما بايع عليه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
- ١رواه الإمام أحمد ٥/ ٣٢٥ وابنه في زوان السنن ٥/ ٣٢٩ صحيح ابن ماجه (٨٦٦). كان هذا الحدث في السنة الثانية عشر للبعثة في العاشر من رجب.
أسماء الاثنى عشر رجلا الذين أسلموا في العقبة الأولى
١ - أسعد بن زراره.
٢ - عوف بن الحارث بن رفاعه.
٣ - معاذ بن الحارث بن رفاعه.
٤ - رافع بن مالك بن العجلان.
٥ - ذكوان بن عبد قيس.
٦ - عبادة بن الصامت.
٧ - أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبه البلوي.
٨ - العباس بن عبادة بن نضله.
٩ - عقبة بن عامر بن نابي.
١٥ - قطبة بن عامر بن حديده.
١١ - أبو الهيثم بن التيهان.
١٢ - عويم بن ساعده.
إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير على يد مصعب بن عمير (رضي الله عنهم)
قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو ابن حزم: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ابن زيد بن عبد الأشهل ابن خاله أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر. ١ قال ابن هشام: واسم ظفر: كعب بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس- قالا: على بئر يقال لها: بئر مرق فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممّن أسلم وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدمًا، قال فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما؛ فلما رآه أسعد بن زرارة، قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه؛ قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال فوقف عليهما متشتمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة؛ فقال له مصعب: أوتجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإِسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا: فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تصلي. فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلًا، قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك، ليخفروك. ٢ قال: فقام سعد مغضبًا مبادرًا، تخوفًا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين، عرف سعد أن أسيدًا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، أما والله، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارينا بما نكره - وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان- قال: فقال له مصعب: أوتقعد فتسمع، فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإِسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم، لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين قالا: تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته، فأقبل عامدًا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير. قال: فلما رأه قومه مقبلًا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله.
- ١الخضمات: من الخضم، وهو الأكل بالفم كله. والقضم بأطراف الأسنان. ويقال: هو أكل اليابس، والخضم: أكل الرطب، فكأنه سمع خضمه، وهي الماشية التي تخضم، فكأنه سمي بذاك لخصب كان فيه (الروض الأنف ٣/ ١٩٦). تاريخ الإِسلام ٢٩٣.
- ٢لينقضوا عهدك.
قالا: فوالله ما أمسى دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإِسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس الله، وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وهو صيفي، وكان شاعرًا لهم وقائدًا، يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإِسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، وقال فيما رأى من الإِسلام، وما اختلف الناس فيه من أمره: أرب الناس أشياء ألمت ... يلف الصعب منها بالذلول أرب الناس أما إذ ضللنا ... فيسرنا لمعروف السبيل فلولا ربنا كنا يهودًا ... وما دين اليهود بذي شكول ولولاربنا كنا نصارى ... مع الرهبان في جبل الجليل ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... حنيفًا ديننا عن كل جيل نسوق الهدى ترسف مذعنات ... مكشفه المناكب في الجلول
كتاب الأنصار إلى رسول الله طالبين معلما
لما انصرف أهل العقبة الأولى الإثنا عشر، وفشا الإِسلام في دور الأنصار، أرسلت الأنصار رجلًا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكتبت إليه كتابًا: (ابعث إلينا رجلًا يفقهنا في الدين ويقرئنا القرآن) .
فبعث إليهم رسول الله مصعب بن عمير. فكتب مصعب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يستأذنه أن يجمِّع لهم.
بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى المدينة يعلمان الأنصار القرآن
عن البراء قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور مثلها. ١
- ١هذا حديث صحيح رواه البخاري ٨/ ٥٣٧. قلت بعثه قبل الهجرة بعامين في شهر رجب بعد العقبة الثانية.
وفي رواية الطبراني: ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: أن ابعث إلينا رجلًا من قبلك يدعو الناس بكتاب الله، فإنه أدنى أن يتبع، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة، فجعل يدعو الناس [سرًا] ، ويفشو الإِسلام، ويكثر أهله، وهم في ذلك مستخفون بدعائهم، ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا بئر مرق ١ أو قريبًا منها، فجلسوا هنالك، وبعثوا إلى رهط من أهل الأرض، فأتوهم مستخفين، فبينما مصعب بن عمير يحدثهم، ويقص عليهم القرآن، أخبر بهم سعد بن معاذ، فأتاهم في لأمته، ومعه الرمح، حتى وقف عليه، فقال: علام يأتينا في دورنا بهذا الوحيد الفريد الطريح الغريب يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم [إليه] ، لا أراكما بعد هذا بشيء من جوارنا، فرجعوا، ثم إنهم عادوا الثانية ببئر مرق أو قريبًا منها، فأخبر بهم سعد بن معاذ الثانية، فواعدهم بوعيدٍ دون الوعيد الأول، فلما رأى أسعد منه لينًا، قال: يا ابن خالة اسمع من قوله، فإن سمعت منه منكرًا، فاردده يا هذا منه، وإن سمعت خيرًا فأجب الله، فقال: ماذا يقول؟ فقرأ عليهم مصعب بن عمير ﴿حم ١ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فقال سعد: وما أسمع إلا ما أعرف، فرجع وقد هداه الله تعالى، ولم يظهر أمر الإِسلام حتى رجع، فرجع إلى قومه، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإِسلام، وأظهر إسلامه، وقال: من شك فيه من صغير أو كبير أو ذكر أو أنثى، فليأتنا بأهدى منه، نأخذ به، فوالله لقد جاء أمر لتحزن فيه الرقاب، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد ودعائه، إلا من لا يذكر، فكانت أول دور من دور الأنصار أسلمت بأسرها.
- ١طرق التصحيح من كتاب المدينة وبين الماضي والحاضر للعياشي.
ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير واشتدوا على أسعد بن زرارة، فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ، فلم يزل يدعو ويهدي [الله] على يديه حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة، وأسلم أشرافهم، وأسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم فكان المسلمون أعز أهلها، وصلح أمرهم، ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان يدعى المقرئ. ١
- ١رواه الطبراني مرسلًا، وفيه: ابن لهيعة، وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات.
إسلام حواء بنت يزيد (رضي الله عنها)
روى بسنده عن عاصم بن قتادة قال: كانت حواء بنت يزيد بن السكن، عند قيس بن عبيد الخطيب، كذا قال وإنما هو ابن الخطيم بالمدينة، وكانت أمها عقرب بنت معاذ أخت سعد بن معاذ، فأسلمت حواء، فحسن إسلامها، وكان زوجها قيس على كفره، فكان يدخل عليها وهي تصلي، فيؤذيها، وكان لا يخفى على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمكة أمر يكون بالمدينة إلا بلغه وأخبر به. قال قيس: فقدت مكة في رهط من مشركي قومي حجاجًا، فبينا نحن إذ جاء رجل يسأل عني فدل علي فأتاني فقال: (أنت قيس؟) قلت: نعم، قال: (زوج حواء؟) قلت: نعم، قال: (فمالك تعبث بامرأتك وتؤذيها على دينها؟) فقلت: إني لا أفعل، قال: (فلا تفعل ذلك بها، دعها لي) ، قلت: نعم، فدما قدم قيس المدينة ذكر ذلك لامرأته وقال: فشأنك بدينك، فوالله ما رأيته إلا حسن الوجه حسن الهيئة. ١
- ١دلائل البيهقي: ج ٢/ ٤٥٥.
ترحم ابن سعد لحواء فذكر خبر إسلامها إلى أن قال: ووافى قيس بن الخطيم ذا المجاز، سوقًا من أسواق مكة، فأتاه رسول الله فدعاه إلى الإِسلام وحرص عليه، فقال قيس: ما أحسن ما تدعو إليه! وإن الذي تدعو إليه لحسن، ولكن الحرب شغلتني عن هذا الحديث. وجعل رسول الله يلح عليه ويكنيه ويقول: (يا أبا يزيد أدعوك إلى الله) . ويرد عليه قيس كلامه الأول، فقال رسول الله: (يا أبا يزيد إن صاحبتك حواء قد بلغني أنك تسيء صحبتها مذ فارقت دينك فاتق الله واحفظني فيها ولا تعرض لها) ، قال: نعم وكرامة، أفعل ما أحببت لا أعرض لها إلا بخير وذكر الحديث بمعنى ما تقدم. ١
- ١ابن سعد: ج ٨/ ٣٢٣.
ذكر العقبة الآخرة وهم السبعون الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
روى ابن سعد بأسانيده المتعددة، قالوا: لما حضر الحج مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا بعضهم إلى بعض يتواعدون المسير إلى الحج وموافاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإِسلام يومئذ فاش بالمدينة، فخرجوا وهم سبعون يزيدون رجلًا أو رجلين في خمر الأوس والخزرج وهم خمسمائة، حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، فسلموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم وعدهم من وسط أيام التشريق ليلة النفر الأول إذا هدأت الرجل أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من منى بأسفل العقبة حيث المسجد اليوم، وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا، قال: فخرج القوم بعد هدأة يتسللون الرجل والرجلان وقد سبقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك الموضع معه العباس بن عبد المطلب ليس معه أحد غيره، فكان أول من طلع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رافع بن مالك الزرقي، ثم توافى السبعون ومعهم امرأتان، قال أسعد بن زرارة: فكان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج إنكم قد دعوتم محمدًا إلى ما دعوتموه إليه، ومحمَّد من أعز الناس في عشيرته، يمنعه والله منا من كان على قوله، ومن لم يكن منا على قوله يمنعه للحسب والشرف، وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة، فارتأوا رأيكم وأتمروا بينكم ولا تفترقوا إلا عن ملأٍ منكم واجتماع، فإن أحسن الحديث أصدقه، فقال البراء بن معرور: قد سمعنا ما قلت وإنا والله لو كان في أنفسنا غير ما تنطق به لقلناه، ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: وتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم القرآن ثم دعاهم إلى الله ورغبهم في الإِسلام وذكر الذي اجتمعوا له، فأجابه البراء بن معرور بالإيمان والتصديق ثم قال: يا رسول الله بايعنا فنحن أهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر، ويقال إن أبا الهيثم بن التيهان كان أول من تكلم وأجاب إلى ما دعا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدقه، وقالوا: نقبله على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، ولغطوا، فقال العباس بن عبد المطب: وهو أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخفوا حرسكم فإن علينا عيونا، وقدموا ذوي أسنانكم، فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم، فإنا نخاف قومكم عليكم، ثم إذا بايعتم فتفرقوا إلى محالكم، فتكلم البراء ابن معرور فأجاب العباس بن عبد المطلب، ثم قال: ابسط يدك يا رسول الله، فكان أول من ضرب على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، البراء بن معرور، ويقال أول من ضرب على يده أبو الهيثم بن التيهان، ويقال أسعد بن زرارة، ثم ضرب السبعون كلهم على يده وبايعوه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن موسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا فلا يجدن منكم أحد في نفسه أن يؤخذ غيره، فإنما يختار لي جبريل، فلما تخيرهم قال للنقباء: أنتم كفلاء على غيركم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم، فلما بايع القوم وكملوا صاح الشيطان على العقبة بأبعد صوت سمع: يا أهل الأخاشب، هل لكم في محمَّد والصباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انفضوا إلى رحالكم، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لئن أحببت لنميلن على أهل منى بأسيافنا، وما أحد عليه سيف تلك الليلة غيره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنا لم نرمر بذلك فانفضوا إلى رحالكم، فتفرقوا إلى رحالهم، فلما أصبح القوم غدت عليهم جلة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا, وأيم الله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم، قال: فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله ما كان هذا وما علمنا، وجعل ابن أبي يقول: هذا باطل وما كان هذا وما كان قومي ليفتأتوا علي بمثل هذا, ولو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني، فلما رجعت قريش من عندهم رحل البراء بن معرور فتقدم إلى بطن يأجج وتلاحق أصحابه من المسلمين، وجعلت قريش تطلبهم في كل وجه ولا تعدوا طرق المدينة، وحزبوا عليهم، فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يده إلى عنقه بنسعة وجعلوا يضربونه ويجرون شعره، وكان ذا جمة، حتى أدخلوه مكة، فجاءه مطعم بن عدي والحارث بن أمية بن عبد شمس فخلصاه من بين أيديهم، وأتمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عبادة أن يكروا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل القوم جميعا إلى المدينة. ١
- ١ج ١/ ٢٢١.
شروط البيعة في العقبة الأخيرة
قال ابن إسحاق: وكانت بيعة الحرب، حين أذن الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في القتال شروطًا سوى شرطه عليهم في العقبة الأولى، كانت الأولى على بيعة النساء وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في الحرب، فلما أذن الله له فيها، وبايعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقبه الأخيرة على حرب الأحمر والأسود، أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة. قال ابن إسحاق: فحدثني عبادة بن الوليد بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن جده عبادة ابن الصامت، وكان أحد النقباء، قال: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بيعة الحرب وكان عبادة من الاثنى عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى على بيعة النساء- على السمع والطاعة، في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.
الدعوة إلى الله بين الأنصار وتهيئتهم لملاقاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
عن عبد الرحمن بن معبد بن كعب بن مالك حدثني أبي عن كعب قال: لما قدم اثنا عشر رجلا من العقبة وقد أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوافوه سبعون رجلا في العام المقبل أقمنا سنة يمشي أحدنا إلى صاحبه بالشسع والرحل والمطعم حتى وافاه سبعون رجلا.
حديث أبو مسعود عقبة بن عمرو عن العقبة الآخرة
حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن مجالد عن عامر الشعبي عن عقبة بن عمرو أبي مسعود قال: وعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصل العقبة يوم الأضحى، ونحن سبعون رجلًا، قال عقبة: إني لأصغرهم سنا، فأتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أوجزوا في الخطبة فإني أخاف عليكم كفار قريش" ، فقلنا يا رسول الله، سلنا لربك وسلنا لنفسك وسلنا لأصحابك وأخبرنا ما لنا من الثواب على الله -عَزَّ وجَلَّ- وعليك، فقال: "أما الذي أسأل لربي تؤمنوا به ولا تشركوا به شيئًا، وأما الذي أسأل لنفسي فإني أسألكم أن تطيعوني أهدكم سبيل الرشاد، وأسألكم لي ولأصحابي أن تواسونا في ذات أيديكم، وأن تمنعونا مما منعتم منه أنفسكم، فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعلي" قال: فمددنا أيدينا فبايعناه. ١
- ١رواه أحمد (٤/ ١٢٠).
بيعة العقبة الآخرة
قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: مكث رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي المواسم بمنى يقول: "من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة" . حتى إن الرجل ليرحل من مضر أو اليمن إلى ذي رحمه فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام ثم ائتمروا جميعا فقلنا: حتى متى نترك رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلا، حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا فقلنا: يا رسول الله نبايعك؟ قال: "تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة" قال: فقمنا إليه فبايعناه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم فقال: رويدًا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب أعناق الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة فبينوا ذلك فهو عذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا ولا نسلبها أبدا، قال: فقمنا إليه فبايعناه فأخذ علينا وشرط يعطينا على ذلك الجنة، رضي الله عنهم أجمعين. ١
- ١مسند الإمام أحمد: ج ٣/ ٣٢٢.
خطيب الأنصار أبو أمامة أسعد بن زرارة (رضي الله عنه) يوم العقبة
حدثنا محمَّد بن منصور الجواز قال: ثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - وذهب معه بالعباس يوم العقبة فقال العباس: اعلموا ١ يا معشر الأنصار وأوجزوا فإن علينا عيونا، قال الشعبي: فخطب أبو أمامة أسعد بن زرارة ما خطب المرد ولا الشيب بمثلها قط، فقال: يا رسول الله اشترط لربك واشترط لنفسك واشترط لأصحابك، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم وأشترط لأصحابي المواساة في ذات أيديكم، قالوا: هذا لك فما لنا؟ قال: الجنة، قال: ابسط يدك. ٢
- ١تكلموا يا معشر الأنصار.
- ٢هذه رواية الدولابي في الكنى وقد روى ذلك ابن أبي شيبة وابن عساكر.
حديث العقبة كما رواه كعب بن مالك (رضي الله عنه)
حدثنا عبد الملك بن محمَّد، عن زياد بن عبد الله قال: قال ابن إسحاق: فحدثني معبد بن كعب بن مالك أخو بن سلمة، أن (أخاه) عبيد الله بن كعب بن مالك -وكان من أعلم الأنصار- حدثه أن أباه كعب بن مالك، -وكان كعب ممّن شهد العقبة، وبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فخرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد فقهنا وصلينا، ومعنا البراء بن معرور -رضي الله عنه- سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال البراء بن معرور -رضي الله عنه-: يا هؤلاء إني قد رأيت رأيًا، والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا؟ فقلنا: ما هو؟ قال: تصلون إلى الكعبة! قال: قلنا: ما أمرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم -، نصلي إلا إلى الشام. وما نريد أن نخالفه. قال: إني لمصل إليها. قال: قلنا: لا تفعل. قال: فكنا إذا حضرت الصلاة نصلي إلى الشام ويصلي إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة وقد عبنا ما صنع، وأبى إلا الإقامة عليه. قال: فلما قدمنا مكة، قال: يا أخي انطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فإني والله لقد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إياي فيه، فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه، لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلًا من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هل تعرفونه؟ قال: قلنا: لا. قال: فهل تعرفون العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه-؟ قال: قلنا: نعم -وكنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا- قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الذي جالس مع العباس -رضي الله عنه-، فدخلنا المسجد، فإذا العباس -رضي الله عنه- جالس ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه جالس، فسلمنا، ثم جلسنا إليه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للعباس -رضي الله عنه-: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء ابن معرور، سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر؟ -يريد كعب بن مالك -رضي الله عنه- قال: نعم، قال: فقال البراء بن معرور -رضي الله عنه-: يا نبي الله إني قد خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله -تعالى- إلى الإِسلام، فرأيت ألا (أضع) هذه البنية بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "قد كنت على قبلة لو صبرت عليها" . قال: فرجع البراء -رضي الله عنه- إلى قبلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلى معنا إلى الشام. وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس كذلك كما قالوه، ونحن أعلم به منهم.
ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت ليلة التي واعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة من أوسط أيام التشريق، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام -أبو جابر- سيد من ساداتنا، وكلنا يكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه، وقلنا: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت عليه أن تكون حطبًا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإِسلام، وأخبرناه بميعادنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة. قال: فأسلم وشهد معنا من رجالنا لميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخفين تسلل القطا، إذ اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلًا، منهم امرأتان، نسيبة بنت كعب، أم (عمارة) ، إحدى بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي إحدى بني سلمة، وهي: أم منيع. قال: فاجتمعنا بالشعب، ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جاءنا ليلتئذ مع عمه العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، فيوثق له، فلما جلسنا كان العباس -رضي الله عنه- أول من تكلم، فقال: يا معشر الخزرج- قال: وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج أوسها وخزرجها- إن محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا، (ممّن) هو على رأينا، وهو في عز من قومه، ومنعة من بلده. قال: قلنا: ما قلت. فتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعى إلى الله -تعالى- ورغب في الإسلام، ثم قال صلى الله عله وسلم: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم" . قال: فأخذ البراء بن معرور -رضي الله عنه- بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا يا رسول الله فبايعنا فنحن والله أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر. فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم ابن التيهان -حليف بني عبد الأشهل- فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الناس حبالا، وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، دمي مع دمائكم، وهدمي مع هدمكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم" .
وقد قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أخرجوا إلي اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم" . فأخرجوا منهم اثنى عشر رجلا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس. ١
- ١رواه أحمد في المسند: ٣/ ٤٦٠ - ٤٦٢.
وحدثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، قال: قال ابن إسحاق: وأما [معبد] بن كعب بن مالك فحدثني عن أخيه -عبد الله بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك- رضي الله عنه- أنه كان يقول: أول من ضرب على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البراء ابن معرور -رضي الله عنه- وتتابع القوم. فلما بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعه قط: يا أهل الجباجب والجباحب: المنازل- هل لكم في مذمم والصباء، وقد اجتمعوا على حربكم؟
- والمذمم من كلام العرب: المهين الكسير-. قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما يقول عدو الله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا ابن أزيب، تسمع يا عدو الله لأفرغن لك" . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارفضوا إلى رحالكم" . قال: فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لم أؤمر بذلك ". قال: فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا، حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة من قريش حتى جاؤونا في منازلنا. قال: فقالوا: يا معشر الخزرج، قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجوه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وأنه والله ما من العرب أحد [أبغض] إلينا من أن تشب الحرب بيننا وبينه منكم. قال: فأتبعه هنالك قوم من قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، وما علمناه. وصدقوا، لم يعلموا ما كان منا. وبعضنا ينظر إلى بعض. قال: ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان، فقلت كلمة كأني أريد أشرك القوم فيما قالوا: يا أبا جابر، أما تستطع وأنت سيد من ساداتنا أن تتخذ نعلًا مثل نعل هذا الفتى من قريش؟ فسمعها الحارث، فخلعها ثم رمى بها إلي. قال: فقلت: والله لا أردها، فأل صالح قال: والله، لئن صدق الفأل لأسلبنه.
العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري يستوثق لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري -أخو بني سالم بن عوف-: "يا معشر الخزرج! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ " قالوا: " نعم ". قال: " إنكم تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس! فإن كنتم ترون أنكم إذا هلكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا، أسلمتموه، فمن الآن. فهو، والله! إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة ". قالوا: " فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا يا رسول الله! إن نحن وفينا؟ " قال: " الجنة".
وفي رواية اليعقوبي: "أن يمنعوه وأهله مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم وأولادهم. وعليهم أن يحاربوا معه الأسود والأحمر، وأن ينصروه على القريب والبعيد. وشرط لهم الوفاء بذلك الجنة" . قالوا: "أبسط يدك" فبسط يده، فبايعوه ... ١
- ١هذه رواية البلاذري.
أسماء النقباء الإثنى عشر في بيعة العقبة الآخرة
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أخرجوا منكم اثني عشر نقيبا" فأخرجهم, فكان نقيب بني النجار: أسعد بن زرارة.
وكان نقيب بني سلمة: البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام.
وكان نقيب بني ساعدة: سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو.
وكان نقيب بني زريق: رافع بن مالك بن العجلان.
· · · · · · · · · · · · · ·