The Seerah
ع
Seerah Search the Seerah ع

ذكر عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالأذى والفتنة

The sources speak in their Arabic; the English translation under each text is still to be written.

Reading in Akram al-Umari · 19 texts on this event Print: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة السادسة ١٤١٥ هـ
Its whole telling The book on Shamela

اضطهاد قريش للمسلمين

1/1541/154

لم يقتصر أذى قريش على الاتهام الباطل، والتكذيب السافر والسخرية المرة، والأذى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل تصاعد إلى ذروة العنف وخاصة في معاملة المستضعفين من المسلمين. فنكلت بهم لتفتنهم عن دينهم، ولتجعلهم عبرة لسواهم، ولتنفس عن غضبها بما تصبه عليهم من العذاب. قال عبد الله بن مسعود -وهو شاهد عيان-: "أول من أظهر إسلامه سبعة، رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبو بكر، وعمار، وأمه سُميّة، وصهيب، وبلال، والمقداد.

فأما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمنعه الله بعمه أبي طالب. وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه.

وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسُه في الله وهان على قومه، فأعطوه الولدان وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحَدٌ أحَد " ١ .

  1. ١أحمد: المسند ١/ ٤٠٤ بإسناد حسن، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٢٨٤) وصححه الذهبي في السيرة النبوية ١٣٧ وفيه عاصم بن أبي النجود صدوق له أوهام (تقريب ٢٨٥) وله شاهد صحيح السند من مرسل مجاهد (مصنف ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٧ - ٤٩).
1/1551/155

ثم اشترى أبو بكر بلالًا فأعتقه ١ .

  1. ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٩٩) وابن أبي شيبة: المصنف ١٤/ ٣١٢ بإسناد صحيح لكنه من مرسل قيس بن أبي حازم ويقول: "اشترى أبو بكر بلالا بخمس أواقِ وهو مدفون بالحجارة. قالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعنا، فقال: لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته".

ويذكر عروة بن الزبير -إمام أهل المغازي- "أعتق أبو بكر -رضي الله عنه- ممن كان يعذَّبُ في الله سبعة: عامر بن فُهيرة، وبلال، ونُذيرة، وأم عُبيس، والنَّهدية، وأختها، وجارية بني عمرو بن مؤمل" ١ .

  1. ١مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ١٠ بإسناد صحيح إلى عروة لكنه مرسل والطبراني: المعجم الكبير ١/ ٣١٨ - ٣١٩ وانفرد بوصله عن عائشة في المستدرك ٣/ ٢٨٤ وصححه ووافقه الذهبي.

ومما ذكره عروة بن الزبير عن عذاب المستضعفين: أن أبا بكر مرَّ بالنَّهدية ومولاتها تعذبها، تقول: والله لا أعتقك حتى تعتقك حياتك. فقال أبو بكر فبكم؟ قالت: بكذا وكذا، فقال: قد أخذتها وأعتقتها. ثم قال للنهدية: ردي عليها طحينها. قالت: دعني أطحنه لها ١ !!

  1. ١ابن إسحاق: السير والمغازي ١٩١ من مرسل عروة. والغالب أن أخبار أبي بكر (رض) إنما أخذها عروة عن خالته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-.

ويذكر عروة أيضًا: ذهب بصر زنيرة، وكانت ممن تعذب في الله عز وجل على الإسلام، فتأبى إلا الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى. فقالت: كذا!؟ والله ما هو كذلك. فرد الله عليها بصرها ١ .

  1. ١المصدر السابق.
1/1561/156

وكان أبو بكر -رضي الله عنه- يعتق المستضعفين من الرقيق المسلم فقال له أبوه أبو قحافة: لو أنك أعتقت رجالًا جلدًا يمنعونك؟ فبين له أبو بكر أنه يريد بذلك وجهً الله لا المَنَعة. فنزلت الآية ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ إلى قوله ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى ١ ﴾ ٢ .

  1. ١الليل ٥ - ٢١.
  2. ٢الحاكم: المستدرك ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦ بإسناد حسن، لأن محمد بن عبد الله بن عتيق مقبول وقد تابعه مصعب بن ثابت عن عامر (تفسير الطبري ٣٠/ ٢٢٨) ومصعب مقبول في المتابعات (تقريب التهذيب ٤٩٠، ٥٣٣).

وقد وردت روايات كثيرة في ألوان العذاب التي لقيها عمار بن ياسر وأهله، وهي تكفي لإثبات وقوع الحادث تاريخيًا ١ ، وقد ذكر المفسرون أن الآية ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ ٢ نزلت في عمار ٣ .

  1. ١أما حديث (أبشروا آل عمار فإن موعدكم الجنة) فأخرجه ابن سعد: الطبقات ٣/ ٢٤٩ بسند صحيح إلى أبي الزبير لكنه مرسل. ووصله الحاكم عن جابر، ولا يصح وصله لضعف شيخ الحاكم ولو صح سنده لبقي الضعف في السند لتدليس أبي الزبير لأنه ليس من طريق الليث عن أبي الزبير (المستدرك ٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩). ورواه الحارث بن أبي أسامة بسند منقطع لأن سالم بن أبي الجعد (ت ٩٧ هـ) لم يسمع من عثمان بن عفان وفي إسناده عبد العزيز بن أبان ضعيف (بغية الباحث في زوائد مسند الحارث حديث رقم ٩٩٤). وقد تابعه عبد الصمد بن عبد الوارث، في مسند أحمد ١/ ٦٢ وأخرجه أبو أحمد الحاكم من طريق عُقَيل عن الزهري عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر عن أبيه (الإصابة ٦/ ٦٣٩) ويتوقف تصحيح الحديث على حال سنده عنده إلى عقيل، ولكنه يعضد بالروايات التي تفيد سبب نزول الآية.
  2. ٢النحل ١٠٦.
  3. ٣الطبري: تفسير ١٤/ ١٨٢ بسند حسن من مرسل أبي عبيدة بن محمد بن عامر بن ياسر (ت ٩٧ هـ) ووصله الحاكم عن أبيه ولا يصح (مستدرك ٣/ ٣٨٨) لأن شيخ الحاكم العلاء = = ابن هلال فيه لين (تقريب ٤٣٦) وكذلك ووصله الطبراني بإسناد فيه إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وقد انفرد ابن حبان بتوثيقه (المعجم الأوسط ٣٠٤ - ٣٠٥) والمحفوظ أنه مرسل وذكر سبب النزول قتادة وأبو مالك النضر بن أنس بن مالك البصري وهو ثقة مات سنة بضع ومائة (تقريب ٥٦١).
1/1571/157

وممن ناله الأذى في سبيل الله خبّاب بن الأرتّ حتى سأل رسول الله أن يدعو الله ليخفف عن المستضعفين. قال: "أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو متوسدٌ بُردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدّة. فقلت: يا رسول الله ألا تدعو لنا؟

فقعد -وهو محمرُّ وجهه- فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحمِ أو عَصَب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله" ١ .

  1. ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٦٥، ٦/ ٦١٩).

وكان خبّاب يعمل حدادًا، فعمل للعاص بن وائل سيفًا، فاجتمع له عنده مال، فذهب يتقاضاه. فقال العاص: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فردَّ عليه خباب: حتى تموت ثم تبعث. فقال العاص ساخرًا بأنه سيقضيه يوم القيامة من ماله!! فنزلت الآية ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾ ١ ٢ .

  1. ١مريم ٧٧ - ٨٠.
  2. ٢صحيح البخاري (فتح الباري ٤/ ٤٥٢، ٥/ ٧٧، ٨/ ٤٣٠، ٤٣١). وصحيح مسلم ٤/ ٢١٥٣.

مما يدل على ما لحق المستضعفين من ظلم وغصب لأموالهم فضلًا عن أذى أبدانهم. كما يدل على نقض قريش لحلف الفضول الذي عقدته قبل الإسلام بعقدين فقط!!

1/1581/158

ولا شك أن المسلمين -على ضعفهم- كانوا يرغبون في الدفاع عن أنفسهم ويبدو أن الموقف السلمي أغاظ بعضهم وخاصة الشباب منهم. وقد أتى عبد الرحمن بن عوف وأصحابه إلى النبي بمكة فقالوا: يا نبي الله، كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة! قال: إني أُمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم - فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ ١ ٢ .

  1. ١النساء ٧. والآية مدنية تشير إلى ما حدث بمكة من الأمر بالكف عن القتال.
  2. ٢الطبري: تفسيره ٥/ ١٧٠ - ١٧١ والحاكم: المستدرك ٢/ ٣٠٧ وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي. والصحيح أنه على شرط مسلم فقط لأن البخاري أخرج للحسين بن واقد تعليقاً فقط. وانظر أيضًا تفسير ابن كثير ١/ ٤٥١.

وتجمل عبارات لعائشة -رضي الله عنها- ولعبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- الحال التي كان عليها المسلمون بمكة في تلك المرحلة .. قالت عائشة -وقد سئلت عن الهجرة-: "لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليوم يعبُدُ ربَّه حيث شاء" ١ . وقال عبد الله بن عمر: " ... كان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يفتن في دينه، إما قتلوه، وإما يعذبوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة!! " ٢ .

  1. ١صحيح البخاري ٤/ ٢٥٣، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إلى المدينة.
  2. ٢صحيح البخاري ٥/ ١٥٧، ٢٠٠ كتاب التفسير.

وقد بقيت المأساة التي يعيشها المستضعفون حاضرة في نفس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان يدعو لمن بقي منهم بمكة بالنجاة من المشركين وذلك بعد هجرته إلى المدينة ١ .

  1. ١صحيح البخاري ٢/ ١٥ وصحيح مسلم ١/ ٤٦٦.
1/1591/159

وقد أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بضبط النفس والتحلي بالصبر، وعدم مقارعة القوة بالقوة، والعدوان بالعدوان، حرصًا على حياتهم ونظرًا لمستقبل الدعوة، وإمساكًا بزمام الدعوة الوليدة أن يئدها الشر وهي لا تزال غضَّة طرية، ولعل المشركين كانوا يحرصون على مواجهة حاسمة مع الدعوة تُنهي أمرها، لكن الحكمة الإسلامية فوتت عليهم الفرصة.

وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يربي أصحابه على عينه، ويوجههم نحو توثيق الصلة بالله، والتقرب إليه بالعبادة، ثم نزلت هذه الآيات في المرحلة المكية ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ .

تأمر النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يخصص شطرًا من الليل للصلاة، وقد خيَّره الله تعالى أن يقوم للصلاة نصف الليل أو يزيد عليه أو ينقص منه، فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه معه قريبًا من عام حتى ورمت أقدامهم، فنزل التخفيف عنهم بعد أن علم الله منهم اجتهادَهم في طلب رضاه، وتشميرهم لتنفيذ أمره ومبتغاه، فرحمهم ربهم فخفف عنهم فقال ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ ١ . ولا شك في أن امتحانهم في هجر الفرش ومقاومة النوم ومألوفات النفس لتربيتهم على المجاهدة، وتحريرهم من الخضوع لأهواء النفس، تمهيدًا لحمل زمام القيادة والتوجيه في عالمهم، إذ لا بد من إعداد روحي عالٍ لهم، وقد اختارهم الله تعالى لحمل رسالته، وائتمنهم على دعوته، واتخذ منهم شهداء على الناس، فالعشرات من المؤمنين في هذه المرحلة التاريخية كانت أمامهم المهمات الجسيمة في تعديل مسار البشرية، وإنقاذها من الانحرافات الخطيرة، وتسديدها نحو توحيد الله وطاعته. وهي مهمة عظيمة لا يضطلع بها إلا أولئك الذين ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ . وقد وصف القرآن الكريم قيام الليل والصلاة فيه وقراءة القرآن ترتيلاً أي مع البيان والتؤدة - بأنه ﴿أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ فهو أثبت أثرًا في النفس مع سكون الليل وهدأة الخلق، حيث تخلو من شواغلها وتفرغ للذكر والمناجاة بعيدًا عن علائق الدنيا وشواغل النهار. وبذلك يتحقق الاستعداد اللازم لتلقى الوحي الإلهي ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ والقول الثقيل هو القرآن الكريم، وقد ظهر أثر هذا الإعداد الدقيق للمسلمين الأوائل في قدرتهم على تحمل أعباء الجهاد وإنشاء الدولة بالمدينة، وفي إخلاصهم العميق للإسلام وتضحيتهم من أجل تطبيقه في واقع الحياة ونشره بين العالمين.

  1. ١المزمل ٢٠ وانظر الرواية في سنن أبي داود ٢/ ٧٢ حديث رقم ١٣٠٥ وتفسير الطبري ٢٩/ ٧٩.