أمر ركانة المطلبي ومصارعته للنبي صلى الله عليه وسلم
The sources speak in their Arabic; the English translation under each text is still to be written.
قصة مصارعة ركانة
روى أبو داود والترمذي ١ عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه: أن ركانة صارع النبي- ﷺ ، فصرعه النبي ﷺ . وقال الترمذي: "غريب" . قلت: وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن يزيد بن ركانة صارع النبي ﷺ ، فصرعه النبي ﷺ ثلاث مرات؛ كل مرة على مائةٍ من الغنم، فلما كان في الثالثة قال: يا محمد! ما وضع ظهري إلى الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه.
- ١أبو داود (٤٠٧٧)، والترمذي (١٨٤٤)، وكذا الحاكم (٣/ ٤٥٢)، وسكت عنه هو والذهبي، وإنما استغربه الترمذي؛ لأن فيه ثلاثة مجهولين على التسلسل؛ لكن يشهد له ما بعده.
فقام عنه رسول اللَّه ﷺ ، ورد عليه غنمه. قال ابن إسحاق ١ : وكان رسول اللَّه ﷺ إذا جلس في المسجد، فجلس إليه المستضعفون من أصحابه: خباب، وعمار، وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية، وصهيب، وأشباههم من المسلمين؛ هزئت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون! أهؤلاء مَنَّ اللَّه عليهم من بيننا بالهدى ودين الحق؟! لو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم اللَّه به دوننا!
- ١قلت: هكذا معلقًا ذكره في "السيرة" (٢/ ٣٣)، وإنما ذكرته لشواهده التي سأذكرها في (المستدرك).
فأنزل اللَّه عز وجل فيهم: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) ﴾ [الأنعام: ٥٢ - ٥٤] . قال ١ : وكان رسول اللَّه ﷺ كثيرًا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له: جبر؛ عبد لبني الحضرمي، وكانوا يقولون: واللَّه؛ ما يعلم محمدًا كثيرًا مما يأتي به إلا جبر.
- ١هذا أيضًا معلق عنده (٢/ ٣٣)، وقد رواه ابن جرير في "التفسير" (١٤/ ١٧٨) عن ابن إسحاق به. وقد أسنده الحاكم (٢/ ٣٥٧) من حديث ابن عباس، وقال: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وله شاهد من رواية عبد اللَّه بن كثير.
فأنزل اللَّه تعالى في ذلك من قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
ثم ذكر ١ نزول سورة (الكوثر) في العاص بن وائل حين قال عن رسول اللَّه ﷺ : إنه أبتر. أي: لا عقب له؛ فإذا مات انقطع ذِكْره، فقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
- ١يعني: ابن إسحاق بغير إسناد (٢/ ٣٤)، وقد وصله ابن جرير (٣٠/ ٣٢٩).
أي: المقطوع الذِكْر بعده؛ ولو خلف ألوفًا من النسل والذرية، وليس الذكر والصيت ولسان الصدق بكثرة الأولاد والأنسال والعقب. وقد تكلمنا على هذه السورة في "التفسير" ، وللَّه الحمد.
[ثم روى ابن إسحاق (٢/ ٣٥) بإسناده الصحيح عن أنس قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ وقيل له: يا رسول اللَّه! ما الكوثر الذي أعطاك اللَّه؟ قال: "نهر كما بين (صنعاء) إلى (أيلة) ، آنيته كعدد نجوم السماء، ترده طيور لها أعناق كأعناق الإبل" . قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول اللَّه! لناعمة. قال: "آكلُها أنعمُ منها" ١ . قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال ﷺ : "من شرب منه لا يظمأ أبدًا" ] ٢ . قلت: وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) ﴾ [الأنعام: ٣٤] . وقال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) ﴾ [الحجر: ٩٥] . قال سفيان: عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المستهزؤون: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة، والحارث بن عيطل ٣ ، والعاص بن وائل السهمي.
- ١قلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٢٢٠ - ٢٢١ و ٢٣٦ و ٢٣٧)، والترمذي (٢٦٦٥) وحسنه، والحاكم (٢/ ٥٣٧). وفي رواية لأحمد: "أبو بكر" مكان "عمر"، وهي منكرة، وهي في حديث آخر عنده (٣/ ٢٢١)، وفي سندها ضعف.
- ٢قلت: هذا طرف من حديث الحوض، وفيه يصب الكوثر، وهو في "الصحيحين" وغيرهما عن جمع من الصحابة، وهو مخرج في "ظلال الجنة" (٧٢٨)، وما بين المعكوفتين زيادة من "السيرة".
- ٣كذا الأصل، وكذلك هو في "مجمع الزوائد": بالمثناة من تحت، وفي "الدر المنثور": بالموحدة.
فأتاه جبريل، فشكاهم إليه رسول اللَّه ﷺ ، فأراه الوليد، فأشار جبريل إلى أكحله ١ ، وقال: كُفِيتَهُ.
- ١الأصل هنا وفيما يأتي: "أنمله"، وما أثبته من "الدر"، وفي "المجمع": "أبجله".
ثم أراه الأسود بن المطلب، فأومأ إلى عينيه ١ ، وقال: كُفِيتَهُ.
- ١الأصل:"عنقه"، "التصويب من "الدر"، ومن آخر الحديث.
ثم أراه الحارث بن عيطل، فأومأ إلى بطنه، وقال: كُفيته.
ومر به العاص بن وائل، فأومأ إلى أخمصه ١ ، وقال: كفيته.
- ١"الأخمص": باطن القدم الذي يتجافى عن الأرض.
فأما الوليد؛ فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلًا له، فأصاب أكحله، فقطعها.
وأما الأسود بن عبد يغوث؛ فخرج في رأسه قروح؛ فمات منها.
وأما الأسود بن المطلب فعمي، وكان سبب ذلك أنه نزل تحت سمرة، فجعل يقول: يا بَنِيَّ! ألا تدفعون عني؟ قد قتلت! فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا. وجعل يقول: يا بَنِيَّ! ألا تمنعون عني؟ قد هلكت! ها هو ذا الطعن بالشوك في عيني. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا. فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه.
وأما الحارث بن عيطل. فأخذه الماء الأصفر في بطنه؛ حتى خرج خرؤه من فيه؛ فمات منها.
وأما العاص بن وائل؛ فبينما هو كذلك يومًا. إذ دخل في رجله ١ شِبْرِقَة حتى امتلأت منها؛ فمات منها.
- ١الأصل: "رأسه"، والتصويب من "المجمع"، ويؤيده ما تقدم ويأتي. و"الشبرقة" واحدة (الشّبْرِق): نبت حجازي يؤكل وله شوك.
وقال غيره ١ في هذا الحديث.
- ١لا أدري من عنى بـ "غيره"، وهو يعني: أحد رواة الإسناد، وهو صحيح إن سلم ممن دون سفيان.
فركب إلى الطائف على حمار، فربض ١ به على شِبْرِقَةٍ (يعني: شوكة) ، فدخلت في أخمص قدمه شوكة، فقتلته.
- ١أي: برك.
رواه البيهقي بنحو من هذا السياق ١ .
- ١قلت: يعني: في "الدلائل"؛ كما في "الدر" (٤/ ١٠٧)، وزاد في تخريجه: "الطبراني في "الأوسط"، وابن مردويه بسند حسن، والضياء في (المختارة) ". ورواه ابن جرير (١٤/ ٧٠) عن سعيد ابن جبير مرسلًا. وقال الهيثمي (٧/ ٤٧) في حديث ابن عباس: "رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه محمد بن عبد الحكيم النيسابوري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
[المستدرك]
جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفَزاري، فوجدوا رسول اللَّه ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدًا في ناسٍ من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حَقَرُوهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا؛ فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأَعْبُدِ! فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: "نعم" . قالوا: فاكتب لنا عليك كتابًا. قال: فدعا بصحيفة، ودعا عليًا ليكتب -ونحن قعود في ناحية- فنزل جبرائيل عليه السلام فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) ﴾ [الأنعام: ٥٢] .
ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) ﴾ [الأنعام: ٥٣] . ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] ، [فألقى رسول اللَّه ﷺ الصحيفة من يده ثم دعانا] . قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، [وهو يقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾] .
وكان رسول اللَّه ﷺ يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل اللَّه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: ولا تجالس الأشراف ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾؛ يعني: عيينة والأقرع ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾: قال: هلاكًا؛ قال: أمرُ عيينة والأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي ﷺ ، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها؛ قمنا وتركناه حتى يقوم.
أخرجه ابن ماجه (٤١٢٧) ، والسياق له، وابن جرير (٧/ ٢٠١) ، وابن أبي شيبة أيضًا، وأبو يعلى، وأبو نعيم في "الحلية" ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل" ؛ كما في "الدر النثور" (٣/ ١٣) ، وإسناده صحيح كما قال البوصيري. وله شاهد عن ابن مسعود مختصرًا. أخرجه أحمد (١/ ٤٢٠) ، وابن جرير (٧/ ٢٠٠) من طريق أشعث عن كردوس الثعلبي عنه. وسنده صحيح إن كان أشعث بن أبي الشعثاء. ثم ترجح عندي أنه ابن سوار، وفيه ضعف؛ لأنه ممن رواه عن حفص بن غياث.
كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترؤون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل اللَّه عز وجل : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأ نعام: ٥٢] .
أخرجه مسلم (٢٤١٣) ، وابن ماجه (٤١٢٨) ، وابن جرير (٧/ ٢٠٢) ، والحاكم (٣/ ٣١٩) وقال: "صحيح على شرط الشيخين" ، ووافقه الذهبي، وعزاه المؤلف في "التفسير" لابن حبان والحاكم فقط! وعزاه في "الدر" (٣/ ١٣) لجمع آخر منهم أحمد، ولم أره في "مسنده" .
لما قدم كعب بن الأشرف (مكة) أتوه، فقالوا له: نحن أهل السقاية والسدانة، وأنت سيد أهل (المدينة) ، فنحن خير أم هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا؟ قال: بل أنتم خير منه! فنزلت عليه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ هو. قال: وأنزلت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) ﴾ [النساء: ٤٤ و ٤٥] .
أخرجه ابن جرير في "التفسير" (٣٠/ ٣٣٠) بإسناد صحيح رجاله رجال "الصحيح" ، وقال المؤلف في "التفسير" : "رواه البزار، وإسناده صحيح" . وفي "المجمع" (٧/ ٦) : "رواه الطبراني، وفيه يونس بن سليمان الجمال، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال (الصحيح) " . قلت: قد توبع عند الأولين، فصح الحديث، والحمد للَّه. [انتهى المستدرك] .
فصل
وذكر البيهقي هاهنا دعاء النبي ﷺ على قريش حين استعصت عليه بسبع مثل سبع يوسف.
وأورد ما أخرجاه في "الصحيح" عن ابن مسعود قال: خمس [قد] مضين: اللزام، والروم، والدخان، والبطشة، والقمر ١ .
- ١البخاري (٤٧٦٧ و ٤٨٢٠ و ٤٨٢٥)، ومسلم (٢٧٩٨/ ٤١)، وابن جرير في "التفسير" (٢٥/ ١٢).
وفي رواية عن ابن مسعود. قال: إن قريشًا لما استعصت على رسول اللَّه ﷺ ، وأبطؤوا عن الإسلام؛ قال: "اللهم! أَعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف" . قال: فأصابتهم سَنَة حتى حَصَّتْ ١ كلَّ شيء، حتى أكلوا الجيف، وحتى أن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، ثم دعا، فكشف اللَّه عنهم، ثم قرأ عبد اللَّه هذه الآية: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) ﴾ [الدخان: ١٥] . قال: فعادوا فكفروا، فَأُخِّرُوا إلى يوم بدر ٢ . قال عبد اللَّه: إن ذلك لو كان يوم القيامة كان لا يكشف عنهم؛ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) ﴾ [الدخان: ١٦] ؛ قال: يوم بدر ٣ .
- ١[أىِ: استأصلت]. الناشر.
- ٢الأصل: "فَأُخِّرُوا إلى يوم القيامة، أو قال: فَأُخِّرُوا إلى يوم بدر". وهو خطأ ظاهر؛ لأنه لا يمكن أن يكون من كلام ابن مسعود وهو يجزم عقبه مباشرة برد أن ذلك يكون يوم القيامة، ويقطع بأنه كان يوم بدر، وهو الذي تدل عليه كل روايات الحديث عند الشيخين وغيرهما؛ بل في بعضها أنه إنما ساق الحديث للرد على من تأول آية الدخان بأنها يوم القيامة، فعند مسلم = = (٢٧٩٨/ ٤٠) عن مسروق قال: جاء إلى عبد اللَّه رجل فقال: تركت في المسجد رجلًا يفسر القرآن برأيه، يفسر هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]؛ قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان، فيأخذ بأنفاسهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام. فقال عبد اللَّه: من علم علمًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: اللَّه أعلم. فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: اللَّه أعلم. إنما كان هذا؛ أن قريشًا لما استعصت على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد؛ حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء؛ فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، وحتى أكلوا العظام. . . الحديث. وزاد البخاري في رواية بعد آية العذاب: "أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء؟! ". ونحوه لمسلم.
- ٣الحديث عند البخاري (١٠٠٧ و ١٠٢٠ و ٤٦٩٣ و ٤٧٧٤ و ٤٨٠٩ و ٤٨٢٠ و ٤٨٢١)، ومسلم (٢٧٩٨/ ٣٩ و ٤٠)، وكذا الترمذي (٣٣٠٧) وصححه، وابن جرير (٢٥/ ١١١ - ١١٢)، والطيالسي (٢٩٣)، وأحمد (١/ ٣٨٠ - ٣٨١ و ٤٣٤ و ٤٤١) مختصرًا ومطولًا بمعنى ما ذكره المؤلف لا بلفظه، وبعض رواياته مركبة من أكثر من رواية.
وفي رواية عنه قال: لما رأى رسول اللَّه ﷺ من الناس إدبارًا قال: "اللهم! سبع كسبع يوسف" .
فأخذتهم سَنَةٌ؛ حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناس من أهل (مكة) ، فقالوا: يا محمد! إنك تزعم أنك بعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا؛ فادع اللَّه لهم.
فدعا رسول اللَّه ﷺ ، فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعًا، فشكا الناس كثرة المطر، فقال: "اللهم! حوالينا ولا علينا" .
فانحدرت السحابة ١ عن رأسه، فَسُقِيَ الناس حولهم. قال: لقد مضت آية الدخان، وهو الجوع الذي أصابهم، وذلك قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) ﴾ [الدخان: ١٥] ، وآية الروم، والبطشة الكبرى، وانشقاف القمر، وذلك كله يوم بدر ٢ . قال البيهقي: يريد -واللَّه أعلم- البطشة الكبرى، والدخان، وآية اللزام كلها حصلت بـ (بدر) . قال: وقد أشار البخاري إلى هذه الرواية ٣ .
- ١الأصل: "فانجذب السحاب"، والتصحيح من "البخاري"و "الدر".
- ٢هذه الرواية ليست للشيخين؛ وإنما هي للبيهقي؛ كما في "الفتح" (٢/ ٥١١)، و"الدر المنثور" (٦/ ٢٨)، وإنما للبخاري الشطر الثاني منها معلقًا، ووصلها الجوزقي والبيهقي، وفي إسنادها أسباط بن نصر؛ قال في "التقريب": "صدوق كثير الخطأ"، وفي روايته نكارة ظاهرة؛ وهي قوله: "وذلك كله يوم بدر"؛ لأن انشقاق القمر إنما كان في (مكة)؛ كما هو معلوم في أحاديث كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما، وقد لاحظ هذا الإمام البيهقي، ولهذا فسر الرواية بأن راويها لم يرد آية القمر. ولا يخفى أن هذا نوع من التأويل قد يستساغ حين تكون الرواية سالمة من الضعف، وهذه ليست كذلك؛ كما سبق بيانه. على أنه قد خفي على البيهقي أن فيها نكارة أخرى؛ وهي جعله آية الدخان مما وقع يوم بدر، وهي إنما وقعت في (مكة)؛ كما هو الظاهر من روايات الحديث؛ بل قد صرح بذلك ابن مردويه في روايته عن ابن مسعود: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال: "جوع أصاب الناس بـ (مكة) "؛ كما في "الدر" (٦/ ٢٨). على أن فيه نكارة أخرى؛ وهي قوله: "فشكا الناس. . . فسقي الناس حولهم"، فإن هذا في حديث أنس في استسقائه ﷺ في (المدينة) (انظر مختصر البخاري ٤٩٧)، فاختلط على الراوي هذا بحديث الباب فأدخله فيه، وذلك مما جزم به الداودي وغيره، ونسبوا أسباط بن نصر إلى الغلط فيه. وقد حاول الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥١١) تبرئته من ذلك بشاهد ذكره من حديث كعب بن = = مرة أو مرة بن كعب، ويأتي بيان ما فيه قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. وأما آية الروم ففيها قول آخر؛ وهو أنها وقعت عام الحديبية، ولم أجد ما يرجح أحدهما على الآخر، وقد ذكرهما المؤلف في "تفسيره"، وقال: "والأمر في هذا سهل قريب".
- ٣قلت: وذلك في تعليقه إياها كما تقدم.
ثم أورد من حديث ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى رسول اللَّه ﷺ يستغيث من الجوع؛ لأنهم لم يجدوا شيئًا حتى أكلوا العهن ١ ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) ﴾ [المؤمنون: ٧٦] . قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ حتى فرج اللَّه عنهم ٢ . ثم قال الحافظ البيهقي: وقد روي في قصة أبي سفيان ما دل على أن ذلك بعد الهجرة، ولعله كان مرتين. واللَّه أعلم ٣ .
- ١كذا الأصل، والصواب: "العِلهز"؛ كما في "المستدرك" وغيره من المصادر الآتية، قال ابن الأثير: "هو شيء يتخذونه في سني المجاعة؛ يخلطون الدم بأوبار الإبل، ثم يشوونه بالنار ويأكلونه".
- ٢قلت: وإسناده صحيح، وقد رواه النسائي، وابن أبي حاتم -كما في "تفسير المؤلف"- وابن جرير (١٨/ ٤٥)، وصححه الحاكم (٢/ ٣٩٤)، ووافقه الذهبي.
- ٣قلت: كأنه يشير إلى ما أخرجه في "الدلائل"؛ كما في "الفتح" (٢/ ٥١١)؛ قال الحافظ: "ثم وجدت في "الدلائل" للبيهقي من طريق شبابة عن شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن شرحبيل بن السمط عن كعب بن مرة -أو مرة بن كعب- قال: دعا رسول اللَّه ﷺ . على مضر، فأتاه أبو سفيان فقال: ادع اللَّه لقومك؛ فإنهم قد هلكوا. ورواه أحمد (٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، وابن ماجه (١٢٦٩) من رواية الأعمش عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد عن كعب بن مرة ولم يشك، فأبهم أبا سفيان؛ قال: جاءه رجل فقال: استسق اللَّه لمضر. فقال: "إنك لجريء! ألمضر؟! ". قال: يا رسول اللَّه! استنصرت اللَّه فنصرك، ودعوت اللَّه فأجابك. فرفع يديه فقال: "اللهم! اسقنا غيثًا مغيثًا مريعًا مريئًا طَبَقًا عاجلًا غير رائث، نافعًا غير ضار". قال: فأجيبوا. فما لبثوا أن أتوه فشكوا إليه كثرة المطر، فقالوا: تهدمت البيوت. فرفع يديه وقال: "اللهم! حوالينا ولا علينا". فجعل السحاب يتقطع يمينًا وشمالًا. فظهر بذلك أن الرجل هو أبو سفيان؛ لكن يظهر لي أن قائل:"قال: يا رسول اللَّه! استنصرت اللَّه. . " إلخ هو كعب بن مرة راوي هذا الخبر؛ لما أخرجه أحمد أيضًا والحاكم من طريق شعبة أيضًا عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد إلى كعب قال: دعا رسول اللَّه ﷺ على مضر، فأتيته فقلت: يا رسول اللَّه! إن اللَّه قد نصرك وأعطاك واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا. . . الحديث. فعلى هذا كأن أبا سفيان وكعبًا حضرا جميعًا، فكلمه أبو سفيان بشيء وكعب بشيء، فدل ذلك على اتحاد قصتهما، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك من قوله: "إنك لجريء"، ومن قوله: "اللهم! حوالينا ولا علينا"، وغير ذلك، وظهر بذلك أن أسباط بن نصر لم يغلط في الزيادة المذكورة، ولم ينتقل من حديث إلى حديث. وسياق كعب بن: مرة يشعر بأن ذلك وقع في (المدينة) بقوله: "استنصرت اللَّه فنصرك"؛ لأن كلًا منهما كان بـ (المدينة) بعد الهجرة؛ لكن لا يلزم من ذلك اتحاد هذه القصة مع قصة أنس. . . ". قلت: هذا الأخير مُسَلَّم؛ لكن استشعاره بأن قصة كعب وقعت في (المدينة) -وهو الظاهر- ينافي اتحاد قصته مع قصة أبي سفيان المتقدمة؛ فإنها كانت في (مكة). واللَّه أعلم.
[المستدرك]
في هذه الآية: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] قال المصيبات في الدنيا - قال: - والدخان قد مضى، والبطشة واللزام.
أخرجه مسلم (٢٧٩٩) ، وابن جرير (٢١/ ١٠٨) ، وأحمد في "المسند" (٥/ ١٢٨) ، وصححه الحاكم (٤/ ٤٢٨) . [انتهى المستدرك] .
فصل
ثم أورد البيهقي قصة فارس والروم ونزول قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) ﴾ [الروم: ١ - ٥] .
ثم روى عن ابن عباس قال: كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل الكتاب، وكان الشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ ، فقال: "أَمَا إنهم سيظهرون" .
فذكر ذلك أبو بكر للمشركين، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا؛ إن ظهروا كان لك كذا وكذا، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا. [فجعل أجلًا خمس سنين، فلم يظهروا] .
· · · · ·