السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

الهجرة إلى المدينة

التاريخيوم الاثنين ١٢ ربيع الأول
عمره ﷺ٥٣

يوم الاثنين ١٢ ربيع الأول، وعمره ﷺ ٥٣

تقرأ في محمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ، ٤٠٢ نص في هذا الحدث الطبعة: تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ
عناوينه هنا (٢٠)
  1. الباب الأول في إذن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة
  2. تنبيهات
  3. الباب الثاني في سبب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وكفاية الله تعالى رسوله مكر المشركين حين أرادوا ما أرادوا
  4. تنبيهات
  5. الباب الثالث في قدر إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة ورؤياه الأرض التي يهاجر إليها
  6. تنبيهات
  7. الباب الرابع في هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وما وقع في ذلك من الآيات
  8. قصة أم معبد رضي الله عنها
  9. قصة سراقة رضي الله عنه
  10. تنبيهات
  11. شرح قصة أم معبد رضي الله عنها
  12. شرح شعر حسان بن ثابت رضي الله عنه
  13. شرح قصة سراقة بن مالك رضي الله عنه
  14. الباب الخامس في تلقي أهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزوله بقباء وتأسيس مسجد قباء
  15. تنبيهات
  16. الباب السادس في قدومه صلى الله عليه وسلم باطن المدينة وما آلت إليه وفرح أهل المدينة برسول الله صلى الله عليه وسلم
  17. تنبيه: في بيان غريب ما سبق
  18. ذكر تبدي إبليس لقريش في صورة سراقة بن مالك
  19. الباب السابع عشر في إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم على سراقة بن مالك بن جعشم قبل إسلامه حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله تعالى عنه
  20. الباب الثامن في عصمته صلى الله عليه وسلم من سراقة بن مالك قبل إسلامه

الباب الأول في إذن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة

٤/٢٢٤٤/٢٢٤

روى ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف وعن عروة عن عائشة رضي الله عنهما قال: لما صدر السبعون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طابت نفسه وقد جعل الله له منعة وقوما أهل حرب [وعدّة] ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج فضيّقوا على أصحابه وتعبّثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشّتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنوه في الهجرة، فقال: «قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين» - وهما الحرّتان- «ولو كانت السّراة أرض نخل وسباخ لقلت هي هي» . ثم مكث أياما ثم خرج إلى أصحابه مسرورا فقال: «قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها» .

فجعل القوم يتجهّزون ويترافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك. فكان أول من قدم المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سلمة بن عبد الأسد- بسين ودال مهملتين [ (١) ] . قال ابن إسحاق: «هاجر إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة. وحبست عنه امرأته أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بمكة نحو سنة ثم أذن لها بنو المغيرة الذين حبسوها في اللحاق بزوجها فانطلقت وحدها مهاجرة حتى إذا كانت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة [بن أبي طلحة] أخا بني عبد الدار وكان يومئذ مشركا وأسلم بعد ذلك، فشيّعها حتى إذا أوفى على قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال لها: هذا زوجك في هذه القرية. ثم انصرف راجعا إلى مكة، فكانت تقول: ما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عنّي حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري فحطّ عنه ثم قيّده في الشجرة، ثم أتى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرّواح قام إلى بعيري فقدّمه فرحله، ثم استأخر عنّي وقال: اركبي. فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني، [فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة] .

٤/٢٢٥٤/٢٢٥

وقيل: أول المهاجرين مصعب بن عمير. روى البخاري في صحيحه، والحاكم في الإكليل عن البراء بن عازب قال: «أول من قدم علينا المدينة من المهاجرين مصعب بن عمير» . وروى ابن إسحاق وابن سعد: «ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة: عامر بن ربيعة [حليف بني عدي بن كعب] ، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة [ (١) ]- بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الثاء المثلثة- قالا: «وهي أول ظعينة قدمت المدينة» . قال ابن إسحاق: «ثم عبد الله بن جحش احتمل بأهله وبأخيه أبي أحمد عبد بن جحش- بإضافة عبد إلى ابن جحش- وكان أبو أحمد رجلاً ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا، وكانت عنده الفارعة ابنة أبي سفيان بن حرب، وهاجر جميع بني جحش بنسائهم فعدا أبو سفيان على دارهم فتملّكها، قال بعضهم: إنه باعها من عمرو بن علقمة أخي بني عامر بن لؤي، فذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا في الجنة خيراً منها؟» قال: بلى. قال: «فذلك لك» .

ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكّة كلّمه أبو أحمد في دارهم، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الناس لأبي أحمد: يا أبا أحمد إن رسول الله يكره أن ترجعوا في شيء أصيب منكم في الله. فأمسك الكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام، قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرة رجالهم ونساؤهم: [عبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد بن جحش، وعكاشة بن محصن وشجاع وعقبة ابنا وهب وأربد بن حمير] .

وروى ابن السمان في «الموافقة» عن علي رضي الله عنه قال: ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه وتنكّب قوسه وانتضى في يده أسهما واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها فطاف بالبيت سبعاً [متمكنا] ، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة وقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن يثكل أمّه أو يؤتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي. قال علي رضي الله عنه: فلم يتبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علّمهم ما أرشدهم إليه ثم مضى لوجهه.

وروى ابن إسحاق: حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: اتّعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص [بن وائل] السّهميّ التّناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أيّنا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعيّاش بن أبي ربيعة عند التناضب وفطن لهشام قومه فحبسوه عن الهجرة وفتن فافتتن. ثم إن أبا جهل والحارث بن هشام- وأسلم بعد ذلك- خرجا حتى قدما المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالا لعيّاش بن أبي ربيعة وكان ابن عمّهما وأخاهما لأمهما: إن أمّك قد نذرت ألّا يمسّ رأسها مشط حتى تراك ولا تستظلّ من شمس حتى تراك، فرقّ لها. فقلت له: يا عيّاش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمّك القمل لامتشطت، ولو قد اشتدّ عليها حرّ مكة لاستظلّت. فقال: أبرّ قسم أمي ولي هنالك مال فآخذه. فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريشا مالا فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. فأبى علي إلا أن يخرج معهما. فلما أبي إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟. قال: بلى. قال: فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا وفتناه فافتتن ودخلا به مكة نهارا موثقا، ثم قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا. قال عمر: فكنا نقول: ما الله تعالى بقابل ممّن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. فلما قدم النبي صلّى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٣، ٥٤، ٥٥] . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاصي. قال: فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعّد بها فيه وأصوّب ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فهّمنيها قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا ما ذكره ابن إسحاق في شأن هشام. قال ابن هشام: فحدثني من أثق به إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بالمدينة: «من لي بعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاصي؟» فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما.

٤/٢٢٧٤/٢٢٧

فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا، فلقي امرأة تحمل طعاما فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد هذين المحبوسين. تعنيهما، فتبعها حتى عرف موضعهما، وكانا محبوسين في بيت لا سقف له، فلما أمسى تسوّر عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما، فكان يقال لسيفه: ذو المروة، لذلك ثم حملهما على بعيره وساق بهما فعثر فدميت إصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت؟ ... وفي سبيل الله ما لقيت ثم قدم بهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تتابع المهاجرون أرسالا فنزل طلحة بن عبيد الله وصهيب بن سنان على خبيب- بضم الخاء المعجمة وفتح الوحدة- ابن إساف- بكسر الهمزة- بالسّنح ويقال: بل نزل طلحة بن عبيد الله على أسعد بن زرارة.

وروى ابن سعد عن سعيد بن المسيّب أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفّار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإني جعلت لكم مالي. قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ربح صهيب ربح صهيب» [ (١) ] . قال ابن سعد: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا فنزلوا في الأنصار في دورهم وآووهم ونصروهم وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين بقباء قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلّف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهما.

وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له: «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا» .

فيطمع أبو بكر أن يكونه. قال ابن سعد: وكان نفر من الأنصار بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الآخرة، ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدم أول من هاجر إلى قباء خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، حتى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريون وهم: ذكوان بن عبد قيس [بن خلدة الزّرقي] ، وعقبة بن وهب بن كلدة والعبّاس [ابن عبادة] بن نضلة وزياد بن لبيد [بن ثعلبة الخزرجي البياضي] .

تنبيهات

٤/٢٢٨٤/٢٢٨

الأول: ذكر ابن إسحاق وابن سعد إن أول من هاجر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد. وروى ابن أبي شيبة والبخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: أول من قدم علينا المدينة من المهاجرين مصعب بن عمير. قال الحافظ: «فيجمع بينهما بحمل الأوّليّة في أحدها على صفة خاصة. فقد جزم ابن عقبة بأن أول من قدم من المهاجرين مطلقا أبو سلمة بن عبد الأسد، وكان رجع من الحبشة إلى مكة، فأوذي بمكة، فبلغه ما وقع للاثني عشر من الأنصار في العقبة الأولى، فتوجه إلى المدينة في أثناء السنة، فيجمع بين ذلك وبين ما وقع في حديث البراء بأن أبا سلمة خرج لا لقصد الإقامة بالمدينة بل فرارا من المشركين، بخلاف مصعب بن عمير فكان على نية الإقامة بالمدينة» .

الثاني: جزم أبو عمر بأن ليلى بنت أبي حثمة بن غانم أول ظعينة دخلت المدينة من المهاجرات، وقال موسى بن عقبة: بل أم سلمة فالله أعلم.

الثالث: ذكر ابن إسحاق في مهاجرات بني [غنم بن] دودان بن أسد: بنات جحش وذكر فيهنّ أم حبيبة- بالهاء- وقال السهيلي: أم حبيب- بغير هاء- وقال أبو عمر: هو قول الأكثر، قال الحافظ: كذا قال. قلت لأن قصتها في الاستحاضة رواها الزّهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها. وقال عمرو بن الحارث، ومحمد بن إسحاق وابن أبي ذئب كلهم عن الزهري: أم حبيبة بالهاء وقال معمر عنه: أم حبيب بغير هاء، وقال يحيى بن أبي كثير عن أم سلمة عن أم حبيبة بالهاء. وقال ابن عيينة عن الزهري: أم حبيبة أو حبيب على الشك. فظهر من هذا أن أكثر الرواة قالوا: أم حبيبة بالهاء خلافا لما قاله أبو عمر. قال في العيون: «وأما ابن عساكر فعنده أم حبيبة واسمها حمنة فهما أي بنات جحش ثنتان على هذا» . انتهى. قلت: كان مستند الحافظ ابن عساكر في ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن عمران بن طلحة عن عبيد الله عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض فذكر الحديث. فلما رأى الحافظ ابن عساكر حديث الاستحاضة تارة يروى عن حمنة بنت جحش وتارة يروى عن أم حبيبة ظنّ أن اسم أم حبيبة حمنة، وليس كذلك فإن حمنة غير أم حبيبة وكل منهما استحيض. وقد ذكر ابن إسحاق وابن سعد وغيرهما بنات جحش وسمّوهنّ وذكروا أزواجهن، ولهذا مزيد بيان في كتابي: «عين الإصابة في معرفة الصحابة» ، أعان الله على إكماله.

الرابع: ذكر ابن إسحاق من نساء بني جحش: جذامة بنت جندل. قال السهيلي: «وأحسبها جذامة بنت وهب وأما جذامة بنت جندل فلا تعرف في آل جحش الأسديين ولا في غيرهم ولعله وهم وقع في الكتاب وأنها بنت وهب بن محصن بنت أخي عكاشة بن محصن. قال في الزهر: وهذا غير لأن محمد بن جرير ذكر جذامة في المهاجرات، قال: والمحدّثون قالوا فيها: جذامة بنت وهب، والمختار أنها بنت جندل أخت عكاشة بن محصن المشهور، وتكون أخته من أمّه.

٤/٢٢٩٤/٢٢٩

وفي كتاب الصحابة لابن حبّان: جذامة بنت جندل من بني غنم من المهاجرات، وجذامة بنت وهب من بني هلال. وفي الطبقات لابن سعد: جذامة بنت جندل الأسدية أسلمت قديما وبايعت وهاجرت إلى المدينة. ويزيد ذلك وضوحا ما ذكره أبو الحسن الخزرجي في كتاب تقريب المدارك في الكلام على موطّأ مالك: أن جذامة بنت وهب أسلمت عام الفتح، ودال جدامة روي إعجامها وإهمالها وصحّح.

«اللّحاق» [ (١) ] : بفتح اللام مصدر لحقه ولحق به.

«أرسالا» [ (٢) ] : بفتح الهمزة أي: أفواجا وفرقا.

«التنعيم» : على لفظ المصدر محل بين مكة وسرف على مرحلتين من مكة.

«منعة» : بفتحتين أي في قوم يمنعونه ويحمونه جمع مانع ككاتب وكتبة وتقدم مبسوطا غير مرة.

«السّبخة» : بكسر الموحدة وتسكّن: الأرض المالحة.

«بين لابتين» : تثنية لابة بالموحدة وهي الحرّة وتأتي.

«الحرّتان» : تثنية حرّة وهي أرض ذات أحجار سود نخرة كأنّها أحرقت بالنار.

«السّراة» : بفتح السين المهملة: أعظم جبال بلاد العرب «الظعينة» : بفتح الظاء المعجمة المشالة: المرأة وأصله الهودج الذي تكون فيه المرأة.

«عدا» : بالعين المهملة: من العدوان.

«فأبطأ» : بهمزة مفتوحة في أوّله وأخرى في آخره.

«أصيب منكم» بالبناء للمفعول.

«أوعبوا» : قال ابن السّكّيت: أوعب بنو فلان جلاء: لم يبق بدارهم منهم أحد.

«تنكّب قوسه» : ألقاها على منكبه.

٤/٢٣٠٤/٢٣٠

«انتضى [ (١) ] في يده أسهما» : أي سلّها من كنانته وتركها معدّة في يده وكذلك انتضى سيفه ونضاه سلّه.

«اختصر العنزة» [ (٢) ] العنزة بالتحريك: أطول من العصا وأقصر من الرّمح وفيه زجّ كزجّ الرّمح، واختصرها: حملها مضمومة إلى خاصرته.

«المعاطس» [ (٣) ] جمع معطس بزنة مجلس وهو الأنف.

«وإرغامها» : إلصاقها بالرغام وهو التراب كنّى بذلك عن الإهانة والذّلّ.

«التّناضب» : بمثناة فوقية مفتوحة فنون فألف فضاد معجمة مضمومة: هو اسم موضع ويروى بكسر الضاد جمع تنضب وهو شجر واحدته تنضبة.

«الأضاة» : بفتح الهمزة والضاد المعجمة بوزن حصاة ومناة الغدير يجتمع من ماء المطر يمد ويقصر.

«غفار» بكسر الغين المعجمة وبالفاء وبالراء.

«سرف» بفتح السين والراء المهملتين وبالفاء: موضع بين مكة والمدينة.

«تسوّر الحائط» : تسلّقه.

«المروة» [ (٤) ] : الحجر الصلب.

«فعثر» بفتح المثلثة صدم رجله شيء.

«ذو طوى» [ (٥) ] بتثليث الطاء: بمكة قال النووي: يصرف ولا يصرف.

الباب الثاني في سبب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وكفاية الله تعالى رسوله مكر المشركين حين أرادوا ما أرادوا

٤/٢٣١٤/٢٣١

روى ابن إسحاق وعبد الرزاق والإمام أحمد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس، وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة، والبيهقي عن ابن إسحاق أن قريشا لما رأت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا جوارا ومنعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار النّدوة- وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها- يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين خافوه.

فاجتمعوا لذلك واتّعدوا، وكان ذلك اليوم يسمّى يوم الزّحمة فاعترضهم إبليس لعنه الله في هيئة شيخ جليل عليه بتّ له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشّيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى ألا تعدموا منه رأيا ولا نصحا. قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش: من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب- وأسلم بعد ذلك- [ومن بني نوفل بن عبد مناف] : طعيمة بن عديّ، وجبير بن مطعم- وأسلم بعد ذلك- والحرث بن عامر بن نوفل. ومن بني عبد الدار بن قصيّ] : النّضر بن الحرث بن كلدة [ومن بني أسد بن عبد العزّى] : أبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود- وأسلم بعد ذلك- وحكيم بن حزام- وأسلم بعد ذلك، [ومن بني مخزوم] : أبو جهل بن هشام، [ومن بني سهم] : نبيه ومنبّه ابنا الحجّاج، ومن بني جمح: أمية بن خلف، ومن كان معهم، وغيرهم ممّن لا يعدّ من قريش. فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا. قال: فتشاوروا ثم قال قائل منهم- نقل السهيلي عن ابن سلّام أنه أبو البختريّ بن هشام- احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله: زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي- لعنه الله-: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.

فتشاوروا ثم قال قائل منهم- ذكر السهيلي أنه أبو الأسود ربيعة بن عمرو أحد [ (١) ] بني عامر بن لؤي- نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا [كما كانت] فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحلّ على حيّ من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبّروا فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابّا جلدا نسيبا وسيطا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه بأجمعهم فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. فقال الشيخ النجدي أخزاه الله: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا أرى غيره.

٤/٢٣٢٤/٢٣٢

وذكر ابن الكلبي أن إبليس لما حمد رأي أبي جهل لعنه الله قال: الرّأي رأيان: رأي ليس يعرفه ... هاد ورأي كنصل السّيف معروف يكون أوّله عزّ ومكرمة ... يوما وآخره جدّ وتشريف وتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، وأخبره بمكر القوم وإذن الله تعالى له بالخروج. فلما كانت العتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: «نم على فراشي وتسجّ ببردي هذا الحضرميّ الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام.

فلما اجتمعوا قال أبو جهل بن هشام: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن وإن أنتم لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها.

فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: «نعم أنا أقول ذلك وأنت أحدهم» .

وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل يذري ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ١- ٩] فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.

٤/٢٣٣٤/٢٣٣

فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: «ما تنتظرون ههنا» ؟ قالوا: «محمدا» . قال: «خيّبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم» ؟ قال: «فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب» ، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجّيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده. فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا. فقام علي رضي الله عنه من الفراش. فقالوا: «والله لقد صدقنا الذي كان حدّثناه» . وذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غار ثور.

وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه» . وكان المشركون يرجون رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يرمون عليّا ويرونه النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل عليّ يتوضأ فإذا هو علي، فقالوا: إنك للئيم، إنك لتتضوّر [ (١) ] وكان صاحبك لا يتضوّر وقد استنكرناه منك.

وروى الحاكم عن علي بن الحسين رضي الله عنهما قال: إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ، وقال في ذلك شعراً: وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله خاف أن يمكروا به ... فنجّاه ذو الطّول الإله من المكر وبات رسول الله في الغار آمنا ... موقّى وفي حفظ الإله وفي ستر وبتّ أراعيهم وما يتّهمونني ... وقد وطّنت نفسي على القتل والأسر قال ابن إسحاق: وكان مما أنزل الله عز وجل من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ بالوثاق والحبس والإثخان بالجرح (أو يقتلوك) بسيوفهم (أو يخرجوك) - من مكة- (ويمكرون) - يحتالون في أمرك- (ويمكر الله) - يجازيهم جزاء مكرهم فسمّى الجزاء مكرا لأنه في مقابلته، والمعنى أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم والله تعالى منعه منهم وأظهره وقوّاه ونصره فضاع فعلهم وظهر فعل الله عز وجل- وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: ٣٠] - لأن مكره حقّ، وإتيان هذا مما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقه ابتداء لما فيه من إيهام الذّمّ، وهذه السورة مدنية، وهذه الواقعة كانت بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة. وقد ذكر الله تعالى النبيّه محمدا صلى الله عليه وسلم نعمته عليه. قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى في ذلك فَذَكِّرْ- أي دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنهم لقولهم لك كاهن مجنون فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ- جزما- وَلا مَجْنُونٍ معطوف عليه- أَمْ- بل- يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ- أي حوادث الدّهر فيهلك كغيره من الشعراء- قُلْ- لهم- تَرَبَّصُوا- هلاكي- فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطور: ٢٩، ٣١] - لهلاككم، فعذّبوا بالسيف يوم بدر، والتّربّص الانتظار.

تنبيهات

٤/٢٣٤٤/٢٣٤

الأول: روى ابن جرير وابن المنذر عن عبيد بن عمير، وابن جرير من طريق آخر عن المطلب بن أبي وداعة قال: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه قال عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني. قال: من حدّثك بهذا؟ قال: ربّي. قال: نعم الرب ربك إلى آخره. قال في البداية: ذكر أبي طالب فيه غريب بل منكر لأن القصة قبل الهجرة وذلك بعد موت أبي طالب بثلاث سنين.

الثاني: قال السّهيلي: إنما قال لهم إبليس أنه من أهل نجد لأنهم قالوا: لا يدخلنّ معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة لأن هواهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك تمثّل لهم في صورة شيخ نجدي وقد تقدم في بنيان قريش الكعبة أنه تمثل في صورة شيخ نجدي حين حكّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الركن من يرفعه، فصاح الشيخ النجدي: يا معشر قريش، أقد رضيتم أن يليه هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أسنانكم، فإن صح هذا الخبر فلمعنى آخر تمثل نجديا وذلك أن نجدا يطلع منها قرن الشيطان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قيل له: وفي نجدنا يا رسول الله؟ قال: هنالك الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان.

الثالث: المانع لهم من التّقحّم تلك الليلة على عليّ وهم يظنونه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم لم يزالوا قياما حتى أصبحوا أن بعض أهل السير ذكروا السبب المانع من ذلك مع قصر الجدار وأنهم إنما جاءوا لقتله، فذكر في الخبر أنهم همّوا بالولوج عليه فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها للسّبّة في العرب أن يتحدّث عنّا أنّا تسوّرنا الحيطان على بنات العمّ وهتكنا ستر حرمتنا [فهذا هو الذي أقامهم بالباب حتى أصبحوا ينتظرون خروجه ثم طمست أبصارهم عنه حين خرج] وقال بعضهم: «الحكمة في كون الموضوع على رأسهم ترابا دون غيره الإشارة لهم بأنهم الأرذلون الأصغرون الذين أرغموا وألصقوا بالرغام وهو التراب، وأنه سيلصقهم بالتراب بعد هذا» .

الرابع: روى ابن مندة وغيره عن مارية خادم النبي صلى الله عليه وسلم إنها طأطأت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين، وما سبق في القصة من أنه طلع على المشركين من الباب أقوى سندا منه، وحديث مارية فيه مجاهيل.

الخامس: في قراءته صلى الله عليه وسلم الآيات من سورة يس من الفقه التذكرة بقراءة الخائفين لها اقتداء به صلى الله عليه وسلم، وورد في بعض الآثار: ما قرأها خائف إلا أمن.

السادس: في بيان غريب ما سبق: «منعة» : سبق بيانها.

٤/٢٣٥٤/٢٣٥

«شيخ جليل» : يقال جلّ الرجل وجلّت المرأة إذا أسنّا.

«عليه بتّ» : البتّ بفتح الموحدة وتشديد المثناة الفوقية: الكساء الغليظ المربّع وقيل الطيلسان من خزّ.

«أجل» : بفتح الهمزة والجيم وإسكان اللام مخفّفة بمعنى نعم.

«أجمعوا فيه رأيا» بفتح الهمزة وكسر الميم: يقال أجمعت الأمر وعلى الأمر إذا عزمت عليه.

«أوشكوا» [ (١) ] : بفتح الهمزة والشين المعجمة: أي أسرعوا.

«أظهرنا» : بيّنّا.

«ألفتنا» بضم الهمزة.

«أن يحلّ» : بفتح أوله وضمّ الحاء المهملة أي ينزل.

«جلدا» : بفتح الجيم وكسر اللام: أي قويا.

«وسطا» : بفتح الواو وكسر السين والطاء المهملتين: أي حسيبا في قومه.

«صارما» : قاطعا.

«نعمد» بكسر الميم في المستقبل وفتحها في الماضي.

«العقل» كعقل الإنسان: الدّية.

«عتمة اللّيل» : بفتح العين والمثناة الفوقية وقت صلاة العشاء، وقيل ثلث الليل الأول من الليل بعد غيبوبة الشّفق، وعتمة الليل ظلامه.

«الحضرمي» : منسوب إلى حضر موت.

«تابعتموه» : بمثناة فوقية وموحدة من المتابعة.

«بعثتم» بالبناء للمفعول.

«الجنان» جمع جنّة: البستان.

«الأردن» : بهمزة مضمومة فراء ساكنة فدال مهملة فنون مشدّدة: الكورة المعروفة من أرض الشام بقرب بيت المقدس.

«حفنة» [ (٢) ] : بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء هي ملء الكف والشيء المحصول حفنة بالضم ويجوز الفتح، والمرّة بالفتح ليس غير.

«صدقنا» : بفتح الدال المخفّفة: أي حدّثنا حديث صدق.

الباب الثالث في قدر إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة ورؤياه الأرض التي يهاجر إليها

٤/٢٣٦٤/٢٣٦

روى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة، والرواية عن ابن عباس في ذلك مختلفة، وسيأتي تحريرها في الوفاة النبوية إن شاء الله تعالى وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب» ، رواه الشيخان [ (١) ]

وعن صهيب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرّتين فإما أن تكون هجرا أو يثرب» ، رواه الترمذي والحاكم والطبراني [ (٢) ] .

وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء [ (٣) ] رضي الله عنه، والإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة، قال الحافظ: وذكره وهم وإنما هو عبد الله بن عدي، والحاكم وابن جميع عن ابن عباس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على الحزورة فقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض إليّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك» [ (٤) ] .

تنبيهات

الأول: قال ابن التين: أري النبي صلى الله عليه وسلّم أولا دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم أري الصفة المختصة بالمدينة فتعيّنت.

حديث أبي هريرة مرفوعا: «اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إليّ فأسكنّي في أحبّ البقاع إليك»

[ (٥) ] ، رواه الحاكم، وقال الذهبي: إنه موضوع، وقال ابن عبد البرّ: لا يختلف أهل العلم أنه منكر موضوع.

٤/٢٣٧٤/٢٣٧

«وهلي» : بفتح أوله وثانية: أي ظنّي، يقال: وهل يهل وهلا بالسكون إذا ظنّ شيئا فتبينّ الأمر خلافه.

«اليمامة» : مدينة على يومين من الطائف وأربعة من مكة.

«هجر» : بفتح أوله وثانية وهي هنا مدينة باليمن، وهي قاعدة البحرين وهي من مساكن عبد القيس، وقد سبقوا غيرهم من القرى إلى الإسلام، يذكّر ويؤنّث، قال الجوهري: مذكّر مصروف.

«أرض سبخة» : بفتح السين المهملة وكسر الموحدة وتسكّن وتفتح، أي مالحة.

«ظهراني حرّتين» : أي بينهما والحرّتان: تثنية حرّة وهي أرض ذات حجارة سود.

«الحزورة» : بحاء مفتوحة فزاي ساكنة فواو فراء، سوق كانت بمكة أدخلت في المسجد.

الباب الرابع في هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وما وقع في ذلك من الآيات

٤/٢٣٨٤/٢٣٨

قال الله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء ٨٠] . روى الإمام أحمد والترمذي والحاكم والضياء وصحّحوه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأمر بالهجرة من مكة وأنزل عليه وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء ٨٠] الهجرة إلى المدينة وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً: كتاب الله عز وجل، وفرائضه وحدوده.