غزوة المريسيع (بني المصطلق)
شعبان ٥، وقيل ٤، وقيل ٦، وعمره ﷺ ٥٧
المبحث الأول: نسب عشيرة بني المصطلق وصلتهم بقبائل المدينة المنورة
...
لا بد من التعريف ببني المصطلق وبيان حدود ديارهم التي قطنوها قبل الكلام على الغزوة وما جرى فيها. وسوف يشتمل هذا التعريف على مبحثين: المبحث الأول: نسب عشيرة بني المصطلق، وصلتهم بقبائل المدينة المنورة والحديث عن نسب قبيلة بني المصطلق ينحصر فيما يلي: أولا: سياق نسب الحارث بن أبي ضرار قائد هذه القبيلة والمتحدث عنها.
ثانياً: سياق نسب المصطلق الذي هو أصل هذه القبيلة ومنه تفرعت.
ثالثاً: بيان المتفق عليه من نسب هذه القبيلة والمختلف فيه، مع ذكر وجهة نظر كل فريق، وتحقيق المقام في ذلك حسب الإمكان.
فالحارث: هو ابن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة ١.
- ١الاستيعاب لابن عبد البر مع الإصابة٤/٢٥٨، والروض الأنف للسهيلي ٦/٤٣٥، وأسد الغابة لابن الأثير ١/٤٠٠ و ٧/٥٦. وذكر ابن حجر وابن الأثير في موضع من أسد الغابة (الحارث) بين حبيب وعائذ، وسمى ابن حجر (حبيباً) خبيباً بالخاء المعجمة. انظر: أسد الغابة١/٤٠٠والإصابة ١/٢٨١، ومعجم قبائل العرب لكحالة ٣/١١٠٤، وجذيمة: بجيم مضمومة فذال معجمة مفتوحة فتحتانية ساكنة. انظر: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٦.
وجذيمة هو: "المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمر بن عامر ماء السماء، بطن من خزاعة" ١.
هو أبو خزاعة كلها ١.
- ١انظر: أسد الغابة ٧/٥٦، ونهاية الأرب للنويري ٢/٣٣٢، وقلائد الجمان للقلقشندي ص٩٨، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨.
والمتفق عليه في هذا كون بني المصطلق من خزاعة، وكون خزاعة من ولد عمرو بن لحي٣٤ ولخلاف في نسب عمرو بن لحي على قولين: القول الأول: ذهب أكثر العلماء إلى أن عمرو بن لحى من قحطان وهو: عمرو بن لحيى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
١- أن هذا قول أكثر علماء النسب وهم أعرف بذلك من غيرهم لأن هذا من اختصاصهم.
٢- أن هذا هو قول خزاعة أنفسهم، فكانت تقول: نحن بنو عمرو بن عامر من اليمن ١.
- ١انظر: سيرة ابن هشام ١/٩١. المصطلق: بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الطاء المشالة المهلمة المبدلة من التاء لأجل الصاد وكسر اللام بعدها قاف، وهو لقب جذيمة بن سعد، لقب بذلك لحسن صوته وهو أول من غنى من خزاعة (شرح المواهب اللدنية ٢/٩٦) . (حلول) : الحلول: البيوت الكثيرة، وروى (خيول) و (كراكر) : جماعات انظر التعليق على سيرة ابن هشام ١/٩٢. ٢ سيرة ابن هشام ١/٩١-٩٢، وشفاء الغرام بأخيار البلد الحرام ٢/٤٥، و٤٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٥٦، و١٦١، ١٨٥، ١٨٧-١٨٩، وفتح الباري ٦/٥٤٨، والأعلام للزركلي ٢/٣٤٨. ٣ ذكر ابن كثير أن خزاعة انْتَزعت ولاية البيت من جرهم لما بغت وأكثرت الفساد والإلحاد في البلد الحرام، وأن ولاية البيت استمرت في خزاعة ثلاثمائة سنة، وقيل: خمسمائة سنة، يتوارثون ذلك كابراً عن كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبشية ابن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي، الذي تزوج قصيّ بن كلاب على ابنته حبى بنت حليل بن حبشية. وأن ولاية البيت صارت إليه بعد حليل قيل بوصية من حليل، وقيل: إن قصيّاً استغاث بأخوته من أمه وبني كنانة وقضاعة وقبائل من قريش على خزاعة، فأجلاهم عن ولاية البيت. انظر: البداية والنهاية ٢/١٥٦٥، و١٨٥، و١٨٧، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧، وانظر: فتح الباري ٦/٥٣٤، و٥٤٨. ٤ سيرة ابن هشام ١/٧٦، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص: ٤٨٠، وتاريخ ابن خلدون ٢/٣١٥، وشفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ٢/٤٤، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨.
- *أسد الغابة ٧/٥٦، واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ٣/٢١٩-٢٢٠ وفتح الباري ٥/١٧١ و٧/٤٣٠، وتاج العروس للزبيدي ٦/٤١٢، ونيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٤٦. وخزاعة: بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي المخففة.
- *لحيى: باللام والمهملة مصغراً فتح الباري ٦/٥٤٧.
- *نهاية الأرب للنويري ٢/٣٣٢، واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ١/٤٣٩، وفتح الباري ٦/٥٤٧، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨.
٣- علة التسمية بخزاعة وهو من التخزع وهو التأخر والمفارقة، وذلك أن خزاعة انخزعت من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام، فنزلت خزاعة بمر الظهران فأقامت بها.
ولذا قال عون بن أيوب الأنصاري في الاسلام: فلما هبطنا بطن مر تخزعت خزاعة منا في حلول١ كراكر٢ فعلى هذا تكون خزاعة٣ قحطانية يمنية، وجمهور العلماء على أن العرب القحطانية من اليمن وأنهم ليسوا من سلالة إسماعيل عليه السلام.
القول الثاني: أن خزاعة قبيلة عدنانية من ولد قمعة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وإليه ذهب ابن اسحاق وابن حزم وابن عبد البر وابن خلدون وغيرهم٤.
الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عمرو بن لُحيّ بن قَمَعَة بن خِنْدَف أبو خزاعة" ١.
الثاني: حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم٢ينتضلون ١، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً" الحديث ٢.
- ١ينتضلون: يرتمون بالسهم: يقال: انتضل القوم وتناضلوا: أي رموا اللسيق. انظر: النهاية لابن الأثير ٥/٧٢.
- ٢صحيح البخاري ٤/٣٠ كتاب الجهاد/باب التحريض علىالرمي و ٤/١١٧ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب {وَاذْكُرُوا} في الكتاب إسماعيل و ٤/١٤٤ كتاب المناقب، باب نسبة اليمن إلى إسماعيل.
وبهذين الحديثين وغيرهما ذهب هؤلاء العلماء وغيرهم إلى أن خزاعة قبيلة عدنانية، والظاهر أن خزاعة قبيلة قحطانية يمنية وهو المعروف عند أكثر العلماء.
وهذه الأحاديث التي استدل بها من قال بأن خزاعة من بني إسماعيل محتملة للتأويل، ولذا فقد أجاب عنها العلامة الهمداني: بقوله: "أما وصفهم بأنهم بنو إسماعيل فلا يدل أنهم من ولد إسماعيل من جهة الآباء، بل يحتمل أن يكون ذلك من جهة الأمهات، لأن القحطانية والعدنانية، قد اختلطوا بالمصاهرة" ٥. فعلى هذا فتكون خزاعة من بني إسماعيل من جهة الأمهات فقط. وهو جمع وجيه. وقال ابن حجر نقلاً عن ابن الكلبي: "لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم نزل بنو مازن على ماء يقال له غسان، فمن أقام به منهم فهو غساني، وانخزعت منهم بنو عمرو بن لحي عن قومهم فنزلوا مكة. وما حولها فسموا خزاعة، وتفرقت سائر الأزد" . ثم قال ابن حجر: "ووقع في حديث الباب ١ أنه عمرو بن لحي بن قمعة بن خِنْدَف ٢، وهذا يؤيد قول من يقول إن خزاعة من مضر، وذلك أن خندف اسم امرأة إلياس بن مضر، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة. واشتهر بنوها بالنسبة إليها دون أبيهم، لأن إلياس لما مات حزنت عليه حزناً شديداً بحيث هجرت أهلها ودارها وساحت في الأرض حتى ماتت، فكان من رأى أولادها الصغار يقول من هؤلاء؟ فيقال: بنو خندف، إشارة إلى أنها ضيعتهم ..." إلى أن قال: "وجمع بعضهم بين القولين أعني نسبة خزاعة إلى اليمن وإلى مضر، فزعم أن حارثة بن عمرو لما مات قمعة بن خندف كانت امرأته حاملاً بلحي فولدته وهي عند حارثة فتبناه فنسب إليه، فعلى هذا فهو من مضر بالولادة، ومن اليمن بالتبني" .
- ١انظر: الحديث ص ٢٩.
- ٢قمعة: بفتح القاف والميم بعدها مهملة خفيفة، وخندف: بكسر المعجمة وسكون النون وفتح الدال بعدها فاء. انظر: القاموس المحيط للفيروز أبادي ٣/٧٤ و١٣٩، وفتح الباري ٦/٥٤٨، وفي لسان العرب ١٠/٤٤٧، قال: الخندفة: مشية كالهرولة ومنه سميت فيما – زعموا – خندف امرأة إلياس بن مضر بن نزار واسمها ليلى بنت حلوان فغلبت نسبة أولادها من إلياس إليها، وذكروا إن إبلا لإلياس انتشرت ليلاً فخرج مدركة في بغائها فردها فسمي مدركة، وخندفت الأم في أثره أي أسرعت فسميت خندف، وقعد طابخة يطبخ القدر فسمي طابخة وانقمع قمعة في البيت فسمي قمعة، وقالت خندف لزوجها ما زلت أخندف في أثركم فقال لها: فأنت خندف فذهب لها اسماً ولولد نسباً وسميت بها القبلية.
- *صحيح البخاري ٤/١٤٧ كتاب المناقب (باب قصة خزاعة) واللفظ له، ومسلم ٨/١٥٥ (كتاب الجنة) .
- *الشاهد من هذا كون أسلم من خزاعة وقد نسبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إسماعيل عليه السلام. ولذا بوب البخاري بقوله باب نسبة اليمن إلى إسماعيل ثم قال: "منهم أسلم ابن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة" ٤/١٤٤ كتاب المناقب.
- *فتح الباري ٦/٥٣٩.
والخلاصة: أنه اختلف في نسب خزاعة فمنهم من يراها قحطانية من جهة الآباء. ومنهم في قال بأنها قحطانية بالتبني. والذي يظهر أن خزاعة قبيلة يمنية قحطانية. فقد ذكر ابن حجر: حول قول البخاري: "باب نسبة اليمن إلى إسماعيل" منهم أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر ابن خزاعة - قوله: (ابن حارثة بن عمرو بن عامر) أي: ابن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، ثم أورد قول الرشاطي المصرح بأن الأزد من قحطان وأن من قبائل الأزد الأنصار وخزاعة فقال: "قال الرشاطي ١: " الأزد جرثومة من جراثيم قحطان، وفيهم قبائل، فمنهم الأنصار وخزاعة وغسان وبارق وغامد والعتيك، وغيرهم، وهو الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان ٢ "" .
- ١هو عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن أحمد الحافظ النسابة أبو محمد اللخمي المري المعروف بالرشاطي، روى عن أبي علي الغساني وأبي علي الصدفي وابن فتحون وجماعة وعنه أبو محمد عبيد الله وابن مضار وأبو بكر بن أبي جمرة وابن خالد بن رفاعة وغيرهم. قال الذهبي: ألف كتابه الحافل المسمى باقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب رواة الآثار، وكتاب الإعلام لما في المختلف والمؤتلف للدراقطني من الأوهام ... الخ، ولد سنة ٤٠٦هـ واستشهد عند دخول العدو المرية في جمادى الآخرة سنة ٥٤٢هـ وكان مولده سنة ٤٠٦ وقال ابن عاف في سنة ٤٦٥ والأول أصح. تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٣٠٧، والبداية والنهاية لابن كثير ١٢/٢٢٣، ومعجم المؤلفين لكحالة ٦/٩٠.
- ٢فتح الباري ٦/٥٣٩.
وهناك من ذهب إلى أن اليمن وعدنان الجميع من ولد إسماعيل عليه السلام كما هو صنيع البخاري في تبويبه وإيراه الأحاديث المؤيدة لقوله ومنها حديثا الباب ١. وعلى هذا فلا اعتراض على نسبة أسلم أو خزاعة إلى العدنانية.
- ١انظر ص ٤٧.
غير أن كون اليمن من ولد إسماعيل فيه نظر وذلك لما ورد عند أحمد وغيره، وهذا نصه عند أحمد: حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنا مسعر ١ عن عبيد ٢ بن حنين بن حسن عن ابن معقل ٣ عن عائشة: "أنها كان عليها رقبة من ولد إسماعيل فجاء سبي من اليمن من خولان فأرادت أن تعتق منهم ٧.
- ١هو ابن كدام.
- ٢عبيد بن الحسن المزني أو الثعلبي أبو الحسن الكوفي، ثقة. والظاهر أن لفظ (ابن حنين) خطأ. انظر: التقريب ١/٥٤٢، وتهذيب التهذيب ٧/٦٢.
- ٣ابن معقل: بفتح أوله وسكون المهملة بعدها قاف هو عبد الله بن مقرن المزني. التقريب ١/٤٥٣.
- *مسند أحمد ٦/٢٦٣.
الحديث رجاله رجال الصحيح.
وفي مجمع الزوائد رواه أحمد والبزار بنحوه. ورجال أحمد رجال الصحيح ١.
- ١مجمع الزوائد للهيثمي ١٠/٤٦-٤٧، وفتح الباري ٥/١٧٢- ١٧٣ والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢/٢١٦ عن عائشة من طريقين: الأولى: عن مسعر عن عبيد بن الحسن كرواية أحمد. والثانية: عن شعبة عن عبيد بن الحسن به. وقال في الطريق الثانية: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن القحطانيين لا ينحدرون من إسماعيل عليه السلام. وقال محمد السفاريني حول حديث سلمة بن الأكوع المتقدم ١: "ظاهر الحديث أن أسلم من ولد إسماعيل عليه السلام" .والمشهور أنهم من قحطان وهم بطن من خزاعة القحطانية.
- ١انظر: ص ٤٨.
ويدل على أنهم من قحطان: أنه لما وفد على النبي صلى الله عليه وسلم عمرو ١ بن أفصى في عصابة من أسلم، فقالوا: "قد آمنا بالله ورسوله، واتبعنا مِنْهاجَك، فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتنا، فإنا أخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء، والنصر في الشدة والرخاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسلم سالمها الله" ٤.
- ١لم أجد هذا الاسم بعد مراجعة طبقات ابن سعد وتاريخ البخاري الكبير والصغير، والاستيعاب، وأسد العابة، والإصابة، كما أني راجعت سيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري، وابن كثير، فلم أجد هذا الاسم في جملة من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- *شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٨٠١. وانظر: الحديث في صحيح البخاري ٤/١٤٥ كتاب المناقب، باب ذكر أسلم وغفار ومزينة..الخ، وصحيح مسلم٧/١٧٨كتاب الفضائل من حديث عبد الله بن عمر. ونصه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: "غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله وعصية عصت الله ورسوله" لفظ البخاري.
أما صلة بني المصطلق بقبائل المدينة فإن الجميع يرجعون إلى الأزد القبيلة اليمانية المشهورة ١.
- ١في القاموس المحيط ١/٣٧٤ (أزد بن الغوث) وبالسين أفصح أبو حي باليمن ومن أولاده: الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنئوة وعمان والسراة.
إذ إن الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد بن الغوث ابن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ١.
- ١انظر: طبقات خليفة ص ٧٦.
زاد ابن قتيبة: "ابن سبأ وهما ابنا قبيلة نسبا إلى أمهما وهما الأنصار" ٣.
والمصطلق: هو جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو الجد الثاني بالنسبة للأوس والخزرج، والجد الرابع بالنسبة للمصطلق، فالأوس والخزرج وبنو المصطلق يجتمعون فيه ١.
- ١خليفة: الطبقات ص ١٠٧ وابن قتيبة: المعارف ص ٤٩.
وذكر ابن حزم بأن الأزد بن الغوث ينتهي نسبه إلى قحطان. ثم قال: "وللأزد قبائل وهي الأنصار: وهم بنو الخزرج والأوس ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث" ٥.
ولم يذكر خزاعة في قبائل قحطان لأنه يرى أنها قبيلة عدنانية كما تقدم ١.
- ١انظر ص ٤٧.
وقد وافق النويري ابن حزم في سياق نسب عمرو مزيقياء وأنه ينتهي إلى الأزد بن الغوث غير أنه ذكر أن امرئ القيس يلقب البطريق وأن ثعلبة يلقب العنقاء وذكر بين مازن والأزد غساناً وأنه يلقب بالسراج. ثم بين أن عقب عمرو مزيقياء يشكلون أفخاذاً ستة ١.
- ١بقية الأفخاذ هم جفنة وعمران ومحرق وكعب.
يهمنا منها ثعلبة وهم بطن الأنصار، وحارثة وهم بطن خزاعة ١ وكذلك قرر القلقشندي أن الأوس والخزرج وخزاعة كلهم في الأزد.
- ١نهاية الأرب ٢/٣٢٩.
- *ابن قتيبة: المعارف ص ٤٩.
- *جمهرة أنساب العرب ص ٤٨٤.
إذ بين بأن الأوس والخزرج هما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء ١، وخزاعة هم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء. وإن الجميع يرجعون للأزد ٢.
- ١قلائد الجمان ص ٩٣ ومزيقياء: بمضمومة وفتح زاي وسكون مثناة تحت وكسر قاف وفتح تحتية أخرى ومد همزة. (المغني لمحمد طاهر الهندي ص ٧١) . وفي القاموس المحيط٣/٢٨٣ قال: ومزيقياء لقب عمرو بن عامر ملك اليمن كان يلبس كل يوم حلتين ويمزقهما بالعشي يكره العود فيهما ويأنف أن يلبسهما غيره.
- ٢قلائد الجمان ص ٩٨.
وبذلك يتضح أن بني المصطلق لهم رابطة قوية بأهل المدينة المنورة هي رابطة النسب والرحم. إذ عرفنا أن بني المصطلق بطن من خزاعة بلا نزاع.
المبحث الثاني: ديار بني المصطلق
أما المنطقة التي كانت تسكنها بنو المصطلق فقد عرفنا مما تقدم أن بني المصطلق بطن من خزاعة.
وبالتالي نستطيع تحديد المنطقة التي كانت تقطنها خزاعة قبل مجيء الإسلام وبعده.
ومن خلال تحديد مساكن خزاعة نعرف أماكن بني المصطلق.
وتذكر كتب التواريخ من مساكن بني المصطلق قديداً١ فقط حيث وقعت فيه غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم.
وانفرد أبو إسحاق الحربي بذكر عسفان ١ على أنها من مساكن بني المصطلق ٢. ولكن المؤرخين وغيرهم ذكروا ديار خزاعة، وبنو المصطلق منهم، فديارها ديارهم ويتبين مما ذكرته المصادر أن منازل خزاعة تقع بمكة وما حولها. كما أنهم يشاركون بني ضمرة في جبل . وقد سمت المصادر من منازلهم ما يأتي:
- ١عسفان، كعثمان، وانظر تحديدها ص ٥٥.
- ٢كتاب المناسك للحربي ص٤٦٣،والقاموس المحيط٢/١٣٣،وتاج العروس ٣/٥٣٩.
- *قديد: تصغير قد وانظر تحديدها ص ٥٦.
قال الحربي: "بينها وبين مكة ثلاثة عشر ميلاً" ٢ وحددها ياقوت وابن منظور والفيروز آبادي والزبيدي بمرحلة ١. وقال الأسدي ٢ والسمهودي: "بين مكة ومر الظهران سبعة عشر ميلاً" ٥.
- ١معجم البلدان ٥/١٠٤، ولسان العرب ٧/١٧، والأم للشافعي ٥/١٣٤.
- ٢هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الأسدي، هكذا قال عنه السمهودي وقال لا يعرف زمنه غير أنه يعتقد أنه من أهل القرن الثالث. انظر: مقدمة حمد الجاسر لكتاب الحربي ص ٢٦٢ و٢٦٧.
ويتضح لنا مما تقدم أن تحديد المسافة بين مر الظهران ومكة بمرحلة هو الصحيح، وأما ما ذكره الحربي من تحديد هذه المسافة بثلاثة عشر ميلاً فهو خطأ وكذلك ما نقله ياقوت عن الواقدي بأن المسافة بين مر الظهران ومكة خمسة أميال خطأ أيضاً٦ إذ أن ياقوتاً نفسه حد السفر الذي تجوز فيه قصر الصلاة بثمانية وأربعين ميلاً٧.
فتكون المرحلة أربعة وعشرين ميلاً. فيكون الفرق شاسعاً بين تحديد هذه المسافة بمرحلة وبين قول الحربي، وقول الواقدي من باب أولى.
والذي يظهر من هذا أن المسافة بين مكة ومر الظهران هي مرحلة إلاّ ربع مرحلة، وينطبق هذا على تحديد الأسدي والسمهودي.
- *كتاب المناسك للحربي ص ٤٦٥.
- *ص٤٦٥ تعليق على كتاب المناسك للحربي، وخلاصة الوفاء ص ٤٨٢.
- *معجم البلدان ٥/١٠٤.
- *المصدر السابق ١/٣٥.
ويؤيد هذا القول أن المسافة الآن بين مكة ومر الظهران ثلاثون كيلو متراً. والمرحلة أربعون كيلو متراً كما قرر ذلك صاحب تيسير العلام ١.
- ١تيسير العلام شرح عمدة الأحكام لعبد الله بن عبد الرحمن بن صالح آل بسام ١/٥٠٠- ٥٠٢.
والفرق يسير بين تحديدها بمرحلة أو مرحلة إلاّ ربعاً، إذا نظرنا إلى اختلاف الناس في سرعة السير، وعدمه.
فقد قطع بعضهم المسافة بمرحلة، ويقطعها غيره بأقل من ذلك. لا سيما أن الفرق بين تحديدها بمرحلة أو مرحلة إلاّ ربعاً، وهو سبعة أميال أو عشرة كيلو مترات.
وعلى كل حال فأقرب تحديد لهذه المسافة هو ما بين مرحلة أو مرحلة إلاّ ربعاً، لاختلاف الناس سرعة وبطأ.
ذكر الحربي نقلاً عن أبي ١ إسحاق البكري: "أن تحديد المسافة بين عسفان ومر الظهران ثلاثة وعشرون ميلاً وهي لني المصطلق من خزاعة" ٤.
- ١أبو إسحاق البكري: هو إبراهيم بن إسحاق بن محمد بن زكريا بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. مقدمة كتاب المناسك للحربي ص ١٥.
ونقل ياقوت عن السكري ١ وغيره تحديد المسافة بين مكة وعسفان بمرحلتين ٢.
- ١السكري: هو الحافظ أبو سعد علي بن موسى النيسابوري، معدود في حفاظ خرسان (ت ٤٦٥) تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١١٦١.
- ٢معجم البلدان ٤/١٢١ - ١٢٢.
وهو أيضاً قول الفيروز آبادي والزبيدي ١.
- ١القاموس المحيط ٣/١٧٥، وتاج العروس ٦/١٩٨.
وبهذا تكون المسافة بين عسفان ومكة مرحلتين. وهو موافق لتحديدها بالكيلومترات إذ إن بين عسفان ومكة ثمانين كيلومتراً، وتقدم ١ لنا تحديد المرحلة بأربعين كيلومتراً.
- ١تقدم ص ٥٥.
- *كتاب المناسك ص ٤٦٣.
والذي يظهر أنها تبعد عن مكة بمرحلتين ونصف مرحلة؛ لأن بينها وبين مكة الآن ١٠٠ ك م، وهي تساوي مرحلتين ونصف ١ مرحلة وذكر الحربي المسافة بين خليص وقديد، وأنها تبعد عن قديد من جهة مكة بثمانية أميال ٢.
- ١انظر: نسب حرب للبلادي ص ٣٥٧.
- ٢كتاب المناسك ص ٤٦٠.
ذكر الحربي أن المسافة بينها وبين عسفان ثلاثة وعشرون ميلاً، وفيها هضبة يقال لها المشلل كان بها مناة الطاغية ١ فعلى هذا تكون المسافة بين قديد ومكة ثلاث مراحل؛ لأن عسفان على مرحلتين من مكة ٢.
- ١كتاب المناسك ٤٥٨ –٤٦٠.
- ٢انظر: ص٥٥.
بينها وبين قديد أربعة وعشرون ميلاً، وبينها وبين البحر نحو من ستة ١ أميال. هكذا ذكر الحربي ٢.
- ١تقدر الستة الأميال: بـ ١٠ كيلو مترات، وانظر تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ١/٥٠١.
- ٢كتاب المناسك ص ٤٥٧ و ٤٥٩.
وبهذا يتضح أن الحربي يرى أن المسافة بين الجحفة ومكة أربع مراحل وهو قول ياقوت ١.
- ١معجم البلدان ٢/١١١.
ونقل ياقوت أيضاً عن السكري: أن المسافة بينها وبين مكة ثلاث مراحل، وبهذا قال النووي ١.
- ١المصدر السابق ٢/١١١، وشرح صحيح مسلم ٣/٢٥٢.
ونص ابن حزم على أنها تبعد عن مكة باثنين وثمانين ميلاً. وهو يساوي ثلاث مراحل ونصفاً إلاّ ميلين ١. وتبعه على هذا الفيروز آبادي والزبيدي ٢.
- ١المحلى ٧/٦٣.
- ٢القاموس المحيط ٣/١٢١،وتاج العروس ٦/٥٣.
وقرر ابن حجر أن بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست ١.
- ١فتح الباري ٣/٣٨٥.
والصحيح أن المسافة بين الجحفة ومكة خمس مراحل، وقد نص على هذا المعاصرون من أهل هذه البلاد وهو أعرف بها من غيرهم ١.
- ١انظر: تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ١/٥٠١، وغزوة بدر لباشميل ص ١٣٢.
ومن المنازل التي استقرت فيها خزاعة قرية التي كانت في العهد الإسلامي الأول تابعة إدارياً للفرع ١ التي تتبع بدورها المدينة المنورة.
- ١الفرع: قال حمد الجاسر والفرع: بضم الفاء وإسكان الراء وقيل بضمهما عمل واسع من أعمال المدينة لا يزال معروفاً بهذا الاسم وفيه قرى كثيرة. انظر: التعليق على كتاب المناسك للحربي ص ٣٤١. وذكر البلادي أن الفرع قرية نسب الوادي إليها وهو واد خصب أكثر أودية الحجاز اليوم عيوناً ويجتمع مع القاحة في وادي الأبواء. ويطلق عليه الآن (وادي النخل) وهو لنبي عمرو بن حرب، ولذا يطلق عليه أيضاً وادي بني عمرو لأنهم سكانه. وهو يبعد عن المدينة المنورة جنوباً ١٥٠ كيلو متراً. نسب حرب لعاتق البلادي ص ٣٧٦ – ٣٧٧.
جبل مرتفع ليس فيه سوى نبات الخزم والبشام، سميت به القرية وهي لأخلاط من الناس. منهم خزاعة وضمرة.
وتقع شمال الجحفة بثلاثة وعشرين ميلاً، هكذا نص الحربي. وهو قول ياقوت ١ وبهذا تكون المسافة بين الجحفة ثلاثة وعشرين ميلاً، وهكذا أقر هذا التحديد من المعاصرين محمد أحمد باشميل وعبد الله آل بسام. وعلى هذا فتكون المسافة بينها مرحلة إلاّ ميلاً واحداً.
- ١كتاب المناسك ص ٤٥٤،ومعجم البلدان ١/٧٩، وانظر فتح الباري ٧/٢٧٩.
وذكر عبد الرحمن السعدي بأن هي المسماة (مستورة) الآن. وتعبقه عبد الله آل بسام بقوله: "قد تحققنا من أهل تلك البلاد أن الأبواء تقع عن مستورة شرقاً بنحو ثلاث كيلومترات، وأن سيلهما واحد، ويسقيهما وادي النخل" ٢.
وعلى هذا فتكون المسافة بين ومكة ست مراحل ١.
- ١تقدر الست المراحل بـ ٢٤٠ كيلو متراً. وقد ذكر البلادي أن الأبواء تقع شمال مكة بـ ٢٣٥ كيلومتراً والأمر سهل. وذكر أيضاً أن الأبواء الآن تسمى (الخريبة) تصغير خربة وهناك قبر آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم وأن سكانها في وقتنا الحاضر بنو محمد من حرب. نسب حرب ص ٢٩ و٧١ و٣٣١.
لأنه تقدم لنا أن الجحفة ١ تبعد عن مكة بخمس مراحل. وعرفنا أيضاً أن ليست لخزاعة ٢ وحدهم.
- ١هي من مواقيت الحج المكانية ورد ذكرها في حديث ابن عباس وابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة (ذا الحليفة) ولأهل الشام (الجحفة) الحديث ... ولما خربت صار الناس يحرمون الآن من (رابغ) لأنها قبل حذائها بقليل من ناحية الشمال الغربي. وكانت الجحفة تسمى (مَهْيَعَة) بالفتح ثم السكون ثم ياء مفتوحة وعين مهملة. فجحفها السيل فسميت (الجحفة) بالضم ثم السكون والفاء (معجم البلدان لياقوت ٢/١١١و ٥/٢٣٥) .
- ٢موجود الآن طائفة من بقايا خزاعة في وادي فاطمة من الخبث عند القنفذة وفي الشرق الجنوبي من بحرة. انظر: قلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ص ١٥٦، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨، ونسب حرب. وهم منتشرون بين مكة والمدينة، وأن قدوم قبيلة حرب إلى هذه المناطق كان في القرن الثاني الهجري قادمة من خولان من اليمن، وانكمشت خزاعة إلى أماكنها حالياً. انظر: قلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ص ١٥٠- ١٥١، ونسب حرب للبلادي ص ١٤و ١١٩. وهذه الأماكن التي مرّت بنا تقطنها الآن قبائل من حرب، وهم منتشرون بين مكة والمدينة. نسب حرب لعاتق البلادي ص (١٤٨) .
- *تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ١/٥٨٤،وغزوة بدر لباشميل ص ١٣٢، الأبواء: بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة.
صورة المصطلق (١)
المبحث الأول: موقف بني المصطلق من الإسلام
...
تأخر إسلام بني المصطلق شأن القبائل التهامية المجاورة لقريش؛ وذلك لما كان لقريش من السيطرة والحرمة في نفوس القبائل بحكم كونهم سكان الحرم، وحماة بيت الله الأمين، فكانت القبائل تنظر إليهم نظرة احترام وتوقير، وكانوا ينظرون ماذا تصنع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، فهم أعرف به من غيرهم، ولما لم يحصل منهم الإذعان لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كان ذلك داعياً للقبائل المجاورة إلى عدم الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم، لا سيما ما كان بين قريش وبين القبائل المجاورة من تبادل المنافع والمصالح، وخاصة قبيلة خزاعة - ومنهم بنو المصطلق - بحسب موقعهم الجغرافي إذ كانت قبيلة بني المصطلق على طريق قريش التجارية إلى الشام، مما جعلها تتأخر في إعلان إسلامها، حفاظاً على مصالحها. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأمن جانبها بحكم كونها فرعاً من خزاعة التي كانت محل عناية ونصح للرسول صلى الله عليه وسلم، رغم عدم دخولها في الإسلام.
ويتضح ذلك جلياً في موقف معبد بن أبي معبد الخزاعي في حمراء ١ الأسد، التي وقعت عقب مباشرة. وقد استهدف الرسول صلى الله عليه وسلم تقوية معنويات المسلمين وتثبيت مركزهم داخل المدينة بعد أن أضعفتهم معنويات آثار أحد فخرج صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد يتبع جيش أبي سفيان خشية أن تسوّل لهم أنفسهم الكرة على المسلمين لاستئصالهم - وكان الأمر كما توقّع صلى الله عليه وسلم - فلما وصل حمراء الأسد مرّ به معبد بن أبي معبد الخزاعي فقال: "يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك ولوددنا أن الله عافاك مما حدث بك -" وكان معبد إذ ذاك مشركاً٢ ولكن خزاعة كانت عيبة ٢ نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، مسلمهم ومشركهم فكانوا لا يخفون عنه شيئاً حدث في مكة - ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم متجهاً نحو مكة، فلقي وجماعته بالروحاء ٣ وقد أجمعوا الرجعة إلى المدينة وقالوا: "أصبنا أشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم، لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم، وبينما هم كذلك طلع عليهم معبد بن أبي معبد الخزاعي فلما رآه أبو سفيان قال: " ماوراءك يا معبد؟ " قال: "محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، ولا قبل لكم به، وهم يتحرّقون عليكم تحرّقاً قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم ٤ وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق ما لم أر مثله قط" .
- ١ذكر إبراهيم الحربي أن حمراء الأسد فوق ذي الحليفة بثلاثة أميال يسرة عن الطريق إذا أصعدت إلى مكة. كتاب المناسك ص ٤٤٠، وقال خليفة بن خياط وابن عبد البر وياقوت والفيروز آبادي أنها تبعد عن المدينة بثمانية أميال، تاريخ خليفة، ص ٧٤، والاستيعاب ٣/٤٥٥، ومعجم البلدان ٢/٣٠١، والقاموس المحيط ٢/١٣، ولا فرق بين تحديد الحربي وغيره لأن ذا الحليفة على خمسة أميال ونصف من المدينة، انظر كتاب المناسك للحربي ص ٤٢٧، وهي تبعد عن المدينة بتسعة أميال. نسب حرب للبلادي ص ٣٥٩، وعلى هذا فتكون المسافة بين حمراء الأسد والمدينة بالكيلومترات ١/٣ ١٣ كيلومتراً.
- ٢عيبة الرجل: موضع سره انظر: النهاية لابن الأثير ٣/٣٢٧.
- ٣الروحاء: على طريق مكة تبعد عن المدينة بـ ٧٣ كيلومتراً. انظر: نسب حرب للبلادي ص ١٠٧.
- ٤يريد يوم أحد أضافه إليهم لكون النصر كان حليفاً لهم.
- *كون معبد إذ ذاك كان مشركاً هو المشهور عند العلماء. انظر: سيرة ابن هشام ٢/١٠٢، ومغازي الواقدي ١/٣٣٨، وتاريخ خليفة ص ٧٤، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٤٩، والاستيعاب لابن عبد البر ٣/٤٥٤ على هامش الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٥/٢١٧-٢١٨. وذكر ابن القيم أنه أسلم في ذلك الوقت وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحق بأبي سفيان فيخذله. انظر: زاد المعاد ٢/١٢١. ومعبد هذا هو غير معبد ولد أم معبد الخزاعية. انظر: الإصابة لابن حجر ٣/٤٤١ – ٤٤٢.
فاندهش أبو سفيان، وقال: "ويحك يا معبد انظر ما تقول؟ " فقال معبد: "والله ما أرى أن ترتحل من مكانك هذا حتى ترى نواصي الخيل" . قال أبو سفيان: "والله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم" ، قال: "فإني أنهاك عن ذلك. والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتاً من الشعر" . قال: "وما قلت؟ "
فأنشده شعراً فيه تحذير له من لقاء المسلمين، وبيان قوتهم، فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، وانسحبوا في أسرع وقت يواصلون سيرهم نحو مكة ١.
- ١سيرة ابن هشام ٢/١٠١-١٠٣، مغازي الواقدي ١/٣٣٤-٣٤٠، الكامل لابن الأثير ٢/١٦٤، البداية والنهاية لابن كثير ٤/٤٩، الإصابة لابن حجر ٣/٤٤١.
فهذا يدل على إخلاص بعض رجال هذه القبيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وثقته بهم.
وأما ما يتعلّق بموقف بني المصطلق من الإسلام، فإني لم أجد ما ينص على إسلام فرد منهم بعينه قبل غزو الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما يوجد بعض الأفراد من خزاعة عامة أعلنوا إسلامهم سابقاً أذكر بعضاً منهم على سبيل المثال لا الحصر فمنهم: أ- أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو من خزاعة هاجرت إلى مع زوجها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وولدت له بأرض الحبشة ، التي تزوجها الزبير فيما بعد ١. قال ابن هشام: "ويقال: همينة بنت خلف" ٢.
- ١سيرة بن هشام ١/٣٢٣.
ب- أم معبد الخزاعية ١ فقد أسلمت عندما مرّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء الهجرة ونزل بها، وكان من حديثها أنها وصفت رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجها عندما جاء بعد ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من عندها ٢.
- ١هي عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة أم معبد الخزاعية. انظر: ترجمتها في الاستيعاب١/٣٩١،وأسد الغابة١/٤٥١،في ترجمة أخيها حبيش.
- ٢سيرة ابن هشام١/٤٨٧-٤٨٨،وطبقات ابن سعد٨/٢٨٩،وانظر الحديث في نزول الرسول صلى الله عليه وسلم عليها في المستدرك٣/٩-١٠ وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"،وأقره الذهبي.
ج- معتب بن عوف بن عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب بن حبشية بن سلول ابن كعب بن عمرو من خزاعة، وهو الذي يقال له: (عيهامة) ويعرف بابن الحمراء. وذكر ابن حجر (هيعانة) (بدل عيهامة) . كان من المهاجرين إلى وشهد بدراً وما بعدها ٥.
د- نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، استشهد في بئر معونة ١.
- ١سيرة ابن هشام ٢/١٨٣ و١٨٨، وطبقات ابن سعد ٤/٢٩٤، وتاريخ خليفة بن خياط ص ٧٦، الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٥٤١ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير٥/٢٩٩، والإصابة لابن حجر ٣/٥٤٣.
وبهذا القدر نكتفي لأن القصد هو التمثيل لا الحصر.
- *المصدر السابق١/٣٢٣، وطبقات ابن سعد ٨/٢٨٦، أنساب الأشراف للبلاذري ص ١٩٩.
- *سيرة ابن هشام ١/٣٢٧، وطبقات ابن سعد ٣/٢٦٤، والاستيعاب ٣/٤٦١، مع الإصابة وأسد الغابة ٥/٢٢٤، والإصابة لابن حجر ٣/٤٤٣، ومُعَتَّب بمضمومة وفتح عين وكسر مثناة فوق مشدّدة فموحّدة (المغني لمحمد طاهر الهندي ص٧٣) .
وبه يتضح مدى العلاقة التي تربط قبائل خزاعة عامة بالدعوة الإسلامية في أول أمرها، ومبادرة عدد من رجال هذه القبائل إلى الإسلام، لكن المصادر كما أشرت لا تنص على إسلام رجال من بني المصطلق بالذات، وأحسب أن سكوت المصادر يكفي للدلالة على بقاء هذه القبيلة على الشرك، ولا يمنع ذلك من التزامها بشيء من الولاء للمسلمين وفقاً للأعراف القبلية السائدة، والتي تلزمهم بموقف خزاعة الموالي للدولة الإسلامية.
المبحث الثاني: موقف بني المصطلق من الصراع بين المسلمين وقريش
لم تشر المصادر التي بين أيدينا إلى موقف عدائي محدد صدر من بني المصطلق ضد المسلمين منذ أن تأسست دولة الإسلام حتى كانت ، رغم تحرّك المسلمين العسكري في أطراف المدينة من جميع نواحيها، حيث أرسلوا السرايا استهدفت عرقلة التجارة المكية إلى الشام، بتهديد طرقها الرئيسية، كما لم تسهم بنو المصطلق مع المشركين في غزوة الكبرى.
وأول إشارة إلى اتخاذهم موقفاً عدائياً واضحاً ضد المسلمين هو إسهامهم مع قريش في موقعة أحد، ضمن كتلة الأحابيش ١، التي اشتركت في المعركة تأييداً لقريش ٢.
- ١الأحابيش هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة، انظر سيرة ابن هشام ١/٣٧٣، والمعارف لابن قتيبة ص٢٦، وأنساب الأشراف للبلادي ص٥٢، وفتح الباري لابن حجر ٥/٣٣٤ و٣٤٢، وسمّوا بذلك: لأنهم تحالفوا وتعاقدوا مع قريش على أنهم يد على من سواهم، وكان ذلك عند جبل بأسفل مكة يقال به ((حبشي)) فنسبوا إليه، وقيل سمّوا بذلك لتجمّعهم، والتحبّش التجمع، والحباشة الجماعة. المعارف لابن قتيبة ص ٢٦٩، ولسان العرب لابن منظور ٨/١٦٦، والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٢/٢٦٧، فتح الباري ٥/٣٣٤.
- ٢سيرة ابن هشام ٢/٦١، ومغازي الواقدي ١/٢٠٠، والكامل لابن الأثير ٢/١٤٩، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٠٢، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/١٠، ونور اليقين للخضري بك ص ١٣٣، والسيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة لأبي شهبة ص ١٩٦.
وبهذا نعلم أن بني المصطلق قد أثّرت فيها دعايات قريش للاشتراك معها في موقعة أحد، لتأخذ بثأرها وتغطي عار الهزيمة التي نزلت بها في موقعة الكبرى.
وأما قبل ذلك فلم يوجد أي دليل على اشتراك بني المصطلق مع قريش ضد المسلمين حتى كانت عزوة أحد وما لحق بالمسلمين فيها من خسائر جسيمة ذات أثر عظيم في أرجاء شبه الجزيرة العربية، وداخل المدينة المنورة نفسها، فضعفت هيبة المسلمين وتجرّأ عليهم الأعراب، وشمت بهم اليهود والمنافقون، وقاموا بدعاية واسعة ضدهم، وقد أدت الظروف التي أعقبت غزوة (أحد) إلى ما يلي: ١- طمع المشركين في القضاء على الإسلام والمسلمين والإجهاز على الدعوة الإسلامية نهائياً، ويتمثّل هذا في رغبة أبي سفيان في العودة إلى المسلمين لاستئصال شأفتهم، غير أنه نكص على عقبيه، بتخذيل معبد بن أبي معبد الذي مرّ ذكره ١.
- ١انظر: ص ٦٤.
٢- تنفّس المنافقين واليهود الصعداء وتربّصهم الشر بالمسلمين، وهذا عدو داخلي بالمدينة المنورة نفسها.
٣- رغبة الأعداء المجاورين لعاصمة الإسلام من القبائل العربية في التحرّك ضد المسلمين، بسبب الدعايات المغرضة التي انتشرت على أيدي المرجفين في المدينة من اليهود والمنافقين ١.
- ١الرسول لسعيد حوى ١/٢٢٩.
وأصبح المؤمنون مدّدين في عُقر دارهم من الداخل والخارج، فمن الداخل المنافقون واليهود فكانوا يذيعون خبر المعركة، ويلفّقون الأكاذيب لإشاعة الضعف والخور في صفوف المسلمين، ولتشجيع عدوهم عليهم.
وأما من الخارج فقد صار المسلمون لا يحاربون قريشاً وحدها وإنما يواجهون الجزيرة برمتها.
ومن ذلك أن سارعت عدة قبائل إلى التجمّع للإغارة على المدينة والقضاء على المسلمين فيها، كما حدث ذلك: أ- من بني أسد بقيادة طليحة وسلمة ابني خويلد الأسديين، من القبائل النجدية ١.
- ١كان ذلك في شهر محرّم من السنة الثالثة للهجرة. انظر: طبقات ابن سعد ٢/٥٠، وزاد المعاد ٢/١٢١.
ب- خالد بن سفيان الهذلي الذي كان مقيماً في عرنة قرب ١.
- ١المصدر السابق.
فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجمّعهم ومحاولتهم اقتحام المدينة بعث إليهم من يؤدّبهم في عقر دارهم، فأرسل إلى طليحة ومن شايعه ١ على رأس مائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار ففرّقوا جمعهم واستاقوا نعمهم وعادوا إلى المدينة سالمين.
- ١عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وابن عمته برة بنت عبد المطلب كان من السابقين إلى الإسلام وممن هاجر إلى الحبشة شهد بدراً ومات في جمادى الآخرة سنة أربع هجرية، بعد أحد وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده زوجه أم سلمة/ ت س ق التقريب ١/٤٢٧.
وأرسل إلى خالد بن سفيان عبد الله بن أنيس الجهني ١ فقتله في عقر داره ٢ فكان في ذلك ضربة لهم وعبرة لغيرهم ممن يحاول السير على منوالهم. وما نزل بهم حلّ بغيرهم من بني ثعلبة وبني محارب من القبائل الغطفانية التي حاولت الهجوم على المدينة المنورة كذلك فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس سبعمائة مقاتل فساروا حتى نزلوا ديار العدو فلم يجدوا فيها أحداً غير نسوة، فأخذوهن، فبلغ الخبر رجالهن فخافوا وتفرّقوا في رؤوس الجبال، ورجع المسلمون معزّزي الجانب، وعرفت هذه الغزوة بغزوة ذا الرقاع ٣.
- ١عبد الله بن أنيس الجهني أبو يحيى المدني، حليف الأنصار، صحابي شهد العقبة وأحداً (ت ٣٤) بالشام في خلافة معاوية، ووهم من قال توفي سنة ٨٠/ بخ م عم. المصدر السابق ١/٤٠٣.
- ٢انظر الحديث في إرسال عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان: سنن أبي داود، باب صلاة الطالب ١/٢٨٧، ومسند أحمد ٣/٤٩٦، ومسند أبي يعلى ١/١٠٧، والسنن الكبرى للبيهقي ٣/٢٥٦. وقال ابن حجر ٢/٣٤٧: إسناده حسن.
- ٣كانت هذه الغزوة في السنة الرابعة في جمادى الأولى على رأي بعض العلماء. انظر: سيرة ابن هشام ٢/٢٠٣، وزاد المعاد ٢/١٢٣، وانظر: الخلاف في وقتها في مبحث التيمّم. انظر ص ٣٤٣ وما بعدها.
وهكذا جنّد المسلمون أنفسهم عسكرياً وسياسياً، ليثبتوا للقبائل بأنهم مخطئون في تصوّرهم أن المسلمين بعد معركة (أحد) لا يستطيعون مقاومة من يريد النيل منهم، فجهزّوا تلك السرايا والغزوات ليشعروا عدوهم بأنهم قادرون على سحق كل من تحدّثه نفسه بالاعتداء عليهم، أو محاولة النيل منهم، فكانت حركاتهم العسكرية ناجحة، أنزلوا فيها بالأعداء ضربات زلزلت معنوياتهم، وجعلتهم يصحّحون تصوّراتهم الخاطئة، عن مدى قوة المسلمين العسكرية، وترابطهم السياسي والمعنوي، وخاصة المعسكر القرشي واليهودي ١.
- ١غزوة الأحزاب لباشميل ص ٢٠.
وبعد هذا كله جاء دور بين المصطلق؛ إذ إنها كانت ضمن كتلة الأحابيش ١ التي انضمت إلى جانب قريش في معركة أحد، ثم أخذت بعد رجوعها من معركة أحد تعد العدة وتجمع الجموع، وتفتني السلاح والخيل، على مدى سنتين، كان المسلمون خلال تلك الفترة يواجهون تحركّات قبائل الجزيرة، فهم ما بين سرية وغزوة.
- ١انظر: ص.
فانتهزت قبيلة بني المصطلق فرصة انشغال المسلمين ببقية القبائل، فأخذت تجمع الجموع، وتسعى في القبائل المجاورة لها، تحرّضها وتشجّعها على الانضمام معها في الهجوم على دولة الإسلام.
ولما وصل خبرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدّر للموقف قدره، وجعل يفكّر في مواجهة هذه القبيلة التي استعدت للمعركة استعداداً كاملاً، فبدأ بمراقبة حركات هذا العدو مراقبة شديدة، ثم أمر بريدة ١ بن الحصيب بالذهاب إليهم ليعرف وجهتهم وقوّتهم، فخرج مسرعاً حتى وصل عندهم فوجدهم قوماً مغرورين بأنفسهم وبما لديهم من القوة قد ألبّوا القبائل وجمعوا الجموع، فاتصل برئيسهم الحارث بن أبي ضرار، فسأله الحارث: "من الرجل؟ " قال: "رجل منكم قدمت لما بلغني عن جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فتكون يدنا واحدة، حتى نستأصله" ، فازداد فرح القوم بانضمام قوة جديدة إلى قوتهم، فقال له الحارث: "فنحن على ذلك فعجّل علينا" ، قال بريدة: "أركب الآن فآتيكم بجمع كثيف من قومي ومن أطاعني فسرّوا بذلك منه فمضى إلى المدينة وأخبر المسلمين بأمرهم ٢.
- ١بريدة بن الحصيب بمهملتين مصغّراً، أبو سهل الأسلمي صحابي، أسلم قبل بدر (ت ٦٣هـ) / ع. التقريب ١/٩٦.
- ٢انظر: طبقات ابن سعد ٢/٦٣، ومغازي الواقدي ١/٤٠٤- ٤٠٥، وشرح المواهب اللدنية ٢/٩٦.
المبحث الأول: حكم إنذار العدو قبل بدئه بالقتال
...
الفصل الثالث: موقف المسلمين من تحركات بني المصطلق
لم يقف المسلمون من تحركات بني المصطلق الاستفزازية مكتوفي الأيدي، وإنما درسوا الموقف دراسة ميدانية، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم عيونه ١ لكشف نيات هذه القبيلة ومعرفة استعدادها وتهيئها لغزو المدينة، وقد تم للمسلمين إدراك حقيقة ما تنويه هذه القبيلة من شر وما تبيته للمسلمين من وقيعة، ولم يكن للمسلمين - وقد أدركوا الأمر حق الإدارك وتيقنوا من خبث النيات السيئة لهذه القبيلة - أن يسكتوا عن الأمر ويتجاهلوا الموقف العدائي الواضح خاصة إذا عرفنا أن أعداء المسلمين كثر في تلك الآونة ٢، فما لم تلقَّن هذه القبيلة درساً قاسياً من المسلمين يوقفها عند حدها فإن غيرها من أعداء الإسلام سيقف الموقف نفسه. ومن هنا اندفع المسلمون لكسر شوكة هذا العدو وتحطيمه في عقر داره.
- ١انظر: ص.
- ٢الآونة: جمع أوان وهو الحين. انظر: القاموس المحيط ٤/١٩٩.
كما سنفصل القول في ذلك في بداية وصف المعركة. ويحسن أن نذكر الملابسات التي صاحبت هذه الغزوة، وأول أمر يحسن البدء به هو هل أُنذرت هذه القبيلة قبل غزوها أو لا؟
المبحث الأول: حكم إنذار العدو قبل بدئه بالقتال
قبل الحديث عن إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم لبني المصطلق أو عدم إنذاره لهم، يحسن أن نبدأ ببيان حكم الدعوة إلى الإسلام عموماً، وما هي الخطوات التي كان يتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم مع المدعوين إلى الإسلام، وبيان الأدلة على وجوب إنذار العدو أو عدم وجوبه، وذكر الخلاف الوارد بين أهل العلم في ذلك، باختصار، ليكون ذلك تمهيداً لما نحن بصدده، حيال غزوة بني المصطلق. وفيما يأتي أقوال العلماء: أ- ذهب بعض العلماء إلى وجوب الدعوة إلى الإسلام مطلقاً، سواء أكان عند المدعوين علم بالإسلام أم لا، وإليه ذهب مالك وجماعة من العلماء ١.
- ١منهم علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز، والهادوية. انظر: المدونة الكبرى لمالك ٢/٣، نيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٤٤.
ب- وذهب أكثر العلماء إلى التفصيل بين من بلغتهم الدعوة وعلموا بها، فلا يجب في حقهم الإنذار، وبين من لم تبلغهم الدعوة ولا علموا بها، فيجب الإنذار في حقهم، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة وأتباعهم.
ج- وهناك قول ثالث بعدم وجوب الإنذار مطلقاً، حكاه المازري ١.والقاضي عياض٣٤.
- ١هو أبو عبد الله محمد بن علي المازري، صاحب كتاب (المعلم بفوائد كتاب مسلم) لم يكمل (ت ٥٣٦) من مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ١/٢٥٨.
١- ما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية، أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين خيراً "، وقال: " إذا إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتها عنهم: ادعهم إلى الإسلام " وهو محل الشاهد. الحديث ...١.
- *هو عياض بن موسى اليحصبي المالكي، صاحب كتاب (الإكمال بشرح مسلم) كمل به كتاب المعلم للمازري، (ت ٥٤٤) المصدر السابق ١/٢٥٨.
- *انظر هذه المذاهب: في الاعتبار للحازمي ص ٢١١- ٢١٢، شرح مسلم للنووي ٤/٣٣٠، فتح الباري ٧/٤٧٨.
٢- ما رواه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم : "لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ويحبه الله ورسوله ". قال: فبات الناس يدوكون ١ ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: "أين ؟ " فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: " فأرسلوا إليه "، فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه الراية، فقال علي: " يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ " فقال: "انفذ ٢ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام " الحديث.... ٤.
- ١يدوكون: أي يموجون ويخوضون فيمن يعطاها. انظر: النهاية لابن الأثير ٢/١٤٠.
- ٢انفذ على رسلك: أي انفصل وامض سالما. النهاية لابن الأثير ٥/٩٢.
ووجه الدلالة من الحديثين قوله: "ادعهم إلى الإسلام" وهو أمر والأمر يقتضي الوجوب ما لم يكن هناك صارف، وهو صريح في وجوب الدعوة قبل القتال...
- *مسلم في كتاب الجهاد ٥/١٣٩، وأبو داود في كتاب الجهاد باب في دعاء المشركين ٢/٣٥، واللفظ له وابن ماجة فيه في باب وصية الإمام ٢/٩٥٣، الترمذي في أبواب السير ٣/٥٣ إشارة، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجهاد باب دعاء العدو ٥/٢١٨، أحمد في المسند ٥/٣٥٢، ٣٥٨ والدارمي في كتاب السير، في باب الدعوة إلى الإسلام قبل القتال ٢/١٣٦، ومنتقى ابن الجارود في الجهاد، باب وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم للجيوش والأمراء ص٣٤٧، وشرح معاني الآثار للطحاوي في كتاب السير ٣/٢٠٦، والسنن الكبرى للبيهقي في كتاب السير باب الإقامة بدار الشرك ٩/١٥، باب السيرة في أهل الكتاب ٩/٤٩، وكتاب الأموال لأبي عبيد ص ٣٤ في كتاب الفيء، والاعتبار للحازمي ص٢١٠.
- *البخاري في كتاب الجهاد، باب الدعاء إلى الإسلام ٤/٣٨، باب فضل من أسلم على يديه رجل ٤/٤٨ و٥/١٦، باب مناقب علي بن أبي طالب و٥/١١١ من كتاب المغازي، ومسلم واللفظ له ٧/١٢١-١٢٢، في فضائل علي بن أبي طالب.
١- ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث رضي الله عنهما وهذا نصه: حدثنا علي ١ بن الحسن أخبرنا عبد الله ٢، أخبرنا ابن عون ٣ قال: كتبت إلى نافع ٤ فكتب إلي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية" ، حدثني به ابن عمر ٥ وكان في ذلك الجيش ". لفظ البخاري.
- ١علي بن الحسن بن شفيق، أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، (ت ٢١٥) وقيل قبل ذلك / ع. التقريب ٢/٣٤.
- ٢عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه، عالم جواد، مجاهد جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، (ت ١٨١) /ع المصدر السابق ١/٤٤٥.
- ٣عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصري، ثقة ثبت، فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة، (ت١٥٠) على الصحيح،/ع المصدر السابق١/٤٣٩.
- ٤نافع مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه، مشهور، من الثالثة، (ت ١١٧) أو بعد ذلك / ع المصدر السابق ٢/٢٩٦.
- ٥عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير واستصغر يوم أحد، وهو أحد المكثرين من الصحابة، والعبادلة، وكان من أشد الناس اتباعاً للأثر، (ت ٧٣) / ع التقريب ١/٤٣٥.
ولفظ مسلم: عن ابن عون قال: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإسلام، "قد أغار رسول على بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم" الحديث ٦ ... قال أبو داود بعد إيراده: "هذا حديث نبيل، رواه ابن عون عن نافع، ولم يشركه فيه أحد" . قلت: "لا يضر تفرده لأنه إمام جليل ثقة ثبت" .
- *البخاري: في كتاب العتق باب من ملك من العرب رقيقا ٣/١٢٩، ومسلم في كتاب الجهاد ٥/١٣٩، وأبو داود فيه، باب في دعاء المشركين ٢/٤٠، ومسند الشافعي٦٠/٢٤٤،ومسند أحمد٢/٣٢ و٥١، وشرح معاني الآثار للطحاوي كتاب السير٣/٢٠٩،السنن الكبرى للبيهقي فيه باب قسمة الغنيمة في دار الحرب٩/٥٤، ٩/١٠٧، باب جواز ترك دعاء من بلغته الدعوة، كتاب الأموال لأبي عبيد ص ١٧٥، باب الحكم في رقاب أهل العنوة من الأسرى والسبي، كتاب المعارف لابن قتيبة ص ٦١، والاعتبار للحازمي ص ٢١١- ٢١٢، انظر ص من هذه الرسالة.
٢- ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى قوماً بليل، لم يغر ١ بهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ٢، ومكاتلهم ٣، فلما رأوه، قالوا: " محمد والله، محمد والخميس "٤، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بساحة ٥ قوم فساء صباح المنذرين " ٦.
- ١في حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار على أهل خيبر ليلاً وتقدم في حديث سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا أن يدعوهم إلى الإسلام قبل القتال. وأجاب ابن حجر: بأن حديث أنس كان أول ما طرقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث علي بعد ذلك، فتح الباري ٧/٤٨٧.
- ٢بمساحيهم: المساحي: جمع مسحاة وهي المجرفة من الحديد. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/١٥٠.
- ٣والمكاتل: جمع مكتل وهو الزنبيل الكبير. المصدر السابق ٤/٣٢٨.
وفي لفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصبح، لم يسمع أذاناً أغار بعدما يصبح، فنزلنا ليلاً " وفي لفظ " صبحنا خيبر بكرة، فخرج أهلها بالماسحي " الحديث ١.
- ١المصدر السابق.
ووجه الدلالة من هذين الحديثين قوله: "أغار" أي أخذهم على غرة، ويدل على هذا صراحة لفظ: (وهو غارون) أي غافلون.
- *الخميس: الجيش العظيم، سمي بذلك لأنه مقسوم بخمسة أقسام، المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب. وقيل لأنه تخمس فيه الغنائم. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٧/٩٢.
- *الساحة في اللغة الناحية وفضاء بين دور الحي، وجمعه ساح وسوح وساحات. القاموس المحيط ١/٢٣٠.
- *البخاري في كتاب الجهاد باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام ٤/٣٨ و٥/١٠٨-١٠٩ من كتاب المغازي باب غزوة خيبر واللفظ له، ومسلم٥/١٨٥كتاب الجهاد.
أما المذهب الثالث القائل بعدم الإنذار مطلقاً، فهو مذهب ضعيف ترفضه الأحاديث المتقدمة.
وقد صرح بضعفه المازري والقاضي عياض وغيرهما من العلماء. والراجح في هذه المسألة هو مذهب جماهير العلماء القائلين بالتفصيل بين من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام فتجب دعوته، وبين من بلغته الدعوة فلا تجب، وبه يمكن الجمع بين الأحاديث، ومتى أمكن الجمع فلا يصار إلى غيره، لأن العمل بجميع الأحاديث أولى من رد بعضها ١.وقد وردت السنة بجواز الإغارة على من بلغته الدعوة إلى الإسلام، من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم: ١- كما هو في حديث وأنس بن مالك المتقدمين ٢.
- ١انظر: الاعتبار للحازمي ص٢١١-٢١٢، شرح معاني الآثار للطحاوي٣/٢٠٧ و٢٠٨و٢١٠،وشرح مسلم للنووي٤/٣٣٠و٣٤٣،ونصب الراية للزيلعي٣/٣٧٩ و٣٨٢، وفتح الباري ٦/١١٢ و٧/٤٧٨، وسبل السلام للصنعاني ٤/٤٥، ونيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٤٤ و٢٤٦ و٢٤٧.
- ٢انظر: ص.
٢- ومن تقريره صلى الله عليه وسلم كما في حديث الصعب بن جثامة الليثي: سئل رسول الله الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: "هم منهم" ٣.
٣- ومن قوله صلى الله عليه وسلم كما هو في حديث أسامة بن زيد عليه وسلم كان عهد إليه فقال: "أغر على أبنى ٤ صباحاً وحرق" ٥.
- *البخاري ٤/٤٨ كتاب الجهاد، باب أهل الدار يبيتون، ومسلم ٥/١٤٤ فيه واللفظ له (ويبيتون) مبني للمفعول.
- *أبنى: بالضم ثم السكون وفتح النون والقصر بوزن حبلى. موضع بالشام من جهة البلقاء، معجم البلدان لياقوت ١/٧٩.
- *رواه أبو داود في ٢/٣٦ من كتاب الجهاد باب الحرق في بلاد العدو وابن ماجه فيه ٢/٩٤٨ كلاهما من طريق صالح بن أبي الأخضر، قال فيه ابن حجر: "ضعيف يعتبر به" التقريب ١/٣٥٨ والحديث رواه الشافعي أيضاً في الأم ٤/١٧٤ من غير طريق صالح بن أبي الأخضر، ولفظه: قال الشافعي: أخبرنا بعض أصحابنا عن عبد الله بن جعفر الأزهري، قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن عروة عن أسامة بن زيد قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن أغزو صباحاً على أهل أبنى وأحرق".
وخلاصة القول في هذا: أن الدعوة إلى الإسلام واجبة قبل القيام بالهجوم الحربي في حق من لم تبلغه الدعوة الإسلامية ولا علم بها. فإن الإسلام دين هداية وبيان وإرشاد، وليس له غرض في الحروب المدمرة، كما هو واضح من هدي هذا الدين الحنيف.
أما من بغلته الدعوة الإسلامية وعلم بها، فلا يجب في حقه تجديد الدعوة لأن العلم بها حاصل لديه وخاصة إذا علم منه تبيت الشر للمسلمين، ومحاولة ضرب قلعة الإسلام، كما حصل من بني المصطلق.
ومن هنا يفهم الدارس لظروف وملابسات هذه الغزوة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم بالهجوم على هذه القبيلة إلا بعد أن علم أنها تحتشد لحربه وضرب دار الإسلام (المدينة المنورة) .
وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد تثبت في ذلك من بعض سفرائه حين بلغه خبر هذه القبيلة، كما ذكرنا ذلك مفصلاً في محله وقد مر قريباً١.
- *انظر ص.
المبحث الثاني: هل كان هناك إنذار لبني المصطلق بالحرب على وجه الخصوص
أما ما يتعلق بشأن بني المصطلق فللعلماء في ذلك قولان: أ- ذهب فريق من العلماء إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعاهم قبل القتال، ولكنهم امتنعوا عن قبول الإسلام، وثبتوا للقتال، ودارت المعركة بين الفريقين، وكان النصر حليف المسلمين، وعلى رأس القائلين بهذا: ١- ابن إسحاق: فقد ساق بسنده حدثني عاصم ١ بن عمر بن قتادة وعبد الله ٢ بن أبي بكر ومحمد بن يحيى بن حبان ٣، كل حدثني حديث بني المصطلق قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني المصطلق يجمعون له، الحديث.
- ١عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، أبو عمر المدني، ثقة عالم بالمغازي، من الرابعة (ت بعد ١٢٠) /ع التقريب ١/٣٨٥.
- ٢عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، الأنصاري المدني القاضي، ثقة، من الخامسة، (ت ١٣٥) / ع المصدر السابق ١/٤٠٥.
- ٣محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ الأنصاري المدني، ثقة، فقيه من الرابعة (ت ١٢١) /ع المصدر السابق ٢/٢١٦.
وفيه "فلما علم بهم ماء لهم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس، واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم" ٤.
والحديث رجاله ثقات رجال الصحيح، ولكنه مرسل ١.
- ١قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي ص ٣٠٨: "رواه بنحوه ابن جرير في تاريخه من طريق ابن إسحاق بسنده مرسلاً، وكذلك رواه ابن هشام في (السيرة) وهذا الإسناد مع ضعفه ليس فيه أمر لعمر بعرض الإسلام، وقد أشار الزرقاني في شرحه على المواهب إلى ضعف هذه الزيادة، وحق له ذلك، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم ما يقتضي ضعفها ثم ساق ما قاله ابن القيم في ذلك، انظر قول ابن القيم ص ٨٤".
٢- الواقدي: ذكر الحديث مطولاً وفيه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى بني المصطلق دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، ويقال: إلى عمار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، ثم أمر فنادى في الناس، أن قولوا: لا إله إلا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل واحد" ، الحديث ... وهو مرسل أيضاً. ثم قال: "وكان ابن عمر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار على بني المطلق وهو غارون، ونعمهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم. والحديث الأول أثبت عندنا "١.
- *سيرة ابن هشام ٢/٢٩٠، وانظر الحديث كاملاً من ص من هذه الرسالة.
٣- و ٤- وتابعه في هذا ابن سعد وابن سيد الناس، فقد ساقا القصة بدون إسناد، وأشارا إلى حديث ابن عمر، ثم قالا: "الأول أثبت "٢.
٥- أما ابن جرير الطبري فقد ساق حديث ابن إسحاق من طريقه ١. ولكنه لم يتعرض لذكر حديث ابن عمر.
- ١تاريخ الطبري ٢/٦٠٤.
٦- وساق ابن الأثير نحو قول ابن إسحاق بدون إسناد ١. ولم يذكر حديث ابن عمر أيضاً.
- ١الكامل ٢/١٩٢.
وسكوت الطبري وابن الأثير وعدم إيرادهما حديث ابن عمر، قد يفهم منه موافقتهما لابن إسحاق في رأيه.
ب- وذهب الفريق الثاني من العلماء إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار عليهم دون دعوة. وعلى رأسهم: ١- ابن عبد البر: فقد صرح بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار عليهم وهم غارون. ثم قال: وقيل إن بين المصطلق جمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغه ذلك خرج إليهم، فلقيهم على ماء يقال له المريسيع، فاقتتلوا فهزمهم الله.
ثم عقب بقوله: "والقول الأول أصح: أنه أغار عليهم وهم غارون"٥.
٢- ابن حزم فقد صرح بذلك أيضاً٦.
- *مغازي الواقدي ١/٤٠٤-٤٠٧.
- *طبقات ابن سعد ٢/٦٣-٦٤، وعيون الأثر ٢/٩١- ٩٢.
- *الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٢٠٠.
- *جوامع السيرة ص ٢٠٣.
٣- ابن القيم: فقد ساق نحو قول ابن إسحاق وموافقيه. ثم قال: هكذا قال عبد المؤمن ١ بن خلف في سيرته وغيره، وهو وهم؛ فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم، على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم، كما في الصحيح: "أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهو غارون" ٢.
- ١هو الإمام العلامة الحافظ الحجة الفقيه النسابة، شيخ المحدثين، شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، الشافعي، صاحب التصانيف (ت ٧٠٥) تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٧٧–١٤٧٩، والشوكاني في البدر ١/٤٠٣-٤٠٤.
٤- ابن كثير: فقد أورد رواية ابن إسحاق والواقدي بإسنادهما ثم عقب بقوله: وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فقال: " الله عليه وسلم على بني المصطلق وهو غارون" . الحديث ١.
- ١البداية والنهاية ٤/١٥٦، وانظر الحديث ص ٧٨.
٥- ابن حجر: فإنه بعد أن ساق قول ابن إسحاق، قال: هكذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مرسلة. والذي في الصحيح من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم، فأوقع بهم. وساق الحديث.
ثم رام الجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق بقوله: ويحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلاً، فلما كثر فيهم القتل انهزموا، بأن يكون لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافّوا، ووقع القتال بين الطائفتين ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم. ثم قال: "وقد ذكر هذه القصة ابن سعد نحو ما ذكر ابن إسحاق، وأن الحارث كان جمع جموعاً وأرسل عيناً تأتيه بخبر المسلمين فظفروا به فتقلوه فلما بلغه ذلك ١ هلع وتفرق الجمع وانتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الماء وهو المريسيع فصف أصحابه للقتال ورموهم بالنبل ثم حملوا عليهم حملة واحدة فما أفلت منهم إنسان، بل قتل منهم عشرة وأسر الباقون رجلاً ونساء ". ثم قال: " وساق ذلك اليعمري في (عيون الأثر) " ثم ذكر حديث ابن عمر ثم قال: " أشار ابن سعد إلى حديث ابن عمر "، ثم قال: " الأول أثبت ". قال ابن حجر قلت: " والحكم بكون الذي في السير أثبت مما في الصحيح مردود، ولا سيما مع إمكان الجمع"١.
- ١الهلع/ محركة: أشد الجزع والضجر. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير٥/٢٦٩،والقاموس المحيط للفيروزآبادي٣/١٠٠.
- *زاد المعاد ٢/١٢٥.
والصواب في هذا مع القائلين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار عليهم هم غارون وذلك لما يلي: ١- صحة حديث ابن عمر وصراحته في ذلك، وهو ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها ١.
- ١انظر الحديث ص.
٢- صرح كثير من العلماء بأن من بلغته الدعوة العامة إلى الإسلام، أو قربت داره أو حاول النيل من المسلمين، أنه يجوز مباغتته على غرة ١.
- ١انظر شرح صحيح مسلم للنووي ٤/٣٤٣، فتح الباري ٦/١١٢ و٧/٣٤٠ و٤٤٥ و٤٧٨، شرح معاني الآثار للطحاوي ٣/٢٠٧-٢١٠، والمدونة الكبرى لمالك ٢/٢، وتحفة الأحوذي ٥/١٥٥-١٥٦.
وهذه الأوصاف تنطبق على بني المصطلق، فقد بلغتهم الدعوة العامة وكانوا ضمن المتألبين مع قريش في معركة أحد، ضد المسلمين ولم يكتفوا بهذا بعد عودتهم إلى بلادهم بل أخذوا يجمعون الجموع ويعدون بضرب المسلمين، مما يدل على أنهم على علم وبصيرة بالدعوة الإسلامية، ومثل هؤلاء لا تجب الدعوة في حقهم ١.
- ١انظر: ص.
٣- إن مستند القائلين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنذرهم هو حديث ابن إسحاق ١ والواقدي وكلا الحديثين مرسل. والمرسل معدود في قسم الحديث الضعيف عند جمهور العلماء، وذلك للجهل بحال الراوي المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون غير صحابي، وبالتالي يحتمل أن يكون ضعيفاً.
- ١علما بأن قول ابن إسحاق ليس صريحاً في إنذارهم، وإنما فيه مجرد وجود القتال بين الفريقين. وقد جمع ابن حجر بين ذلك. انظر: ص.
- *فتح الباري ٧/٤٣٠-٤٣١، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٨.
وإن اتفق أن المرسل لا يروي إلا عن ثقة، فالتوثيق مع الإبهام غير كاف ولأنه إذا كان المجهول المسمى لا يقبل، فالمجهول عيناً وحالاً أولى ١.
- ١انظر: مقدمة صحيح مسلم ١/٢٤، ورسالة أبي داود إلى أهل مكة ص ٢٤، والكفاية للخطيب البغدادي ص ٥٥٠-٥٥٥، ومقدمة التمهيد لابن عبد البر ١/٥-٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٧٣- ٧٥ (التقييد والإيضاح) ، والتبصرة والتذكرة للعراقي ١/١٤٨، التقييد والإيضاح له ص ٧٣-٧٥، والتقريب للنووي ص ١١٩، (تدريب الراوي) وشرح مسلم له ١/٢٣، تدريب الراوي للسيوطي ص ١١٩، فتح المغيث للسخاوي ١/١٣٣ و ١٣٥-١٣٦.
٤- إن الظاهر من صنيع القائلين بحجيته، فيما لو لم يوجد في الباب غيره كما صرح بذلك أبو داود ١ وغيره، خلافاً للمالكية ٢.
- ١رسالة أبي داود إلى أهل مكة ص ٢٥، وفتح المغيث للسخاوي ١/١٣٣.
- ٢مقدمة التمهيد لابن عبد البر ١/٦.
٥- على فرض صحته فلا يقاوم الحديث المسند.
٦- ذكر الدكتور أكرم العمري أنه: "لا يمكن معارضة آية قرآنية أو حديث صحيح برواية من كتب التاريخ والأدب" . وقال في موضع آخر: "ولا شك أن مادة السيرة، في كتب الحديث موثقة يجب الاعتماد عليها وتقديمها على روايات كتب المغازي والتواريخ العامة. وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحة؛ لأنها ثمرة جهود جبارة، قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث ونقده سنداً ومتناً، وهذا التدقيق والنقد الذي حظي به الحديث، لم تحظ به الكتب التاريخية" ٤.
- *انظر: نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية لأكرم ضياء العمري ص ١ و٣.
الفصل الرابع: سبب وتاريخ غزوة بني المصطلق
الأول: تأييد هذه القبيلة لقريش وتكتلها معها في معركة أحد ضد المسلمين ١.
- ١انظر: ص من هذه الرسالة.
والثاني: سيطرتها على الخط الرئيسي المؤدي إلى مكة، فكانت حاجزاً منيعاً من نفوذ المسلمين إلى مكة.
الثالث: ويعتبر أهم الأسباب في هذه الغزوة هو أن قبيلة بني المصطلق أخذت تجمع الجموع لغزو المدينة المنورة وقد أطمعها في التفكير في غزو المدينة والتصميم على ذلك، انتصار المشركين في بسبب خطأ ارتكبه الرماة في هذه الغزوة كما هو معروف.
ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم نبأ هذه القبيلة أعد عدته، واتخذ جميع التدابير المناسبة، وباغت هذه القبيلة في عقر دارها وهزمهم شر هزيمة.
أما عن تحديد زمن هذه الغزوة، فقد اختلف العلماء في ذلك، وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والسادسة للهجرة، وفيما يأتي رأى كل فريق مع أدلته، ثم ترجيح ما يظهر أنه الراجح، من خلال النصوص بعد مناقشتها وتحليلها.
أول من قال بذلك ابن إسحاق: فقد قال - عقب غزوة ذي قرد ١ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجباً، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست ٢.
- ١ذو قرد: محركة: على يوم من المدينة، بينها وبين خيبر، وتسمى غزوة (الغابة) وذلك أن عيينة بن حصن الفزاري أغار على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ترعى في الغابة قرب المدينة، فاستاقها. واختلف في تاريخها هل هي قبل الحديبية أو بعدها.
- ٢سيرة ابن هشام ٢/٢٨٩.
وفي مجمع الزوائد: روى الطبراني من طريق ابن إسحاق قال: " شعبان سنة ست" ٣. قال الهيثمي: "رجاله ثقات" .
وتبع ابن إسحاق في هذا خليفة بن خياط وابن جرير الطبري، وابن حزم وابن عبد البر وابن العربي، وابن الأثير وابن خلدون.
فقد صرح كل منهم بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة السادسة ١.
- ١انظر: تاريخ خليفة ص ٨٠، وتاريخ الطبري ٢/٦٠٤، وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٠٦، والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص ٢٠٠-٢٠٢، وعارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي لابن العربي ١٢/٤٩، والكامل لابن الأثير ٢/١٩٢، تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩و ٣٣.
وقد أدى بهم هذا إلى إنكار وجود سعد بن معاذ في هذه الغزوة وتوهيم من ذكره فيها من العلماء، بناء على أنه استشهد في غزوة بني قريظة، التي وقعت عقب مباشرة، وكانت الخندق في السنة الرابعة على رأي ابن حزم وطائفة من العلماء ١.
- ١منهم: مالك بن أنس وموسى بن عقبة، والبخاري وابن قتيبة، ويعقوب بن سفيان الفسوي، والنووي، وابن خلدون. انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، فتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، المعارف لابن قتيبة ص ٧٠، المعرفة والتاريخ للفسوي ٣/٢٥٧-٢٥٨، شرح صحيح مسلم للنووي ٤/٥٣٢، تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩.
- *مجمع الزوائد ٦/١٤٢-١٤٣.
وهذا نص كلام ابن حزم رحمه الله قال: "ذكر أصحاب المغازي أن كانت سنة خمس من الهجرة، والثابت أنها في الرابعة بلا شك. لحديث عبد الله بن الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه عشرة سنة فأجازني" ١. فصح أن بينهما سنة واحدة فقط ١.
- ١جوامع السيرة لابن حزم ص ١٨٥.
وقد أجاب البيهقي عن هذا بقوله: "ولا اختلاف في الحقيقة بين من قال بأن كانت في السنة الخامسة، وبين من قال بأنها في السنة الرابعة، وذلك لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنوات وقبل استكمال خمس. ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين إلى العام القابل، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعبان سنة أربع، للموعد، ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام، فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال سنة خمس٣" اهـ. قال ابن كثير: "وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنتين، ولا خلاف أن أحداً في شوال سنة ثلاث إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة الثانية لسنة الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول إلى آخرها، كما حكاه البيهقي عن جماعة من السلف.
- *انظر: الحديث في البخاري ٣/١٥٤، كتاب الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم، و ٥/٨٩ كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وصحيح مسلم ٦/٢٩-٣٠، كتاب الإمارة، وأبو داود ٢/١٢٤، كتاب الخراج والفيء، باب متى يفرض للرجل في المقاتلة، و٢/٤٥٣ كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحد، الترمذي ٢/١٢٧، الجهاد باب ما جاء في حد بلوغ الرجل ومتى يفرض له، ٢و/٤٠٧، أبواب الأحكام، باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة، والنسائي ٦/١٢٧، كتاب الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي، وابن ماجة ٢/٨٥٠ كتاب الحدود، باب من لا يجب عليه الحد.
- *البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، وفتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، وزاد المعاد ٢/١٣٠، ٢/١٤٧، وعون المعبود شرح سنن أبي داود ٨/٢٣٧.
وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي، فقد صرح بأن بدراً في الأولى وأحداً في الثانية الموعد في شعبان من السنة الثالثة، في شوال من السنة الرابعة ". ثم قال ابن كثير: "وهذا مخالف لقول الجمهور، فإن المشهور أن أمير المؤمنين جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة، وعند مالك ١ من ربيع الأول سنة الهجرة، فصارت الأقوال ثلاثة، والصحيح قول الجمهور أن أحداً في شوال سنة ثلاث وأن الخندق في شوال أيضاً سنة خمس.
- ١وهو قول ابن حزم أيضاً حكاه عنه ابن قيم الجوزية. انظر: زاد المعاد ٢/١٤٧.
وأما حديث ابن عمر: فقد أجاب عنه جماعة من العلماء منهم البيهقي: بأن معناه أن ابن عمر كان في أحد في أول ما طعن في الرابعة عشرة وكان في الأحزاب قد استكمل الخامسة عشرة "٢.
١- موسى بن عقبة كما نقل ذلك ابن كثير عنه بقوله: قال موسى بن عقبة عن الزهري: "هذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها، يوم في رمضان سنة ثنتين، ثم قاتل في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم - وهو يوم الأحزاب وبني قريظة - في شوال من سنة أربع، ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس.
ثم أورد ابن كثير قول البخاري عن موسى بن عقبة "أنها سنة أربع" ٣ وعقب عليه بقوله: "هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة أنها سنة أربع، والذي حكاه موسى بن عقبة عن الزهري وعن عروة أنها كانت في شعبان سنة خمس "١.
- *البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، فتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، زاد المعاد ٢/١٣٠، ٢/١٤٧، عون المعبود شرح سنن أبي داود ٨/٢٣٧.
- *انظر: صحيح البخاري ٥/٩٦، كتاب المغازي، باب غزوة بني المصطلق من خزاعة.
وقد تابع ابن حجر ابن كثير في تعقبه على البخاري بقوله: "كذا ذكره البخاري، وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع " والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد ١ النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس. ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب " ثم قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس " ثم قال ابن حجر: وقال الحاكم في (الإكليل) : " قول عروة وغيره أنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق " ثم قال ابن حجر، مؤيداً لقول الحاكم هذا: "قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، فلو كانت المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطاً، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهو أشد غلطاً"٣.
- ١هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، أبو سعيد، واعظ مفسر، مشارك في بعض العلوم، من آثاره ((دلائل النبوة)) وكتاب التفسير وكتاب الزهد (ت ٤٠٧) معجم المؤلفين بعمر رضا كحالة ٦/١٠٨.
فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان لتكون قد وقعت قبل ، لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضاً فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجوداً في المريسيع، ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق ومات من جراحته في قريظة، ويؤيده أيضاً أن حديث الإفك كان سنة خمس إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب. ثم ذكر ثلاثة أقوال في وقت نزول الحجاب وقال: أشهرها سنة أربع، فتكون المريسيع بعد ذلك، فيرجح أنها سنة خمس ١.
- ١فتح الباري ٧/٤٣٠ وانظر السيرة الحلبية ٢/٢٩٣، شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٦، وترتيب مسند أحمد للساعاتي ٢١/٧٠.
- *البداية والنهاية ٣/٢٤٢ و٤/١٥٦.
- *أي إذا كانت غزوة المريسيع في سنة أربع فهو أشد غلطاً، وذلك لأن في هذه السنة وفي نفس الشهر وقعت غزوة بدر الموعد، ولا يتأتى أيضاً بأن تكون الغزوتان وقعتا في شهر واحد، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى غزوة المريسيع لليلتين خلتا من شعبان وعاد منها لهلال رمضان. فقد استغرق الشهر كله في غزوة المريسيع. انظر: ص: ٩٦.
وروى البيهقي: أخبرنا أبو الحسين ١ بن الفضل القطان ببغداد، أنبا عبد الله ٢ بن جعفر ثنا يعقوب وثنا يعقوب وثنا إبراهيم ٣ بن المنذر، ثنا محمد بن ٤ فليح عن موسى ٥ بن عقبة عن ابن شهاب في ذكر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس" .
- ١هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل بن يعقوب بن يوسف بن سالم أبو الحسين الأزرق، سمع إسماعيل بن محمد الصفار، وعبد الله بن جعفر درستويه، وغيرهم، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة. انظر: تاريخ بغداد ٢/٢٤٩.
- ٢عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي، النحوي، أبو محمد، صاحب يعقوب الفسوي، قال الخطيب: حدَّث عنه أبو الحسن بن رزقوية، وأبو الحسين بن الفضل، وأبو علي بن بن شاذان، سمعت هبة الله بن الحسن الطبري ذكر ابن درستويه وضعفه وقال: "بلغني أنه قيل له حدث عن عباس الدوري حديثاً ونحن نعطيك درهماً ففعل ولم يكن سمع من عباس". قال الخطيب: "وهذه الحكاية باطلة لأن أبا محمد بن درستويه كان أرفع قدراً من أن يكذب لأجل العوض الكثير، فكيف لأجل التافه الحقير"، وقال الخطيب أيضاً: "سألت البرقاني عن ابن درستويه فقال: ضعفوه، لأنه لما روى كتاب التاريخ عن يعقوب بن سفيان أنكروا عليه ذلك، وقالوا له إنما حدث يعقوب بهذا الكتاب قديماً فمتى سمعته منه؟ " قال الخطيب: "وفي هذا نظر، لأن جعفر بن درستويه من كبار المحدثين وفهمائهم، وعنده عن علي بن المديني وطبقته، فلا يستنكر أن يكون بكر بابنه في السماع من يعقوب بن سفيان وغيره. ونقل عن الحسين ابن عثمان الشيرازي أنه قال: ابن درستويه ثقة" إلى آخر ما ذكر في ترجمته (ت ٣٤٧) تاريخ بغداد ٩/٤٢٩، وانظر ميزان الاعتدال ٢/٤٠١، اللسان ٣/٢٦٧.
- ٣إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة، بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي، صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة. (ت ٢٣٦) خ ت س ق. المصدر السابق ١/٤٣. وفي ميزان الاعتدال ١/٦٧ رمز له (صح) دلالة منه على أنه ثقة.
- ٤محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي أو الخزاعي، صدوق يهم من التاسعة، (ت١٩٧) خ س ق. المصدر السابق ٢/٢٠١.
- ٥موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي من الخامسة، لم يصح أن ابن معين لينه (ت١٤١) وقيل بعد ذلك./ ع المصدر السابق ٢/٢٨٦.
وهذا أصح مما روي عن ابن إسحاق أن ذلك كان سنة ست ١. قلت: الحديث مرسل.
- ١السنن الكبرى للبيهقي ٩/٥٤.
٢- أبو معشر ١ فقد ذكرها قبل كما نقل ذلك ابن حجر عنه ٢. وأبو مشعر روى عن أئمة أثبات أمثال ابن المسيب ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم.
- ١هو نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، مولى بني هاشم مشهور بكنيته، ضعيف من السادسة. (ت١٧٠) / عم. التقريب ٢/٢٩٨. له كتاب في المغازي لكنه مفقود.
- ٢فتح الباري ٧/٤٣٠.
وروى عنه أئمة كذلك أمثال الثوري والليث بن سعد وابن مهدي ووكيع وغيرهم. وهو ضعيف في الحديث بصير بالمغازي، فقد أثنى عليه بذلك أحمد بن حنبل، وأبو زرعة الدمشقي وابن البرقي، والخليلي ١.
- ١انظر: تهذيب التهذيب ١/٤١٩-٤٢٢.
وخلاصة القول فيه أنه ضعيف في الحديث له إلمام بالمغازي. فمثله يصلح للشواهد والمتابعات.
٣- الواقدي، قال في سنة خمس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان ١، وقدم المدينة لهلال رمضان وغاب شهراً إلا ليلتين ١.
- ١مغازي الواقدي ١/٤٠٤.
٤- وهكذا ذكر ابن سعد وابن قتيبة والبلاذري ١.
- ١انظر: طبقات ابن سعد ٢/٦٣، والمعارف لابن قتيبة ص ٧٠، وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٤١ و ٣٤٣.
٥- وصرح الذهبي بقوله: "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث في شعبان من السنة الخامسة، وفيها على الصحيح غزوة بني المصطلق وتسمى غزوة المريسيع" ٤.
٦- وبنحو هذا قال ابن القيم ١.
- ١زاد المعاد ٣/١٢٥.
أ- الخضري بك: فقد ذكرها في شعبان في حوادث سنة خمس ١.
- ١نور اليقين ص ١٥٢.
ب- الغزالي: قال في نهاية حديثه عن هذه الغزوة: "وكتاب السيرة على أن حديث الإفك وغزوة بني المصطلق كانا بعد ، لكننا تابعنا ابن القيم في اعتبارها من حوادث السنة الخامسة قبل هجوم الأحزاب على المدينة، والتحقيق يساند ابن القيم ومتابعيه، فستعلم أن سعد بن معاذ قتل في معركة الأحزاب مع أن لسعد في غزوة بني المصطلق شأناً يذكر، إذ إن الرسول عليه الصلاة والسلام، اشتكى إليه عمل ١ ابن أبي ولا يتفق أن يستشهد سعد بن معاذ في غزوة الخندق ثم يحضر بعد ذلك في بني المصطلق لو صّح أنها وقعت في السنة السادسة" ٨.
- ١قال الألباني: لعله وهم أو سبق قلم، فإن المشتكي إليه إنما هو أسيد بن حضير كما في سيرة ابن هشام، وفي الباب مما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم أشياء صحيحة فيراجع في فتح الباري.
- *يريد بني المصطلق.
- *العبر في خبر من غبر ١/٧، تاريخ الإسلام له ٢/٢٧٥.
- *فقه السيرة: ٣١٦.
ج- وقال الدكتور البوطي: "ذكر ابن إسحاق وبعض علماء السيرة أنها كانت في العام السادس من الهجرة، والصحيح الذي ذهب إليه عامة المحققين أنها كانت في شعبان من العام الخامس للهجرة" ١.
د- الدكتور أبو شهبة قال: "اختلف في زمن هذه الغزوة فذهب ابن إسحاق إلى أنها في شعبان سنة ست، ووافقه الطبري، وقال موسى بن عقبة: إنها سنة خمس في شعبان، ووافقه الحاكم والبيهقي وأبو معشر، وهو الراجح الذي تشهد له الأحاديث الصحيحة" ٢.
هـ- وهكذا ذكر الساعاتي والصابوني: "بأنها كانت في السنة الخامسة على القول الأرجح" ٣.
فهؤلاء العلماء جميعاً قد صرحوا بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة الخامسة، وأنها قبل ، لأن الخندق كانت في شوال من السنة المذكورة أيضاً٤.
١- اتفاقهم على أن هذه الغزوة كانت بعد نزول آية الحجاب، وكان نزولها في زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش وذلك للتصريح بذلك في حديث الإفك كما سيأتي ١.
- ١انظر: ص ٢٠٥.
أ- كان نزوله في السنة الثالثة، وبه جزم خليفة بن خياط وأبو عبيدة ١ وغير واحد.
- ١هو معمر بن المثنى التيمي، مولاهم، البصري، النحوي اللغوي، صدوق، أخباري وقد رمى برأي الخوارج، من السابعة (ت٢٠٨) وقيل بعد ذلك وقد قارب المائة. خت د، التقريب ٢/٢٦٦، وتهذيب التهذيب ١٠/٢٤٦.
- *فقه السيرة للبوطي القسم الثاني: ٩٣.
- *السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ١٩٦.
- *الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد ١٤/١٠٩، روائع البيان تفسير آيات الأحكام للصابوني ٢/١١٩.
- *ما عدا موسى بن عقبة وابن قتيبة فإنهما يريان أن الخندق في السنة الرابعة. انظر: ص٩٠.
ب- في السنة الرابعة عند جماعة من العلماء، وبه جزم الدمياطي ١ والذهبي وابن حجر.
- ١تقدمت ترجمته ص؟.
ج- كان في ذي القعدة من السنة الخامسة، وبه قال قتادة والواقدي ١.
- ١انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٣١٤ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٧/١٢٥، والمستدرك للحاكم ٤/٣، وتاريخ الإسلام للذهبي ٢/٣٤، وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٣، وفتح الباري ٧/٤٣٠و ٨/٤٦٢-٤٦٣.
فعلى القول بأن الحجاب كان في السنة الثالثة أو الرابعة فيترجح كون غزوة بني المصطلق بعد ذلك، في السنة الخامسة، بعد نزول الحجاب وزواج رسول صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، للتصريح بذلك في سياق قصة الإفك. أما قول قتادة والواقدي فلا يلتفت إليه بعد جزم من ذكر بمخالفتهم ١.
- ١مع أن الواقدي قد تناقض في هذا فذكر في مغازيه بأن غزوة بني المصطلق كانت في السنة الخامسة من شعبان، وذكر فيها حديث الإفك المصرح بأن ذلك وقع بعد نزول الحجاب وزواج زينب بنت جحش، ثم ذكر بأن الحجاب كان في ذي القعدة من سنة خمس كما نقل عنه. انظر: المغازي للواقدي ١/٤٠٤ و ٢/٤٢٨، وانظر فتح الباري ٨/٤٦٢.
٢- وجود سعد بن معاذ فيها، فهذا مما يرجح تقدمها على غزوة الأحزاب، ولا يلتفت إلى من قال: بأن ذكره في غزوة بني المصطلق وهم من بعض الرواة ١، إذ التوهيم لا يكون إلا بأمر قاطع، وما دام الخلاف قائماً في تحديد زمن كل من الغزوتين، وتقديم أحداهما على الأخرى. فلا يستقيم التوهيم، بل الإقدام عليه من الصعوبة بمكان لا يخفى، لا سيما أنه مصرح بذكره في أصح الصحيح بعد كتاب الله صحيحي البخاري ومسلم.
- ١انظر: القائلين بهذا ص؟.
ولذا قال إسماعيل ١ القاضي: "الأولى أن تكون المريسيع قبل للحديث الصحيح عن عائشة "١.
- ١هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم أبو إسحاق الأزدي مولى آل جرير بن حازم من أهل البصرة، سمع مسدد بن مسرهد، والقعنبي وابن المديني وغيرهم، وعنه عبد الله بن أحمد بن حنبل، ويحيى بن صاعد وغيرهم، قال الخطيب البغدادي: كان إسماعيل فاضلاً عالماً متقناً فقيهاً على مذهب مالك بن أنس، ثم ذكر شيئاً من مصنفاته. (ت ٢٨٢هـ) تاريخ بغداد ٦/٢٨٤.
وأما ما أبداه القطب ١ الحلبي من الاحتمال بقوله: "وقع في نسخة سماعنا (فقام سعد بن معاذ) ٣ وفي موضع آخر (فقام سعد أخو بني عبد الأشهل) ٤.
- ١هو عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي، الحافظ المتقن المقرئ، أبو علي الحلبي، ثم المصري مفيد الديار المصرية، صنف وخرج وأفاد، وشرح أكثر صحيح البخاري في عدة مجلدات (ت ٧٣٥) . ذيل تذكرة الحفاظ لمحمد بن علي الدمشقي ص١٣.
فيحتمل أن يكون آخر غير سعد بن معاذ، فإن في بني عبد الأشهل جماعة من الصحابة، يسمى كل منهم سعداً، منهم: سعد بن زيد الأشهلي، شهد بدراً، وكان على سبايا قريظة الذين بيعوا بنجد، وله ذكر في عدة أخبار، منها: في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته، فيحتمل أن يكون هو المتكلم في قصة الإفك فهذا مردود بتصريح القطب الحلبي نفسه بأنه سعد بن معاذ، في الموضع الأول. وأما الموضع الآخر فإن الرواية أيضاً في البخاري "فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل" كما أثبت ذلك في الحاشية. فكيف يتطرق الاحتمال بعد هذا التصريح بأنه سعد بن معاذ، إلى غيره. وأيضاً فإن في رواية معمر بن راشد عند مسلم "فقام سعد بن معاذ الأنصاري" ٥.
فيتعين بهذا أن يكون المذكور هو سعد بن معاذ، لا غيره. ويندفع الاحتمال الذي أورده القطب الحلبي رحمه الله.
٣- ما ذكره المقريزي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق أخذ بيد سعد بن معاذ، في نفر فخرج يقود به حتى دخل به على سعد بن عبادة ومن معه، فتحدثا عنده ساعة، وقرب سعد بن عبادة طعاماً، فأصاب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد بن معاذ ومن معه، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمكث أياماً، ثم أخذ بيد سعد بن عبادة ونفر معه، فانطلق به، حتى دخل منزل سعد بن معاذ، فتحدثا ساعة، وقرب سعد بن معاذ طعاماً، فأصاب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد بن عبادة ومن معهم، ثم خرج الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليذهب ما كان في أنفسهم من ذلك القول الذي تقاولا ١ اهـ.
- ١إمتاع الأسماع ١/٢١٠، وانظر السيرة الحلبية ٢/٣١٩.
- *انظر: شرح مسلم للنووي ٥/٦٣٥، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٢٨، وفتح الباري لابن حجر ٨/٤٧٢.
- *انظر هذه الرواية في البخاري ٣/١٥٣، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهنّ بعضاً.
- *انظر هذه الرواية في البخاري ٥/٩٨، كتاب المغازي، باب حديث الإفك. وهذا لفظها "فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل" وليس كما ذكر القطب الحلبي بقوله: "فقام سعد أخو بني عبد الأشهل".
- *انظر: صحيح مسلم ٨/١١٥، كتاب التوبة. وانظر فتح الباري ٨/٤٧١-٤٧٢.
٤- اتفاق أهل المغازي على أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان، وأن غزوة الأحزاب كانت في شهر شوال، فمن هذه الناحية تكون غزوة بني المصطلق قبل الأحزاب، إذا غضضنا النظر، عن الخلاف في تحديد سنة كل منهما، وبهذا التقرير يكون الراجح في تحديد زمن هذه الغزوة أنها في شعبان من سنة خمس، وبوجه أعم تكون سابقة على غزوة الأحزاب، إذ الأحزاب في شوال من السنة المذكورة على الأصح كما تقدم ١.
- ١انظر: ص٩٢.
ويندفع ما تعلق به الذاهبون إلى تأخرها عن غزوة الأحزاب اعتماداً على ما ذكره ابن إسحاق في تحديدها بالسنة السادسة، وأن المحاورة في شأن أهل الإفك، كانت بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة، ومستند ابن إسحاق لا مطعن فيه، غير أن إطباق كتب الصحاح على ذكر سعد بن معاذ في هذه الغزوة، مما يرجح كون غزوة بني المصطلق كانت قبل ، ولا داعي إلى تطرّق الوهم إلى أصحّ الكتب بعد كتاب الله؛ لأنه يمكن اللجوء في مثل هذه القضايا إلى الترجيع بين الأدلة وتمييز الصحيح والأصح أو الراجح والمرجوح، ولا شك أن ما ذكر في الصحيحين أرجح مما ذكر في غيرهما ولاسيما كتب المغازي والتواريخ ١.
- ١راجع نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية، لأكرم ضياء العمري ص١و ٣.
والآن نبدأ الحديث مع القائلين بأنها كانت في السنة الرابعة.
ج- القائلون بأن غزوة بني المصطلق في السنة الرابعة: ١- موسى بن عقبة كما نقل ذلك عنه البخاري، وقد تقدم أن الذي حصل للبخاري سبق قلم، وأن الثابت عن موسى بن عقبة سنة خمس ١.
- ١انظر: ص؟ وما بعدها.
٢- المسعودي: ذكرها في السنة الرابعة، وذكر أن في السنة الخامسة ١.
- ١مروج الذهب ٢/٢٩٥.
٣- ابن العربي المالكي: صرح أيضاً بأنها في السنة الرابعة وأن بعدها ١.
- ١عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي ٧/١٧٣.
٤- أبو بكر العامري: اعتمد على النقل عن موسى بن عقبة بأنها كانت في السنة الرابعة ١.
- ١قال شارح بهجة المحافل محمد الأشخر: "كذا نقل البخاري عن موسى بن عقبة وهو سبق قلم والذي في مغازيه أنها في سنة خمس".
ونقل قول ابن إسحاق بأنها كانت في السادسة، ثم عقب عليه بقوله: والصواب الأول- أي أنها كانت في الرابعة - بدليل أن فيها حديث الإفك، وجرى فيه ذكر سعد بن معاذ، وسعد أصيب يوم ، والخندق في السنة الرابعة على الأصح، فعلم بهذا أن المريسيع قبلها ١.
- ١بهجة المحافل ١/٢٤١.
٥- ومن المعاصرين محمد أحمد باشميل فقد ذكرها في حوادث سنة أربع، ضمن الحوادث الواقعة بين غزوتي أحد والأحزاب ١.
- ١غزوة الأحزاب ص ٩٤.
ويلاحظ مما ذكره هؤلاء العلماء في شأن غزوة بني المصطلق: أنها سابقة على غزوة الأحزاب، وهذا من المرجحات على تقدمها على غزوة .
غير أن تحديد زمنها بالسنة الرابعة، مردود بما أطبق عليه أهل المغازي بأن في السنة الرابعة كانت الموعد، وكانت في شعبان، ومن المعلوم أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان اتفاقاً، وكانت مدة غياب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ثمانية وعشرين يوماً، ابتداء من ليلتين خلتا من شعبان ١.
- ١انظر: ص٩٣و٩٦.
فإذا كانت غزوة بني المصطلق في السنة الرابعة على ما ذهب إليه هؤلاء العلماء، فمتى كانت الموعد؟.
وعلى كل حال فكون غزوة بني المصطلق في شعبان سنة أربع، لا يستقيم مع قول أهل المغازي بأن في هذا التاريخ كانت الموعد، وهذا مما يرجح تأخر غزوة بني المصطلق عن هذا التحديد.
الخليفة على المدينة في غياب الرسول صلى الله عليه وسلم: اختلف العلماء فيمن استخلف على المدينة في غياب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق. وأقوالهم تنحصر في أحد أشخاص أربعة: وهم: زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وأبو ذر الغفاري، ونميلة ابن عبد الله الليثي، وجعيل بن سراقة الضمري.
ولم أجد ما يرجح قول أحد على آخر، إذ هو مجرد قول بدون إسناد. غير أن الأكثر على أن الخليفة أبو ذر، أو نميلة بن عبد الله الليثي ١.
- ١انظر: أنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٤٢، سيرة ابن هشام ٢/٢٨٩، والروض الأنف للسهيلي ٦/٣٩٩، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢/٩٢، وتاريخ ابن خلدون ٢/٣٣، زاد المعاد ٢/١٢٥، شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٧، وأسد الغابة لابن الأثير ١/٣٣٨.
المبحث الأول: وقوع القتل في بني المصطلق
...
المبحث الأول: وقوع القتل والسبي في بني المصطلق قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد ابن يحيى بن حبان ١ - كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق - قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني ٢ المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، خرج ٣ لهم يقال له: المريسيع إلى الساحل فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل* من قتل منهم، ونفّل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءهم عليه، وقد أصيب رجل من المسلمين من بني كلب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام١ بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو، فقتله خطأ.
- ١تقدمت تراجم رجال الإسناد، ص؟.
- ٢وعند الواقدي: عن مشايخه قالوا: إن بني المصطلق من خزاعة كانوا ينزلون ناحية الفرع، وهم حلفاء في بني مدلج، وكان رأسهم وسيدهم الحارث بن ضرار وكان قد سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلت الركبان تقدم من ناحيتهم فيخبرون بمسيرهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك فخرج حتى ورد ماءهم فوجد قوماً مغرورين قد تألبوا وجمعوا الجموع، فعاد فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فندب الناس فأسرعوا للخروج وقادوا الخيول وهي ثلاثون فرساً؛ من المهاجرين عشرة، وفي الأنصار عشرون. (مغازي الواقدي ١/٤٠٤، وطبقات ابن سعد ٢/٦٣) .
- ٣قال الذهبي: "خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة". (تاريخ الإسلام ١/٢٣٠ القسم الخاص بالمغازي) . * وعند الواقدي في المغازي١/٤٠٧ فما أفلت منهم إنسان، وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم. ١ هشام بن صبابة بن حزن بن سيار بن عبد الله بن كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة، الكناني الليثي، أخو مقيس بن صبابة. انظر: أسد الغابة لابن الأثير ٥/٤٠٠، وساق ابن حجر نسبه عن ابن الكلبي إلى كنانة. ثم قال: وقال أبو سعيد السكري: هو هشام بن حزن، وأمه صبابة بنت مقيس بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم. ثم ساق ابن حجر حديث ابن إسحاق هذا ثم قال: "وفي تفسير سعيد بن جبير الذي رواه ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عنه، وكذا في تفسير ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} ، [سورة النساء، من الآية: ٩٣] ، قال: نزلت في مقيس بن صبابة وكان قد أسلم هو وأخوه هشام فوجد مقيس أخاه قتيلاً فشكا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر له بالدية فأخذها ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، وارتد وأقام بمكة وقال في ذلك أبياتاً. وسمي الواقدي بسند له قاتله أوساً. وسمى المقتول هاشماً، وكذا وقع عن ابن شاهين من طريق محمد بن يزيد عن رجاله"، ثم قال ابن حجر، والأول أرجح وصبابة بالمهملة عند أكثر أهل اللغة، وقال ابن دريد: ضبابة بالضاد المعجمة، ومقيس: بكسر الميم وسكون القاف وفتح المثناة". انظر: الإصابة ٣/٦٠٣، فتح الباري ٨/٢٥٨، وعند ابن جرير: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج عن ابن جريج عن عكرمة أن رجلاً من الأنصار قتل أخا مقيس بن ضبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله. قال ابن جريج وقال غيره: "ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ديته على بني النجار، ثم بعث مقيساً وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم فاحتمل مقيس الفهري وكان قوياً، فضرب به الأرض ورضخ رأسه بين حجرين، ثم ألفى يتغنى: قتلت به فهراً وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أظنه قد أحدث حدثاً، أما والله لئن كان فعل لا أؤمنه في حل ولا حرم، ولا سلم ولا حرب"، فقتل يوم الفتح، قال ابن جرير: "وفيه نزلت هذه الآية {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} "، الآية، [سورة النساء، من الآية: ٩٣] ، تفسير الطبري ٥/٢١٧. والحديث أورده الواحدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، في سبب نزول هذه الآية. انظر أسباب النزول للواحدي ص ١١٤. قلت: كون هذه الآية نزلت في شأن مقيس قول ضعيف. وذلك لما يأتي: ١- عطاء بن دينار الهذلي، لم يصح أنه سمع التفسير من ابن جبير، وإنما هي صحيفة رواها عنه. انظرك تهذيب التهذيب ٧/١٩٨ وتقريب التهذيب ٢/٢١ وميزان الاعتدال ٣/٦٩-٧٠. ٢- الحديث المروي عن ابن عباس فيه الكلبي وهو محمد بن السائب أبو النضر الكوفي النسابة المفسر قال عبد ابن حجر: في التقريب ٢/١٦٣ متهم بالكذب ورمي بالرفض. وفي ميزان الإعتدال ٣/٥٥٩. قال ابن معين: "الكلبي ليس بثقة"، وقال الجوزجاني وغيره: "كذاب". وقال الدارقطني وجماعة: "متروك". ثم قال الذهبي: "لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به". وفيه أبو صالح: وهو باذام مولى أم هانىء. ضعفه البخاري، وقال النسائي: "ليس بثقة"، ثم قال الذهبي: "أبو صالح يروي عن ابن عباس التفسير ولم ير ابن عباس". ميزان الاعتدال ١/٢٩٦، و٣/٥٥٩. ٣- حديث الطبري فيه عنعنة ابن جريج، وفيه انقطاع لأن عكرمة لم يحضر القصة. أما كون هشام بن صبابة قتل في غزوة بني المصطلق فهو الذي أطبق عليه المؤرخون، إلاَّ ما كان من ابن عبد البر فقد ذكر في الاستيعاب ٣/٥٩٥ أنه قتل في غزوة ذي قرد، وهو شيء ذكره بدون إسناد. وأما مقيس فكان من النفر الذين أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دماءهم يوم فتح مكة، فقتله نميلة بن عبد الله وكان من قومه. انظر أسد الغابة ٥/٣٦٣ والإصابة ٣/٥٧٤ وسيرة ابن هشام ٢/٤١٠. * وعند الواقدي: وكانت الإبل ألفي بعير، وخمسة آلاف شاة وكان السبي مائتي أهل بيت مغازي الواقدي ١/١٤٠، وطبقات ابن سعد ٢/٦٤ وشرح المواهب للزرقاني ٢/٩٧-٩٨ وزاد: وكانت الأسرى أكثر من سبعمائة. ١ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٠ و٢٩٣.
وقدم مقيس بن صبابة من مكة مسلماً فيما يظهر، فقال: يا رسول الله جئتك مسلماً وجئت أطلب دية أخي، قتل خطأ، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه هشام بن صبابة، فأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه، فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتداً وأصيب من بني المصطلق يومئذ ناس، وقتل منهم رجلين مالكاً وابنه، وقتل رجلاً من فرسانهم، يقال له: أحمر أو أحمير.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد في المسلمين، وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
والحديث أورده من هذه الطريق: خليفة بن خياط، وابن جرير الطبري، وابن كثير ١.
- ١انظر تاريخ خليفة ص٨٠، وتاريخ ابن جرير ٢/٦٠٤ والبداية والنهاية ٤/١٥٦.
وأورده أيضاً الطبراني من هذه الطريق غير أنه قال: "فأمدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم" إلى أن قال: "فهزم الله بني المصطلق وقتل الحارث بن أبي ضرار أبا جويرية..." الخ. قال الهيثمي: "رجاله ثقات" ٢. قلت: "وسبق إلى هذا القول اليعقوبي فقد صرح في تاريخه بأن والد جويرية قتل في المعركة، ولكنه أورد ذلك بدون إسناد" ٣. قلت: "وهذا وهم" .
لأن والد جويرية: معدود في الصحابة، وله حديث عند أحمد، في قدومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وإسلامه ١.
- ١انظر الاستيعاب على هامش الاصابة ١/٢٩٩ وأسد الغابة ١/٣٩٩-٤٠٠ والإصابة ١/١٨١ وانظر حديثه في المسند ٤/٢٧٩.
والحديث مداره على ابن إسحاق، وقد صرح فيه بالتحديث، ورجال الإسناد ثقات، وهم رجال الصحيح.
غير أنه مرسل. والمرسل من قسم الحديث الضعيف. وذلك يشهد له حديث : "أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية" ٥.
فإنه صريح في وجود القتل والسبي فيكون الحديث حسناً لغيره.
- *مجمع الزوائد ٦/١٤٢.
- *تاريخ اليعقوبي ٢/٥٣.
- *انظر: الحديث، ص٧٨.
وقد جمع ابن حجر بين الحديث بقوله: ويحتمل أن يكون لما دهم المسلمون بني المصطلق وهم على الماء، ثبتوا قليلاً وقاتلوا، ولكن وقعت الغلبة عليهم ١.
- ١انظر ص٨٤.
المبحث الثاني: شعار المسلمين في هذه الغزوة
كان من الخطط المألوفة في معارك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتفق مع أصحابه على شعار يقولونه في المعركة وذلك خشية الاشتباه بين أفراد المسلمين والكفار ولقد كان شعار المسلمين في هذه المعركة هو "يا منصور أمت أمت" ، وإليك النصوص الواردة في ذلك.
ورد في مجمع البحرين: حدثنا محمد ١ بن الحسين بن مكرم، ثنا يحيى بن محمد بن السكن ٢.
- ١محمد بن الحسين بن مكرم، أبو بكر البغدادي، سمع بشر بن الوليد ومحمد بن بكار الريان، وانتقل إلى البصرة فسكنها حتى مات بها، ثم نقل توثيقه عن الدارقطني. وقال فيه إبراهيم بن فهد: "ما قدم علينا البصرة من بغداد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي بكر بن مكرم، بحديث أهل البصرة خاصة ولا أعرف منه". (ت ٣٠٩) تاريخ بغداد للخطيب ٢/٢٣٣. وفي تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٧٣٥ روي عنه محمد بن مخلد وأبو القاسم الطبراني وابن عدي وابن السني، وابن المقرئ، وخلق، ثم نقل فيه قول الدارقطني وإبراهيم ابن فهد.
- ٢يحيى بن محمد بن السكن بن حبيب القرشي، البزاز، البصري، نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة (ت ٢٥٠) / خ د س. التقريب ٢/٣٥٧.
ثنا محمد ١ بن جهضم، ثنا محمد بن الحسن ٢، عن خارجة بن الحارث ٣ بن رافع بن مكيث الجهني عن أبيه ٤ قال: سمعت سنان بن وبرة ٥ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع، غزوة بني المصطلق، فكان شعارهم: "يا منصور أمت أمت" .
- ١محمد بن جهضم بن عبد الله الثقفي، أبو جعفر البصري، خراساني الأصل، صدوق من العاشرة، /خ م د س. المصدر السابق ٢/١٥١.
- ٢محمد بن الحسن الشيباني، أبو عبد الله، أحد الفقهاء/ لينه النسائي وغيره، من قبل حفظه، ويروي عن مالك بن أنس وغيره، وكان من كبار أهل العلم والفقه، قوياً في مالك، انظر: ميزان الاعتدال ٣/٥١٣.
- ٣خارجة بن الحارث بن رافع بن مكيث الجهني المدني صدوق من السابقة/ بخ د. التقريب ١/٢١٠.
- ٤الحارث بن رافع بن مكيث الجهني، مقبول من الثالثة، وله رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة/ د. التقريب ١/١٤٠، وفي تهذيب التهذيب ٢/١٤١، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وعن أبيه، وجابر، وسنان بن وبرة، وعنه ابنه خارجة وابن أخيه محمد بن خالد بن رافع. قلت: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: "لا يعرف". وقال البخاري: "الحارث بن رافع بن مكيث الجهني ثم الربعي. يعد في المدنيين، سمع جابر بن عبد الله، روى عنه ابنه خارجة"، انظر: التاريخ الكبير للبخاري ٢/٢٦٩، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١/٧٤: روى عن جابر، وعنه ابنه خارجة، سمعت أبي يقول ذلك. قال أبو محمد: "روى عنه ابن أخيه محمد بن خالد بن رافع بن مكيث".
- ٥سنان بن وبرة ويقال: ابن وبر الجهني حليف بني الحارث بن الخزرج وهو الذي تنازع مع جهجاه الغفاري على الماء وكادت تحصل فتنة بين المهاجرين والأنصار. انظر: سيرة ابن هشام ٢/٢٩٠، وأسد الغابة ٢/٤٥٩. ويقال: إنه هو الذي سمع عبد الله بن أُبيّ يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل والصحيح أن الذي سمعه هو زيد بن أرقم كما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما. انظر: سيرة بن هشام ٢/٢٩٠، وأسد الغابة ٢/٤٥٩، والإصابة ٢/٤٨.
لا يروى عن سنان إلا بهذا الإسناد، تفرد به جهضم٤٥.
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد عن سنان المذكور وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وإسناد الكبير حسن ١.
- ١٦/١٤٢.
وأورده ابن الأثير بهذا الإسناد في ترجمة سنان بن وبرة وقال: "أخرجه ابن منده وأبو نعيم في هذه الترجمة" ٧.
- *تفرد به جهضم (كذا في الأصل وفي المسند محمد بن جهضم، وقال ابن حجر: "نقلاً عن الطبراني تفرد به محمد بن جهضم".
- *مجمع البحرين في زوائد المعجمين ٢/٢٤٠، وتفرد ابن جهضم لا يضر لأنه محتج به ولا مخالف له.
- *أسد الغابة ٢/٤٦٣ و٤٥٩.
وأخرجه أبو عمر: في ترجمة سنان بن تيم ١. وقال ابن حجر في الإِصابة: "روى الطبراني من طريق خارجة بن الحارث بن رافع الجهني عن أبيه سمعت سنان بن وبرة الجهني يقول: كنا عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، وكان شعارنا يا منصور أمت. قال في الأوسط: لا يروى عن سنان إلاَّ بهذا الإِسناد، تفرد به محمد بن جهضم" ٢.
- ١المصدر السابق ٢/٤٥٩ والاستيعاب مع الإِصابة ٢/٨١.
وأورده في الفتح مقتصراً على قوله: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق" رواه الطبراني من حديث سنان بن وبرة ١.
- ١الفتح ٧/٤٣٠.
وأورده ابن هشام وغيره بدون إسناد ١.
- ١سيرة ابن هشام ٢/٢٩٤ وجوامع السيرة لابن حزم ص٢٠٥ والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر، ص٢٠٠
والحديث مداره على الحارث بن رافع بن مكيث الجهني، وقد وصفه ابن حجر بأنه (مقبول) والمقبول عنده هو: "من ليس له من الحديث إلاَّ القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإِشارة بلفظ (مقبول) حيث يتابع وإلاَّ فلين الحديث" ٥. وهنا قد جزم الطبراني بعدم وجود المتابعة، بقوله: "لا يروى عن سنان إلاَّ بهذا الإِسناد" .
والحديث: حسنه الهيثمي كما مر قريباً٦ ولعله اعتمد على توثيق ابن حبان للحارث. وهو متساهل في التوثيق، فإنه يوثق المجاهيل ١.
- ١انظر لسان الميزان لابن حجر ١/١٤ و٤٩٢، وفتح المغيث للسخاوي ١/٢٩٤، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ١/٣٢ و٣٤.
- *الإِصابة ٢/٨٤.
- *التقريب ١/٥.
- *انظر، ص١١٠.
ولعل الهيثمي أيضاً يقول بقاعدة بعض العلماء وهو تحسين حديث المستور إذا كان من التابعين كما هو مذهب ابن كثير وابن رجب ١. رحمهما الله ٢.
- ١هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب شهاب الدين صاحب كتاب (جامع العلوم والحكم) (ت ٧٩٥) انظر ذيل تذكرة الحفاظ للذهبي، ص: ١٣.
- ٢انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني المجلد الأول، الجزء الربع، ص١٠.
وعلى كل حال فالقول بما رآه الهيثمي من تحسين هذا الحديث أقرب إلى الصواب، لأن الحارث من التابعين وقد روى عن جماعة، وروى عنه ابنه وابن أخيه، وقد وثقه ابن حبان. وهي مسألة تاريخية وليست من العقائد حتى نتشدد في ذلك.
وأما قول ابن القطان ١: "بأن الحارث لا يعرف، فابن القطان من المتشددين في ذلك، ولم يوافقه الذهبي على هذه القاعدة التي مشى عليها" ٤.
- ١هو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الفاسي صاحب كتاب (الوهم والإيهام) (ت٦٢٨) تذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٧.
- *انظر: ميزان الاعتدال ١/٥٥٦ و٣/٤٢٦ وتذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٧ وانظر الرفع والتكميل في الجرح والتعديل لعبد الحي اللكنوي، ص١١٠.
المبحث الثالث: ضعف مقاومة بني المصطلق
أما كون المسلمين لم يلقوا في هذه الغزوة مقاومة شديدة على الرغم من تحشد بني المصطلق واستعدادهم الكامل للمعركة، فلعل هذا يفسر بأمرين: الأول: علم المسلمين المسبق باحتشاد هذه القبيلة للهجوم على المدينة، واستعداد المسلمين الكامل في هذه الغزوة، وأخذهم الحذر التام.
الثاني: هجوم المسلمين المبكر على هذه القبيلة قبل أن تقوم هي بالهجوم.
ومن المعلوم أن العدو إذا بوغت في عقر داره على حين غفلة، فإِنه تتحطم معنوياته وتنهار قواه، ويسهل القضاء عليه، ويصاب بالذعر والاندحار، حتى ولو كان قد أعد عدته، وجمع الجموع، كما حصل لهذه القبيلة فإِنها قد تهيأت عسكرياً وجمعت جموعها لمهاجمة المدينة المنورة، غير أن المسلمين كشفوا القضية قبل أن تقوم هذه القبيلة بالهجوم، فكان المسلمون هم المهاجمين، ولقنوا هذا العدو درساً كان عبرة له، وردعاً لأمثاله، ممن تسول لهم أنفسهم مهاجمة عاصمة الإِسلام (المدينة المنورة) .
وهذان الأمران: يفسران عدم لقاء المسلمين أية مقاومة تذكر في هذه الغزوة، إلاَّ ما يحصل عادة من مناوشات ومحاولات يائسة للدفاع عن النفس. وبه يفسر ما ذكرته كتب المغازي من وجود صدام وقتلى، لم يؤد إلى وجود خسائر في صفوف المسلمين، مما يؤيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد علم بتبييت هذا العدو الغزو له، فعاملهم بنقيض قصدهم وهجم عليهم قبل أن يهجموا عليه، وهذا يدل على ما كان عليه المسلمون - بقيادة نبيهم صلى الله عليه وسلم - من يقظة كاملة لكل تحركات الأعداء من الداخل والخارج على سواء.
المبحث الرابع: موقف جويرية بنت الحارث رضي الله عنها
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر ١ بن الزبير عن عروة ٢ ابن الزبير، عن عائشة ٣، قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له ٤، فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاَّحة ٥، لا فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو إلاَّ أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها صلى الله عليه وسلم ما رأيت، فدخلت عليه جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، سيد قومه، وقد أصابني من البلاء، ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينُك على كتابتي، قال: "فهل لك في خير من ذلك؟ " . قالت: وما هو يا رسول الله؟. قال: "أقضي عنك كتابتك وأتزوجك" ، قالت: نعم يا رسول الله، قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية ابنة الحارث بن ضرار، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة١ أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها٢.
- ١محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة، من السادسة (ت بضع عشرة ومائة) / ع. انظر التقريب ٢/١٥٠.
- ٢عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، من الثانية، (ت ٩٤) على الصحيح، ومولده في خلافة عمر الفاروق/ع المصدر السابق ٢/١٩.
- ٣عائشة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقاً، وأفضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، إلاَّ خديجة ففيها خلاف شهير (ت ٥٧) على الصحيح/ ع. المصدر السابق ٢/٦٠٦.
- ٤وفي مغازي الواقدي ١/٤١٠ وقعت في السهم لثابت بن قيس وابن عم له – بالواو المشركة – وأن ثابتاً خلصها من ابن عمه بنخلات له بالمدينة.
- ٥ملاحة: بضم الميم وتشديد اللام أي شديدة الملاحة، وهو من أبنية المبالغة، انظر غريب الحديث لابن الأثير ٤/٣٥٥. وكنّت به عائشة عن جمالها، وكانت جويرية قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت مسافع بن صفوان المصطلق ذي الشفر بن سرح بن مالك ابن جذيمة، فقتل يوم المريسيع. انظر طبقات ابن سعد ٨/١١٦، وأسد الغابة لابن الأثير ٧/٥٦، والإصابة لابن حجر ٤/٢٦٥. وعند ابن إسجاق كانت تحت ابن عم لها يقال له: ابن ذي الشفر انظر سيرة ابن إسحاق المسماة المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٤٥، والإصابة لابن حجر ٤/٢٦٦. وكانت وفاتها سنة ٥٦ المصادر السابقة. وهي التي روت حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها" قالت: نعم، يا رسول صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم، لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلمات" انظر صحيح مسلم ٨/٨٣، كتاب الذكر والدعاء وهو من رواية عبد الله بن عباس عنها. قال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة ٢/٢٧١ جويرية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت" ...الخ. قال ابن حبان في الأنواع: "هي ابنة الحارث بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم كذا قال، وإنما هي أم المؤمنين وقد رواه ابن عباس عنها". انظر الإصابة لابن حجر ٤/٢٦٧-٢٦٨ قلت: "وقد وقع في الخطأ أيضاً الدكتور وهبة الزحيلي، فقد قال بأنها: جويرية بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين، تزوجها قبله مسافع بن صفوان، وقتل يوم المريسيع وكان أبوها سيد قومه في الجاهلية". انظر آثار الحرب في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة، حاشية ص ٤٤٦. (مئة أهل بيت) قال صاحب عون المعبود: "كذا بالإضافة أي مئة طائفة كل واحدة منهن أهل بيت، ولم تقل مائة هم أهل بيت لإيهام أنهم مائة نفس كلهم أهل بيت وليس مراداً، وقد روى أنهم كانوا أكثر من سبعمائة قاله الزرقاني". عون المعبود ١٠/٤٤٤، وانظر شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٢٤٥. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٤ و٦٤٥ وانظر سيرة ابن إسحاق المسمي المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٤٥. ٣ عبد العزيز بن يحيى بن يوسف البكائي بفتح الباء وتشديد الكاف الممدودة أبو الأصبغ الحراني، صدوق ربما وهم. (ت ٢٣٥) د س، التقريب ١/٥١٣. ٤ محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي، مولاهم، الحراني ثقة (ت ١٩١) على الصحيح/ زم ٤ المصدر السابق ٢/١٦٦. ٥ محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، مولاهم، المدني، نزيل العراق إمام في المغازي، صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر، (ت ١٥٠) ويقال بعدها/ خت م ٤. التقريب ٢/١٤٤. ٦ تقدمت تراجم بقية رجال السند. ٧ سنن أبي داود ٢/٣٤٧. ٨ عون المعبود ١٠/٤٤١.
وأورده أبو داود في كتاب العتق من هذه الطريق: حدثنا عبد العزيز٣ بن يحيى أبو الأصبغ الحراني، قال حدثني محمد٤ - يعني ابن سلمة عن ابن إسحاق٥ عن محمد بن جعفر بن الزبير٦ عن ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: " المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس، أو ابن عم له، فكاتبت على نفسها، وكانت امرأة ملاحة تأخذها العين" ، الحديث ... ثم قال عقبة قال أبو داود: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه" ٧. قال صاحب عون المعبود: "قال المنذري: وفيه محمد بن إسحاق بن يسار" ، ثم قال صاحب العون: "قلت: وقد صرح بالتحديث في رواية يونس ابن بكير عنه. وأخرجه أحمد في مسنده" ٨. قلت: رواية يونس المشار إليها هي عند البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله١الحافظ وأبو بكر ١ أحمد بن الحسن القاضي، قالا ثنا أبو العباس ٢ محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار ٣، ثنا يونس بن بكير ٤ عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له. الحديث ٥.
- ١أحمد بن الحسن بن عمران بن موسى أبو بكر القاضي عن أحمد بن منصور والرمادي، وعنه أحمد بن الفرج بن الحجاج. انظر تاريخ بغداد ٤/٩٠.
- ٢هو المعروف بالأصم قال فيه الذهبي: "الإمام المفيد الثقة محدث المشرق أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم النيسابوري، حدث عن جماعة كثيرة منهم هارون بن هارون بن سليمان وأحمد بن شيبان الرملي، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي، وعنه الحاكم وابن مندة وأبو عبد الله بن الأخرم وغيرهم، قال الحاكم كان محدث عصره بلا مدافعة، وقال أيضاً حدث ٧٦ سنة، ولم يختلف في صدقه وسماعه، (ت ٣٤٦) " تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠-٨٦٤.
- ٣أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي بضم العين المهملة والطاء المخففة. أبو عمر الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له، (ت٢٧٢/ د. التقريب ١/١٩.
- ٤يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي صدوق يخطئ من التاسعة، (ت ١٩٩) / خت م د ت ز ق/ المصدر السابق ٢/٣٨٤. قلت: وقد تابعه محمد بن سلمة. كما عند أبي داود.
- ٥السنن الكبرى للبيهقي ٩/٧٤.
وهذا حديث أحمد المشار إليه فيما تقدم ١: حدثنا يعقوب ٢ قال حدثنا أبي ٣ عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عن عائشة أم المؤمنين قالت: "لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له وكاتبته على نفسها الحديث" ١...
- ١انظر، ص١١٥.
- ٢يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار التاسعة (ت ٢٠٨) / ع المصدر السابق ٢/٤.
- ٣هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني نزيل بغداد، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، من الثامنة (ت ١٨٥) / ع. المصدر السابق ١/٣٥. ١- أخبرنا محمد بن عمر٥، حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح٦، ١ مسند أحمد ٦/٢٧٧. ٢ انظر تاريخ خليفة، ص ٨٠، ومسند أبي يعلى ٤/ق ٤٥٥ أ، وتاريخ الطبري ٢/٦١٠، أسد الغابة ٧/٥٦، والبداية والنهاية ٤/١٥٩، والإصابة ٤/٢٦٥. ٣ فتح الباري ٤/٣٢. ٤ دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي ص ٨٢. ٥ محمد بن عمر هو الواقدي. ٦ عبد الله بن أبي نجيح، يسار، أبو يسار، الثقفي، مولاهم، ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة (ت ١٣١) أو بعدها/ ع. التقريب ١/٤٥٦.
- *هو الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري صاحب المستدرك، (ت٤٠٥) .
ورواه أيضاً خليفة بن خياط، وأبو يعلى الموصلي، وابن جرير الطبري، وابن الأثير، وابن كثير وابن حجر، جميعهم من طريق ابن إسحاق٢.
وعلى هذا فالحديث بجميع طرقه يدور على ابن إسحاق.
وقد صرح بالتحديث عند البيهقي وأحمد والسيرة الهشامية، وكذا عند ابن كثير وابن حجر. فأمن تدليسه. قال ابن حجر: "ابن إسحاق حسن الحديث إلاَّ أنه لا يحتج به إذا خولف" ٣. وقال الألباني: "الذي استقر عليه رأي العلماء المحققين أن حديث ابن إسحاق في مرتبة الحسن بشرطين: أن يصرح بالتحديث وأن لا يخالف من هو أوثق منه"٤.
وبهذا التقرير يكون الحديث حسناً لذاته، وهو ظاهر في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدى عن جويرية كتابتها وكان ذلك صداقاً لها.
وقد ورد عند ابن سعد ما يخالف هذا وهو: عن مجاهد ١، قال: قالت جويرية: يا رسول الله إن نساءك يفخرن علي، يقلن لم يتزوجك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألم أعظم صداقك، ألم أعتق أربعين من قومك" ٢.
- ١مجاهد بن جبر أبو الحجاج، المخزومي، مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، (ت ١٠٢أو ١٠٤) / ع. التقريب ٢/٢٢٩.
والحديث عند الحاكم من هذه الطريق وليس فيه الواقدي ١: ٢- أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله بن نمير والفضل بن دكين عن زكريا ٢ عن عامر ٣ قال: أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث، وجعل صداقها عتق كل مملوك من بني المصطلق، وكانت من ملك يمين النبي صلى الله عليه وسلم ٤.
- ١المستدرك ٤/٢٥.
- ٢زكرياء بن أبي زائدة خالد، ويقال هبيرة بن ميمون بن فيروز، الهمداني، الوادعي، أبو يحيى الكوفي، ثقة، وكان يدلس، من السادسة، (ت ١٤٧أو ١٤٨أو ١٤٩) /ع. التقريب ١/٢٦١.
- ٣هو ابن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، ثقة، مشهور، فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: "ما رأيت أفقه منه"، (ت بعد المائة) / ع. المصدر السابق ١/٣٨٧.
- ٤طبقات ابن سعد ٨/١١٨.
والحديثان ضعيفان ففي الحديث الأول عنعنة ابن أبي نجيح ١.
- ١وضعه ابن حجر في الطبقة الثالثة من أقسام الموصوفين بالتدليس وهي الطبقة التي لا يحتج الأئمة من أحاديثهم إلاَّ بما صرحوا فيه بالسماع، وقال: "أكثر عن مجاهد وكان يدلس عنه. وصفه بذلك النسائي".انظر ص٢٨من طبقات المدلسين لابن حجر.
وفي الحديث الثاني علتان: الأولى: عنعنة زكرياء بن أبي زائدة ١.
- ١وخاصة عن الشعبي فقد قال فيه أبو زرعة: "زكرياء صويلح يدلس كثيراً عن الشعبي". وكذلك وصفه بذلك أبو حاتم، وفي التقريب قال عنه ابن حجر: ثقة وكان يدلس. انظر تهذيب التهذيب ٣/٣٣٠. والتقريب ١/٢٦١.
والثانية: الإرسال ١.
- ١والمرسل ضعيف عند جمهور المحدثين، قال ابن أبي حاتم: سمعت ((أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلاَّ بالأسانيد الصحاح المتصلة. انظر كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، ص ١٣. وانظر ص ٨٥-٨٦ من هذه الرسالة.
- *طبقات ابن سعد ٨/١١٧.
المبحث الخامس: إسلام الحارث بن أبي ضرار
بعد أن ساق ابن هشام حديث ابن إسحاق من طريق عائشة المصرح بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدى عن جويرية كتابتها وتزوجها ١.
- ١انظر: الحديث، ص.
عقب قوله: قال ابن هشام: ويقال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث، وكان بذات الجيش ١ دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة، وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار، بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا محمد؟ أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، فوالله ما أطلع على ذلك إلاَّ الله"، فأسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما، فدفع الإبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت وحسن إسلامها، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أبيها، فزوجه إياها وأصدقها أربع مئة درهم ٢.
- ١ذات الجيش: من المدينة على بريد من جهة مكة، وبينها وبين العقيق سبعة أميال، ومعجم ما استعجم للبكري ٢/٤٠٩-٤١٠. وعلى هذا تكون المسافة بين ذات الجيش والمدينة ٢٠ كيلو متراً لأن البريد أربع فراسخ والفرسخ يساوي خمس كيلومترات.
- ٢سيرة ابن هشام ٢/٢٩٥ و ٢/٦٤٥-٦٤٦، وزاد: ويقال: اشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثابت بن قيس، فأعتقها وتزوجها وأصدقها أربع مئة درهم.
وأكد السهيلي نسبة هذا القول إلى ابن هشام ١. قلت: هذا لا يقاوم حديث عائشة. لأنه لا إسناد له، وقد صدر (بيقال) الدالة على الضعف.
- ١الروض الأنف، ٦/٧٠٦-٧/٥٣٧.
فرد عليه الألباني بقوله: "هذا غير صحيح، وقد أشار لذلك ابن هشام في سيرته، فإنه ذكر هذه الرواية بدون إسناد، وصدرها بقوله: (ويقال) " ثم قال الألباني أيضاً: "والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قضى عنها كتابتها وتزوجها دون أن يخطبها من أبيها، فإنها كانت أسيرة، كما رواه ابن إسحاق بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها، ومن طريقة أخرجه أحمد وابن هشام، وفي حديثهما (إطلاق الأسرى) " ٢ انتهى قلت: وأخرجه من هذه الطريقة أبو داود أيضاً كما تقدم ١. وقال عقبة: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه" .
- ١انظر، ص.
وهذا يرد ما ذكره ابن هشام من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها من أبيها وتزوجها وأصدقها أربع مئة درهم، على أنه قد نسب ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر لابن إسحاق نحو ما ذكر ابن هشام، وليس فيه ذكر الزواج بعد قدوم الحارث إلى المدينة.
وهذا نصه: قال ابن إسحاق: "تزوج النبي صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وكانت في سبايا بني المصطلق من خزاعة، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس، وذكر الخبر، وفيه: " فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار لفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين البعيران اللذان غيبت بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: " الله وأنك رسول الله، فوالله ما أطلع على ذلك إلا الله"، فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان وناس من قومه ١.
- ١الاستيعاب ١/٢٩٩، مع الإصابة وأسد الغابة ١/٤٠٠، والإصابة ١/٢٨١، وهذه الرواية لم أجدها في سيرة ابن هشام.
- *فقه السيرة للغزالي، ص ٣٠٨ وانظر الحديث، ص ١١٣.
ولفظ ابن حجر: "ذكر ابن إسحاق في المغازي أن الحارث بن أبي ضرار، ولد جويرة، جاء إلى المدينة ومعه فداء ابنته بعد أن أسرت وتزوجها رسول بي ضرار والد جويرية جاء إلى المدينة، ومعه فداء ابنته بعد أن أسرت وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، ثم ساق القصة ١.
- ١الإصابة ١/٢٨١.
فهذا يدل دلالة واضحة أن الحارث لم يكن موجوداً وقت العقد وأن قدومه إلى المدينة كان بعد زواج جويرية، وهذا هو ما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها.
وقد تقدم قول أبي داود عقب حديث عائشة: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه" ٢.
فهذا مما يؤكد لنا سقوط هذه القصة التي ذكرها ابن هشام بصيغة التمريض محذوفة السند.
والصحيح في هذا أن مجيء الحارث كان سبباً في إسلامه، ولا يبعد أنه طلب ابنته كما دل عليه حديث ابن إسحاق، ولكنه لم يمكن من ذلك ١.
- ١هذا الحديث نسبه إلى ابن إسحاق كل من عبد البر وابن الأثير وابن حجر، وانظر ص.
وقد ورد ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبيها: اذهب إليها فخيرها، فإن أرادت أن تذهب معك فخذها، فهذا لا يستبعد لعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لا تختار عليه أحداً، وأن ذلك يكون أدعى لتمكن الحارث من الإسلام، لما فيه من حسن المعاملة ومما دل على هذا ما رواه ابن سعد وغيره من مرسل أبي قلابة، أخبرنا الرقي ١ قال: حدثنا عبيد الله ٢ بن عمرو عن أيوب ٣ عن أبي قلابة ٤: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سبى جويرية بنت الحارث فجاء أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فأنا أكرم من ذلك فخل سبيلها، قال: " أرأيت إن خيرناها أليس قد أحسنا؟ ". قال: بلى وأديت ما عليك، قال: فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا، فقالت: فإني قد اخترت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قد والله فضحتنا ٥.
- ١عبد الله بن جعفر بن غيلان بالمعجمة. الرقي: بفتح الراء وتشديد القاف. أبو عبد الرحمن القرشي، مولاهم، ثقة لكنه تغير بآخره، فلم يفحش اختلاطه من العاشرة (ت ٢٢٠) ، ع: التقريب ١/٤٠٦.
- ٢عبيد الله بن عمرو بن الوليد الرقي أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه ربما وهم من الثامنة (ت ٢٢٠) ، ع: المصدر السابق ١/٥٣٧، وقد وقع بأنه من الثالثة وأنه عبيد الله بن عمر، وهو خطأ.
- ٣أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني بفتح المهملة بعدها معجمة، ثم مثناة ثم تحتنية وبعد الألف نون أبو بكر البصري. ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، (ت ١٣١) ، ع: المصدر السابق ١/٨٩.
- ٤هو عبد الله بن زيد بن عمر أو عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، ثقة فاضل، كثير الإرسال قال العجلي: فيه نصب يسير، من الثالثة (ت ١٠٤) ، بالشام هارباً من القضاء، ع: المصدر السابق ١/١٧.
- ٥طبقات ابن سعد الكبرى ٨/١١٨.
- *انظر: الحديث، ص ١١٥. وانظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٠/٤٤٥. باب بيع المكاتب.
وأخرجه خليفة: قال أخبرنا عبد الوهاب ١ بن عبد المجيد، قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبى جويرية بنت الحارث فجاء أبوها فقال: "إن ابنتي لا تسبى" الحديث ٢.
- ١عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي، أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة (ت ١٩٤) ، ع: التقريب ١/٥٢٨.
- ٢تاريخ الخليفة بن خياط، ص ٨٠.
وأورده ابن حجر في التهذيب من طريق ابن سعد في ترجمة جويرية، وقال: هذا مرسل صحيح الإسناد ١.
- ١تهذيب التهذيب، ١٢/٤٠٧.
وأورده في الإصابة دون أن ينسبه إلى ابن سعد وصحح إسناده أيضاً، ونصه: عن أبي قلابة قال: سبى النبي صلى الله عليه وسلم جويرية – يعني وتزوجها - فجاء أبوها فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فخل سبيلها، فقال: "أرأيت إن خيرتها أليس قد أحسنت؟ " قال: بلى، فأتاها أبوها فذكر لها ذلك، فقالت: اخترت الله ورسوله. ثم قال: وسنده صحيح ١. قلت: الظاهر في هذا الباب هو ما أفاده حديث عائشة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدى عن جويرية كتابتها وتزوجها وهو صريح في ذلك، مع أن ما نسب لابن إسحاق، وكذا مرسل أبي قلابة، ليسا نصاً في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى الحارث ابنته ثم تزوجها منه بعد ذلك وإنما فيه مجرد مجيء الحارث يطلب فداء ابنته، وأمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم بتخييرها.
- ١الإصابة، ٤/٢٦٥.
ولسنا بحاجة إلى تلمس التوفيق بين حديث ساقط لا إسناد له. وحديث عائشة الصحيح، ومن هنا يتحتم القول بما في حديث عائشة لثبوته ولا ينظر إلى ما عداه من الروايات الضعيفة.
وخلاصة القول أن هذه الآثار تدل بمجموعها على قدوم الحارث بعد الوقعة. وكان ذلك سبباً في إسلامه، وهو ما دل عليه الحديث الآتي عند أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن سابق ١،ثنا عيسى ٢ بن دينار، ثنا أبي ٣ أنه سمع الحارث ٤ بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه ٥، وأقررت به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، رسولاً لأبان ٦ كذا وكذا، ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبَّان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول، فلم يأته فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة ٧ من الله عز وجل ورسوله، فدعا سروات ٨ قومه فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف، ولا سخطة كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحارث ليقبض ما كان عنده، مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق، فرق ٩ فرجع فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله إن الحارث منعني من الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه فلما غشيهم ١٠، قال لهم: إلى من بعثتم، قالوا إليك، قال، ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة ١١ ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخشيت أن تكون كانت سخطة من الله عز وجل، ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: ﴿ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ". [سورة الحجرات، الآيات ٦-٨] ٣.
- ١محمد بن سابق التميمي، أبو جعفر أو أبو سعيد البزاز، الكوفي، نزيل بغداد، صدوق، من كبارالعاشرة (ت٢١٣وقيل٢١٤) ، خ م د ت س. التقريب٢/١٦٣.
- ٢عيسى بن دينار الخزاعي مولاهم، أبو علي الكوفي، المؤذن، ثقة من السابعة، بخ دت. المصدر السابق ٢/٩٨.
- ٣هو دينار الكوفي والد عيسى، مقبول من الثالثة/ عخ دت، المصدر السابق ١/٢٣٧، وفي تهذيب الكمال٢/١٩٩ ق، وتهذيب التهذيب٣/٢١٧. روى عن مولاه عمرو ابن الحارث بن أبي ضرار، وعنه ابنه عيسى بن دينار، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/٤٣٤. روى عن مولاه عمرو بن الحارث، والحارث بن أبي ضرار الخزاعي، وعنه ابنه عيسى. ويلاحظ أن المزي وابن حجر لم يذكرا أن ديناراً روى عن الحارث مع أنه موجود في هذا الحديث وتنبه لذلك ابن أبي حاتم.
- ٤قال ابن حجر: "الحارث بن ضرار ويقال بن أبي ضرار الخزاعي، فرق ابن عبد البر بينه وبين والد جويرية. وجزم ابن فتحون وغيره بأن والد جويرية غير صاحب القصة والحديث، ولم يصنعوا شيئاً. والصواب أنه شخص واحد". الإصابة ١/٣٨٧. باب غلط من غلط في الصحابة. وقال الساعاتي: "الحارث بن ضرار: جاء في الإصابة وفي كتب الرجال أن اسمه الحارث بن أبي ضرار، وذكره ابن كثير في تفسيره فقال: الحارث بن ضرار بن أبي ضرار ملك بني المصطلق ووالد جويرية أم المؤمنين". ثم قال الساعاتي: "والظاهر أن اسم والده ضرار، ولكنه اشتهر باسم جده، كما قال سعد بن مالك بن أبي وقاص، فإنه اشتهر باسم جده، فقيل: سعد بن أبي وقاص، والله أعلم" اهـ. الفتح الرباني في ترتيب مسند أحمد ١٨/٢٨٢.
- ٥كان سبب إسلامه ما رواه ابن إسحاق من قصة مجيئه لفداء ابنته وتغييب البعيرين قاله الساعاتي في ترتيب مسند أحمد ١٨/٢٨٢. وقد تقدم الحديث المشار إليه ص ١٢٠.
- ٦إبان كذا بكسر الهمزة وتشديد الموحدة، أي وقت كذا، والمراد وقت حصول الثمرة.
- ٧سخطة: أي عدم الرضا علينا. غريب الحديث لابن الأثير ٢/٣٥٠
- ٨سروات قومه: أي أشرافهم. المصدر السابق ٢/٣٦٣
- ٩الفرق بالتحريك: الخوف والفزع. المصدر السابق ٣/٤٣٨.
- ١٠غشيهم: اختلط بهم.
- ١١ما رأيته بتة: أي أصلا.
ورواه من هذه الطريق ابن الأثير في ترجمة الحارث وقال: أخرجه الثلاثة ١، إلا أن أبا عمر قال: الحارث ابن ضرار، وقيل: ابن أبي ضرار، وقال: أخشى أن يكونا اثنين والله أعلم ٢. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني، إلا أن الطبراني قال: الحارث بن سرار ٣، وبدل (ضرار) ثم قال الهيثمي: "ورجال أحمد ثقات"٧. وقال ابن كثير: "ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية ٤ نزلت في بن أبي معيط حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق وقد روى ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ملك بني المصطلق وهو الحارث بن أبي ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها، ثم ساق الحديث بإسناد أحمد" . ثم قال عقبه: "ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار، عن محمد بن سابق به. ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به، غير أنه سماه الحارث بن سرار والصواب الحارث بن ضرار" ٢.
- ١المراد بالثلاثة عم: ابن منده وأبو نعيم، وأبو عمر ابن عبد البر كما بين ذلك ابن الأثير في مقدمة كتابه ١/١١ من أسد الغابة.
- ٢أسد الغابة ١/٣٩٩ والاستيعاب لابن عبد البر ١/٢٩٩-٣٠٠ مع الإصابة.
- ٣أورده ابن حجر في الإصابة١/٣٨٦.في القسم الرابع من الحرف الحاء، ((فيمن ذكر في الصحابة ولا صحبة له، ولا إدراك وبيان غلط من غلط فيه)) فقال الحارث ابن سرار الخزاعي كذا وقع عند الطبراني، والصواب: "الحارث بن أبي ضرار".
- ٤هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} ، [سورة الحجرات، من الآية:٦] .
- *مسند أحمد، ٤/٢٧٩.
- *مجمع الزوائد، ٧/١٠٨.
وأورده ابن حجر في الإصابة مقتصراً على ما يأتي: وروى أحمد والطبراني ومطين ١ وابن سكن ٢ وابن مروديه ٣ من طريق عيسى بن دينار المؤذن عن أبيه أنه سمع الحارث ابن أبي ضرار يقول الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه، فذكر حديثاً طويلاً فيه قصة إذ جاء إليه مصدقاً ونزول قوله تعالى: ﴿ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . [سورة الحجرات، الآية: ٦] ٦. وقال السيوطي: "أخرج أحمد وابن حاتم والطبراني وابن منده ٤ وابن مردويه بسند عن الحارث بن ضرار ٥ الخزاعي قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ودعاني إلى الزكاة الحديث "٣. وفي لباب النقول قال: " وحديث أحمد رجال إسناده ثقات "٤.
- ١مطين: بضم الميم وفتح الطاء المهملة بعدها تحتية مشددة مفتوحة: هو الحافظ الكبير أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الكوفي، سمع أحمد بن يونس ويحيى الحماني، وعنه أبو القاسم الطبراني وأبو بكر الإسماعيلي، كان من أوعية العلم. ولد ٢٠٢ وتوفي ٢٩٧. صنف المسند وغير ذلك وله تاريخ صغير. تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٦٦٢.
- ٢ابن السكن: هو الحافظ الحجة أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن البغدادي نزيل مصر. سمع أبا القاسم البغوي ومحمد بن يوسف الفربري، وعنه ابن منده وعبد الغني بن سعيد ولد ٢٩٤ وتوفي ٣٥٣. المصدر السابق ٣/٩٣٧.
- ٣هو الحافظ الثبت العلامة أبو بكر أحمد بن موسى بن مروديه الأصبهاني، صاحب التفسير والتاريخ وغير ذلك، سمع أحمد بن عيسى الخفاف وأحمد بن محمد بن عاصم الكراني، وعنه أبو القاسم عبد الرحمن بن منده وأخوه عبد الوهاب. ولد ٣٢٣، وتوفي ٤١٠، المصدر السابق ٣/١٥٠.
- ٤هو الحافظ الإمام الرحال أبو عبد الله محمد بن يحي بن منده بن إبراهيم بن الوليد الأصبهاني، عن إسماعيل بن موسى الفزاري السدي وأبي كريب محمد بن العلاء وعنه أبو القاسم الطبرني وأبو الشيخ توفي في رجب سنة (٣٠١) تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٧٤١.
- ٥صوابه أبي ضرار كما تقدم، ص ١٢٤.
- *تفسير ابن كثير ٤/٢٠٨-٢٠٩.
- *الإصابة ١/٢٨١.
الحكم على الحديث: قال الهيثمي: "بأن رجال أحمد ثقات ".
ووصفه السيوطي: "بأنه بسند جيد، وبأن رجال إسناد أحمد ثقات".
ولكن الحديث بجميع طرقه يدور على دينار الكوفي ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان وهو متساهل في التوثيق ولذا فإن ابن حجر لم يعتبر توثيقه لدينار المذكور، ووصفه بأنه (مقبول) .
(والمقبول) عنده هو من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ (مقبول) حيث يتابع، وإلا فلين الحديث ١. ولعل الهيثمي اعتمد على توثيق ابن حبان، وتابعه السيوطي على ذلك.
- ١انظر: تقريب التهذيب ١/٥.
والظاهر أن الحديث حسن لغيره للشواهده المتقدمة ١ عن ابن إسحاق وكذا مرسل أبي قلابة عند ابن سعد وغيره في قدوم الحارث إلى المدينة لفداء ابنته وإسلامه. ويشهد له أيضاً ما يأتي من الأحاديث الواردة في بعث إلى بني المصطلق لجبي الزكاة وقدوم وفد بني المصطلق بعده ٢.
- ١انظر: ص ١٢٠-٢٠٢.
- ٢انظر: ص١٣٠.
- *الدر المنثور ٦/٨٧.
- *لباب النقول في أسباب النزول، ص ٢٠١-٢٠٢.
وقد حسن المباركفوري حديثاً فيه دينار الكوفي وهو ما رواه أبو داود والترمذي في كتاب الصوم باب الشهر يكون تسعاً وعشرين من طريق عيسى بن دينار عن أبيه عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود ١. قال المباركفوري: سكت عليه أبو داود والمنذري وابن حجر، ثم قال: "والظاهر أن حديث ابن مسعود حسن" .انتهى ٢.
- ١انظر سنن أبي داود ١/٥٤٢ والترمذي ٢/٩٨.
- ٢تحفة الأحوذي، شرح الترمذي ٣/٣٧١.
وقد تتبعت رجال الحديث فوجدتهم ثقات ما عدا ديناراً الكوفي. وبهذا التقرير يكون الحديث على أقل تقدير حسناً لغير.
وهو نص في أن الحارث بن أبي ضرار لم يعلم بقدوم إليه، وأن الجيش الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد رجوع الوليد، لم يصل إلى ديار بني المصطلق، وإنما وجده الحارث خارجاً من المدينة فلما علم وجهتهم حلف أن الوليد لم يصل إليه ثم رجع الجيش والحارث جميعاً إلى المدينة وهذا يرد على ما رواه ابن جرير الطبري: حدثنا بشر ١ قال حدثنا يزيد ٢ قال ثنا سعيد ٣ عن قتادة ٤ في تفسير قوله تعالى: ﴿ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، الآية قال: "هو الوليد بن عقبة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقاً٧ فلما أبصروه وأقبلوا نحوه هابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى آتاهم ليلاً، فبعث عيونه، فلما جاؤوا أخبروا خالد أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا آذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر فأنزل الله عز وجل، ما تسمعون ٥، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: "التبين من الله، والعجلة من الشيطان" ٢.
- ١بشر بن معاذ العقدي أبو سهل البصري الضرير، صدوق من العاشرة. (ت بضع وأربعين ومائتين) ، ت، س، ق. التقريب ١/١٠١.
- ٢يزيد بن زريع: بتقديم الزاي مصغراً، البصري أبو معاوية، ثقة ثبت، من الثامنة (ت ١٨٢) . ع: المصدر السابق ٢/٣٦٤.
- ٣سعيد بن أبي عروبة: بفتح مهملة وضم راء خفيفة وبموحدة، مهران: اليشكري بفتح تحتية وشين معجمة وضم كاف. مولاهم أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة من السادسة، (ت ١٥٦ وقيل ١٥٧) ، ع: المصدر السابق ١/٣٠٢.
- ٤قتادة بن دعامة: بكسر المهملة وخفة عين مهملة ابن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة يقال ولد أكمه، وهو رأس الطبقة الرابعة، (ت بضع عشرة ومائة) ، ع: المصدر السابق ٢/١٢٣.
- ٥يريد قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} .
- *مصدقاً أي جابياً للزكاة.
والحديث مرسل.
ذكر الصابوني في روائع البيان نقلاً عن الفخر الرازي قوله: "ما ذكره المفسرون من أن هذه الآيات نزلت في () حين بعث إلى بني المصطلق الخ إن كان مرادهم أن الآية نزلت عامة لبيان وجوب التثبيت من خبر الفاسق، وأنها نزلت في ذلك الحين الذي وقعت فيه حادثة الوليد فهذا جيد، وإن كان غرضهم أنها نزلت لهذه الحادثة بالذات فهو ضعيف، لأن الوليد لم يتقصد الإساءة إليهم، وحديث أحمد يدل على أن الوليد خاف وفرق حين رأى جماعة الحارث - وقد خرجت في انتظاره - فظنها خرجت لحربه فرجع وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أخبره ظنًا منه أنهم خرجوا لقتاله، إلى أن قال: ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ (الفسق) على الوليد شيء بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقًا ١، وختم ابن حجر ترجمته بقوله: والرجل قد ثبتت صحبته وله ذنوب أمرها إلى الله تعالى والصواب السكوت والله أعلم ٢.
- ١روائع البيان تفسير آيات الأحكام ٢/٤٧٦.
- ٢تهذيب التهذيب١١/١٤٢-١٤٤.
- *تفسير الطبري، ٢٦/١٢٤.
المبحث السادس: إسلام بني المصطلق وأداؤهم الزكاة
١- مرَّ بنا في هذا حديث أحمد في قدوم الحارث بن أبي ضرار إلى المدينة متبرئًا مما نسبه إليه من منع الزكاة وإرادتهم قتله ١.
- ١تقدم الحديث، ص ١٢٣.
٢- ما رواه ابن إسحاق: حدثني يزيد ١ بن رومان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم الوليد ٢ بن عقبة أبي معيط، فلمَّا سمعوا به، ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يغزوهم، فبينا هم على ذلك، قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعًا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا خرجنا إليه لنقتله، ووالله ما جئنا لذلك، فأنزل الله تعالى فيه وفيهم ﴿ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ ، [سورة الحجرات، من الآيات: ٦-٨] ، إلى آخر الآية ٣.
- ١يزيد بن رومان المدني، مولى آل الزبير، ثقة، من الخامسة، (ت١٣٠) ، وروايته عن أبي هريرة مرسلة. ع، التقريب ٢/٣٦٤.
- ٢الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية القرشي، الأموي، أخو عثمان بن عفان لأمه، له صحبة، وعاش إلى خلافة معاوية، د. المصدر السابق ٢/٣٣٤.
- ٣سيرة ابن هشام ٢/٢٩٦.
والحديث مرسل.
وأورده الطبري من هذه الطريق في تفسيره ١.
- ١٢٦/١٢٤-١٢٥.
كما أورده أيضاً من طرق أخرى غير طريق ابن إسحاق، منها: ١- من حديث أم سلمة، وهذا نصه: حدثنا أبو كريب ١ قال: ثنا جعفر بن عون ٢ عن موسى ٣ بن عبيدة، عن ثابت ٤ مولى أم سلمة، عن أم سلمة ٥ قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً في صدقات بني المصطلق، بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظّمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، قال فبلغ القوم رجوعه، قال: فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلاً مصدقاً، فسررنا بذلك، وقرّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون غضباً من الله ورسوله، فلم يزالوا يكلّمونه حتى جاء بلال، وأذّن العصر، قال: ونزلت: ﴿ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] ٦.
- ١هو محمد بن العلاء بن كريب مصغراً، الهمداني، الكوفي، ثقة حافظ، مشهور بكنيته من العاشرة، (ت١٤٧ هـ) ، ع: التقريب ٢/١٩٧.
- ٢جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث، بمهملتين، ثم تحتانية بعدها مثلثة. مصغراً، المخزومي، صدوق، من التاسعة، (ت٢٠٦) وقيل: ٢٠٧، ع: المصدر السابق ١/١٣١.
- ٣موسى بن عبيدة. مصغراً، ابن نشيط: بفتح النون وكسر المعجمة، بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة، الربذي: بفتح الراء والموحّدة، ثم معجمة، أبو عبد العزيز، ضعيف، ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابداً، من صغار السادسة، (ت ١٥٣ هـ) تق: المصدر السابق ٢/٢٨٦.
- ٤ثابت مولى أم سلمة: روى عن أم سلمة، وعنه موعس بن عبيدة الربذي. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١/٤٦١.
- ٥أم سلمة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن المغيرة بن المخزوم المخزومية أم المؤمنين تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أبي سلمة سنة أربع وقيل سنة ثلاث من الهجرة، وعاشت بعد ذلك ستين سنة. (ت ٦٢ هـ) على الأصح/ ع: التقريب ٢/٦١.
٢- من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وهذا نصه: حدثني محمد ١ بن سعد، قال: ثني أبي ٢، قال: ثني عمي ٣ قال: ثني أبي ٤، عن أبيه ٥، عن ابن عباس: في قوله: ﴿ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بن أبي معيط، ثم أحد بني عمرو بن أمية، ثم أحد بني معيط إلى بني المصطلق، ليأخذ منهم الصدقات، وأنه أتاهم الخبر فرحوا، وخرجوا ليتلقّوا رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه، رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة. الحديث ٦ ...
- ١هو ابن عطية العوفي. ميزان الاعتدال ٣/٥٦٠.
- ٢هو سعد بن محمد بن الحسن بن عطية. لسان الميزان لابن حجر ٣/١٨.
- ٣هو الحسين بن الحسن بن عطية. ميزان الاعتدال ١/٥٣٢.
- ٤هو الحسن بن عطية. المصدر السابق ١/٥٠٣. والتقريب ١/١٦٨.
- ٥هو عطية بن سعد بن جنادة العوفي، المصدريين السابقين ٣/٧٩و٢/٢٤. وانظر الحديث في السنن الكبرى للبيهقي ٩/٥٤، ولم أترجم لهؤلاء لأن كل واحد منهم لا يخلو عن ضعف وإنما عرفت بهم لأنهم وردوا في السند مثل الرموز فذكرت ذلك توضيحاً لهم.
- ٦تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٤.
- *تفسير الطبري ٢٦/١٢٣.
حدثنا محمد ١ بن بشار، قال ثنا عبد الرحمن ٢، قال: ثنا سفيان ٣ عن هلال الوزان ٤ عن ابن أبي ليلى ٥، في قوله: ﴿ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: نزلت في بن أبي معيط ٦.
- ١محمد بن بشار بن عثمان العبدي، البصري، أبو بكر، بندار: بضم الموحدة وسكون النون. ثقة، من العاشرة، (٢٥٢هـ ع: التقريب ٢/١٤٧.
- ٢عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة، ثبت حافظ، عارف بالرجال والحديث. قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه. من التاسعة، (ت ١٩٨هـ، ع: المصدر السابق ١/٤٩٩.
- ٣سفيان هنا: هو ابن عينية لأن هلالا الوزان لم يذكر في تلاميذه غير ابن عينية (انظر: تهذيب التهذيب ١١/٧٧، والتاريخ الكبير للبخاري ٨/٢٠٧، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٩/٧٥) .
- ٤هلال بن أبي حميد أو ابن مقلاص: بكسر الميم وسكون القاف. أو ابن عبد الله الجهني، مولاهم، أبو الجهم، ويقال غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفي الوزان الكوفي، ثقة، من السادسة، / خ، م،د، ت،س. التقريب ٢/٣٢٣.
- ٥هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، المدني، ثم الكوفي، ثقة، من الثانية. اختلف في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم، سنة ٨٦هـ/ع. المصدر السابق ١/٤٩٦. وكانت وقعة الجماجم بين ابن الأشعث ومعه أهل العراق، وبين الحجاج ومعه أهل الشام، وكانت في عهد عبد الملك بن مروان، وكانت سنة ٨٢هـ، ودامت أكثر من سنة. البداية والنهاية ٩/٤٠.
- ٦تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٤.
حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، في قوله، تعالى: ﴿ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: هو ابن أبي معيط ، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مصدّقاً إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام. الحديث ١. وقد تقدّم ٢.
- ١وذكر ابن سعد أنه بعد أن قدم وفد بني المصطلق ونزلت الآية بتكذيب الوليد، وتصديقهم، يعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، معهم عباد بن بشر، يأخذ صدقاتهم، ويعلّمهم شرائع الإسلام، فأقام عندهم عشراً، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، راضياً. انظر طبقات ابن سعد ٢/١٦١-١٦٢.
- ٢تقدم الحديث مع تراجم رجاله، ص ١٢٨.
هذه الأحاديث الواردة في إرسال إلى بني المصطلق مصدقاً، ونزول الآية المذكورة من سورة الحجرات، لا يخلو كل حديث منها عن ضعف وذلك لما يأتي: أ- حديث أم سلمة فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، وفيه ثابت مولى أم سلمة وهو مجهول، لأنني لم أجد من ترجم له غير ابن أبي حاتم، ولم يزد في ترجمته على قوله: روى عن أم سلمة وروى عنه موسى بن عبيدة الربذي.
ب- وحديث ابن عباس مسلسل بالضعفاء.
ج- والأحاديث الباقية مراسيل، وعلى هذا فهذه الأحاديث لا يسلم واحد منها عن قدح، غير أن اختلاف مخرج المرسل يدل على أن للحديث أصلاً، فإذا انضم بعضها إلى بعض تقّوت وارتقت إلى درجة الحسن لغيره.
وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الصلاح في مقدمته بقوله: ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه من وجه آخر ١.
- ١مقدّمة ابن صلاح، ص ٧٣. مع (التقييد والإيضاح) .
وهنا قد وجد هذا الشرط الذي أوضحه ابن الصلاح، إذ أن ابن إسحاق أورده من مرسل يزيد بن رومان. وأورده ابن جرير الطبري من مرسل ابن أبي ليلى، وقتادة ومجاهد ١. وقال ابن كثير: "ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضّحاك ٢ ومقاتل ٣ بن حيان وغيرهم، في هذه الآية، أنها نزلت في " ٥.
- ١تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٥.
- ٢الضّحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم، أبو محمد الخراساني، صدوق كثير الإرسال، من الخامسة، (ت بعد المائة) / عم التقريب ١/٣٧٣.
- ٣مقاتل بن حيان النبطي، بفتح النون الموحدة، أبو سطام، الخزاز منقوطتين، صدوق فاضل، من السادسة / م عم التقريب ٢/٢٧٢.
فهذا الحديث قد ورد من ثلاثة طرق مرفوعة، وهي حديث أحمد في قدوم الحارث ابن أبي ضرار المدينة، وإسلامه، وحديث أم سلمة وابن عباس.
- *تفسير ابن كثير ٤/٢٠٨-٢١٠.
كما ورد من خمس طرق مرسلة. ولذلك قال الشوكاني: بعد إيراده حديث أحمد في قدوم الحارث المدينة، "قال ابن كثير: هذا من أحسن ما روي في سبب نزول هذه الآية" . ثم قال الشوكاني: "وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أن سبب نزول هذه الآية. ، وأنه المراد بها، وإن اختلفت القصص" ١ قلت: ويؤيد ما تقدّم، ما ذكر ابن عبد البر من اتفاق العلماء بالتأويل على أن هذه الآية نزلت في الوليد ١.
- ١انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٦٣٢. (مع الإصابة) وأسد الغابة ٥/٤٥١ لابن الأثير. وتهذيب التهذيب ١١/١٤٣. والإصابة لابن حجر ٣/٦٣٧، وأضواء البيان لمحمد الأمين الشنقطي ٧/٦٢٦. وروائع البيان، تفسير آيات الأحكام للصابوني ٢/٤٧٥-٤٧٦.
وبهذا نكون قد انتهينا إلى أن الحديث لا يقل عن درجة الحسن لغيره.
- *فتح القدير ٥/٦٠-٦٢.
المبحث الثامن: موقف بني المصطلق بعد الغزوة
لقد صار بنو المصطلق بعد الغزوة دعاة إلى الله عز وجل، منضمّين تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبحوا محل عناية واحترام بين المؤمنين، إذ كان زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم رفعة لهم، وإعلاء لشأنهم، ومنزلتهم، فكان لهذه المصاهرة، أثرها الفعّال في نفوس المسلمين، حتى أطلق المسلمون ما بأيديهم من أسرى بني المصطلق، وكبر عليهم استرقاقهم، بعد أن صاروا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان لهذه المعاملة الحسنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام لأسرى بني المصطلق أثر جميل في قلوب بني المصطلق، فسارعوا إلى الإسلام واعتنقوه عن الإيمان راسخ وقناعة كاملة، ورأوا أن مثل هذه الأخلاق الكريمة لا يمكن أن تصدر إلا من نبي، لأن القوم يعرفون تاريخ الحروب القبلية وما يحصل فيها من فتك ونهب، وسلب، وكان الشعار المعروف لديهم "من عز بز" ١.
وأنه لا مكان في عرف القوى الجاهلية للمغلوب المنهزم، ولا للضعيف المنكوب، فحين غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهزمهم، كانت معاملته لهم بعد الهزيمة على خلاف ما كان يتوقّعه هؤلاء القوم، فقد عاملهم بالرفق واللين، وتزوج ابنة شريفهم لجبر خاطرها وردّ اعتبارها إليها وإلى قومها، وانطلق المسلمون يفكون أسراهم حين انتشر خبر زواجه صلى الله عليه وسلم من جويرية، فلم يعد يحسن استرقاق أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم كان لهذا الصنيع الإسلامي من جميل الأثر وعظيم الوقع في نفوس بني المصطلق جميعاً فلم يكن موقف هؤلاء بعد هذه الغزوة إلا الانضمام فوراً لكتائب الإسلام المجاهدة وبذل المج والأرواح لنشر هذه المبادئ الإسلامية السامية، التي شملتهم بعطفها وحنانها وذاقوا حلاوة المعاملة الإنسانية الرفيعة تحت توجيهات نبيهم صلى الله عليه وسلم ومما يدل على حسن إسلام هذه القبيلة، وما كان لها من دور فعّال في سبيل الدعوة إلى الإسلام وإعلاء كلمة الله ما رواه أحمد والبيهقي أن الحارث بن أبي ضرار قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة معلناً إسلامه فقال: يا رسول الله أرجع إلى قومي، فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي منهم جمعت زكاته، إذا كان وقت كذا وكذا، أرسل إلي رسولك كان وقت كذا وكذا أرسل إلي رسولك ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما بلغ الوقت الذي أراد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من يأتيه بالزكاة، لم يأت أحد، فشق ذلك عليه وظن أنه قد حدث سخطة، من الله عز وجل ورسوله، فدعا بسروات قومه، وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة، كانت فلننطلق لإلى المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم ، فلما وصل إلى بعض الطريق رجع، وقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الحارث منعني الزكاة وهم بقتلي، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش بالذهاب إلى الحارث ولما وصل الحارث المدينة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت إليك الوليد فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله" ، فحلف الحارث بالله ما رأيته، ولا أتاني، فأنزل الله تصديقه في قوله تعالى: ﴿ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ، [الحجرات، الآيات: ٦-٨] ١.
- *أي من غلب سلب، وهو مثل، وأول من قاله رجل من طيء يقال له: جابر بن رألان بفتح الراء وسكون الهمزة أحد بني ثعل بضم الثاء وفتح العين المهملة، وكان من حديثه أنه خرج ومعه صاحبان له، حتى إذا كانوا بظهر الحيرة، وكان للمنذر بن ماء السماء يوم يركب فيه، فلا يلقى أحداً إلا قتله، فلقي في ذلك اليوم جابراً وصاحبيه فأخذتهم الخيل بالسوية فأتى بهم المنذر، فقال: اقترعوا فأيكم قرع خليت سبيله، وقتلت الباقين، فاقترعوا، فقرعم جابر بن رألان فخلى سبيله وقتل صاحبيه، فلما رآهما يقادان ليقتلا، قال: (من عز بز) فأرسلها مثلاً. مجمع الأمثال للميداني ٢/٣٠٧، رقم ٤٠٤٤.
فهذه الرواية توضح حسن إسلام بني المصطلق وحرصهم على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بأدائهم الزكاة التي يشق على العرب دفعها، مما يدل على حسن إسلامهم أيضاَ تكريم الله بإنزاله قرآناً في تصديقهم، ويدل الحديث كذلك على ما قامت به هذه القبيلة من خدمات جليلة للإسلام، فلقد كان بنو المصطلق عام الفتح ضمن الكتائب الإسلامية الزاحفة نحو مكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسل إليه بشر ١ بن سفيان وبديل ٢ بن ورقاء يستنفرانهم، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قديداً من بلاد بني المصطلق عبأ الجيش وعقد الألوية، واجتمع إليه من كان تخلّف من القبائل، ودخلت خزاعة في خمسمائة مقاتل من ضمنهم بنو المصطلق وعقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة ألوية بقيادة ثلاثة من أبطالهم وهم: عمرو ٣ بن سالم، وبشر بن سفيان، وأبو شريح ٤ الكعبي خويلد بن عمرو، وهكذا ظل بنو المصطلق دعاة إلى الله عز وجل ومجاهدين لإعزاز الإسلام ونصرته. فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
- ١بشر بن سفيان بن عمرو بن عويمر بن صرمة بن عبد الله بن قمير مصغراً ابن حبُشِيَّة، بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة ووكسر الشين المعجمة، ابن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة وهو لحى الخزاعي الكعبي، كان شريفاً في قومه، كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يدعوه إلى الإسلام، وله ذكر في قصة الحديبية، وشهد الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ١/٢١٦، أسد الغابة.
- ٢بيدل بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة بعدها تحتانية ساكنة، ابن ورقاء بن عمرو بن ربيع بن جزي بن عامر بن مازن الخزاعي، المصدر السابق ١/٢٠٣.
- ٣عمرو بن سالم الخزاعي الكعبي، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان من أمر خزاعة، وبني بكر، ومساعدة قريش لبني بكر ضد خزاعة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت يا عمرو بن سالم. المصدر السابق٤/٢٢٤.
- ٤هو خويلد بن عمرو أو عكسه، وقيل عبد الرحمن بن عمرو، وقيل هانء، وقيل كعب صحابي، نزل المدينة، (ت ٦٨) / ع. التقريب ٤٣٤.
- *مسند الإمام أحمد ٤/٢٧٩؛ وسنن البيهقي الكبرى ٩/٥٤-٥٥؛ وتقدّم الحديث مع الكلام على الإسناد، ص ١٢٣.
المبحث الأول: ظهور المنافقين
...
المبحث الأول: ظهور النفاق قبل الحديث عن ظهور النفاق وأثره في المجتمع الإسلامي يحسن بي أن أعطي نبذة عن تعريف النفاق لغة وشرعاً، فأقول: أ- النفاق لغة: ضرب من التمويه والستر والتغطية، وحقيقته: إظهار شيء وإبطان ضده. مشتق من النافقاء أحد جحرة ١، اليربوع ٢، يكتمها ويظهر غيرها، فإذا طلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه.
- ١جحرة: كعنبة: جمع جحر. المصباح المنير ١/ ١٠٠.
- ٢اليربوع: ويسمى الدرص وذا الرميح - تصغير رمح حيوان طويل الرجلين قصير اليدين جدا، وله ذنب كذنب الجرذ، يرفعه صعدا، في طرفه شبه النوارة، لونه كلون الغزال. يسكن باطن الأرض، وتسمى حفرته النافقاء والقاصعاء والراهطاء، فإذا طلب من إحدى هذه الكوى خرج من الأخرى، وظاهر بيته تراب وباطنه حفر، وكذلك المنافق: ظاهره إيمان وباطنه كفر. حياة الحيوان: للدميري ٢/ ٤٣٥.
ب- وشرعا: هو إظهار الإيمان وستر الكفر.
والنفاق وما تصرف منه لم يكن معروفا عند العربية في الجاهلية بهذا المعنى وإن كان أصله في اللغة معروفا، يقال نافق ينافق منافقة ونفاقا. وإنما هو اسم إسلامي أطلق على من أظهر الإيمان وستر الكفر، مأخوذ من نافقاء اليربوع، لأن المنافق لما أبطن الكفر وأظهر الإيمان، وورى بشيء عن شيء، ودخل في باب الخديعة وأوهم الغير خلاف ما هو عليه أشبه في ذلك فعل اليربوع.
والمعنيان اللغوي والشرعي متلازمان، إذ إن كلا من اليربوع، والمنافق اتخذ التمويه والتلبيس ذريعة إلى ستر الحقيقة وإظهار خلاف الواقع، فوسيلة كل منهما المكر والكيد والخداع، والتضليل وقلب الحقائق، فإذا طلب من جهة فر إلى جهة أخرى ونجا بحيلته ودهائه ١.
- ١انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٩٨ ولسان العرب لابن منظور ١٢/ ٢٣٦- ٢٣٧ وحياة الحيوان للدميري ٢/ ٤٣٥- ٤٣٦ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٢٨٦. وشرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفاريني ١/ ٢٤٩ و ٢/ ٤٠٨- ٤٠٨ والنفاق والمنافقون لإبراهيم علي سالم، المقدمة ص١.
ولما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، واستقبله المسلمون بحرارة الإسلام وعاطفة الإيمان الجياشة، ورأى عبد الله بن أبي ابن سلول ومن شايعه من اليهود وغيرهم، ما قوبل به الرسول صلى الله عليه وسلم والمهاجرون من حفاوة وإعزاز، ساءهم ذلك، وأخذوا يناوئون الإسلام ويعرقلون سيره، ويترصون الدوائر بالمسلمين.
أما اليهود فذلك دأبهم وديدنهم لأنهم لا يريدون للبشرية خيرا، بل يريدون أن تظل السعادة والسيادة فيهم، لأنهو شعب الله المختار في زعمهم.
وأما عبد الله بن أبي فإنه لم تخسر شخصية مكانتها في المدينة بمقدم نبي الإسلام، خسارته، ذلك أن الرجل كان ينظم له الخرز ليتوج ملكا على الأوس والخزرج، كما سيأتي ذلك واضحا في حديث أسامة بن زيد ١ وكان ذلك من أقوى الأسباب التي صرفته عن اعتناق الإسلام، بصدق وإخلاص.
- ١انظر ص ١٥٠ وما بعدها.
وكان دخوله في الإسلام ظاهرا بعد غزوة الكبرى ١ وهذا أمر طبيعي فإنه يريد أن ينظر في هذا الأمر الجديد، فإن اندحر فقد خلص منه، وهذا غاية مناه، وإن حصلت به العزة والمنعة، سالمه، وهذا ما حصل بالفعل، فقد قويت شوكة الإسلام، وأخذت صخرة الكفر تتحطم تحت جحافل المسلمين، خاصة في معركة بدر الكبرى، فلما رأى عبد الله بن أبي أن لا قبل له بمقاومة الإسلام علانية عمد إلى وسيلة أخرى هي طعن الإسلام في السر والخفاء، فتظاهر بالإسلام ليحقن دمه وليقضي بذلك كثيرا من مآربه، "فكان أول ظهور النفاق، في المدينة بدخول هذا المنافق في الإسلام ظاهرا" وهو شخص متبوع، فشايعه على ذلك أتباعه من المنافقين، فكان يقوم بعليمهم النفاق، وقد كان لهذا العدو الخفي، أضراره الجسيمة على الإسلام والمسلمين، ومواقف ابن أبي وأتباعه من دعوة الإسلام تنبئ عن أخطارهم التي لا تقف عند حد.
- ١انظر المصدر السابق. وأول موقف برزت فيه عداوة عبد الله بن أبي ابن سلول للإسلام بوضوح هو ما دل عليه حديث البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد٢، وهذا سياقه عند مسلم: قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي٣ ومحمد بن رافع٤ ١ سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٤- ٥٨٥. ٢ أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، الأمير أبو محمد وأبو زيد، صحابي مشهور، (ت٥٤) وهو ابن ٧٥ سنة بالمدينة / ع. التقريب ١/ ٥٣. ٣ إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، أبو محمد بن راهويه المروزي، ثقة حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، ذكر أبو داود أنه تغير قبل موته بيسير، (ت٢٣٨) وله ٧٢سنة، / خ م د ت س، المصدر السابق ١/ ٥٤. ٤ محمد بن رافع القشيري النيسابوري، ثقة عابد، من الحادية عشرة، (ت٢٤٥) / خ م د ت س، المصدر السابق ٢/ ١٦٠.
ولكن الله خيب سعيهم وأحبط أعمالهم، ورد كيدهم في نحورهم، ﴿ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ، [سورة الصف الآية: ٨] .
المبحث الثاني: موقف المنافقين قبل بدر الكبرى
لقد دخل الإسلام المدينة المنورة، قبل مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، وانتشر في ربوعها، وأصبح سكانها يرددون حديث الإسلام، ويلهجون بذكره في منتدياتهم ومجالسهم العامة والخاصة، منشرحين لهذا الخير الذي ساقه الله إليهم، وحباهم به.
ثم ازداد فرحهم وغبطتهم بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فالتفوا حوله يتلقون منه نور الإيمان ومبادئ الإسلام، فجمعهم الله به بعد الفرقة، وسادت بينهم المودة والإخاء بعد أن كانوا أعداء متناحرين متدابرين، يوضح هذا قوله تعالى: ﴿ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ، [سورة آل عمران، الآية: ١٠٣] .
غير أن مرض الحسد والخبث حال بين ضعفاء النفوس وبين الدخول في هذا الدين الحنيف، وعلى رأس هذا الفريق عبد الله بن أبي ابن سلول، الذي رأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه عزه ومجده، إذ كان مقدمه صلى الله عليه وسلم والأوس والخزرج ملتفون حوله، وقد باشروا نسج الخرز ليتوجوه ويرئسوه عليهم، فكان مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم قاطعا لدابره، إذ لم يتم له ما كان يحلم به من الرياسة والسيادة، ولما فقد مكانته في المجتمع وحرم من المنصب القيادي الذي كان يحلم به رأى أن السبب الوحيد في ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء به، فامتلأ قلبه غيظا وحقدا وحسدا على النبي صلى الله عليه وسلم وصار يحارب الإسلام سرا وعلانية مع من انضم إليه من مرضى القلوب من قومه وغيرهم وحلفائه من اليهود القاطنين في المدينة آنذاك١.
فكانوا يدا واحدة في عداوة الإسلام وأهله.
وعبد بن حميد ١ و (اللفظ لابن رافع) قال ابن رافع حدثنا: وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق ٢ أخبرنا معمر ٣ عن الزهري عن عروة أن أسامة ين زيد أخبره: أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا عليه إكاف ٤ تحته قطيفة فدكية ٥، وأردف وراءه أسامة وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذاك قبل وقعة ، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، عبدة الأوثان واليهود فيهم عبد الله بن أبي، رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة ٦ الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ القرآن، فقال عبد الله بن أبي: "أيها المرء لا أحسن ٧ من هذا إن كان ما تقول حقا فلا تؤذنا في مجالسنا وارجع إلى رحلك فمن جاءك منا فاقصص عليه "، فقال عبد الله بن رواحة: " إغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك "، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم، ثم ركب دابته، حتى دخل على سعد ابن عبادة فقال: " أي سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب (يريد عبد الله بن أبي) " قال كذا وكذا، قال: " اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة ٨ أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة ٩ فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق ١٠ بذلك فذلك فعل به ما رأيت"، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم ١١.
- ١عبد بن حميد بن نصر الكسي، أبو محمد، قيل اسمه عبد الحميد وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقة حافظ، من الحادية عشرة (ت٢٤٩) / خت م ت، المصدر السابق ١/ =٥٢٩. قال ابن الأثير: الكسي: بكسر أولها وتشديد السين المهملة – هذه نسبة إلى كس وهي مدينة بما وراء النهر بقرب نخشب ذكرها الحفاظ في تواريخهم كذلك. غير أن الناس يكثرون ذكرها بفتح الكاف والشين المعجمة، ينسب إليها جماعة منهم عبد الحميد بن حميد بن نصر الكسي، المعروف بعبد بن حميد. اللباب في تهذيب الأنساب ٣/ ٩٨.
- ٢عبد الرزاق بن همام بن نافع، الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، من التاسعة، (ت٢١١) / ع. التقريب ١/ ٥٠٥.
- ٣معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة (ت١٤٥) / ع. المصدر السابق ٢/ ٢٦٦.
- ٤إكاف: بوزن كتاب: برذعة الحمار، القاموس المحيط ٣/ ١١٨ وفي رواية للبخاري ٧/ ١٠٣ من كتاب المرضى، باب عيادة المريض (أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على إكاف على قطيفة فدكية) قال ابن حجر: (عل) الثالثة بدل من الثانية وهي بدل من الأولى والحاصل أن الإكاف يلي الحمار، والقطيفة فوق الإكاف، والراكب فوق القطيفة. فتح الباري ١/ ١٢٢.
- ٥قطيفة فدكية: القطيفة: كساء له خمل، والفدكية: منسوبة إلى فدك بلدة معروفة على مرحلتين من المدينة، فتح الباري ٨/ ٢٣١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤١.
- ٦عجاجة الدابة: هو ما ارتفع من غبار حوافرها.
- ٧قوله لا أحسن من هذا قال ابن حجر: "بنصب أحسن وقتح أوله على أنه أفعل تفضيل، ويجوز في أحسن الرفع على أنه خبر (لا) والاسم محذوفن أي أحسن من هذا، ووقع في رواية الكشميهني: بضم أوله وكسر السين وضم النون – لا أحسن – ووقع في رواية أخرى لأحسن بحذف الألف لكن بفتح السين وضم النون على أنها لام قسم كأنه قال: أحسن من هذا أن تقعد في بيتك، حكاه عياض عن أبي علي واستحسنه، وحكى ابن الجوزي: تشديد السين المهملة بغير نون من الحس أي لا أعلم منه شيئا" انتهى، فتح الباري ٨/ ٢٣٢. وقال النووي: لا أحسن من هذا: "هكذا هو في جميع نسخ بلادنا بألف في أحسن أي ليس شيء أحسن من هذا، وكذا حكاه القاضي عن جماهير رواة مسلم، قال: ووقع للقاضي أبي علي لأحسن من هذا بالقصر من غير ألف قال القاضي: وهو عندي أظهر، وتقديره أحسن من هذا أن تقعد في بيتك ولا تأتينا". انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤٢.
- ٨البحيرة: بالتصغير قال النووي: قال القاضي: وروينا في غير مسلم هذه البحيرة مكبرة وكلاهما بمعنى، وأصلها القرية، والمراد بها هنا مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، شرح النووي على مسلم ٤/ ٤٤٢.
- ٩فيعصبوه بالعصابة: أي اتفقوا على أن يجعلوه ملكهم وكان من عادتهم إذا ملكوا إنسانا أن يتوجوه ويعصبوه. المصدر السابق ٤/ ٤٤٢.
- ١٠شرق بذلك: أي غص به وهو مجاز فيما ناله من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحل به حتى كأنه شيء لم يقدر على إساغته فغص به. النهاية لابن الأثير ٢/ ٤٦٥- ٤٦٦.
- ١١صحيح مسلم ٥/ ١٨٢- ١٨٣ كتاب الجهاد والسير وصحيح البخاري ٤/ ٤٤ كتاب الجهاد (باب الردف على الحمار) و٦/ ٣٣ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) و ٧/ ١٠٣ كتاب المرضى (باب عيادة المريض) و ٧/ ١٤٥ كتاب اللباس (باب الارتداف على الدابة و٨/ ٣٨- ٣٩ كتاب الأدب (باب كنية المشرك) .
وحدثني محمد بن رافع حدثنا حجين ١ (يعني ابن المثنى) حدثنا ليث ٢ عن عقيل ٣ عن ابن شهاب في هذا الإسناد بمثله.
- ١حجين: مصغرا آخره نون ابن المثنى اليمامي، أبو عمير، سكن بغداد، وولي قضاء خراسان، ثقة من التاسعة (ت٢٨٥) وقيل بعد ذلك./خ م د ت س التقريب١/١٥٥.
- ٢الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصرين ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور، من السابعة، (ت١٧٥) / ع. التقريب ٢/ ١٣٨.
- ٣عقيل بالتصغير ابن خالد بن عقيل مكبرا، الأيلي، بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة، ثم لام، أبو خالد الأموي، مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر من السادسة، (ت١٤٤) على الصحيح/ ع. التقريب ٢/ ٢٩ وتقدمت تراجم بقية رجال الإسناد.
وزاد: وذلك قبل أن يسلم عبد الله٣٤.
- *قوله: قبل أن يسلم عبد الله: قال النووي: معناه قبل أن يظهر الإسلام، وإلا فقد كان كافرا، منافقا ظاهر النفاق، شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤٢.
- *صحيح مسلم ٥/ ١٨٢- ١٨٣ كتاب الجهاد والسير، وصحيح البخاري ٤/ ٤٤ كتاب الجهاد (باب الردف على الحمار) و٦/ ٣٣ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) .
المبحث الثالث: موقف المنافقين بعد بدر الكبرى
فعند البخاري: من حديث أسامة المتقدم ١: "فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه ٢، فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأسلموا" ٣.
- ١انظر ص ١٥٠ وما بعدها.
- ٢توجه: أي نفذ على وجهه ومقصده.
وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي، قال: فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق المسلمون وهي أرض سبخة ١، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إليك عني فوالله آذاني نتن ٢ حمارك" ، قال: فقال رجل ٢ من الأنصار والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك، قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه، قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابهن قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال، قال: فبلغنا أنها نزلت فيهم: ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، [سورة الحجرات، من الآية: ٩] ٤.
- ١قوله: وهي أرض سبخة: بفتح المهملة وكسر الموحدة، بعدها معجمة، أي ذات سباخ وهي الأرض التي لا تنبت، وكانت تلك صفة الأرض التي مر بها صلى الله عليه وسلم، إذ ذاك، وذكر ذلك للتوطئة لقول عبد الله بن أبي إذ تأذى بالغبار فتح الباري ٥/ ٢٩٨.
- ٢قوله فقال رجل من الأنصار: هو عبد الله بن رواحة على القول باتحاد القصتين.
- *صحيح البخاري ٦/ ٣٤ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) و ٨/ ٣٩ كتاب الأدب (باب كنية المشرك. قال ابن حجر: "هذا حديث آخر أفرده ابن أبي حاتم عن الذي قبله، وإن كان الإسناد متحدا، وقد أخرج مسلم الحديث الذي قبله مقتصرا عليه، ولم يخرج شيئا من هذا الحديث الآخر". فتح الباري ٨/ ٢٣٢.
فهذا الحديث بظاهره يخالف حديث أسامة بن زيد لأن في حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من بيته قاصدا عيادة سعد بن عبادة، وفي حديث أنس بن مالك: أنه صلى الله عليه وسلم دعي إلى إتيان عبد الله بن أبي ابن سلول.
وقد حاول ابن حجر الجمع بين الروايتين فقال: "يحتمل اتحادهما بأن يكون الباعث له صلى الله عليه وسلم عيادة سعد بن عبادة، فاتفق مروره بعبد الله بن أبي، فقيل له حينئذ لو أتيته فأتاه" . قال: "ويدل على اتحادهما أن في حديث أسامة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه" ، ثم قال ابن حجر: "وقد استشكل ابن ١ بطال نزول الآية المذكورة في حديث أنس وهي قوله: ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، [سورة الحجرات، من الآية: ٩] ، في هذه القصة، لأن المخاصمة وقعت بين من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه، وبين أصحاب عبد الله بن أبي، وكانوا إذ ذاك كفارا، فكيف ينزل فيهم ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، ولا سيما إن كانت قصة أنس وأسامة متحدة، فإن في رواية أسامة فاستب المسلمون والمشركون ". ثم قال ابن حجر: "ويمكن أن يحمل على التغليب، ثم قال: مع أن فيها إشكالا من جهة أخرى وهي: أن حديث أسامة صريح في أن ذلك كان قبل وقعة ، وقبل أن يسلم عبد الله بن أبي وأصحابه، والآية المذكورة، في الحجرات، ونزولها متأخر جدا، كان في وقت مجيء الوفود، ثم أجاب عن هذا الإشكال بقوله: لكنه يحتمل أن تكون آية الإصلاح، نزلت قديما فيندفع الإشكال "١.
- ١ابن بطال هو الإمام أبو الحسن علي بن خلف الشهير بابن بطال المغربي المالكين له شرح على صحيح البخاري، وغالبه فقه الإمام مالك، من غير تعرض لموضوع الكتاب غالبا، أصله من قرطبة وكان عالما فقيها عني بالحديث وولي قضاء لورقة، له كتاب الاعتصام في الحديث (ت٤٤٤ أو ٤٤٩) مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ١/ ٢٥٥.
- *نتن حمارك: أي ريحها.
- *صحيح مسلم ٥/ ١٨٣ كتاب الجهاد، والبخاري ٣/ ١٥٩ كتاب الصلح باب الصلح باب ما جاء في الإصلاح بين الناس وأحمد ٣/ ١٥٧.
تلك نبذة من مواقف عبد الله بن أبي قبل أن يعلن إسلامه ظاهرا، ثم بدا له أن يظهر إسلامه في أعقاب غزوة ، لأن شوكة المسلمين قويت، وأصبحت مصالح عبد الله بن أبي مرهونة بأن يظهر إسلامه، وتبعه على ذلك بقية المنافقين.
ولكن عداوتهم للإسلام وإضمارهم الشر للمسلمين لم تتغير، فمازالوا يتربصون الدوائر بالمسلمين، وينتهزون الفرص المواتية للانقضاض عليهم، متعاونين في ذلك مع اليهود، يوضح ذلك انحيازهم إلى جانب يهود بني قينقاع ١، الذين نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يعتدي أحد الجانبين على الآخر، ولكن اليهود لم يلتزموا بهذا العهد الذي أقروه على أنفسهم.
- ١بنو قينقاع: بفتح القاف وتثليث النون بطن من بطون يهود المدينة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/ ١٣٦ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٧٦.
فقد ذكر ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: "كان من حديث بني قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال: "يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم "، قالوا: " يا محمد إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس".
- *فتح الباري ٥/ ٢٩٩.
ثم ساق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم ﴿ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ١ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [سورة آل عمران، الآيتان: : ١٢- ١٣] ٢.
والحديث بهذه الطريق أخرجه أبو داود في سننه ١.
- ١٢/ ١٣٨ كتاب الخراج (باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة) .
وحسن إسناده الحافظ ابن حجر ١.
- ١فتح الباري ٧/ ٣٣٢.
وهناك سبب آخر ذكره ابن هشام بسند مرسل أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع، فهذان سببان ذكرا في قصة نقض بني قينقاع العهد المبرم بينهم، وبين المسلمين، وكل منهما كاف في ضرب هذه الشرذمة من اليهود، وقد كان صنيعهم هذا مستوجبا ما عاملهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضرب الحصار وشد الخناق عليهم.
- *الفئتان: هما أصحاب بدر، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فئة، وقريش فئة.
- *سيرة ابن إسحاق المسماة: المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٩٤، وسيرة ابن هشام ٢/٤٧.
وذلك فيما رواه ابن إسحاق عن عاصم ١ بن عمر بن قتادة، مرسلا، أن بني قينقاع أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين وأحد، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: "يا محمد أحسن في موالي" - وكانوا حلفاء الخزرج - قال: فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا محمد أحسن في موالي" ، قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرسلني" وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا ٢، ثم قال: "ويحك أرسلني" ، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم لك" ٣.
- ١تقدمت ترجمته.
- ٢الظلل: جمع ظلة، وهي السحابة في الأصل فاستعارها هنا، لتغير الوجه إلى السواد إذا اشتد غضبه.
وروى ابن إسحاق أيضا بسند مرسل من طريق عبادة ١ بن الوليد ابن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث ٢ بأمرهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وقام دونهم، قال: ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد بني عوف بن الخزرج لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ إلى الله عز وجل، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم، قال: ففيه وفي عبد الله بن أبي، نزلت هذه القصة من المائدة: ﴿ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ، [سورة المائدة الآيتان: ٥١-٥٢] ، – لعبد الله بن أبي، وقوله: إني أخشى الدوائر- ﴿ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ، [سورة المائدة، الآيتان: ٥٢-٥٣] ، ثم ذكر القصة إلى قوله تعالى: ﴿ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ، [سورة المائدة، الآية: ٥٥] .
- ١عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، ويقال له عبد الله، ثقة من الرابعة / خ م د س ق. التقريب ١/ ٣٩٦.
- ٢تشبث: التشبث بالشيء التعلق به. مختار الصحاح، ص ٣٢٧.
- *سيرة ابن هشام ٢/ ٤٨ وسيرة ابن إسحاق المسماة بكتاب المبدأ والمبعث والمغازي ١/ ٢٩٥- ٢٩٦.
وذكر لتولي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرئه من بني قينقاع وحلفهم وولايتهم: ﴿ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ، [سورة المائدة، الآية: ٥٦] ١.
فلقد أوضحت هذه الآيات والأحاديث أن المنافقين اتخذوا موقفا مؤازرا لبني قينقاع وسعوا في خلاصهم من العقاب بعد ما أحدثوا من تمرد في وجه الدولة والخروج على العهد الذي أقروه على أنفسهم والتزموا به.
وقد ذكر ابن حجر وغيره أن بني قينقاع أول يهود نقضوا عهدهم مع المسلمين وهذا نص كلامه: قال: كان الكفار بعد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع.
وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش.
وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، ومنهم من لا يحب ظهوره كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحارهم في شوال بعد وقعة فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات ١ ثم نقض العهد بنو النضير، ثم نقضت قريظة ٢.
- ١أذرعات: بكسر الراء وفتحها بلدة بالشام، انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي٣/ ٢٣، وهي الآن في (سوريا) على حدود الأردن الشمالية.
- ٢فتح الباري ٧/ ٣٣٠ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٢/ ٧٩.
- *سيرة ابن إسحاق المسماة بكتاب المبدأ والمبعث والمغازي ١/ ٢٩٥- ٢٩٦، وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٩.
المبحث الرابع: موقف المنافقين في أحد
روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد والطبري من حديث زيد ١ بن ثابت رضي الله عنه قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تقول: لا نقاتلهم، فنَزلت ٢: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّه أَرْكَسَهُمْ١ بِمَاكَسَبُوا﴾ ٢، وقال: "إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي ٣ النار خبث الفضة" ٤. قال ابن حجر: "قوله رجع ناس ممن خرج معه: يعني عبد الله بن أبي وأصحابه "، وقد ورد ذلك صريحا في رواية موسى بن عقبة في المغازي، وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأي النبي صلى الله عليه وسلم على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج وأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج، قال: عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم وعصاني علام نقتل أنفسنا؟ فرجع بثلث الناس. قال ابن إسحاق في روايته: "فاتبعهم عبد الله بن عمورو بن حرام وهو والد جابر وكان خزرجيا كعبد الله بن أبي فناشدهم أن يرجعوا فأبوا، فقال: أبعدكم الله "١. قلت: رواية ابن إسحاق المشار إليها خلاصتها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بوصول قريش ونزولها في أطراف المدينة قال للمسلمين: "إني قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا ٣ ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها بالمدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها "، وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى رأيه في ذلك، وألا يخرج إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره، ممن كان فاته يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: " يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدونا قط، إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا " فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ... حتى خرج في ألف من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس وقال: " أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس "، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: " يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عند من حضر عن عدوهم " فقالوا: " لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال "، قال: " فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم "، قال: " أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه "١. قلت: الحديث مرسل لأنه من رواية الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة وحصين بن عبد الرحمن وهؤلاء لم يحضروا القصة، وهو من هذه الطريق عند الطبري وابن كثير ٤.
- ١زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوذان بفتح اللام وسكون الواو وبذال معجمة، الأنصاري النجاري، أبو سعيد وأبو خارجة، صحابي مشهور، كان يكتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، (ت٤٥ أو ٤٧) وقيل بعد الخمسين /ع. التقريب ١/ ٢٧٢.
- ٢قوله: فنَزلت: فما لكم في المنافقين فئتين الخ: قال ابن حجر: "هذا هو الصحيح في سبب نزولها، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبي سعيد بن معاذ ن قال: نزلت هذه الآية في الأنصار، خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من لي بمن يؤذيني؟ " فذكر منازعة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير ومحمد بن مسلمة، قال: فأنزل الله هذه الآية" قال ابن حجر: "وفي سبب نزولها قول آخر: أخرجه أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه "أن قوماً أتوا المدينة فأسلموا، فأصابهم الوباء فرجعوا، واستقبلهم ناس من الصحابة فأخبروهم فقال بعضهم: نافقوا،، وقال بعضهم: لا، فنَزلت" وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة مرسلا، فإن كان محفوظا احتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعا، فتح الباري ٧/ ٣٥٦ قلت: الراجح أنها نزلت في رجوع عبد الله ابن أبي وأصحابه يوم أحد ويدل عليه سياق الحديث حيث ذكر الخروج إلى أحد ورجوع ناس ممن خرج معه صلى الله عليه وسلم ثم عقب بنزول الآية، وقد بينت روايات المغازي أن هؤلاء الناس هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه. وقد رجح هذا القول الشوكاني، فقد أورد حديث زيد بن ثابت وقال: هذا أصح ما روي في سبب نزول هذه الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك وأشار ابن كثير إلى رواية ابن أبي حاتم المصرح فيها بأن الآية نزلت في شأن قصة الإفك، ثم قال: وهذا غريب. انظر فتح القدير للشوكاني ١/ ٤٩٧ وتفسير ابن كثير ١/ ٥٣٣. وأورد الطبري الأقوال المتقدمة وغيرها، ثم قال: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين: أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر أنهم كانوا من أهل المدينة، وفي قول الله تعالى: {فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُم أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا} ، أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه". انظر تفسير الطبري ٥/ ١٩٤. والظاهر في السبب هو ما قدمنا ترجيحه.
- ٣وعند أحمد في مسنده ٣/ ٣٥١ "ورأيت بقرا منحرة" وفي المستدرك ٢/ ١٢٩ "ورأيت بقرا تذبح".
- ٤تاريخ الطبري ٢/ ٤٩٩- ٥٠٣ وتفسير ابن كثير ١/ ٤٢٥.
- *أركسهم: أي ردهم إلى كفرهم، مختار الصحاح ص ٢٥٤.
- *سورة النساء، الآية: ٨٨، وتمامها: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} .
- *قوله: "تنفي الذنوب": كذا وقع هنا وتقدم في فضائل المدينة: "تنفي الرجال" وفي تفسير سورة النساء تنفي الخبث، قال ابن حجر: "وهو المحفوظ والحديث في هذه المواضع الثلاثة من طريق شعبة"، وتقدم في فضائل المدينة من حديث جابر بن عبد الله "المدينة كالكير تنفي خبثها" وفي حديث أبي هريرة "تنفي الناس" هذه الألفاظ كلها عند البخاري -قال ابن حجر: وأخرج حديث زيد بن ثابت مسلم والترمذي والنسائي من طريق غندر عن شعبة باللفظ الذي أخرجه البخاري في التفسير من طريق غندر المذكور ثم قال ابن حجر: "وغندر أثبت الناس في شعبة وروايته توافق حديث جابر بلفظ "تنفي خبثها"" وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة (تخرج الخبث) ثم قال ابن حجر: "ورواية "تنفي الرجال" لا تنافي الرواية بلفظ: "الخبث" بل هي مفسرة للرواية المشهورة- يعني تنفي الخبث- بخلاف "تنفي الذنوب" ثم قال ابن حجر:" ويحتمل أن يكون فيه حذف تقديره "تنفي أهل الذنوب" فيلتئم مع باقي الروايات". انتهى بتصرف. فتح الباري٤/ ٩٧ و٧/ ٣٥٦.
- *البخاري ٥/ ٨٠ كتاب المغازي باب غزوة أحد و ٣/ ٢٠ كتاب الحج (باب المدينة تنفي الخبث) و٣/ ١٩ (باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس) و٦/ ٣٩ كتاب التفسير وأخرجه مسلم ٨/ ١٢١ (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم) و٤/ ١٢٠ كتاب الحج في صيانة المدينة من دخول الطاعون، والترمذي ٤/ ٣٠٦ التفسير. والنسائي في السنن الكبرى عن محمد بن بشار عن غندر به، انظر تحفة الأشراف للمزي ٣/ ٢١٩- ٢٢٠. وأحمد ٥/ ١٨٤ والطبري في التفسير ٥/ ١٩٢.
- *فتح الباري ٤/ ٩٧ و٧/ ٣٥٦ و٨/ ٢٥٧.
وله شاهد عند الحاكم والبيهقي من حديث رضي الله عنهما، وقال الحاكم عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، وأقره الذهبي ١. قال ناصر الدين الألباني: "حديث أحمد على شرط مسلم، غير أن فيه أبا الزبير، مدلس وقد عنعنه. وحديث البيهقي إسناده حسن، وأشار إلى حديث الحاكم وتصحيحه له، وموافقة الذهبي له، ثم قال: الحديث صحيح"٥.
- ١المستدرك ٢/ ١٢٨- ١٢٩ وحديث البيهقي أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ١١.
وهكذا فقد صح أن المنافقين خذلوا المسلمين في أحرج المواقف، بتأثيرهم على الضعفاء، وسحبهم ثلث جيش المسلمين، الذي خرج للتصدي للمشركين، واحتجوا لأنفسهم بأوهى الأسباب، وهو زعمهم أن القتال لن يقع - وكأن المسلمين خرجوا للنزهة - مع أنهم يعتقدون أن القتال حاصل لا محالة، وهو صريح قول ابن أبي "أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس" ولكنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وإنما الذي صدهم عن الانضمام مع كتائب المسلمين هو كفرهم ونفاقهم كما أوضح الله ذلك بقوله تعالى: ﴿ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ ، [سورة آل عمران، الآية: ١٦٧] . قال ابن كثير: "في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم﴾ ، يعني أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا ﴿لَو نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُم﴾ ، فإنهم يتحققون أن جندا من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم ، وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة" ١.
- *سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠- ٦٤.
- *حاشية فقه السيرة للغزالي، ص ٢٦٩.
- *تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٥.
المحبث الأول: مقالة عبد الله بن أبي
...
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،