غزوة بنى قريظة في سنة خمس
بعد بني قريظة، سنة ٥هـ، وعمره ﷺ ٥٧
ذكر نقض بني قريظة العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم
لما نزل المشركون فيما ذكر، خرج عدوّ الله حيي بن اخطب النّضريّ حتى أتى كعب ابن أسد القرظيّ صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب بحييّ أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حييّ: ويحك يا كعب! افتح، قال: ويحك يا حييّ! إنك امرؤ مشؤوم، وإنّي قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا صدقا ووفاء. قال: ويحك! افتح لي أكلّمك، قال: والله ما أنا بفاعل، قال: والله، إن أغلقت دوني إلا خوفا على جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظ الرّجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعزّ الدهر، وبحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاقدوني وعاهدوني على ألّا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال له كعب: جئتني والله بذلّ الدّهر وبجهام قد أهرق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، وليس فيه شيء، ويحك يا حييّ! خلّني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حييّ بكعب يفتله في الذّروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ ممّا كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ووعظهم عمرو بن سعدى وخوّفهم سوء فعالهم، وذكّرهم ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، وقال لهم: إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوّه، فأبوا.
وخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني قريظة بنو سعنة: أسد وأسيد وثعلبة فكانوا معه، وأسلموا.
وأمر كعب بن أسد حيي بن اخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم. فبلغ خبر نقض بني قريظة العهد، فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم، فبعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة وهما سيّدا قومهما، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوّات بن جبير- زاد محمد بن عمر: وأسيد بن حضير- فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقّا فالحنوا إليّ لحنا أعرفه ولا تفتّوا في أعضاد النّاس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم قد نقضوا العهد، فناشدوهم الله والعهد الذي كان بينهم أن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، قبل أن يلتحم الأمر، ولا يطيعوا حيي بن اخطب، فقال كعب: لا نردّه أبدا، قد قطعته كما قطعت هذا القبال- لقبال نعله- وقال: من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟ لا عهد بيننا وبينه. فشاتمهم سعد بن عبادة، كما قال ابن عقبة ومحمد بن عمر وابن عائذ وابن سعد- وقال ابن إسحاق: أنه سعد بن معاذ- وشاتموه وكان رجلا فيه حدّة، فقال له سعد بن معاذ- أو سعد بن عبادة إن كان الأول سعد بن معاذ-: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. وقال أسيد بن حضير لكعب: أتسبّ سيدك يا عدو الله ما أنت له بكفء يا بن اليهوديّة، ولتولّينّ قريش إن شاء الله منهزمين، وتتركك في عقر دارك فنسير إليك، فننزلك من جحرك هذا على حكمنا. ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سعد بن عبادة: عضل والقارة، يعني كغدر عضل والقارة بأصحاب الرّجيع. وسكت الباقون، ثم جلسوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا يا معشر المؤمنين بنصر الله تعالى وعونه، إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق وآخذ المفتاح، وليهلكنّ كسرى وقيصر ولتنفقنّ أموالهم في سبيل الله.
يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الكرب. قال ابن عقبة: ثم تقنّع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة، فاضطجع ومكث طويلا، وانتهى الخبر إلى المسلمين بنقض بني قريظة العهد، فاشتد الخوف وعظم البلاء، وخيف على الذراريّ والنساء، وكانوا كما قال الله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب ١٠] .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قبالة عدوّهم، لا يستطيعون الزّوال عن مكانهم، يعتقبون خندقهم يحرسونه.
ونجم النفاق من بعض المنافقين، فقال معتّب بن قشير: كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر وأن أموالهما تنفق في سبيل الله، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب ١٢] وقال رجال ممّن معه: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب ١٣] وهمّت بنو قريظة بالإغارة على المدينة ليلا، فبلغ ذلك المسلمين، فعظم الخطب، واشتدّ البلاء، ثم كفهّم الله تعالى عن ذلك لمّا بلغهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل سلمة بن أسلم بن حريش الأشهليّ في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير، فإذا أصبحوا أمنوا.
واجتمعت جماعة من بني حارثة فبعثوا أوس بن قيظيّ- بالتحتية والظاء المعجمة المشالة- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن بيوتنا عورة، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردّهم عنّا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا، فنمنع ذرارينا ونساءنا فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرحوا بذلك وتهيّئوا للانصراف. قال محمد بن عمر: فبلغ سعد بن معاذ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: لا تأذن لهم، إنا والله ما أصابنا وإيّاهم شدّة قطّ إلا صنعوا هكذا، ثم أقبل عليهم فقال: يا بني حارثة، هذا لنا منكم أبدا، ما أصابنا وإياكم شدة إلا صنعتم هكذا. فردّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان المسلمون يتناوبون حراسة نبيّهم، وكانوا في قرّ شديد وجوع، وكان ليلهم نهارا.
روى محمد بن عمر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يختلف إلى ثلمة في يحرسها، حتى إذا آذاه البرد جاءني فأدفأته في حضني، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثّلمة، ويقول: «ما أخشى أن يؤتى الناس إلّا منها» فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حضني قد دفئ وهو يقول: ليت رجلا صالحا يحرس هذه الثّلمة الليلة، فسمع صوت السّلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟» فقال سعد بن أبي وقاص: سعد يا رسول الله، فقال: «عليك هذه الثّلمة فاحرسها» . قالت: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى سمعت غطيطه. قال ابن سعد: وكان عباد بن بشر، ، على حرس رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وروى محمد بن عمر عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ، وكنا في قرّ شديد، فإني لأنظر إليه ليلة قام فصلّى ما شاء الله أن يصلي في قبّته، ثم خرج فنظر ساعة فأسمعه يقول: «هذه خيل المشركين تطيق بالخندق» ، ثم نادى عباد بن بشر، فقال عبّاد: لبيك! قال: «أمعك أحد؟» قال: نعم، أنا في نفر من أصحابي حول قبّتك. قال: «انطلق في أصحابك فأطف بالخندق، فهذه خيل المشركين تطيف بكم، يطمعون أن يصيبوا منكم غرّة، اللهمّ فادفع عنّا شرّهم، وانصرنا عليهم، واغلبهم، فلا يغلبهم أحد غيرك» .
فخرج عبّاد في أصحابه فإذا هو في خيل المشركين يطوفون بمضيق من ، وقد نذر بهم المسلمون فرموهم بالحجارة والنّبل، حتى أذلقهم المسلمون بالرّمي، فانكشفوا منهزمين إلى منازلهم، قال عبّاد: ورجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدته يصلي فأخبرته. قالت أم سلمة: يرحم الله عباد بن بشر، فإنه كان ألزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبّته يحرسها أبدا. فلما أصبح المشركون ورأوا الخندق قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها، ولا تكيدها. وقال بعضهم: إنّ معه رجلا فارسيّا فهو الذي أشار عليه به. قالوا: فمن هناك إذا؟ ونادوا المسلمين، وكان بينهم الرميّ بالنّبل والحجارة، والخندق حاجز بين الفريقين.
وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو في أصحابه يوما، ويغدو يوما، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، ويغدو الفهريّ يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم، ويتفرّقون مرة، ويجتمعون أخرى، ويناوشون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقدمون رماتهم.
شرح غريب ذكر نقض بني قريظة العهد
أكلّمك بالجزم: جواب شرط محذوف ويجوز الرفع.
الجشيشة- بجيم مفتوحة فشينين معجمتين بينهما تحتية- وهي أن تطحن الحنطة أو غيرها طحنا جليلا، ثم تلقى في القدر ويلقى عليها لحم أو تمر، وتطبخ، وقد يقال لها: دشيشة- بالدال المهملة- قال المحب الطبري: وهذا هو الجاري على ألسنة الناس اليوم. وقال في الإملاء: والصواب فيه الجيم.
أحفظ الرجل- بالحاء المهملة والفاء والظاء المعجمة المشالة-: أغضبه.
ببحر طام- بطاء مهملة-: مرتفع.
القادة: الكبراء، من قاد الأمير الجيش قيادة فهو قائد، وجمعه قادة.
الجهام- بجيم مفتوحة فهاء مخففة فميم-: السحاب الذي لا ماء فيه.
أهرق- بضم الهمزة وسكون الهاء وكسر الراء-: صبّ وأفرغ.
يفتله في الذّروة والغارب- قال في الروض: هذا مثل، وأصله في البعير يستصعب عليك، فتأخذ الفراد من ذروته وغارب سنامه، وتفتل هناك فيجد البعير لذة، فيستأنس عند ذلك، فضرب هذا الكلام مثلا في المراوضة والمخاتلة. قال الحطيئة: لعمرك ما قراد بني بغيض* إذا نزع القراد بمستطاع يريد أنهم لا يخدعون ولا يستذلّون. وقال أبو ذر: الذّروة والغارب أعلى ظهر البعير، وأراد بذلك أنه لم يزل يخدعه كما يخدع البعير إذا كان نافرا، فيمسح باليد على ظهره حتى يستأنس، فيجعل الخطام على رأسه.
بنو سعنة- بسين وعين مهملتين فنون وقيل بالتحتية- وبسط الكلام عليه في باب «حسن خلقه» .
أسيد: قال الحافظ عبد الغني بن سعيد المصريّ: إنه بفتح الهمزة وزن أمير، وقيل: بضم الهمزة.
اللّحن هنا: العدول بالكلام عن الوجه المعروف إلى وجه لا يعرفه إلا صاحبه.
تفتّوا- بضم الفاء وتشديد الفوقية- يقال: فتّ في عضده إذا أضعفه وكسر قوّته.
في أعضاد الناس، ولم يقل: أعضاد الناس، لأنه كناية عن الرّعب الداخل في القلوب، ولم يرد كسرا حقيقيا، ولا العضد الذي هو العضو، وإنما هو عبارة عما يدخل في القلب من الوهن، وهو من أفصح الكلام.
ناشده الله: سأله به.
القبال (بكسر القاف وبالموحدة واللام) .
الشّتم كالضرب: السّبّ.
أربى: أزيد وأعظم.
عقر الدّار- بفتح العين المهملة وضمها وبالقاف-: أصلها.
الرّجيع- بفتح الراء وبالجيم-: ماء لبني هذيل بين مكة وعسفان.
تقنّع: غطّى رأسه بثوب.
نجم النّفاق- بفتحات-: ظهر وطلع.
القرّ- بضم القاف-: البرد.
الثّلمة- بالضّمّ- في الحائط وغيره: الخلل.
الحضن- بالكسر-: ما دون الإبط إلى الكشح.
الغطيط: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم، وهو تزيّده حيث لا يجد مساغا.
الغرّة- بكسر الغين المعجمة- الغفلة.
نذر- بذال معجمة-: علم، وزنا ومعنى.
المكيدة: المكر والاحتيال.
يجيلون خيلهم- بجيم فتحتية مشدّدة- يطلقونها.
يغدو، يقال: غدا إلى كذا: أصبح إليه.
يناوشون- بتحتية فنون فألف فواو فشين معجمة فواو فنون-: يتدانون إلى القتال.
الباب العشرون في غزوة بني قريظة
تقدم في غزوة أنّهم ظاهروا قريشا وأعانوهم على حرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ونقضوا العهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فما أجدى ذلك عنهم شيئا وباءوا بغضب من الله ورسوله، والصّفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة. قال الله سبحانه وتعالى: لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ- أَي أَعانوهم- مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ- أَي حصونهم- وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً.
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [الأحزاب ٢٥: ٢٧] . قال محمد بن عمر عن شيوخه: لما تفرّق المشركون عن خافت بنو قريظة خوفا شديدا، وقالوا: محمد يزحف إلينا، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لم يأمر بقتالهم حتّى جاءه جبريل يأمره به.
روى الإمام أحمد والشّيخان- مختصرا- والبيهقي والحاكم في صحيحه مطوّلا عن عائشة، وأبو نعيم، والبيهقي من وجه آخر عنها، وابن عائذ عن جابر بن عبد الله، وابن سعد عن حميد بن هلال، وابن جرير عن عبد الله بن أبي أوفى والبيهقي وابن سعد عن الماجشون، والبيهقيّ عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وسعيد بن جبير وابن سعد عن يزيد بن الأصم، ومحمد بن عمر عن شيوخه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما رجع عن ، والمسلمون وقد عضّهم الحصار، فرجعوا مجهودين، فوضعوا السلاح، ووضعه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودخل بيت عائشة ودعا بماء فأخذ يغسل رأسه- قال ابن عقبة قد رجّل أحد شقّيه. قال محمد بن عمر: غسل رأسه واغتسل، ودعا بالمجمرة ليتبخّر، وقد صلّى الظّهر، قالت عائشة: فسلّم علينا رجل ونحن في البيت. قال محمد بن عمر: وقف موضع الجنائز، فنادى عذيرك من محارب! فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فزعا فوثب وثبة شديدة، فخرج إليه، وقمت في أثره أنظر من خلل الباب، فإذا هو دحية الكلبيّ فيما كنت أرى- وهو ينفض الغبار عن وجهه، وهو معتمّ، وقال ابن إسحاق: معتجر بعمامة، قال الماجشون- كما رواه أبو نعيم عنها، سوداء من إستبرق، مرخ من عمامته بين كتفيه، على بغلة شهباء- وفي لفظ: فرس- عليها رحالة وعليها قطيفة من ديباج- قال الماجشون: أحمر- على ثناياه أثر الغبار، وفي رواية: قد عصّب رأسه الغبار، عليه لأمته، فاتكأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على عرف الدّابّة، فقال: يا رسول الله، ما أسرعتم ما حللتم، عذيرك من محارب! عفا الله عنك، وفي لفظ غفر الله لك، أوقد وضعتم السّلاح قبل أن نضعه؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «نعم قال: فو الله ما وضعناه، وفي لفظ: «ما وضعت الملائكة السّلاح منذ نزل بك العدوّ. وما رجعنا الآن إلّا من طلب القوم حتّى بلغنا حمراء الأسد- يعني الأحزاب- وقد هزمهم الله تعالى، وإن الله- تعالى- يأمرك بقتال بني قريظة، وأنا عامد إليهم بمن معي من الملائكة لأزلزل بهم الحصون، فاخرج بالنّاس» . قال حميد بن هلال: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «فإنّ في أصحابي جهدا فلو أنظرتهم أيّاما قال جبريل: انهض إليهم، فو الله لأدقّنهم كدقّ البيض على الصّفا لأضعضعنّها، فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتّى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار. قال أنس- رضي الله عنه- فيما رواه البخاري: في زقاق بني غنم- موكب جبريل حين سار إلى بني قريظة [ (١) ] .. انتهى. قالت عائشة: فرجعت، فلمّا دخل قلت يا رسول الله- من ذاك الرجل الّذي كنت تكلّمه؟ قال: «ورأيته» ؟ قلت نعم، قال، «لمن تشبّهت» ؟ قلت: بدحية بن خليفة الكلبي، قال: «ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة» . قال قتادة فيما رواه ابن عائذ: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم بعث يومئذ مناديا ينادى «يا خيل الله اركبي» وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بلالا فأذّن في الناس: «من كان سامعا مطيعا فلا يصلّين العصر إلّا ببني قريظة» .
وروى الشيخان عن ابن عمر، والبيهقي عن عائشة، والبيهقي عن الزهري وعن ابن عقبة، والطبراني عن كعب بن مالك: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: «عزمت عليكم ألّا تصلّوا صلاة العصر» .
ووقع في مسلم في حديث ابن عمر صلاة الظّهر فأدرك بعضهم صلاة العصر، وفي لفظ الظهر في الطّريق، فقال بعضهم: لا نصلّيها حتّى نأتي بني قريظة، إنّا لفي عزيمة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما علينا من إثم، فصلّوا العصر ببني قريظة حين وصلوها بعد غروب الشمس. وقال بعضهم: بل نصلّي، لم يرد منّا أن ندع الصّلاة، فصلّوا، فذكر ذلك لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلم يعنّف واحدا من الفريقين، ودعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فدفع إليه لواءه، وكان اللّواء على حاله لم يحلّ من مرجعه من ، فابتدره النّاس [ (٢) ] .
ذكر مسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني قريظة
قال محمد بن عمر، وابن سعد، وابن هشام، والبلاذري: فاستعمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المدينة ابن أم مكتوم. قال محمد بن عمر: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إليهم لسبع بقين من ذي القعدة، ولبس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السّلاح والدّرع [ (١) ] والمغفر والبيضة وأخذ قناة بيده، وتقلّد التّرس، وركب فرسه اللّحيف [ (٢) ] ، وحفّ به أصحابه، قد لبسوا السّلاح وركبوا الخيل، وكانت الخيل ستّة وثلاثين فرسا وسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أصحابه، والخيل والرّجّالة حوله قال ابن سعد: وكان معه- صلّى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف، قلت: كذا ذكر محمد ابن عمر: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم. ركب فرسا. وروى الطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات عن أبي رافع، وابن سعد عن البيهقي وغيره والطبراني عن ابن عباس: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: لما أتى بني قريظة ركب على حمار عري يقال له يعفور، والنّاس حوله [ (٣) ] .
وروى الحاكم، والبيهقي وأبو نعيم عن عائشة وابن إسحاق عن..... ومحمد ابن عمر عن شيوخه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مر بنفر من بني النجار بالصّورين فيهم حارثة بن النعمان قد صفّوا عليهم السّلاح فقال: «هل مرّ بكم أحد؟» قالوا: نعم، دحية الكلبي مر على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من إستبرق وأمرنا بحمل السلاح سلاحنا فأخذنا وصففنا، وقال لنا: هذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يطلع عليكم الآن، قال حارثة بن النعمان: وكنا صفّين، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة ليزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم»
[ (٤) ] .
وسبق عليّ في نفر من المهاجرين والأنصار فيهم أبو قتادة- إلى بني قريظة.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،