غزوة الخندق
شوال ٥ على الأصح، وقيل ٤، وعمره ﷺ ٥٧
الفصل الأول: سبب الغزوة
...
يبدو أن أصحاب المغازي ومن جاء بعدهم من العلماء متفقون على أن سبب هذه الغزوة هو إجلاء يهود بني النضير من المدينة حيث إن الحسد والحقد قد تمكنا من قلوبهم مما جعلهم يضمرون العداء ويتحينون الفرص للتشفي ممن طردهم - وما طردهم إلا بسبب ما ارتكبوه ضد المسلمين - أو التحريش ضده وكانوا لا يستطيعون تنفيذ الأول وهو التشفي وحده، وهذا طبعهم الذي أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم في أكثر من آية منها على سبيل المثال قولهم لنبيهم موسى عليه السلام: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ١.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل بجلاء على جبنهم، وخبث نفوسهم، وعلى عدم طاعتهم لنبيهم بعكس أمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث كان حسناً ما أجاب به الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال كفار قريش حيث كان آخر ما قالوه "فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً إنا لصُبُر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله"١. كما رواه البخاري ١ في كتاب التفسير.
- ١صحيح البخاري مع الفتح ٧/٢٨٧ كتاب المغازي.
- *سورة المائدة الآية (٢٤) .
وعندما لم يستطع يهود خيبر - وخاصة بني النضير ١ - مجابهة المسلمين لجأوا إلى الأسلوب الثاني وهو أسلوب المكر والتحريش فقد روى ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان ٢ عن عروة ومن لا أتهم عن عبيد الله٥بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب ٣ القرظي ٤، والزهري، وعاصم ٥ بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر ٦، وغيرهم من علمائنا، وبعضهم يحدث مالا يحدث بعض قالوا: "أنه كان من حديث الخندق ٧ أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري ٨، وحيي بن أخطب النضري ٩، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ١٠، وهوذة بن قيس الوائلي ١١، وأبو عمار ١٢ الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
- ١ذلك لأنهم خسروا الكثير من مناطق نفوذهم وسلطانهم فهم موتورون، وأكثر حقداً وتحمساً من غيرهم.
- ٢يزيد بن رومان الأسدي أبو روح المدني مولى آل الزبير - ثقة - من الخامسة مات سنة ثلاثين وروايته عن أبي هريرة مرسلة روى له الجماعة، التقريب ٣٨٢، وتهذيب التهذيب ١١/٣٥.
- ٣محمد بن كعب بن سليم بن أسد أبو حمزة القرظي المدني، وكان قد نزل الكوفة مدة وكان ابوه من سبي قريظة - ثقة - عالم من الثالثة ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال البخاري أن أباه كان ممن لم ينبت من سبي قريظة مات محمد سنة ١٢٠، وقيل قبل ذلك روى له الجماعة، تهذيب التهذيب ٩/٤٢٠، التقريب ٣١٦.
- ٤القرظي: بضم القاف وفتح الراء، وفي آخرها ظاء معجمة هذه النسبة إلى قريظة وهم اسم رجل نزل أولاده حصناً بقرب المدينة وقريظة والنضير إخوان من أولاد هارون عليه السلام، والمنتسب إلى قريظة جماعة منهم كعب بن سليم القرظي المدني يروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - روى عنه ابنه محمد بن كعب وابنه محمد بن كعب القرظي أبو حمزة يروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وابن عمر - رضي الله عنهما - وغيرهما وكان من فضلاء المدينة. انظر في ذلك اللباب في تهذيب الأنساب ٣/٢٦
- ٥عاصم بن عمر بن قتادة ابن النعمان الأوسي الأنصاري أبو عمرو المدني - ثقة - عالم بالمغازي من الرابعة مات بعد العشرين ومائة روي له الجماعة، تهذيب التهذيب ٥/٥٣، والتقريب ١٥٩.
- ٦عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي - ثقة - من الخامسة مات سنة (١٣٥) ، وهو ابن سبعين سنة روى له الجماعة، التقريب ١٦٩، وتهذيب التهذيب ٥/١٦٤.
- ٧الخندق: حفير حول أسوار المدن معرب (كندة) وهي الحفرة، وخندق حفرة. ترتيب القاموس ٢/١١٦.
- ٨سلام بن أبي الحقيق أبو رافع قتله الصحابة من الخزرج، وذلك بقيادة عبد الله بن عتيك الخزرجي الأنصاري، وكان أبو رافع عدواً لله ولرسوله، وكان قتله في خيبر بعد وقعة بني قريظة ذلك لأن الأوس قتلوا كعب بن الأشراف وكانت الطائفتان الأوس والخزرج تتسابقان في الخيرات. السيرة النبوية لابن حزم ٢/٢٧٤.
- ٩حيي بن أخطب النضري ستأتي ترجمته في الحقد اليهودي قريباً.
- ١٠كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق هو أحد اليهود من بني النضير، وكان قد خلف على صفية بعد سلام بن مسلمة القرظي، وقد جيء به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أيام خيبر وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه فجحده فأتى رجل من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فأنكر وحفرت تلك الخربة فوجد بعض كنزهم، وأخيراً دفعه إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. السيرة النبوية ٤/٣٣٦، والمعارف لابن قتيبة ١٣٨.
- ١١هوذة بن قيس الوائلي لم أجد له ترجمة في غير هذا المكان. السيرة النبوية ٣/١٤، وتفسير القرآن العظيم، وهو هناك هودة ١/٥١٣.
- ١٢أبو عمار الوائلي لم أجد له ترجمة.
- *تفسير القرآن العظيم ٢/٣٨-٣٩، والسيرة النبوية ٢/٦١٥.
- *عبيد الله بن كعب بن مالك الأنصاري - ثقة - من الثالثة روى له (خ م د س) التقريب ٢٢٧.
خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: "إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله " فقالت لهم قريش: " يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه؟ " قالوا بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١. قال ابن إسحاق: "فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤا غطفان ١ فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فيه ٢. وقد أورد الطبري ٣ هذا الأثر في تفسيره عن محمد بن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بهذا الإسناد".
- ١غطفان بن سعد بطن عظيم متسع كثير الشعوب والأفخاذ من قيس عيلان من العدنانية، وهم بنو غطفان بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان كانت منازلهم بنجد مما يلي وادي القرى وجبل طيء ثم تفرقوا في الفتوحات الإسلامية، واستولت عليها قبائل طيء، وتنقسم إلى ثلاثة أفخاذ عظيمة هي: أ - أشجع بن ريث بن غطفان. ب - عبس. ج - ذبيان. (=) وقد حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، وجاءوا من بلادهم لذلك وكانوا أكثر الجموع في الأحزاب ثم ارتدوا بعد موته صلى الله عليه وسلم فحاربهم أبو بكرا لصديق - رضي الله عنه- وبعث إليهم خالد بن الوليد - رضي الله عنه - فقتل منهم كثيراً وتشتت شملهم. معجم قبائل العرب ٣/٨٨٨، والمعارف لابن قتيبة ٨٢.
- ٢السيرة النبوية لابن هشام ٣/٢١٤، وسائر كتب المغازي.
- ٣جامع البيان ٢١/١٢٩.
- *سورة النساء الآية ٥٠، وانظر ذلك في السيرة النبوية ٢/٢١٤-٢١٥، والبداية والنهاية ٤/٩٤، وتاريخ الطبري ٢/٥٦٥، والطبقات الكبرى ٢/٦٥، وعيون الأثر ٢/٥٥.
كما أورده ابن كثير ١ عن ابن إسحاق أيضاً. وكذا ذكره جميع أصحاب المغازي والسير والتفاسير ٢. وقد نقل الحافظ ٣ هذا القول من مغازي موسى بن عقبة مما يؤيد ويقوي حديث الباب.
- ١تفسير ابن كثير ٣/٤٧٠، والبداية والنهاية ٤/٩٤.
- ٢مثل ابن إسحاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن حزم، والسهيلي، وابن سيد الناس، وابن كثير.
- ٣فتح الباري ٧/٣٩٣.
نجد أن رجاله كلهم ثقات، وأن الذي قال فيه ابن إسحاق (ومن لا أتهم) في قوله (عن عروة ومن لا أتهم) .
لا يؤثر عدم تسميته لأنه مع عروة وعروة ثقة.
وهذا الإسناد ينتهي إلى هؤلاء التابعين وحكايتهم لشيء حصل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حذف للواسطة الذي شاهد ذلك وهو الصحابي ويحتمل أن يكون سقط قبل الصحابي تابعي فهو يعتبر منقطعاً١.
ويظهر أن للقصة أصلاً، ولذلك أوردها المفسرون عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ٢.
فقد قال ابن كثير - رحمه الله -: "وقال ابن إسحاق حدثني محمد بن أبي عدي ١، عن داود ٢، عن عكرمة ٣ أو عن سعيد ٤ بن جبير عن ابن عباس ٥، قال: "كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان، وبني قريظة حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، والربيع بن أبي الحقيق، وأبو عامر، ووحوح بن عامر، وهوذة بن قيس. فأما وحوح وأبو عامر وهوذة فمن بني وائل ٦، وكان سائرهم من بني النضير ٧، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتاب الأول فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه، وممن اتبعه فأنزل الله - عز وجل - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ...﴾ " ٦.
- ١محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وقد ينسب لجده وقيل هو إبراهيم أبو عمرو البصري - ثقة - من التاسعة مات سنة أربع وتسعين ومائة على الصحيح روى له (ع) ، التقريب ٢٨٨.
- ٢داود بن أبي هند القشيري مولاهم أبو بكر أو أبو محمد البصري - ثقة متقن - كان يهم بأخرة من الخامسة مات سنة أربعين ومائة وقيل قبلها روى له (خت م) ، التقريب ٩٧.
- ٣عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري - ثقة ثبت - عالم بالتفسير ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا يثبت عنه بدعة من الثالثة مات سنة سبع ومائة وقيل قبل ذلك روى له (ع) التقريب ٢٤٢-٢٤٣.
- ٤سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي - ثقة ثبت فقيه - من الثالثة وروايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين ولم يكمل الخمسين روى له (ع) التقريب ١٢٠.
- ٥عبد الله بن عباس الصحابي الجليل - مشهور -.
- ٦الوائلي نسبة إلى عدة قبائل، ولم يذكرهم ابن الأثير هنا. انظر اللباب في تهذيب الأنساب ٣/٣٥١.
- ٧النضري بفتح النون والضاد وبعدها راء هذه النسبة إلى بني النضير وهم جماعة من اليهود. اللباب ٣/٣١٤.
- *المنقطع: قال السيوطي: الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب، وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين أن المنقطع هو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعي عن الصحابي. وقيل: هو ما اختل منه رجل قبل التابعي محذوفاً أو مبهماً. تدريب الراوي ١/٢٠٧، أما الصنعاني فقد قال: المشهور أن المنقطع ما سقط من رواته راو واحد غير الصحابي إذا لو كان الساقط الصحابي لكان مرسلاً. ثم قال: وحكى الحاكم وغيره من أهل الحديث أنه ما سقط منه قبل الوصول إلى التابعي شخص واحد. انظر توضيح الأفكار ١/٣٢٤.
- *سورة النساء الآية ٥٠.
- *تفسير القرآن العظيم ١/٥١٣.
والحديث بهذا السند يعتبر حسنا لذاته والشك في قوله عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير لا يضر فكلاهما ثقتان.
ومن طريق ابن إسحاق أخرجه كذلك الطبري ١. قال عبد الرزاق ٢ عن الزهري في حديثه عن ابن المسيب مطولاً فيه: "وكان حيي بن أخطب استجاش المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الخ الحديث" ٣. ودرجة حديث عبد الرزاق: إسناده ضعيف لأن عبد الرزاق أخرجه عن ابن المسيب مرسلاً وبين عبد الرزاق والزهري راوٍ لم يذكر، ويحتمل أن يكون الذي بينهما (معمراً) ، لأن عبد الرزاق غالباً ما يأخذ عن معمر عن الزهري، علماً بأن مراسيل ابن المسيب أصح المراسيل، قد اتفق النقاد من المحدثين على ذلك.
- ١جامع البيان ٥/١٣٥.
- ٢عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري - بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح المثناة التحتية - مولاهم أبو بكر الصنعاني - ثقة حافظ - مصنف شهير عمي في آخر عمره فتغير وكان يتشيع من التاسعة مات سنة إحدى عشرة ومائتين وله خمس وثمانون روى له (ع) التقريب ٢١٣.
- *مصنف عبد الرزاق ٥/٣٧١.
والذي يظهر أن القصة مشهورة وممن ذكرها: ابن سعد، وابن القيم، وابن حجر قال ابن سعد: "مشيراً إلى جم غفير من العلماء الذي نقل عنهم شيخه الواقدي، قالوا: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة، فألبوا قريشاً، ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسُليماً ففارقوهم على مثل ذلك" ١.
وما ذكره ابن سعد يعتبر ضعيفاً لأنه من طريق الواقدي ١ وهو متروك. قال ابن القيم - رحمه الله -: "وكان سبب غزوة الخندق أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين على المسلمين يوم أُحد وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين فخرج لذلك ثم رجع للعام المقبل فقد خرج أشراف اليهود إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم وحربه ٢. وكان القرشيون قد جربوها واكتووا بنارها فصاروا يتهيبونها ويزهدون فيها. فزينها الوفد اليهودي وهون أمرها وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله ".
- ١محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني القاضي نزيل بغداد متروك مع سعة علمه من التاسعة مات سنة سبع وثمانين ومائة وله ثمان وستون روى له ابن ماجه. التقريب ٢١٢-٢١٣.
- ٢زاد المعاد ٣/٢٧٠.
- *الطبقات الكبرى ٢/٦٥.
أما الحافظ فقال: "وذكر موسى بن عقبة ١ في المغازي قال خرج حيي بن أخطب بعد قتل ٢ بني النضير إلى مكة يحرض قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان، ويحثهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لهم نصف ثمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طليحة بن خويلد بمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش فنزلوا بمر الظهران فجاءهم من أجابهم من بني سليم مدداً لهم فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله - تعالى - الأحزاب"٤.
- ١موسى بن عقبة أبي عياش بتحتانية ومعجمة الأسدي مولى آل الزبير - ثقة فقيه - إمام من المغازي، من الخامسة لم يصح أن ابن معين لينه مات سنة إحدى وأربعين ومائة، وقيل قبل ذلك روى له (ع) التقريب ٣٥٢.
- ٢لم يقتل بنو النضير، ولكنهم أُجلوا وقد صرح القرآن الكريم بذلك كما في سورة الحشر، والذين قتلوا هم بنو قريظة.
- *فتح الباري ٧/٣٩٣.
وما ذكره الحافظ نقلاً عن موسى بن عقبة لا نستطيع الجزم بضعفه أو صحته لعدم اطلاعنا على مغازي موسى بن عقبة.
ويتبين مما أوردناه من الآثار السابقة أن يهود بني النضير الذين أجلوا إلى خبير كانوا هم السبب المباشر في وقوع هذه الغزوة وقد ثبت ذلك بطرق تكون بمجموعها صالحة للاحتجاج بها.
وهكذا نرى اتفاق علماء المغازي والسير، وغيرهم من المفسرين على أن سبب هذه الغزوة المباشر هو حقد اليهود، وأملهم في القضاء على الإسلام والمسلمين ليشفوا الغيظ الذي أحرق قلوبهم نتيجة طردهم (من حوالي المدينة ١) رغم أن إجلاءهم كان نتيجة نقضهم للعهود وتلاعبهم بالمواثيق. لذلك قال أبو الحسن الندوي: وتمت الاتفاقية العسكرية والتي كان قريش وغطفان واليهود من أهم أعضائها واتفقوا على شروط من أهمها: ١- أن تشارك غطفان في جيش الاتحاد بأكبر عدد ممكن.
- ١تاريخ الخميس ١/٤٨٠، ولا يفهم من هذا أنهم خارج المدينة بل كانوا فيها.
٢- أن يدفع اليهود لقبائل غطفان كل تمر خيبر لسنة كاملة.
وأسندت قيادة الجيش لأبي سفيان بن حرب ١. وقد شذ صاحب العقد الثمين ٢ فقال: وكان المشركون عشرة آلاف عليهم الحارث بن عوف النضري ٣.
- ١السيرة النبوية للندوي ١٩٨.
- ٢وهو الإمام محمد بن أحمد الحسني المكي ت ٨٣٢هـ.
- ٣لعله يريد الحارث بن عوف المري زعيم بن مرة ولكنه مخالف لما ذكره أهل المغازي.
الفصل الثاني: تاريخ الغزوة
أما بالنسبة لتحديد زمن هذه الغزوة فقد اختلف العلماء في ذلك وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والخامسة للهجرة النبوية الشريفة، وقد شذ اليعقوبي ١ فقال: إنها كانت في السنة السادسة بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة وخمسين شهراً٢.
- ١هو أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر ابن وهب بن واضح العباسي، ويعرف بابن واضح وباليعقوبي واليعقوبي - مؤرخ - من مؤلفاته التاريخ - توفي سنة ٢٨٤، معجم المؤلفين ١/١٦١.
وهذا التحديد يبدو أنه خطأ بدليل التفصيل بعده بالأشهر ولأن الخمسة والخمسين شهراً تأتي أقل من خمس سنوات فلينظر.
وسأذكر فيما يلي رأي كل فريق مع أدلته وترجيح ما يظهر بالدليل بعد المناقشة والتحليل حسب الإمكان:
- *تاريخ اليعقوبي ٢/٥٠.
الزهري ثم تابعه موسى بن عقبة صاحب المغازي قال ابن كثير ١: "وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال الإمام مالك بن أنس فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى ٢ بن داود عنه" ٣.
- ١هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع البصروي ثم الدمشقي المعروف بابن كثير - عماد الدين أبو الفداء - محدث مؤرخ مفسر فقيه ولد عام ٧٠٠ وتوفي ٧٧٤. انظر معجم المؤلفين ٢/٢٨٣.
- ٢موسى بن داود هو الضبي، أبو عبد الله الطرسوسي نزيل بغداد، ولي قضاء طرسوس الخلقاني بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف - صدوق فقيه - له أوهام من صغار التاسعة مات سنة (٢١٧) روى له (م د س ق) التقريب ٣٥٠.
وقد ذكر البخاري رأي موسى بن عقبة في صحيحه فقال: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع" هكذا رواه تعليقاً وبه قال ١ أثبت ذلك الحافظ حيث قال: "ومال المصنف إلى قول موسى بن عقبة ٢ وقد تابع هؤلاء في ذلك ابن قتيبة ٣ والفسوي ٤ وابن حزم ٥ والنووي ٦ وابن خلدون"٥.
- ١صحيح البخاري ٥/٤٤.
- ٢فتح الباري ٥/٢٧٨ و ٧/٣٩٣.
- ٣المعارف ٧٠، وابن قتيبة هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد عالم مشارك في أنواع العلوم كاللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه وغريب الحديث والشعر والفقه والأخبار وأيام الناس وغير ذلك. سكن بغداد وحدث بها ولي قضاء الدينورت ٢٧٦هـ. تاريخ بغداد ١٠/١٧٠، انظر السير ١٣/٢٩٦.
- ٤المعرفة والتاريخ ٣/٢٥٨ تحقيق أكرم العمري والفسوي هو: يعقوب بن سفيان الفارسي أبو سفيان - ثقة حافظ - من الحادية عشرة مات سنة سبع ومائتين، روى له (س ق) التقريب ٣٨٦.
- ٥جوامع السيرة ١٨٥ وابن حزم هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن سفيان بن يزيد الفارسي الأندلسي القرطبي اليزيدي - أبو محمد - فقيه أديب أصولي محدث حافظ متكلم مشارك في التاريخ والأنساب واللغة والشعر ولد بقرطبه وتوفي عام (٤٥٦) تذكرة الحفاظ ٣/١١٤٦، السير ١٨/١٨٤.
- ٦في تهذيب الأسماء واللغاب ١/٢٠، والروضة ١٠/٢٠٧، والنووي هو: محي الدين أبو زكريا يحى بن شرف بن مرى الحزامي الحوراني صاحب التصانيف النافعة ولد سنة (٦٣١) وتوفي (٦٧٦هـ) انظر في ذلك تذكرة الحفاظ ٤/١٤٧٠-١٤٧٤.
- *البداية والنهاية ٤/٩٣.
- *تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩، وابن خلدون هو: عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد الحضرمي الأشبيلي التونسي ثم القاهري المالكي المعروف بابن خلدون ولي الدين أبو زيد عالم أديب مؤرخ توفي (٨٠٨) ، انظر الضوء اللامع للسخاوي ٤/١٤٥، ومعجم المؤلفين ٥/١٨٨.
كما قال به النسفي ١. أمّا خليفة ٢ بن خياط فلم توجد الغزوة في تاريخه ٣ ويبدو أنها سقطت منه ٤.
- ١مدارك التنزيل وحقائق التأويل ٤/١٥٦ والنسفي هو: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي حافظ الدين أبو البركات فقيه أصولي مفسر متكلم توفي في ايزخ قرب أصبهان ت (٧١٠هـ) معجم المؤلفين ٦/٣٢.
- ٢خليفة بن خياط بن خليفة العصفري التميمي البصري الملقب - شباب - بفتح المعجمة وموحدتين الأولى خفيفة صدوق ربما أخطأ وكان اخبارياً علامة من العاشرة مات سنة أربعين ومائتين وقد روى له البخاري. انظر التقريب ٩٤.
- ٣تاريخ خليفة بن خياط ص ٧٧.
- ٤قاله محقق الكتاب الدكتور أكرم العمري.
وذكر ابن العربي ١ أن ابن وهب ٢ وابن القاسم ٣ قالا بذلك ٤ ولذلك قال ابن حزم: "والثابت أنها في الرابعة بلا شك مستدلاً بحديث ابن عمر الآتي. ثم عقب قائلاً فصح أنه لم يكن بينهما - أي بين أحد والخندق - إلا سنة واحدة فقط" ١.
- ١هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري الأندلسي الأشبيلي المالكي المعروف بابن العربي أبو بكر عالم مشارك في الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتاريخ وغير ذلك توفي (٥٤٣) . تذكرة الحفاظ ٤/١٢٩٤.
- ٢عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد من التاسعة مات سنة سبع وتسعين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة، روى له (ع) التقريب ١٩٣.
- ٣عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف، أبو عبد الله البصري الفقيه صاحب مالك (ثقة) من كبار العاشرة مات سنة إحدى وتسعين ومائة روى له (خ مد س) التقريب ٢٠٨.
- ٤أحكام القرآن ٣/١٥١.
والقائلون بأنها كانت سنة أربع جميعهم يستدلون بحديث ابن عمر وهذا سياقه. قال البخاري رحمه الله: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم ١ حدثنا يحيى بن سعيد ٢ عن عبيد الله ٣ قال أخبرني نافع ٤ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه"١.
- ١هو الدروقي - حافظ فقيه - من العاشرة روى له (ع) ت (٢٥٢) التقريب ٣٨٦، وتهذيب التهذيب ١١/٣٨١.
- ٢يحى بن سعيد القطان ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة روى له (ع) ت (١٩٨) التقريب ٣٧٥.
- ٣هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني - أبو عثمان ثقة ثبت - وهو أحد الفقهاء السبعة من الخامسة روى له (ع) ت (١٤٧) تهذيب التهذيب ٧/٣٨.
- ٤نافع هو أبو عبد الله الفقيه مولى عبد الله بن عمر أصابه ابن عمر في بعض مغازيه ثقة ثبت فقيه مشهور من الثالثة روى له (ع) مات سنة (١١٧) أو بعد ذلك، تهذيب التهذيب ١٠/٤١٢.
- *جوامع السيرة ١٨٥.
الحديث رواه أيضا مسلم ١ وأبو داود ٢ والترمذي ٣ والنسائي ٤ وابن ماجه ٥ وأحمد ٦ وأبو عوانه ٧ والبيهقي ٨.
- ١صحيح مسلم كتاب الإمارة باب سن البلوغ. حديث رقم (١٨٦٨)
- ٢سنن أبي داود ٢/١٢٤ كتاب الخراج والفي باب متى يفرض للرجل في المقاتلة، ٢/٤٥٣كتاب الحدود باب في الغلام يصيب الحد.
- ٣سنن الترمذي ٢/٤٠٧ باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة، ٣/١٢٧ باب ما جاء في حد بلوغ الرجل ومتى يفرض له.
- ٤سنن النسائي ٦/١٢٧ كتاب الطلاق باب متى يقع طلاق الصبي.
- ٥سنن ابن ماجه ٢/٨٥٠ كتاب الحدود باب من لا يجب عليه الحد.
- ٦مسند أحمد ٣/١٧.
- ٧مسند أبي عوانة ٤/٥٣-٥٤.
- ٨دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
هذا الحديث مخرج في الصحيحين كما هو مبين وفي غيرهما من كتب السنة وقد أورده القائلون بأن هذه الغزوة كانت سنة أربع دليلاً لهم.
- *صحيح البخاري ٥/٨٩ كتاب المغازي باب غزوة الخندق.
والزهري من القائلين بهذا القول وقد مر أن موسى بن عقبة روى عنه أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع ١.
- ١البداية والنهاية ٤/٩٣، أحكام القرآن ٣/١٥١٠.
ومع ذلك فقد صرح في موضع آخر بأن الخندق بعد أحد بسنتين ١ وأحد كانت في السنة الثالثة ٢ وهو قول الجمهور.
- ١البداية والنهاية ٤/٩٣، أحكام القرآن ٣/١٥١٠.
- ٢وهو قول جل أهل المغازي والسير.
ب - القائلون بأن هذه الغزوة كانت في شوال سنة خمس: أما الذين قالوا بأنها كانت سنة خمس فهم كثيرون وهم الجمهور كما قال ابن كثير ١. ويتقدمهم أمام أهل المغازي ابن إسحاق وعروة ابن الزبير وقتادة ٢ والبيهقي ٣ وغير واحد من العلماء سلفاً وخلفاً٧.
- ١البداية والنهاية ٤/٩٤.
- ٢قتادة بن دعامة السدوسي (أبو الخطاب) البصري (ثقة) ثبت يقال ولد أكمه وهو رأس الطبقة الرابعة ت (١١٧) أو (١١٨) روى له (ع) . التقريب ٣٨١، وتهذيب التهذيب ٨/٣٥١.
- ٣هو أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي البيهقي الخراساني أبو بكر محدث فقيه ولد عام ٣٨٤هـ، وتوفي عام ٤٥٨، وعمل كتباً كثيرة لم يسبق إلى تحريرها. تذكرة الحفاظ ٣/١٣٢.
- *البداية والنهاية ٤/٩٣.
وممن قال به أيضا الواقدي وكاتبه ابن سعد ١ لكنهما قالا: "إنها كانت في ذي القعدة وتابعهما في ذلك المقريزي" ٢. حيث قال: "وكان من خبرها أن رسول صلى الله عليه وسلم عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة سنة خمس" ٣.
- ١محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم البصري نزيل بغداد كاتب الواقدي صدوق فاضل من العاشرة توفي سنة (٣٠) وهو ابن اثنتين وستين، روى له أبو داود فقط. التقريب ٢٩٨، وانظر مغازي الواقدي ٢/٤٤٠، والطبقات الكبرى ٢/٦٥.
أما ابن هشام ١ فقد قال: "بأنها كانت في شوال وفي سنة خمس متابعاً في ذلك ابن إسحاق" ٥.
- ١عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري الذهلي السدوسي المعافري البصري (أبو محمد) أخباري نسابة أديب لغوي نحوي قدم مصر وحدث بها وتوفي فيها سنة (٢٦٣) . انظر سير أعلام النبلاء ١٠/٤٢٨.
- *أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد المحيوي الحسيني ت (٨٤٥) انظر الضوء اللامع ٢/٢١.
- *الامتاع ١/٢١٦.
- *السيرة النبوية ٢/٢١٤.
وقال به أيضاً البلاذري ١ والطبري ٢ والمسعودي ٣ وابن عبد البر ٤ والخطيب ٥.
- ١أحمد بن يحى بن جابر بن داود البغدادي البلاذري أديب شاعر مؤرخ من أهل بغداد سمع بدمشق وبإنطاكية وهو صاحب التصانيف وسمع من ابن سعد والدولابي قال ابن عساكر بلغني أنه كان أديباً راوية وأنه مدح المأمون وجالس المتوكل وتوفي في أيام المعتمد وشوش في آخر أيامه وكانت وفاته (٢٧٩) لسان الميزان ١/٣٢٢، وتذكرة الحفاظ (٢٩٣) .
- ٢محمد بن جرير الطبري أحد الأعلام وصاحب التصانيف من أهل آمل طبرستان، أكثر التطواف وسمع محمداً بن عبد الملك بن أبي الشوارب وأبا همام السكوني وغيرهما ت ٣١٠هـ، انظر تذكرة الحفاظ ٢/٧١٠، وقال ذلك في كتابه تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٣.
- ٣قاله في التنبيه والإشراف ص ٢١٦، والمسعودي هو: علي بن الحسين بن علي المسعودي أبو الحسن أخباري صاحب تصانيف ذكر بعضها ابن حجر في اللسان ٤/٢٢٤، وذكره ابن دحية في كتاب صفين فقال مجهول لا يعرف ونكره لا يتعرف كذل قال ولم يصب. قال الحافظ وكتبه طافحة بأنه كان شيعياً معتزلياً توفي (٣٤٥) لسان الميزان ٤/٢٢٤-٢٢٥، ومعجم المؤلفين ٧/٨٠.
- ٤ابن عبد البر قال الذهبي: "هو الإمام شيخ الإسلام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي ولد سنة (٣٦٨) " قال أبو الوليد الباجي: "لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر في الحديث، وقال ابن حزم التمهيد لصاحبنا أبي عمر لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً فكيف أحسن منه ت (٤٦٣) ". تذكرة الحفاظ ٣/١١٢٨.
- ٥قال الذهبي هو: "الحافظ الكبير الإمام محدث الشام والعراق أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدى البغدادي صاحب التصانيف ولد سنة (٣٩٢هـ) كان والده خطيب قرية درزيجان من سواد العراق. سمع وقرأ القرآن على الكتاني فحرص على ولده هذا وأسمعه في الصغر سنة ثلاث وأربع مائة ثم أُلهم طلب هذا الشأن ورحل فيه إلى الأقاليم وبرع وصنف وجمع وسارت بتصانيفه الركبان" قال ابن ماكولا: "كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظاً واتقاناً وضبطاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقال ذلك في تاريخه ١/١٧٠. انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ٣/١١٣٥-١١٤٦.
وممن قال بهذا القول أيضا السهيلي ١ وابن الأثير ٢ والنويري ٣ حيث حكاه عن ابن إسحاق وممن قال به من المشاهير ابن كثير ٤ والسمهودي ٥.
- ١انظر: الروض الأنف ٣/٢٥٨، والسهيلي هو: الحافظ العلامة البارع أبو القاسم أبو زيد أبو الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن أصبع بن حسين بن سعدون ولد الخطيب أبي محمد بن الأمام الخطيب أبي عمر الخثعمي الأندلسي المالقي الضرير صاحب التصانيف المؤنقة. ولد عام ٥٠٨هـ. وتوفي عام ٥٨١هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٤/١٣٤٨.
- ٢قال ذلك في الكامل ٢/١٢٢، وابن الأثير هو: أبو الحسن علي ابن الأثير أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري المحدث اللغوي، صاحب التاريخ ومعرفة الصحابة والأنساب وغير ذلك. ولد عام ٥٥٥هـ، وتوفي ٦٣٠هـ. تذكرة الحفاظ ٤/١٣٩٩ قال ذلك في الكامل ٢/١٢٢.
- ٣هو: أحمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن عبادة البكري النويري (شهاب الدين) أبو العباس. مؤرخ أديب مشارك في علوم كثيرة من تصانيفه نهاية الأدب. ولد عام ٦٧٧هـ، توفي عام ٧٣٣هـ. انظر قوله في كتابه نهاية الأرب ١٧/١٦٦.
- ٤البداية والنهاية ٤/٩٤.
- ٥هو علي بن عبد الله بن أحمد بن علي بن عيسى بن محمد بن عيسى الحسني نور الدين أبو الحسن. مؤرخ فقيه. ولد بسمهود ونشأ بها وتوفي بالمدينة. من تصانيفه وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى. ولد عام ٨٤٤هـ، توفي عام ٩١١هـ. انظر قوله في وفاء الوفاء ١٠/١١٢، وانظر ترجمته في الضوء اللامع ٥/٢٤٥.
وممن قال به من المعاصرين محمد محمد أبو شهبه ١، وعماد الدين خليل ٢، ومصطفى السباعي ٣.
- ١السيرة النبوية على ضوء الكتاب والسنة ٢/٢٢٨.
- ٢دراسة في السيرة ٢١٦.
- ٣السيرة النبوية دروس وعبر ٨٨.
وهكذا يتبين أن الكثرة الكاثرة هم القائلون بأنها كانت سنة خمس. قال الذهبي ١: "وهو المقطوع به" ، وقال ابن القيم ٢: "وهو الأصح" ، وقال الحافظ ٣: "وهو المعتمد حكى ذلك كله القسطلاني ٤. وقد أجابوا عن حديث عرض ابن عمر المتقدم مؤلين له وقالوا: "يحتمل أنه عرض في أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة، وهذا هو جواب البيهقي" ١.
- ١الذهبي هو: محمد بن أحمد بن عثمان قايماز. انظر: معجم المؤلفين ٨/٢٨٠.
- ٢هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حرير الزرعي. نسبة إلى بلدة أزرع ثم الدمشقي. أبو عبد الله شمس الدين. كان رضي الله عنه من أجلة العلماء، وكذلك كان أبوه فقد كان قيماً على الجوزية (مدرسة في دمشق ولذلك عرف بابن القيم الجوزية) . ولد عام ٦٩هـ في شهر صفر، وتوفي عام ٧٥١هـ. وله مصنفات قيمة مثل زاد المعاد، وأعلام الموقعين، وغيرهما، شذرات الذهب ٦/١٦٨، والدبر الطالع ١/١٤٣.
- ٣هو: أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد الكناني العسقلاني المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة. ويعرف بابن حجر، شهاب الدين ابو الفضل، محدث مؤرخ أديب شاعر. ولد عام ٧٧٣هـ، وتوفي عام ٨٥٢هـ. زادت تصانيفه على مائة وخمسين مصنفاً منها: فتح الباري، الإصابة في تمييز الصحابة، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، وغير ذلك. انظر: الضوء اللامع ٢/٣٦ ترجمة ١٠٤.
- ٤المواهب اللدنية ٢/١٠٣، والقسطلاني هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن محمد بن حسين بن علي القسطلاني الأصل المصري. شهاب الدين. أبو العباس، محدث مؤرخ فقيه ومقرئ. ولد بمصر عام ٨٥١هـ. وتوفي عام ٩٢٣. من تصانيفه إرشاد الساري علي صحيح البخاري، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، فتح الداني في شرح الأماني، منهاج الابتهاج وغيرها.
وعقب ابن كثير ١ على قول ابن حزم المتقدم، والثابت أنها في الرابعة بلا شك بقوله: "هذا الحديث مخرج في الصحيحين، وليس يدل على ما ادعاه ابن حزم، لأن مناط إجازة الحرب كان عنده صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة، فكان لا يجيز من لم يبلغها، ومن بلغها أجازه. فلما كان ابن عمر يوم أحد ممن لم يبلغها لم يجزه. ولما كان قد بلغها يوم الخندق أجازه.
- ١الفصول في سيرة الرسول ص ٥٦، البداية والنهاية ٤/٩٤.
وليس ينفي هذا أن يكون قد زاد عليها بسنة أو سنتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك فكأنه قال: وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا بالغ أو من أبناء الحرب. وقال البيهقي: "ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس" ١.
- *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
وقد أورد ابن حجر هذا الجواب عن البيهقي ومفاده: "بأن قول ابن عمر " عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة " أي دخلت فيها، وأن قوله عرضت يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، أي تجاوزتها فألغى الكسر في الأولى، وجبره في الثانية، وهو شائع مسموع في كلامهم. وبه يرتفع الإشكال المذكور، وهو أولى من الترجيح" ٢.
وقد روى الطبراني ١ بسنده عن ابن إسحاق أثراً يعتبر شاهداً لأصحاب هذا الرأي حيث قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي١ ثنا محمد بن محمد بن عبد الله ابن نمير٢ ثنا يونس بن بكير٣ عن محمد بن إسحاق قال: "لما كانت٤ ١ محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الحافظ مطّين بفتح المثناة التحتية. قال صاحب المغني هو لقب أبي جعفر محمد بن عبد الله قال وبكسرها (المثناة) لقب عبد الله بن محمد. قال الحافظ: "هو محدث الكوفة، وقد وثقه الناس ". قال الذهبي سئل عنه الدارقطني فقال: " ثقة جبل ". قال: " وبكل حال فمطين ثقة مطلقاً. ولد ٢٠٢هـ، وتوفي عام ٢٩٧هـ". انظر: لسان الميزان ٥/٢٣٣- ٢٣٤، تذكرة الحفاظ ٢/٦٦٢، المغني في أسماء الرجال ٧٢.
- ١المعجم الكبير ٦/١٦، والطبراني هو: كما قال الذهبي فيه. الحافظ الإمام العلامة الحجة (بقية الحفاظ) أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي بمفتوحة وسكون الخاء المعجمة نسبة إلى لخم وهو مالك بن عدي - المغني ٦٧. الشامي الطبراني مسند الدنيا. ولد سنة ٢٦٠هـ، وتوفي ٣٦٠هـ. وقال الحافظ: "لا ينكر له التفرد في سعة ما روى. لينه الحافظ أبو بكر بن مردويه لكونه غلط أو نسى فمن ذلك أنه وهم وحدث بالمغازي عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وإنما أراد عبد الرحيم أخاه فتوهم أن شيخه عبد الرحيم اسمه أحمد واستمر على هذا يروي عنه ويسميه أحمد. وقد مات أحمد قبل دخول الطبراني مصر بعشر سنين أو أكثر وإلى الطبراني المنتهى في كثرة الحديث وعلوه. ومن تصانيفه المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، الدعاء في مجلد كبير، دلائل النبوة، كتاب الأوائل، وتفسير كبير". تذكرة الحفاظ ٣/٩١٢، لسان الميزان ٣/٧٣، معجم المؤلفين ٤/٢٥٣. ٤ كذا في المطبوعة ولما هنا زائدة.
- *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
- *فتح الباري ٥/٢٧٨، التلخيص ٤/٨٩- ٩٠.
٢ محمد بن عبد الله بن نمير الهمذاني بسكون الميم الكوفي أبو عبد الرحمن، ثقة حافظ، فاضل من العاشرة. مات سنة أربع وثلاثين أي ٢٣٤هـ. وروى له (ع) . التقريب ٣٠٦.
٣ يونس بن بكير بن واصل الشيباني أبو بكر الحمال الكوفي، صدوق يخطئ من التاسعة. مات سنة ١٩٩. روى له (خت م ت ق) . قال الذهبي هو حسن الحديث. التقريب ٣٩٠، ميزان الاعتدال ٤/٤٧٨.
الخندق في شوال سنة خمس وفيها مات سعد بن معاذ -رضي الله عنه-. وهذا الأثر يعتبر على ضوء هذا السند حسناً إلى ابن إسحاق منقطعاً بعده والله أعلم.
وكذا أورد هذا الأثر البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ١ حدثنا أبو العباس ٢ محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار ٣ العطاردي حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق به ٤.
- ١أبو عبد الله الحافظ الكبير إمام المحدثين محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع. صاحب التصانيف قال الحافظ: "إمام صدوق ولكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة فيكثر من ذلك فما أدري هل خفيت عليه فما هو ممن يجهل ذلك، وإن علم فهو خيانة عظيمة ثم هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرض للشيخين. مات ٤٠٥هـ". لسان الميزان ٥/٢٣٢، تذكرة الحفاظ ٣/١٠٣٩، والمترجم له هو: الحاكم.
- ٢هو الإمام المفيد الثقة محدث المشرق (أبو العباس) محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم المعقلي النيسابوري، وكان يكره أن يقال له الأصم. قال الحاكم: وإنما ظهر به الصمم بعد مجيئه من الرحلة ت ٢٨٤هـ. تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠.
- ٣أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زراره التميمي العطاردي أبو عمر الكوفي. قال مطين: "كان يكذب"، وقال أبو أحمد "الحاكم ليس بالقوى عندهم تركه ابن عقدة"، وقال الحافظ: "ضعيف وسماعه للسيرة صحيح من العاشرة ولم يثبت أن أبا داود أخرج له. مات سنة ٢٧٢هـ". تهذيب التهذيب ١/٥١
- *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
كما أورده الهيثمي ١ عن ابن إسحاق، وقال رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقال الحافظ: "ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدر فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من السنة المقبلة إلى بدر فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ، وقال لقومه إنما يصلح الغزو في سنة الخصب فرجعوا بعد أن وصلوا عسفان أو دونها" .
- ١مجمع الزوائد ٦/١٤٢. قلت: "حكم الهيثمي على هذا السند جيد لأن يونس بن بكير أكثرهم على توثيقه ومن هؤلاء ابن معين خلافاً لما توصل إليه الحافظان الذهبي وابن حجر فيما تقدم".
ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي.
وعقب ١ على ذلك بقوله: "وقد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلقون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أحد كانت في السنة الثانية، وأن الخندق كانت في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، ثم قال: ولكنه بناء واهٍ مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، وأحد في الثالثة، والخندق في الخامسة وهو المعتمد "١.
- ١أي الحافظ ابن حجر.
أما ابن العربي فقد قال: "إن الخندق بعد مضي أربع سنين وعشرة أشهر وخمسة أيام من الهجرة "٢، وهذا موافق لأصحاب الرأي القائل بأنها كانت في الخامسة، وموافق لابن سعد حيث قال بأنها كانت في الخامسة، وفي شهر ذي القعدة، وذلك بناءً على التاريخ من بداية المحرم. وأخيراً نعرج على كلام البيهقي لنراه يقول: قلت: " لا اختلاف بينهم في الحقيقة، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل يوم بدر لسنة ونصف من مقدمه المدينة في شهر رمضان ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة في شوال، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه المدينة فمن قال سنة أربع أراد أربع سنين، وقبل بلوغ الخمس، ومن قال سنة خمس أراد بعد الدخول في السنة الخامسة، وقبل انقضائها"١ والله أعلم.
- *فتح الباري ٧/٣٠٣.
- *عارضة الأحوذي ٧/١٧٣.
هذا نص كلام البيهقي وهو توجيه حسن أخذ به كثير من العلماء لفك الإشكال، أما ابن سيد الناس ١ فقد نقل كلا القولين، ولم يرجح أحدهما على الآخر ٢.
- ١هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى اليعمري الأندلسي الأشبيلي المصري المعروف بابن سيد الناس، فتح الدين أبو الفتح، محدث حافظ مؤرخ فقيه ناظم ناشد نحوي أديب، وهو من شيوخ الذهبي. ولد عام ٦٧١هـ، وتوفي عام ٧٣٤هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٤/١٥٠٣.
- ٢عيون الأثر ٢/٥٥.
استعرضنا أدلة الفريقين، وتبين من ذلك أن الحق مع القائلين بوقوع هذه الغزوة في سنة خمس لما يأتي: ١- احتمال حديث ابن عمر لتأويلهم.
٢- اطباق أهل المغازي والسير والمؤرخين والعلماء من بعدهم على هذا الرأي.
- *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
٣- ما ذكر من مواعدة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد -بدر الموعد- يجعل ذلك واضحاً ومواعدة قريش لملاقاته صلى الله عليه وسلم ساقها ابن حجر كاملة ١، وقد بين -رحمه الله- في المقدمة ٢ أن ما يورده في كتابه منتزعاً من أمهات المسانيد، والجوامع والمستخرجات، والأجزاء، والفوائد بشرط الصحة أو الحسن.
- ١فتح الباري ٧/٣٩٣.
- ٢هدي الساري ٤.
المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم
...
المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم.
إن الحقد الذي تمكن في قلوب اليهود على البشرية عامة وعلى المؤمنين خاصة قديم يرافق هذا الحقد عناد وصلف وكبرياء. وذلك لأنهم يعتقدون أنهم أهل السيادة في الأرض حيث قالوا إنهم أبناء الله وأحباؤه وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ١ الآية. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "قالوا: أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا. ونقلوا عن كتابهم ما يوافق هدفهم وحرفوه ١. ونجد أكبر شاهد على حقدهم وكراهيتهم للمؤمنين قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ " ٣ الآية.
- ١تفسير ابن كثير ٢/٣٤.
- *سورة المائدة الآية رقم ١٨.
- *سورة المائدة الآية ٨٢.
أما كراهتهم للعرب خاصة فهو واضح بالقرآن والسنة ذلك أن القرآن حكى لنا أنهم يستبيحون أكل أموال العرب وليس عليهم سبيل في ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ١ الآية. قال ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية أي: "إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب فإن الله قد أحلها لنا. أقول: ولكن الله سبحانه وتعالى كفانا شرهم والمجادلة معهم عند ادعائهم هذا وذلك بتمام الآية السابقة حيث قال ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون َ﴾ " ٢. قال ابن كثير: "أي: وقد اختلقوا هذه المقالة وائتفكوها بهذه الضلالة. فإن الله قد حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بهت ١. ومع هذا فإننا إذا أردنا أن نتعرض لحقدهم وغرورهم الذي وضحه القرآن لطال بنا البحث ولكن أردنا التنويه بخبثهم ودسهم وعدم انصياعهم مع أنه واضح للعيان" .
- ١تفسير ابن كثير ١/٣٧٤.
- *سورة آل عمران الآية ٧٥.
- *سورة آل عمران الآية ٧٥.
فهذه أم المؤمنين صفية ١ بنت حيي بن أخطب تقول عن أبيها وعمها عندما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يحمل النور معه. وكان أهل الكتاب يعرفون علامات مبعثه وصفاته ولكن العمى عمى القلب فهذا حيي بن أخطب وهو القطب الدوار والخصم الألد الذي حرك أعداء هذا الدين لهذه الغزوة وأثار كوامن ٢ قريش وألبهم ضد المسلمين وضد حامل هذه الرسالة الصافية صلوات الله وسلام عليه. تحدث أم المؤمنين فتقول فيما رواه ابن إسحاق: قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال حُدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت: " كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه" . قالت: "فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء ٣ في بني عمرو بن عوف قالت غدا ٤ عليه أبي حيي بن أخطب ٥ وعمي أبو ياسر ٦ مغلسين ٧ قالت فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس ". قالت: " فأتيا كالين ٨ كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى. قالت: فهششت ٩ إليهما كما كنت أصنع فوالله ما ألتفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب أهو هو قال: نعم والله قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم قال: فما في نفسك منه؟ قال عداوته والله ما بقيت"٣.
- ١صفية بيت حيى بن أخطب أم المؤمنين سبيت في غزوة خيبر واصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت وأعتقها وتزوجها وجعل عتقها مهرها. توفيت رضي الله عنها سنة ٥٢هـ وذلك في خلافة معاوية رضي الله عنه، وأوردها الذهبي فيمن مات سنة خمسين. الطبقات الكبرى ٨/١٢٠، ودول الإسلام ١/٣٧، سمط النجوم العوالي ٣/١٥٩.
- ٢كوامن: هو كل ما اختفى من الأحاسيس والمشاعر والأحقاد. مختار الصحاح ٥٧٩.
- ٣قباء: بالضم وأصله اسم بئر هناك عرفت القرية بها وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار، وأول ما نزل الرسول صلى الله عليه وسلم عند مقدمه من مكة فيه وأقام به الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وركب يوم الجمعة يريد المدينة فجمع في مسجد بني سالم بن عوف فكانت أول جمعة جمعت في الإسلام. معجم البلدان ٤/٣٠١.
- ٤غدا: أي ذهب أول النهار نقيض الرواح وقد غدا يغدوا والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس والجمع غدوات. النهاية في غريب الحديث ٣/٤٦، مختار الصحاح ٤٦٩.
- ٥حيي بن أخطب بن سعية، وقيل سعنة بن عامر بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن ينحوم من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران عليه السلام وهو من سبط لاوي بن يعقوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم. الطبقات الكبرى ٨/١٢٠، أسد الغابة ٥/٤٩٠، الإصابة ٤/٣٤٦، كلهم ذكر ترجمته عند ذكر صفية أم المؤمنين - رضي الله عنها وأرضاها -.
- ٦أبو ياسر بن أخطب لم يرد ذكره منفرداً بل مقترناً بأخيه وبكونهما عدوين لدودين للنبي صلى الله عليه وسلم. انظر: السيرة النبوية ١/٥١٤، ٥١٩، ٥٤٦، ٥٤٧، ٥٤٨، ٥٦٠.
- ٧مغلسين: الغَلَس بفتحتين ظلمة آخر الليل والتغليس السير بغلس. مختار الصحاح ٤٧٨.
- ٨كالين: كلّ الرجل والبعير من المشي يكل كلالاً وكلالة أي أعيا مختار الصحاح ٥٧٦.
- ٩هششت: الهشاشة بالفتح الارتياح والخفة للمعروف. المصدر السابق ٦٩٥.
والحديث بهذا الإسناد - منقطع - لأن عبد الله بن أبي بكر بن حزم روى عن مجهول - الواسطة بينه وبين صفية -.
والحديث وإن كان منقطعاً فالآيات والواقع الملموس من هذه الطائفة تؤيده وقد دل كتاب الله على معنى هذا الحديث في أكثر من آية منها علي سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. قال ابن كثير: "هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا - بتشديد الواو التي بعد العين - عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون ١ الطفيف والخط الدنيوي السخيف فبئست الصفقة صفقتهم وبئست البيعة بيعتهم" ٣. وقال الطبري عند تفسير هذه الآية: "واذكر أيضا من هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم يامحمد إذ أخذ الله ميثاقهم ليبين للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم وهو التوراة والإنجيل وأنك لله رسول مرسل بالحق ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم. يقول: فتركوا أمر الله وضيعوه ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك فكتموا أمرك وكذبوا بك واشتروا به ثمناً قليلاً ".
- ١دون: بالضم نقيض فوق وهو الخسيس. القاموس المحيط ٤/٢٢٣- ٢٢٤.
- *السيرة النبوية ١/٥١٨- ٥١٩، ٢/٢٤١، الاكتفاء ١/٤٧٣، وفاء الوفاء ٢٦٩.
- *سورة آل عمران الآيتان ١٨٧- ١٨٨.
- *تفسير ابن كثير ١/٤٣٦.
يقول: "وابتاعوا بكتابهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك عوضاً منه خسيساً قليلاً من عوض الدنيا ثم ذم جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك فقال: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ "١.
ثم أورد الطبري - رحمه الله - حديثاً يؤيد ما سبق. حيث قال: حدثنا بشر ١ قال حدثنا يزيد ٢ قال حدثنا سعيد ٣ عن قتادة ٤ ذكر لنا أن أعداء الله اليهود يهود خيبر ٥ أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به وأنهم متابعوه وهم متمسكون بضلالتهم وأرادوا أن يحمدهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بما لم يفعلوا فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ الآية.
- ١هو: بشر بن معاذ العقدي بفتح المهملة والقاف أبو سهل البصري الضرير، صدوق من العاشرة مات سنة بضع وأربعين ومائتين. روى له (ت س ق) . تهذيب التهذيب ١/٤٥٨.
- ٢يزيد بن زريع بتقديم الزامي مصغراً - البصري - أبو معاوية (ثقة ثبت) من الثامنة مات اثنتين وثمانين ومائة. روى له (ع) . التقريب ٣٨٢.
- ٣سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري (ثقة حافظ) . له تصانيف لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة من السادسة مات سنة ١٥٧، وقيل ١٥٦. روى له (ع) . التقريب ١٢٤.
- ٤قتادة بن دعامة ثقة. وقد تقدم ص ٦٧.
- ٥خيبر الموضع المذكور في غزاة النبي صلى الله عليه وسلم وهي ناحية على ثمانية برد شمال المدينة يطلق هذا الاسم على الولاية وتشتمل هذه الولاية على سبعة حصون وبها نخل ومزارع. انظر: معجم البلدان ٢/٤٠٩، وهي تبعد عن المدينة شمالاً بـ ١٧٠ كيلو متر.
- *جامع البيان ٤/٢٠٢.
والحديث بهذا السند إلى قتادة حسن ولم يسم قتادة من ذكر له ذلك. ومن الجدير بالإشارة أن اليهود يحقدون أشد الحقد على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعرفوه حتى أنهم عندما ما سمعوا أوصافه قال بعضهم لبعض: اقتلوه ويشهد لذلك ما رواه ابن سعد من سند منقطع من أعلاه حيث قال: أخبرنا عمرو بن عاصم ١ الكلابي أخبرنا همام ٢ بن يحي عن إسحاق ٣ بن عبد الله أن أم ٤ النبي صلى الله عليه وسلم لما دفعته إلى السعدية ٥ التي أرضعته قالت لها احفظي ابني وأخبرتها بما رأت فمر بها اليهود فقالت إلا تحدثوني عن ابني هذا؟ فإني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا وصفت أمه قالت فقال بعضهم لبعض: "اقتلوه فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا هذا أبوه وأنا أمه فقالوا: لو كان يتيماً لقتلناه" ٢ أ. هـ وليس ذلك بمستبعد عن قوم وصفهم الله في كتابه بأنهم يقتلون أنبياءهم.
- ١عمرو بن عاصم بن عبيد الله الكلابي القيسي أبو عثمان البصري (صدوق) في حفظه شيء من صغار التاسعة ت ٢١٣. روى له (ع) . التقريب ٢٦٠.
- ٢همام بن يحيى بن دينار العوذي بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة أبو عبد الله أو أبو بكر البصري - ثقة - ربما وهم من السابعة مات سنة ١٦٤هـ. روى له (ع) . التقريب ٣٦٥.
- ٣إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري المدني أبو يحيى (ثقة حجة) من الرابعة ت (١٣٢) (١٣٤) وقيل بعدها. روى له (ع) . التقريب ٢٩.
- ٤أم النبي صلى الله عليه وسلم هي: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة وقد توفيت بالابواء وهي كما قال ياقوت في معجم البلدان ١/٧٩. قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً قال أنها سميت بالابواء لتبوء السيول بها وقد ماتت بها آمنة وهي راجعة من المدينة وقد ذهبت لزيارة أخواله عليه الصلاة والسلام. الطبقات الكبرى ١/٥٩، السيرة النبوية ١/١٩٦، الروض الأنف ١/١٩٤.
- ٥هي حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم وهي من هوازن كما في الإصابة في تمييز الصحابة ٤/٢٨٤. قال ابن القيم في الزاد ١/٨٣ واختلف في إسلام أبويه من الرضاعة.
- *سورة آل عمران الآيتان ١٨٧- ١٨٨. وانظر: تفسير الطبري ٤/٢٠٨.
مما سبق من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة يتضح بعض الأدلة التي جاءت مبينة لما يعرف به اليهود على مدى الأزمان من حقد دفين وعداوة ظاهرة للأمة الإسلامية ونبيها المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ذلك الحقد الذي أعمى قلوبهم وأحرقها وشتت شملهم في الدنيا حيث نفاهم صلى الله عليه وسلم من المدينة وذلك بقوة الله التي تسانده حيث أخبر تعالى عن ذلك فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١.
- *الطبقات الكبرى ١/١١٣، ١٢٠، ١٥٣، ١٥٥، ١٥٩، السيرة النبوية ١/٥٤٦ وما بعدها.
ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن حقدهم ودسائسهم أن نبين طوائف اليهود الذين تمركزوا في المدينة منذ زمن طويل وهذه الطوائف هي: بنو قينقاع وبنو النضير، وبنو قريظة وكل طائفة من هذه الطوائف كان لها موقف مع النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكانت كلها مواقف تنضح بالحقد والكراهية.
وكان من موقف بني قينقاع كما قال الحافظ ١ ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر جمع يهود بني قينقاع في سوقهم فقال: يايهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشاً يوم بدر. فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال ولو قاتلناك لتعلمن أنا نحن الناس ٢. فأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ... إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ الآيتان ٣. وهكذا يظهر أن أول من نقض العهد من اليهود هم بنو قينقاع ٤. قال ابن هشام: "وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور ٥ بن مخرمة عن أبي عون ٦ قال كان من أمر بني فينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب ٧ لها فباعته بسوق بني قنيقاع وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهودياً وشدت اليهود على المسلم فقتلوه. فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع "١ وأثر ابن هشام فيه انقطاع من أسفله ومن أعلاه. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: "فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه " وكان ذلك في شوال بعد وقعة بدر وأراد قتلهم فاستوهبهم منه كبير المنافقين ٨.
- ١فتح الباري ٧/٣٣٢ بتصرف.
- ٢تفسير ابن كثير ١/٣٥٠، السيرة النبوية ٢/٤٧.
- ٣سورة آل عمران الآيتان ١٢، ١٣.
- ٤الطبقات الكبرى ٢/٢٩، فتح الباري ٧/٣٣٠.
- ٥عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة أبو محمد المدني المخرمي بسكون المعجمة وفتح الراء الخفيفة - ليس به باس - ت ١٧٠. روى له البخاري تعليقاً ومسلم والأربعة. تهذيب التهذيب ٥/١٧١.
- ٦أبو عون هو: محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد الثقفي الكوفي الأعور - ثقة - من الرابعة ت ١١٦. روى له (خ م د ت س) . تهذيب التهذيب ٩/٣٢٢.
- ٧الجلب: بفتحتين فعل بمعنى مفعول وهو ما يجلبه الإنسان من بلد إلى بلد وذلك من التجارة. المصباح المنير ١٢٧.
- ٨هو: عبد الله بن أبي بن سلول ونفاقه مشهور. انظر: البداية والنهاية ٤/٤.
- *سورة الحشر الآية ٢.
وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات ١. قال ابن حزم: "وهم قوم عبد الله بن سلام ٢ - مخفف - وكانوا في طرف المدينة ٣ وكانوا سبعمائة مقاتل"٦.
- ١أذرعات بالفتح ثم السكون وكسر الراء وعين مهملة وألف وتاء بلد في إطراف الشام تجاور أرض البلقاء. مراصد الإطلاع ١/٤٧.
- ٢عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري كان حليفا لهم من بني قينقاع وهو من ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام وكان اسمه في الجاهلية الحصين فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم عبد الله. أسد الغابة ٣/١٧٦.
- ٣انظر رسالة - طوائف ليهود الثلاث في المدينة- لأكرم حسين السندي.
- *السيرة النبوية ٢/٤٨.
- *جوامع السيرة ١٥٤.
ثم نقض العهد بعد ذلك بنو النضير وكان رئيسهم حيي بن أخطب والمشهور في كتب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهض بنفسه إلى بني النضير مستعيناً بهم في دية القتيلين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ١ الذي نجا من حادثة بئر معونة.
- ١هو: عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبيد بن ناشرة بن كعب بن جدي بن ضمرة يكنى أبا أمية. أسلم قديماً وكان أول مشاهده بئر معونة وكان صاحب نجدة. أسد الغابة ٤/٨٦، الاستيعاب ٣/٢٤٨.
فلما كلمهم صلى الله عليه وسلم قالوا: "نعم فقعد رسول صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر وعلي ونفر من أصحابه إلى جدار من جدرهم" فاجتمع بنو النضير وقالوا: "من رجل يصعد على ظهر البيت فيلقي صخرة على محمد فيقتله فيريحنا منه. فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأوحى الله تعالى بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام ولم يشعر بذلك أحد من أصحابه ممن كانوا معه فلما استلبثه أصحابه رضي الله عنهم قاموا فرجعوا إلى المدينة واتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرهم بما أوحى الله تعالى إليه بما أرادته اليهود وأمر أصحابه بالتهيؤ لحربهم" ٢.
- *جوامع السيرة ١٨١، السيرة النبوية ٢/١٩٠.
لكن ابن حجر أورد غير هذا حيث قال: وروى ابن مردويه ١ قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى معمر ٢ عن الزهري أخبرني عبد الله ٣ بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أن قال: فلما كانت غزوة بدر كتبت كفار قريش بعدها إلى اليهود إنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم ٤ فأجمع بنو النضير على الغدر فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ٥ ويلقاك ثلاثة من علمائنا فإن آمنوا بك اتبعناك ففعل فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير فأخبر أخوها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليهم قال ابن حجر: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه صلى الله عليه وسلم أن يعينوه في دية الرجلين لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي فالله أعلم "١.
- ١هو أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك بن موسى بن جعفر الاصبهاني أبو بكر (محدث) حافظ مفسر مؤرخ ت لست بقين من رمضان عام ٤١٠هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٣٠٨.
- ٢هو معمر بن راشد الازدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن (ثقة ثبت) فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً وكذا فيما حدث بالبصرة من كبار السابعة مات سنة ١٥٤ وهو ابن ثمان وخمسين. روى له (ع) . التقريب ٣٤٤.
- ٣عبد الله بن كعب وليس بن عبد الرحمن بن مالك الأنصاري المدني ثقة يقال له رؤية. مات سنة سبع أو ثمان وتسعين ٩٨هـ. روى له (خ م د س ق) . تهذيب التهذيب ٥/٣٦٠.
- ٤هكذا في الأصل والمناسب يغرونهم.
- ٥الغدر ضد الوفاء غدره وبه كنصر وضرب وسمع. القاموس ٢/١٠٣.
أما بنو قريظة فكان سبب محاصرتهم وقتلهم ما وقع منهم من نقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومما لأتهم ١ لقريش وغطفان ومطاوعتهم لعدو الله وعدو رسوله حيي بن أخطب حتى أنه لم يزل بسيدهم كعب بن أسد يفتله في الذروة والغارب ٢ حتى نقض عهده وأخلف وعده ٣. وكان مصير هذه الطائفة أن نزلت على حكم الصحابي الجليل سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه ومواليه فحكم فيهم أن يقتل رجالهم ويسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم أموالهم ٤ فقال صلى الله عليه وسلم: "قضيت بحكم الله"٦.
- ١مالأه بالمد ساعده على الأمر وشايعه. القاموس المحيط ١/٣٠.
- ٢أي يدور من وراء خديعته. القاموس المحيط ٤/٢٩.
- ٣السيرة النبوية ٢/٢٤٠، سمط النجوم العوالي ٢/١١٥، زاد المعاد ٢/١٣٠.
- ٤السيرة النبوية ٢/٢٤٠، جوامع السيرة ١٩٥..
- *فتح الباري ٧/٣٣١.
- *وذلك من حديث صحيح رواه أبو سعيد الخدري. انظر: صحيح البخاري ٥/٩٣ (باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة) .
أما يهود خيبر فقد نقضوا العهد وخرج إليهم صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم سنة سبع وحاصرهم حتى فتحها وغنم ما فيها ١.
- ١البداية والنهاية ٤/١٨١، فتح الباري ٧/٤٦٤، جوامع السيرة ٢١١.
بعد أن رأينا طباع اليهود وأن ديدنهم الحقد والعداوة للإسلام والمسلمين مهما كلفهم ذلك وأنهم لا زالوا ولن يزالوا يكيدون للمسلمين ويقتلونهم متى سنحت الفرصة لهم فهم مهما اضطهدوا فعندما يفيقون يكون أول عمل لهم هو ضد المسلمين فقط.
ولا أدل على ذلك أن يهود أسبانيا عندما طردهم فرديناد ملك أسبانيا أنقذ السلطان بيازيد الثاني يهود أسبانيا من إبادة محققة وقدمت لهم الحكومة العثمانية جميع الحقوق وأصبحوا في حالة مرضية للغاية فما عليهم إلا أن يدفعوا الجزية ويعيشوا في أمن واطمئنان.
على الرغم من كل ما قدمته الحكومة العثمانية وولاتها فقد توجه اليهودي دافيد روبيني عام ٥٠٥هـ إلى البابا كليمنت السابع وعرض عليه مشروع محالفة عسكرية مسيحية يهودية ضد المسلمين تقضي بما يلي: (١) إنهاء العداء القائم بين المسيحيين واليهود على حساب المسلمين.
١ تعاون جيوش أوروبا مع جموع الشعب اليهودي الذين يقيمون داخل الدولة العثمانية للانقضاض عليها من الداخل وغزوها من الخارج واحتلال أرضيها.
- ١سورة البقرة الآية ١٤.
(٣) تتولى الدولة المسيحية تزويد اليهود الذين يقيمون داخل الدولة الإسلامية بالأسلحة التي تساعدهم في الانقضاض على المسلمين ١.
- ١السياسة اليهودية ١٩٥- ١٩٦.
هذه هي أخلاق اليهود من قديم الزمان ولازالت هي أخلاقهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
قال الأستاذ محمد عزة دروزة: "ولليهود في العهد المدني شأن كبير متعدد النواحي لأنهم أول من اصطدم مع النبي صلى الله عليه وسلم ولقد شغلوا في القرآن المدني حيزاً واسعاً منذ بدء تنزيله" ثم قال: "ولعل من الدلائل على أنهم أول من اصطدم مع النبي ما جاء في الآيات الأولى من البقرة التي هي أول السور المدنية في ترتيب النزول فقد جاء في أولها: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ " ٢.
فقد قال جمهور المفسرين: "إن شياطينهم هم اليهود ويدل هذا بوضوح على أن اليهود هم الذين أغروا المنافقين بالنفاق وشجعوهم في مواقف الخداع" ١.
- *سيرة الرسول ٢/١٢١.
المبحث الثاني: الوفد اليهودي المحرض
لما نفدت حيل اليهود وأصبح مكرهم مكشوفاً وعجزهم واضحاً لجأوا إلى كفار قريش -ليدللوا بذلك على جبنهم وذلهم- لجأوا محرضين كفار قريش ليشنوا حرباً عامة على المسلمين في المدينة ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١. وقد أعطوا العهود والمواثيق لكفار قريش أنهم سيكونون معهم محاولين بذلك تغطية الذلة والجبن الذي هو من أخلاقهم دائماً وأبداً.
تكون الوفد من بني النضير ومن بني وائل، وحيكت المؤامرة في خيبر وانطلق بعدها الوفد يضم: سلام بن أبي الحقيق النضري - أبا رافع - وحيي بن أخطب النضري وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري.
ومن بني وائل هوذة بن قيس الوائلي، وأبو عامر الوائلي، ووحوح بن عامر الوائلي كل هؤلاء توجهوا إلى مكة يرأسهم حيي بن أخطب الذي أعمى قلبه الحقد والحسد، وكان أهل مكة ينتظرون بفارغ الصبر من يشد من عزمهم ويساعدهم على حرب محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
- *سورة الأنفال الآية ٣٠.
سار الوفد حتى وصل مكة فسألهم أهلها: من أهدى أنحن أم محمد؟ وبينوا لهم صفة الطرفين قريش، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكانت صفة محمد التي عيب بها هي: أنه كان يعيب آلهتهم وينفرهم من عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الواحد القهار. فكان رد أولئك اليهود في صالح الكفار ولكن كان الفشل حليفهم حيث رد عليهم القرآن وذلك بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١.
ثم ما لبثوا أن فاتحوهم في الموضوع الذي جاءوا من أجله فسر كفار قريش بذلك أكثر وأكثر ونشطوا له فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قيل إنهم أعطوهم تمر خيبر سنة كاملة مقابل ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم ضده. وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك فاجتمعوا فيه وأجابوهم.
وقد تقدم ذكر ذلك في حديث ابن إسحاق ١ المتقدم. أما ابن سعد فقال: مشيراً إلى جم غفير من العلماء الذين نقل عنهم الواقدي قالوا: "لما أجلى رسول صلى الله عليه وسلم، بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألبوا قريشاً ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً. ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليماً ففارقوهم على مثل ذلك "١. أما الحافظ فقد نقل ذلك من مغازي موسى بن عقبة وقال: " خرج حيي بن أخطب بعد قتل ٢ بني النضير إلى مكة يحرض قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان ويحضهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنهم نصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك"٣ ... الخ.
- ١السيرة النبوية ٢/٢١٤.
- ٢قد بينت أنه لم يحصل قتل بل جرت مصالحة مع بني النضير وتم إجلاؤهم.
- *سورة النساء الآية ٥١.
أما ابن جرير ١ فقد ساق القصة بسنده إلى ابن إسحاق وفيها بين مدللاً بذلك على ذهاب أولئك اليهود إلى كفار قريش وإلى غطفان وتحريضهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وقد أورد الخبر نفسه في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١. عن ابن عباس رضي الله عنهما ٢. وقد أورده ابن هشام ٣ عن يزيد بن رومان. وكلها آثار مقطوعة لكنها تتقوي بما جاء في ذلك من شواهد والقرآن يؤيد ذلك بوضوح.
- ١جامع البيان ٢٠/١٢٩.
- ٢جامع البيان ٥/١٣٥.
- ٣السيرة النبوية ٢/٢١٤.
- *الطبقات الكبرى ٢/٦٥- ٦٦.
- *فتح الباري ٧/٣٩٣.
إضافة إلى ذلك فقد ذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ ٤. قال: يعني غزوة الأحزاب، وبني قريظة وكان سببها: - أن نفراً من اليهود منهم.
كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم ١، وحيي بن أخطب النضريون، وهوذة بن قيس، وأبو عامر من بني وائل، وكلهم يهود ٢ هم الذين حزبوا الأحزاب وألبوا وجمعوا وخرجوا في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك فأجابهم أهل مكة إلى ذلك ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم ٣.
- ١كثير من أهل المغازي لم يذكروا ابن مشكم هذا.
- ٢الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٨.
- ٣تقدم الحديث مطولاً في سبب الغزوة.
- *سورة النساء الآية ٥١.
- *سورة الأحزاب الآية ٨.
أما صاحب السيرة الحلبية فقال: " وسببها لما وقع إجلاء بني النضير من أماكنهم سار منهم جمع من كبرائهم منهم: سيدهم حيي بن أخطب أبو صفية أم المؤمنين رضي الله عنها، وعظيمهم سلام بن مشكم ورئيسهم كنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس، وأبو عامر الفاسق إلى أن قدموا مكة على قريش يدعونهم ويحرضونهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم" . وقالوا: "إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله أي ونكون معكم على عداوته فقال أبو سفيان: مرحباً وأهلاً وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد" ٢.
- *السيرة الحلبية ٢/٦٢٨.
وهكذا نرى أن أصحاب السير قد أطبقوا على ذكر هذا السبب وعلى ذكر هذا الوفد إلا أن بعضهم يذكر اسماً لم يذكره الآخر وبعضهم قد يذكر الكنية ولا يذكر الاسم، وقد يحصل في ذلك لبس، وتفادياً لذلك اللبس جئت بأقوال أهل السير والمغازي ليتبين الأمر ويتضح المراد ويبدو من استعراض كلام الحلبي أنه ذكر رئيس زعماء الوفد وفرق بين زعيمهم وسيدهم وعظيمهم وفي دلائل النبوة للبيهقي طرف من هذا ١.
- ١دلائل النبوة ٣/٤٢٨.
مما سبق يظهر بوضوح أن هذا الوفد قد تكون في خيبر فعلاً وكان اليهود هم المتزعمين لذلك الموقف المخزي، وهو موقف لا يستغرب منهم فتاريخهم مليء بالكيد والدسائس لغيرهم عموماً ولأهل الإسلام خصوصاً.
إلا أن الغريب ١ وجود بني وائل في هذا الوفد، ولعل سبب تمالؤهم مع اليهود يرجع إلى أن اليهود لما جاءوا إلى خيبر، وكان بنو وائل يسكنونها قبلهم وجاء اليهود ومعهم الأموال وأخذوا في تنميتها وسيطروا بواسطة تلك الأموال على أولئك الضعفاء فأغروهم بذلك وأخرجوهم معهم ولعلهم ضغطوا عليهم بذلك.
- ١ذلك لأن القرطبي قال في الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٨. قال بعد أن ذكر الوفد (وكلهم يهود) فلعلهم كانوا قبل ظهور دعوة الإسلام معتنقين دين اليهود فصاروا منهم ولم أجد من ذكرهم في اليهود غيره والله أعلم.
المبحث الثالث: القبائل التي أغراها اليهود على قتال المسلمين
إن القبائل التي قام اليهود بزيارتها وإغرائها على قتال المسلمين كانت من أشهر قبائل العرب وأقواها يتمثل ذلك في قريش وغطفان. أما غير هاتين القبيلتين فكان تابعاً لهما. لذلك قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش ١ حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ٢ ومن تبعهم من بني كنانة ٣، وأهل تهامة ٤، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد ٥.. الخ.
- ١قريش: قبيلة عظيمة اختلف في أصل تسميتها ونسبتها فقالوا: قريش من القرش وهو الكسب والجمع، وقالوا: التقريش التفتيش فكان يقرش أي: فهر بن مالك عن خلة كل ذي خلة فيسدها بفضله فمن كان محتاجاً أغناه ومن كان عارياً كساه. وقيل: سموا بذلك لتجمعهم إلى الحرم إلى غير ذلك. القاموس المحيط ٢/٢٨٣، معجم قبائل العرب ٣/٩٤٧.
- ٢الأحابيش: بطن اختلف فيه فقال ابن قتيبة هم بنو المصطلق والحياء بن سعد بن عمرو وبنو الهون بن خزيمة. اجتمعوا بذنب حبشي - وحبشي بالضم جبل بأسفل مكة - فتحالفوا بالله أنا ليد على غيرنا ما سجاليل وأوضح نهار وما أرسى حبشي مكانه. وقال حماد الراوية إنما سموا بذلك لاجتماعهم والتحابش هو التجمع في كلام العرب. وقال الجوهري: "بطن من قريش ". وقال أبو الفداء: "هم من بطون كنانة بن خزيمة ثم قال وليسوا من الحبشة كما يتوهم بعضهم". القاموس المحيط ٢/٢٦٧، تاج العروس والمعارف ٢٦٩، معجم قبائل العرب ١/٥.
- ٣كنانة بن خزيمة قبيلة عظيمة من العدنانية وتنقسم إلى عدة بطون منها قريش بل أن ابن قتيبة قال: "أن النضر بن كنانة هو أبو قريش". المعارف ٣١، معجم قبائل العرب ٣/٩٩٦.
- ٤ينسبون إلى تهامة وهي الساحل قال ابن قتيبة وإذا تصوبت من ثنايا العرج واستقبلك الأراك والمرخ فقد اتهمت والتهمان فرع من قحطان. المصدر السابق ١/١٣٤.
- ٥السيرة النبوية ٢/٢١٩- ٢٢٠.
وقد أورد الطبري خبراً من طريق ابن إسحاق باللفظ نفسه ٤ إلا أنه مرسل ثم أورد خبراً آخر وفيه قال: حدثني محمد بن عمرو ١ قال حدثنا أبو عاصم ٢ قال حدثنا عيسى ٣ وحدثني الحارث ٤ قال حدثنا الحسن ٥ قال حدثنا ورقاء ٦ جميعاً٤ عن ابن أبي نجيح ٧ عن مجاهد ٨ في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال عيينة بن بدر في أهل نجد ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ قال أبو سفيان قال وواجهتهم قريظة ٩ أما السيوطي فقال: "المراد بالأحزاب القبائل التي أغراها زعماء اليهود الذين خرجوا يؤلبونهم ١٠ على القتال وهم: قريش وغطفان ١١ وبنو سليم ١٢ وبنو أسد ١٣ وفزارة ١٤ وأشجع" ٦ وبنو مرة ١٥ حتى كان عدة من وافى الخندق من المشركين نحواً من عشرة آلاف ١٦.
- ١محمد بن عمرو الباهلي البصري أبو بكر قدم بغداد وحدث بها ت ٢٤٩هـ في شهر المحرم وصف بأنه ثقة. انظر: تاريخ بغداد ٣/١٢٧.
- ٢أبو عاصم النبيل هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن الضحاك الشيباني البصري - ثقة ثبت - روى له (ع) ت سنة اثنتي عشرة ومائتين أو بعدها. التقريب ١٥٥.
- ٣عيسى بن ميمون المعروف بابن داية الجرشي بضم الجيم وفتح الراء المعجمة ثم المكي أبو موسى - ثقة - من السابعة. روى له أبو داود في الناسخ والمنسوخ. التقريب ٢٧٢.
- ٤الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي صاحب المسند سمع علي بن عاصم ويزيد بن هارون، وكان حافظاً عارفاً بالحديث عالي الإسناد بالمرة تُلكم فيه بلا حجة قال الدارقطني قد اختلف فيه وهو عندي صدوق وقال ابن حزم ضعيف ولينه بعض البغاددة لكونه يأخذ على الرواية ت ٢٨٢هـ. ميزان الاعتدال ١/٤٤٢.
- ٥الحسن هو ابن موسى الأشيب أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها ثقة من التاسعة. مات سنة ٢٠٩هـ أو التي بعدها. التقريب ٧٢.
- ٦ورقاء بن عمر اليشكري أبو بشر الكوفي نزيل المدائن صدوق في حديثه عن منصور لين من السابعة. روى له (ع) . التقريب ٣٦٩.
- ٧عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي أبو يسار الثقفي مولاهم - ثقة - رمي بالقدر وربما دلس من السادسة ١٣١هـ أو بعدها. روى له (ع) . التقريب ١٩١.
- ٨مجاهد بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي -ثقة - إمام في التفسير وفي العلم من الثالثة ت سنة أحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة وله ثلاث وثمانون. روى له (ع) . التقريب ٣٢٨.
- ٩جامع البيان ٢/١٢٩، وهذا الأثر بسند صحيح ورجاله ثقات.
- ١٠التأليب: الألب بالفتح والكسر القوم يجتمعون على عداوة إنسان وقد تألبوا: أي تجمعوا. النهاية في غريب الحديث ١/٥٩.
- ١١قبيلة نجدية لها ثلاثة أقسام وقد تقدمت في ص ٤٩.
- ١٢قبيلة عظيمة من قيس عيلان من العدنانية وتتفرع إلى عدة بطون وعشائر منها: أ- بنو ذكوان. ب- بنو بهثة بن سليم. انظر ذلك في: معجم قبائل العرب ٢/٥٤٣
- ١٣بنو أسد هم أبناء أسد بن خزيمة وهي قبيلة عظيمة من العدنانية وهي ذات بطون كثيرة منها: أ - بنو كاهل. ب- بنو غنم. جـ- بنو ثعلبة. وكانت منازلهم مما يلي الكرخ من أرض نجد. المصدر السابق ١/٢١.
- ١٤فزارة بن ذبيان: بطن عظيم من غطفان من العدنانية وتنقسم إلى خمسة إفخاذ هي: أ- عدي. ب- سعد. جـ- شمخ. د- مازن. هـ- ظالم ومنهم: بنو العشراء وبنو غراب وكان من هذا البطن جماعة من العلماء والأئمة. معجم قبائل العرب ٣/٩١٨
- ١٥بنو مرة: من أقدم قبائل العرب وأصحها نسباً وأشدها مراسا وأبعدها عن الحضارة. المصدر السابق ٣/١٠٧٠.
- ١٦الخصائص الكبرى ١/٥٦٥.
- *تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٣.
- *أي السند الأول المنتهى بعيسى والسند الثاني بورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح.
- *أشجع: قبيلة من غطفان من قيس عيلان من العدنانية. كانت منازلهم بضواحي المدينة، وكان بالمغرب الأقصى منهم حي عظيم، وكانوا حلفاء للخزرج في الجاهلية وقد رجعوا عن دينهم أيام الردة وحاربهم أبو بكر - رضي الله عنه - حتى عادوا من جديد إلى الإسلام. معجم قبائل العرب ١/٢٩.
وفي الدر المنثور قال: "أخرج الفريابي ١، وابن أبي شيبة ٢، وابن المنذر ٣، وابن أبي حاتم ٤ عن مجاهد به" .
- ١هو محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم الفريابي بكسر الفاء وسكون الراء بعدها تحتانية وبعد الألف موحدة وهي من أعمال بلخ بخراسان نزيل قيسارية من ساحل الشام - ثقة فاضل - يقال أخطأ في حديث سفيان وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق من التاسعة. مات سنة اثنتي عشرة ومائتين. التقريب ٣٢٥، تذكرة الحفاظ ١/٣٧٦، معجم البلدان ١/٤٧٩، معجم المؤلفين ١٠/١٤٠.
- ٢هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي - ثقة حافظ- صاحب تصانيف من العاشرة. ت سنة خمس وثلاثين ومائتين. روى له (خ م د س ق) . التقريب ١٨٧.
- ٣هو الحافظ العلامة الفقيه الأوحد أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري شيخ الحرم وصاحب الكتب التي لم يصنف مثلها. وكان مجتهداً لا يقلد أحداً. مات سنة ثمان عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/٧٨٢، طبقات الشافعية ٣/١٠٢.
- ٤قال ذلك في تفسيره وهو مخطوط صورته بالجامعة الإسلامية والموجود إلى سورة الرعد وابن أبي حاتم هو: عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران التميمي الحنظلي أبو محمد عالم محدث عارف بالرجال فقيه أصولي متكلم. ولد سنة أربعين ومائتين. قال أبو الوليد الباجي ابن أبي حاتم ثقة حافظ. وقال الذهبي هو الإمام الحافظ الناقد ت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/٨٢٩- ٨٣٢، معجم المؤلفين ٥/١٧٠.
مما تقدم يظهر بوضوح: "أن القبائل التي شاركت قريشاً وغطفاناً - وهما القبيلتان العظيمتان المتزعمتان لهذه الحرب- الأحابيش ١ وكنانة وأهل تهامة وهذه شاركت قريشاً بحكم جوارها لها فنهضوا لنصرتها.
- ١نسبة إلى جبل في مكة يسمى (حبشي) وقد تقدموا.
وشارك مع غطفان بعض القبائل النجدية والتي هي في الحقيقة متفرعة عنها وتعتبر روافد لها.
إضافة إلى بني قريظة الناقضين العهد حيث أحاطت هذه الفرق بالمسلمين من كل جهة.
وضاق المسلمون بهذا الحصار ذرعاً ووصفه الله بأبلغ وصف في قاله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ "١.
- *سورة الأحزاب الآيتان ١٠، ١١.
الفصل الثاني: دور المنافقين في هذه الغزوة
...
الفصل الثاني بيان دور المنافقين في هذه الغزوة هذا الفصل هو تفسير لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ ١. والنفاق هو بالكسر فعل المنافق ١. وهو: إظهار الخير وإسرار الشر وهو أنواع: (أ) اعتقادي: وهو الذي يخلّد صاحبه في النار.
- ١مختار الصحاح ٦٧٤.
(ب) عملي: وهو من أكبر الذنوب وهذا كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله وسره علانيته ومدخله مخرجه ومشهده مغيبه ١.
- ١تفسير ابن كثير ١/٤٧.
هذا هو المنافق وهذا دوره دائماً وأبداً.
ذلك لأن قلبه مريض ونفسه خبيثة ولأنه يدخل في الأمور على قاعدة غير صلبه ثم يتعجل الأمور فيخيب ظنه ويغضب ربه.
- *سورة الأحزاب الآية ١٢.
وسرعان ما يتهاوى كيانه فيصبح يضمر الشر لكل ما هو خبر ويظهر خلافه حتى يأمن مكر الناس وهو لا يعلم أن الله سبحانه وتعالى عالم به وبما يحيكه وما يضمره ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ١، ﴿...وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢.
هؤلاء هم المنافقون المتسترون بالإسلام.
إلا أن الله كشفهم في بعض غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم كما في أحد وبني المصطلق والخندق وغيرها. حيث كان ينزل القرآن أولاً بأول فيفضحهم.
وفي هذه الغزوة - الخندق - بالذات ظهر منهم النفاق حيث أظهر كثير منهم العداء مما زاد في تفاقم الأمر وخطورته.
حكى لنا القرآن ذلك الخطر وتلك الشدة فقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٣.
أما بالنسبة لما فعلوه هذه المرة فقد روى الطبراني حيث قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ١ حدثني سعيد بن محمد الجرمي ٢ حدثنا أبو تميلة ٣ حدثنا نعيم بن سعيد العبدي ٤ أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: "احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة؟ قال رجل: نعم. قال إمالا ٥ فتقدم فدلنا عليه. فانطلقوا إلى رجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه فأرسلت امرأته أن جيء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتانا فجاء الرجل يسعى فقال بأبي وأمي وله معزة ٦. ومعها جديها فوثب إليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الجدي ٧ من روائنا فذبح الجدي وعمدت امرأته إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت وأدركت ٨ وثردت فقربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم أصبعه فيها فقال "بسم الله اللهم بارك فيها إطعموا" .
- ١عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الرحمن. ولد الإمام ثقة من الثانية عشرة. مات سنة ٢٩٠هـ. وله بضع وسبعون. روى له النسائي. التقريب ١٦٧.
- ٢سعيد بن محمد بن سعيد الجرمي - بفتح الجيم المعجمة وسكون الراء - الكوفي صدوق رمي بالتشيع. من كبار الحادية عشرة. روى له (خ م د ق) . التقريب ١٣٥، المغني في أسماء الرجال ١٨.
- ٣هو يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم - أبو تميلة بمثناه فوقية مصغراً المروذي مشهور بكنيته ثقة من كبار التاسعة. روى له الجماعة. التقريب ٣٨٠، تهذيب الكمال ٣٢/٢٢.
- ٤نعيم لم أجد له ترجمة ولعل فيه تصحيف.
- ٥قال في حاشية الصبان شارحاً لهذه الكلمة: "حذفت كان مع معموليها بعد أن في قولهم - أفعل هذا إمالا". أي إن كنت لا تفعل غيره فما عوض عن كان، ولا نافيه للخبر ومنه قوله: أمرعت الأرض لو أن مالا لو أن نوقا لك أو جمالا أو ثلة من غنم إمالا. التقدير: إن كنت لا تجد غيره. حاشية الصبان ١/٢٤٥.
- ٦المعزة: هي الأنثى الماعز. مختار الصحاح ٤٥٧.
- ٧الجدي: هو ولد المعزة.
- ٨أدركت: أي نضجت طحينتها.
- *سورة العلق الآية ١٤.
- *سورة الأنفال الآية ٣٠.
- *سورة الأحزاب الآية ١٠.
فأكلوا منها حتى صدروا ١ ولم يأكلوا إلا ثلثها وبقي ثلثاها فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم ٢ وجاء أولئك العشرة ٣ مكانهم فأكلوا منها حتى شبعوا ثم قام ودعا لربة البيت وسمت ٤ عليها وعلى أهل بيتها ثم مشوا إلى الخندق. فقال: "اذهبوا بنا إلى سلمان وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها" فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "دعوني فأكون أول من ضربها فقال: بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة قال: الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون نحن بخندق وهو يعدنا قصور فارس والروم" ١. قال الهيثمي ٥: "ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ونعيم العنبري ٦ وهما ثقتان" . إلا أن ابن جرير قد أورد أثراً شاهداً عن الحسن البصري لهذا الحديث قال فيه: "حدثنا بشر حدثنا هوذه ٧ بن خليفة قال حدثنا عوف ٨ عن الحسن ٩ في قوله تعالى: ﴿... وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٢. قال ظنونا مختلفة ظن المنافقون أن محمداً وأصحابه يستأصلون ١٠ وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حق وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون ١١. وأورد ابن كثير ١٢ هذا الخبر عن الحسن باللفظ نفسه. وهذا الأثر ينتهي إلى الحسن البصري فهو مقطوع ".
- ١صدروا أي شبعوا.
- ٢في مجمع الزوائد ٦/١٣١- نغديكم - من الغداء وهو تصحيف لا يتلاءم مع ما قبله.
- ٣في مجمع الزوائد ٦/١٣١ بعد العشرة - مكانه -.
- ٤قال ابن الأثير في النهاية ٢/٣٩٧: في حديث الأكل سمو الله ودنّوا وسمتوا أي إذا فرغتم فادعوا بالبركة لمن طعمتم عنده والتسميت الدعاء.
- ٥معجم الزوائد ٦/١٣١.
- ٦كذا في مجمع الزوائد وفي البداية والنهاية ٤/١٠٠، نعيم الغري بالغين المعجمة وفي معجم الكبير للطبراني كما تقدم آنفاً (العبدى) وكل هذه التراجم لم أقف عليها.
- ٧هوذه بفتح الهاء وزيادة هاء في آخره: ابن خليفة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي البكراوي أبو الأشهب البصري الأصم نزيل بغداد صدوق من التاسعة. مات سنة ٢١٦. روى له ابن ماجه. التقريب ٣٦٥.
- ٨عوف هو بن أبي جميلة الأعرابي العبدي البصري - ثقة - رمي بالقدر والتشيع من السادسة. مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة ١٤٧هـ. وله ست وثمانون. روى له الجماعة. التقريب ٢٦٦.
- ٩الحسن بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيراً ويدلس. قال البزار كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول حدثنا وخطبنا يعني قومه الذين خطبوا بالبصرة وهو رأس الطبقة الثالثة. مات سنة ١١٠هـ. وقد قارب التسعين. روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب ٦٩، تذكرة الحفاظ ١/٧١.
- ١٠يُستأصلون: بضم التحتانية وسكون المهملة بالبناء للمجهول واستأصله قلعة من أصله. مختار الصحاح ١٨.
- ١١جامع البيان ٢١/١٣٢.
- ١٢تفسير ابن كثير ٣/٤٧٢.
- *المعجم الكبير ١١/٣٧٦.
كذلك أورد ابن جرير أثراً آخر بسند آخر قال فيه: "حدثني يونس ١ قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد ٢ قال: قال "رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يافلان أرأيت إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله فأين هذا من هذا؟ وأحدنا لا يستطيع أن يخرج ليبول من الخوف" ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ . فقال: كذبت لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرك " قال: " فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاه فقال: ما قلت؟ " قال: " كذب علي يارسول الله ما قلت شيئاً ما خرج من فمي قط. قال الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١. قال: "فهذا قول الله ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ " ٢. والأثر فيه انقطاع في أعلى الإسناد.
- ١يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي أبو موسى البصري - ثقة - من صغار العاشرة. مات سنة ٢٦٤. وله ست وتسعون سنة. روى له (م س ق) . التقريب ٣٩٠.
- ٢ابن زيد هو أسامة وهما اثنان وكلاهما شيخ لابن وهب أحدهما عدوي قال الحافظ توفي في زمن أبي جعفر المنصور وهو ضعيف، أما الليثي فقد توفي سنة ١٥٣هـ وهو صدوق وكلاهما مدنيان. تهذيب التهذيب ١/٢٠٧- ٢١٠.
- *سورة الأحزاب تكملة الآية ١٠.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن فليح ١ قال: "فلما أشتد البلاء على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة وأني لارجو أن أطوف البيت العتيق آمنا وان يدفع الله عز وجل إلي مفاتيح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل ". وقال رجل ممن معه لأصحابه: " ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن ها هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب للغائط والله ما يعدنا إلا غروراً "١.
- ١ابن فليح هو محمد بن فليح بن سلميان الأسلمي ابو عبد الله. روى عن موسى بن عقبة وعمرو مولى المطلب قال ابن معين: "ليس بثقة" وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه قال: "ما به ليس بذاك القوي". الجرح والتعديل ٨/٥٩.
- *سورة التوبة الآية ٧٤.
- *سورة التوبة الآية ٦٦. وذلك من تفسير الطبري ٢١/١٣٣.
أما السيوطي فقد قال: "وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم ١ والبيهقي في الدلائل من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده وساق الحديث بطوله"٣. إلا أن مداره على كثير بن عبد الله وهو ضعيف.
- ١الحافظ الكبير كحدث العصر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني الشافعي محدث مؤرخ صوفي. توفي بأصبهان سنة ٤٣٠هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٣/١٠٩٢، السير ١٧/٤٥٣.
وأخيراً قال ابن إسحاق في قوله تعالى: ﴿... وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٤. ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق حتى قال معتب بن قشير ١ أخو بني عمرو بن عوف: "كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط" ٢.
- ١معتب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة وليس له عقب شهد بدراً وأحد كذلك قال ابن إسحاق. وقال ابن حجر: "ذكروه فيمن شهد العقبة وقيل أنه كان منافقاً وأنه الذي قال يوم أحد لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا وقيل أنه تاب. وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدراً وأثبت ابن عبد البر في الاستيعاب حاشية الإصابة انه شهد بدراً وأحداً والعقبة، وأنه قال يوم أحد لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، وهناك ذكر بأنه معتب بن بشير - بالباء المعجمة –". الطبقات الكبرى ٣/٤٦٣، الإصابة ٣/٤٤٣. أما السهيلي فقد عنون ببراءة معتب فقال: قال ابن هشام وأخبرني من أثق به من أهل العلم أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين واحتج بأنه كان من أهل بدر. الروض الأنف ٣/٢٦٢
- *دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٢.
- *الدر المنثور ٥/١٨٥.
- *سورة الأحزاب الآية ٩.
وهكذا نرى من خلال هذه الآثار أن للمنافقين دوراً خطيراً في هذه الغزوة بالذات ذلك لأنهم لا يظهرون إلا في أوقات الأزمات. أما عندما ينتصر المسلمون فلا يسمع لهم صوت. والقرآن الكريم فضحهم في أكثر من موطن ولكنا أردنا إيراد الآثار التي تبين أمرهم خاصة في هذه الغزوة الفاصلة ١.
- ١لأن الرسول (قال: (لن يغزوكم بعد عامكم هذا) .
- *تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٤٧٢.
الفصل الأول: مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه حول خطة الدفع "حفر الخندق".
...
الفصل الأول: مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه حول حفر الخندق إن الشورى من الأمور التي أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم وذلك لما يلي: (أ) لتأليف قلوب أصحابه.
(ب) وليقتدي به من بعده.
(جـ) وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحرب والأمور الجزئية وغير ذلك ١.
- ١السياسة الشرعية ١٣٤.
وغالباً ما يفعل ذلك في الحروب تطييباً لقلوبهم وأخذاً بما يتضح أنه الأولى من آرائهم وتجاربهم. وتنشيطاً لهم فيما يفعلونه ١.
- ١تفسير القرآن العظيم ١/٤٢٠، عارضة الأحوذي ٧/٢٠٨.
لذلك قال تعالى مخالطباً رسوله صلى الله عليه وسلم وممتناً عليه وعلى المؤمنين: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ٣.
- *سورة آل عمران الآية ١٥٩.
حدث ذلك أولاً في بدر كما هو معروف وشاورهم في أحد ١. هل يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو. وشاورهم يوم الخندق أولاً: بالنسبة لخطة الدفاع وهي ما نحن بصدده. ثم شاورهم في مصالحة الأحزاب بثلث تمر المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه رؤساء الأنصار وذلك بدليل الحديث الذي رواه البزار ٢ حيث قال: "حدثنا عقبة بن سنان ٣ ثنا عثمان الغطفاني ٤ ثنا محمد بن عمرو ٥ عن أبي سلمة ٦ عن أبي هريرة ٧ قال: "جاء الحارث الغطفاني ٨ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال: "يا محمد ناصفنا تمر المدينة ٩ وإلا ملأناها عليك ١٠ خيلاً ورجالاً" فقال: "حتى استأمر ١١ السعود سعد بن عبادة ١٢ وسعد بن معاذ يعني يشاورهما فقالا: "لا والله ما أعطينا الدنية ١٣ من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام فرجع إليه الحارث فأخبره" فقال: "غدرت يا محمد" قال: فقال حسان:" يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لا يغدرُ إن تغدوا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبرِ وأمانة النهدي حيث لقيتها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبرُ٢ قال: فقال الحارث: "كف عنا يامحمد لسان حسان فلو مزج به ماء البحر لمزجه" . قال البزار: "لا نعلم رواه عن محمد بن عمرو هكذا إلا عثمان ولم نسمعه إلا من عقبة" ١.
- ١أي غزوة أحد.
- ٢هو أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري البزار (أبو بكر) محدث فقيه. ولد سنة ٢١٠هـ. وارتحل في الشيخوخة ناشراً لحديثه فحدث بأصبهان عن الكبار وببغداد ومصر ومكة والرملة. وأدركه أجله فمات سنة ٢٩٧هـ. من تصانيفه شرح موطأ مالك والمسند. انظر: تاريخ بغداد ٤/٣٣٤، السير ١٣/٥٥٤.
- ٣عقبة بن سنان بن عقبة بن سنان بن سعد بن جابر بن محمد بن محصن الهدادي بفتح هاء وخفة دال كما في المغني صفحة ٨٤. بصري. روى عن غسان بن مضر وعثمان بن عفان الفطفاني. سمع منه أبي في الرحلة الثالثة ثنا عبد الرحمن قال: "سئل أبي عنه فقال: صدوق". الجرح والتعديل ٦/٣١١.
- ٤عثمان بن عثمان الغطفاني أبو عمرو القاضي البصري صدوق ربما وهم من الثامنة. روى له (م د س) . انظر: التقريب٢٣٥.
- ٥محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني صدوق له أوهام من السادسة ثبت. مات سنة خمس وأربعين ومائة على الصحيح. روى له (ع) . التقريب ٣١٣.
- ٦أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل اسمه عبد الله وقيل إسماعيل ثقة مكثر من الثالثة. مات سنة ٩٤، وقيل بعدها. وكان مولده بضع وعشرون. روى له (ع) . التقريب ٤٠٩.
- ٧أبو هريرة الدوسي الصحابي الجليل حافظ الصحابة اختلف في اسمه واسم أبيه فقيل عبد الرحمن بن صخر وقيل غير ذلك. التقريب ٤٣١، التهذيب ١٢/٢٦٢، أسد الغابة ٥/٣١٥.
- ٨قائدة بني مرة وسيأتي فيما بعد.
- ٩بالمثناة الفوقية وهو التمر المعروف وفي بعض المراجع - ثمر- بالمثلثة وهي تعم التمر وغيره. انظر في ذلك البداية والنهاية ٤/١٠٤، أسد الغابة ٢/٢٨٤.
- ١٠في مجمع الزوائد ٦/١٣٢ ملأتها.
- ١١بمعنى استشر والسعود جمع سعد وهو هنا يريد السعدين بن معاذ وابن عبادة واستشارته صلى الله عليه وسلم لهما يدل على فضلهما لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدى قومهما لذلك قال ابن الأثير عند ترجمة سعد بن عبادة: جاء الخبر أن قريشاً سمعوا صائحاً يصيح ليلاً على أبي قبيس: فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف مخالف. قال فظنت قريش أنه يعني سعد بن زيد مناة بن تميم وسعد هذيم من قضاعة فسمعوا الليلة الثانية قائلاً. يا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزر جيين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدي وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف
- ١٢هو سعد بن عبادة بن سليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي. أحد النقباء واحد الأجواد، ووقع في صحيح مسلم أنه شهد بدراً والمعروف عند أهل المغازي أنه تهيأ للخروج فلدغته حية، ذكر ذلك ابن سعد وقيل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم رده لاستنابته على المدينة فلم يتمكن من الخروج إلى بدر حكاه السهيلي عن ابن قتيبة وممن ذكره فيمن شهد بدراً عروة والبخاري وابن أبي حاتم والطبراني. قال ابن كثير: "وقد وقع في صحيح مسلم ما يشهد لذلك ثم" قال: "والصحيح أن ذلك سعد بن معاذ". الطبقات الكبرى ٣/٦١٤، وأسد الغابة ٢/٢٨٣، البداية والنهاية ٣/٣١٩، الإصابة ٢/٣٠.
- ١٣الدّنيّة بتشديد التحتانية وهي الخصلة الحقيرة المذمومة من الدنو. مختار الصحاح ٢١٢.
- *في البيت الأول - يا حار - وهو منادي مرخم حارث والبيت الأول موحد في أغلب الروايات إلا أن آخره في الديوان - لم يغدر - بكسر الراء وهو الأولى ليتناسب مع البيتين الآخرين. أما بالنسبة للثاني فهناك اختلاف لا يغير المعنى ففي الشطر الأول مثلاً من عاداتكم - في الديون - منكم شيمة وفي الشطر الأخير منه - واللؤم- في الديوان والغدر - وهو مكسور القافية والسخبر شجر تألفة الحيات فتكسن في أصوله. الواحدة سخبرة قال ابن الأثير وقد ورد ذلك في حديث ابن الزبير حيث قال لمعاوية: لا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السخبر، أما البيت الثالث فهو غير واضح المعنى لكن يوضحه ما جاء في أسد الغابة حيث قال: وأمانة المري ما استودعته) وقد بين ابن الأثير أن سبب هذه الأبيات غير السبب المذكور في الحديث وأنه حدث هذا عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مع الحارث دعاة: يدعون قومه للإسلام فغدروا بهم فقال حسان هذه الأبيات قلت ولا يمنع أن تكون هذه الأبيات تكررت في الحادثين. انظر في كل ذلك: ديوان حسان ١/١٣٧، ٢/١٢٧، أسد الغابة ١/٣٤٣، الإصابة ١/٢٨٦، النهاية في غريب الحديث ٢/٣٤٩.
والحديث بهذا السند يعتبر حسناً لذاته وقد ذكره ابن الأثير عند ترجمة سعد بن مسعود ١ الأنصاري وكذا ذكره الحافظ ٢.
- ١أسد الغابة ٢/٢٩٤.
- ٢الإصابة ٢/٣٦.
أما الهيثمي ١ فقد قال: "رواه البزار والطبراني ولفظه: عن أبي هريرة قال: "جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا محمد شاطرنا تمر المدينة " فقال: " حتى استأمر السعد فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع ٢ وسعد بن خيثمة ٣ بن مسعود ٤ فقال: "إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وأن الحارث قد سألكم أن تشاطروه تمر المدينة فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا" فقالوا: "يارسول الله أوحي من السماء؟ فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك أو هواك؟
- ١الهيثمي هو علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي - نور الدين أبو الحسن محدث حافظ وافق العراقي في السماع ولازمه وتوفي بالقاهرة في رمضان ٨٠٧هـ. من تصانيفه مجمع الزوائد، موارد الضمآن في زوائد ابن حبان، كشف الأستار عن زوائد البزار، الضوء اللامع للسخاوي ٥/٢٠٠.
- ٢سعد بن الربيع بن عمر بن أبي زهير بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي عقبى بدري نقيب كان أحد نقباء الأنصار قاله عروة وابن شهاب وابن عقبة وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف وقتل في أحد. أسد الغابة ٢/٢٧٧، الإصابة ٢/٢٦، الاستبصار ١١٤. وهناك سعد بن الربيع - رجل آخر ولكنه يعرف بابن الحنظلية قال فيه الحافظ قال أبو حاتم: "استشهد بأحد قال وفيه نظر ولعله أراد الذي قبله وأما هذا فذكر ابن سعد أنه شهد الخندق". انظر: الإصابة ٢/٢٧ عند ترجمته. ولكن بحثت في الطبقات لابن سعد فلم أجده لأن ابن سعد قد ذكر واحداً بهذا الاسم وهو الذي قتل في أحد إلا أن يكون ذكره في غير الطبقات فالله أعلم.
- ٣سعد بن خثيمة بن الحارث الأنصاري الأوسي يكني أبا خثيمة وهو عقبي بدري قتل في بدر. الاستبصار ٢٦٥، أسد الغابة ٢/٢٧٥.
- ٤سعد بن مسعود الأنصاري قال ابن الأثير والحافظ: إنه شهد الخندق وأنه كان ضمن من استشارهم يومئذ. أسد الغابة ٢/٢٩٤ولكنه ذكر سعد بن خثيمة مع أنه ذكر قبل أنه قتل في بدر. انظر: الإصابة ٢/٣٦
- *كشف الأستار ٢/٣٣٢، الإصابة ٢/٣٦.
فرأينا نتبع هواك ورأيك فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا. فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو ذا تسمعون ما" يقولون. قالوا غدرت يا محمد ". فقال حسان ١ بن ثابت رضي الله عنه: يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لا يغدرُ وأمانة المري ٢ حين لقيتها ... كسر الزجاجة صدعها لا يجبرُ إن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبرِ ثم قال الهيثمي: "رواه البزار والطبراني ورجالهما فيهم محمد بن عمرو حديثه حسن وبقية رجاله ثقات"٣.
- ١حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بفتح المهملة والراء الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن أو أبو الوليد شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهور ت سنة أربع وخمسين وله مائة وعشرون سنة. وذلك في خلافة علي رضي الله عنه وقد عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام. قال ابن الأثير وكذلك عاش أبوه ثابت وجده المنذر وأبو جده حرام عاش كل واحد منهم مائة عشرين سنة ولا يعرف في العرب مثلهم أربعة تناسلوا من صلب واحد عاش كل واحد منهم مائة وعشرين. وقد وهب له النبي صلى الله عليه وسلم جاريته سيرين أخت مارية فولدت له عبد الرحمن بن حسان. أسد الغابة ٢/٤.
- ٢يقصد الحارث بن عوف المري.
- *مجمع الزاوئد ٦/١٣٢- ١٣٣. انظر: الإصابة ٢/٣٦.
وقد أشار إلى ذلك ابن حزم ١ ألا أنه ذكر السعدين فقط ٢ كما ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق مطولاً وأنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى السعدين بعد أن حصلت المراوضة ٣ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح وأخيراً تناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا ٤.
- ١جوامع السيرة ١٨٨.
- ٢ابن معاذ وابن عبادة.
- ٣المراوضة: هي ما يجري بين المتبابعين من الزيادة والنقصان. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/٢٧٦.
- ٤البداية والنهاية ٤/١٠٤.
أما ما جاء في الحديث السابق الذي ذكره الهيثمي وذكر فيه السعود ١ وساق خمسة منهم، فقد رجعت إلى تراجمهم فوجدت أن هناك تناقضا ظاهراً حيث تدل الرواية التي ذكرها الهثيمي أنهم كانوا جميعاً ضمن الصحابة الذين حضروا الغزوة أما الحقيقة فهي تدل على أن سعد بن الربيع مثلاً قد استشهد في غزوة أحد وقد ساق ابن الأثير حديثاً يدل على ذلك ٢ وقد تقدمت ترجمته.
- ١جاء ذكر السعود في شعر حسان حيث قال: أروني سعوداً كالسعود التي سمت بمكة من أولاد عمرو بن عامر أقاموا عماد الدين حتى تمكنت قواعده بالمرهفات البواترقال أبو جعفر بن حبيب أراد بالسعود سبعة وهم أربعة من الأوس وثلاثة من الخزرج. الإصابة ٢/٢٥.
- ٢أسد الغابة ٢/٢٧٨.
أما سعد بن خيثمة فقد استشهد ببدر ذكر ذلك ابن إسحاق ١ وغيره.
- ١السيرة النبوية ١/٦٩٠، أسد الغابة ٢/٢٧٥، الإصابة ٢/٣٦.
أما سعد بن مسعود فقد ذكر الحافظ أن له ذكراً في حديث الطبراني ١ المذكور ثم ساق الحديث إلى أن قال ... قال ابن الأثير في ذكر سعد بن خيثمة نظر لأنه استشهد ببدر. والخندق كانت بعدها بثلاث سنين، ثم قال لا يلزم من الغلط في سعد بن خيثمة الغلط في سعد بن مسعود فإن ثبت الخبر فهو من كبار الأنصار بحيث كان يستشار في ذلك الوقت ٢.
- ١تقدم في ص ١٣٨.
- ٢الإصابة ٢/٣٦.
وهكذا تمت هذه المشاروة مع السعدين كما جاء ذلك في حديث البزار الذي يعتبر أقوى حديث في الباب على ضوء إسناده ١.
- ١تقدم وهو يعتبر حسناً لذاته.
ولم تتم تلك الصفقة التي كان يحلم بها الحارث بن عوف وعيينة بن حصن كما في بعض الروايات.
أما المشاورة الثانية الني حصلت في هذه الغزوة فقد حصلت عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ما أجمع عليه كفار قريش ومن تابعهم على المسير إلى المدينة فاستشار الصحابة رضي الله عنهم وتمخضت تلك المشاورة عن رأي سديد أدلى به سلمان ١ رضي الله عنه حيث أشار بحفر الخندق لكي يحول بين العدو وبين المدينة ٢.
- ١سلمان الفارسي أبو عبد الله يقال أنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف بسلمان الخير كان أصله من فارس من رامهرمز من قرية يقال لها جئ، ويقال بل كان أصله من أصبهان قال ابن عبد البر وقد ذكرته في التمهيد وذكرت حديث إسلامه بتمامه وكان إذا قيل له ابن من أنت؟ قال أنا سلمان بن الإسلام من بني آدم وقد تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر وأحد بسبب الرق فأشار عليه صلى الله عليه وسلم بالمكاتبة وقد عاش ثلاثمائة سنة وكان من المعمرين وكان له ثلاث بنات. انظر: الاستيعاب حاشية الإصابة ٢/٥٦، أسد الغابة ٢/٣٢٨- ٣٣٢
- ٢زاد المعاد ٣/٢٧١، السيرة الحلبية ١/٦٣١.
ولم يرد في ذلك حديث صحيح غير أن الطبري قال: "حدثت عن محمد بن عمر ١ قال كان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سلمان، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر "١، وقال يا رسول الله: " إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا "٢.
- ١هو الواقدي شيخ ابن سعد وقد تقدم.
والواقدي وصفه أهل الحديث بأنه متروك الحديث مع سعة علمه.
وبذلك قال ابن هشام ١ ونقله عنه ابن كثير ٢ وبه قال ابن الأثير ٣. وقد نقل الحافظ في الفتح حيث قال: وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر أصحاب المغازي منهم أبو معشر ٤ قال: "قال سلمان للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"٧.
- ١السيرة النبوية ٢/٢٢٤.
- ٢البداية والنهاية ٤/٩٥.
- ٣الكامل ٢/١٢٢.
- ٤هو نجيح بن عبد الرحمن السندي بكسر المهملة وسكون النون المدني أبو معشر وهو مولى بني هاشم مشهور بكنيته - ضعيف - أسن واختلط مات سنة ١٧٠هـ. انظر: التقريب ٣٥٦.
لقد كان الخندق ذا أهمية عظمى ذلك لأن المسلمين عندما بحثوا خطة الدفاع عن المدينة كانوا يفكرون في إيجاد وسيلة فعالة يتحاشون بها الالتحام الشامل المباشر مع جيوش الأحزاب المتفوقة عدداً وعدة في معركة فاصلة ليتسنى لهم تجميدها وشل حركتها على النحو الواسع الذي تريد تلك القوة الباغية.
- *لأنه قبل ذلك كان مملوكاً حتى أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالمكاتبة وبذلك تحرر من الرق ولازم الرسول صلى الله عليه وسلم.
- *مغازي الواقدي ٢/٤٤٥، تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٤، جامع البيان ٢١/١٣٠
- *فتح الباري ٧/٣٩٢- ٣٩٣.
ولقد كان لتنفيذ هذا المشروع الدفاعي أكبر الأثر في تجميد نشاط جيوش الأحزاب وشل حركتها ثم فشل الغزو في النهاية ١.
- ١غزوة الأحزاب لمحمد باشميل ١٤٧.
ولقد حفر الخندق في المنطقة الشمالية الغربية من المدينة لأن هذا المكان هو أصلح موقع يجب أن يعسكر فيه من يريد الدفاع عن المدينة لأنه الناحية الوحيدة المكشوفة التي لابد لأي غاز يريد المدينة من أن يتجه إليها ذلك لأن الجهات الأخرى محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة والأبنية المتشابكة والحواجز الطبيعية الصعبة كالجبال وغيرها والتي لا تسمح لقوات الأحزاب الكبيرة أن تقوم بإجراء أي قتال على نطاق واسع كما تريد ١.
- ١المصدر السابق ١٤٩.
وعندما قرر الرسول صلى الله عليه وسلم حفر الخندق - بعد المشاورة - أمر بنقل النساء والذراري إلى الآطم ١ الحصينة حتى لا يصيبهم مكروه.
- ١الأطم بضمة وضمتين القصر وكل حصن مبني بالحجارة وكل بيت مربع مسطح. القاموس ٤/٧٤.
لأنه كان يتخوف عليهم من اليهود - بني قريظة - حيث كانت منازلهم مما يلي العوالي ١ وكانوا قد مالؤوا الأحزاب ووافقوهم على نقض العهد الذي ابرموه مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى الطبراني حيث قال: "حدثنا محمد بن عبد الله القرمطي ٢ البغدادي ثنا عثمان بن يعقوب العثماني ٣ ثنا محمد بن طلحة ٤ التميمي عن محمد بن سهل بن أبي حثمة ٥ عن هرير ٦ بن عبد الرحمن بن رافع ٧ بن خديج ٨ عن أبيه عن جده قال: "لما كان يوم الخندق لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان والذراري فيه" فقال: "إن ألمَّ بكن ٩ أحد فالمعن بالسيف" فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له نجدان - أحد بني جحاش٢على فرس حتى كان في أصل الحصن ثم جعل يقول للنساء انزلن إلى خير لكن فحركن السيف فأبصره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فابتدر الحصن قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له ظهير بن رافع ١٠ فقال: "يا نجدان ابرز فبرز إليه فحمل عليه فرسه فقتله وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم" . هذا الحديث قال فيه الهيثمي بعد إيراده.
- ١العوالي بالفتح جمع العالي ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال وقيل ثلاثة (وهو الصحيح) . انظر: مراصد الإطلاع ٢/٩٧٠.
- ٢هو محمد بن عبد الله العدوي يعرف بالقرمطي. روى عنه أبو القاسم الطبراني. انظر: تاريخ بغداد ٤٣٣.
- ٣لم أجد له ترجمة.
- ٤محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن عثمان ابن عبيد الله التميمي المعروف بابن الطويل وجده عثمان هو أخو طلحة أحد العشرة صدوق يخطئ من الثامنة. مات سنة ثمان ومائة. روى له (س ق) . التقريب ٣٠٢.
- ٥محمد بن سهل بن أبي حثمة الأنصاري الأوسي قال الحافظ ذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحاً وذكره ابن حبان في الثقات. تعجيل المنفعة ٣٦٥.
- ٦هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري المدني - مقبول - من الخامسة التقريب ٣٦٣. قال الذهبي وقال الازدي يتكلمون في حديثه وقد وثقه ابن معين وابن حبان. الميزان ٤/٢٩٥.
- ٧عبد الرحمن بن رافع قال ابن أبي حاتم روى عن أبيه رافع. وروى عنه ابنه هرير. الجرح والتعديل ٥/٢٣٢.
- ٨رافع بن خديج بن عدي الحارثي الأوسي الأنصاري صحابي جليل أول مشاهده أحد ثم الخندق. مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين وقيل قبل ذلك. التقريب٩٩، الاستيعاب ٢/٥٩.
- ٩إن ألم بكن أي إذا حصل ذلك وهو دخول أي غريب عنهم اليهن.
- ١٠ظهير بن رافع قال ابن قدامة وشهد ظهير العقبة الثانية ولم يشهد بدراً وشهد أحداً مع أخيه مظهر بن رافع ولم يذكر متى مات. الاستبصار ٢٣٩
رواه الطبراني وقال: "ورجاله ثقات ١. وقد رواه ابن جرير في تاريخه بسنده من طريق ابن إسحاق" ٥. وقال الهيثمي بعد إيراد هذا الحديث: "عن الزبير بن العوام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الخندق فجعل نساءه وعمته صفية في أطم يقال له فارع..." الحديث إلا أنه قال بعد سياقه لهذا الحديث ... رواه البزار وأبو يعلي باختصار وإسناد هما ضعيف.
- ١مجمع الزوائد ٦/١٣٣، وهو في المعجم الكبير ٤/٣١٨حديث ٤٣٧٨.
- *في مجمع الزاوئد حشاش واثبت ما في المعجم الكبير.
- *تاريخ الأمم والملوك ٢/٥٧٠- ٥٧١.
ومع ذلك فالمتن فيه اضطراب حيث إن آخره يخالف أوله فقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً خرج إلى الخندق ثم قال بعد ذلك: ثم خرج إلى أحد. ويظهر من ذلك أنه حصل التباس من خروجه إلى أحد خروجه إلى الخندق ثم قال الهيثمي ١ مؤكداً ذلك: وقد تقدم الحديث من رواية صفية في وقعة أحد. وهو عند البزار ٢ أن ذلك كان في أحد والمشهور أن هذه القصة كانت في الخندق.
- ١مجمع الزوائد ٦/١٣٣- ١٣٤.
- ٢كشف الأستار ٢/٣٣٣- ٣٣٤.
أما كونه صلى الله عليه وسلم جعلهم في أطم يقال له فارع فهو صحيح بدليل ما جاء في صحيح مسلم ١ عن عبد الله بن الزبير وفيه أنه كان هو وعمر بن أبي سلمة في أطم حسان يوم الخندق مع النسوة... الخ كذلك روى هذا الحديث أحمد ٢ في مسند الزبير ثم أورد الهثيمي بعد ذلك حديثاً آخر بهذا المعنى ولفظه عن عروة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ نساءه يوم الأحزاب أطما من آطام المدينة وكان حسان بن ثابت رجلاً جباناً فأدخله مع النساء فأغلق الباب فجاء يهودي فقعد على باب الأطم فقالت صفيه بنت عبد المطلب: إنزل يا حسان إلى هذا العلج ٣ فاقتله فقال ما كنت لأجعل نفسي خطراً لهذا العلج فائتزرت بكساء وأخذت فهرا ٤ فنزلت إليه فقطعت رأسه... الخ الحديث. قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ولكنه مرسل" ٤. قال السمهودي: "وروى الإمام أحمد بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال: " كانت صفية في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق أي وهو المسمى بفارع فذكر الحديث في قتلها اليهودي وقولها لحسان انزل فاسلبه " فقال: " مالي بسلبه حاجة "١.
- ١صحيح مسلم ٤/١٨٧٩، كتاب فضائل الصحابة.
- ٢مسند الإمام أحمد ١/١٦٦.
- ٣العلج: بكسر العين المهملة قال في مختار الصحاح بوزن العجل: الواحد من كفار العجم والجمع علوج واعلاج وعلجه بوزن عنبة. مختار الصحاح ٤٤٩.
- ٤الفهر: بكسر الفاء الموحدة هو الحجر قدر ما يدق به الجوز أو يملأ الكف ويؤنث. القاموس المحيط ٢/١١٢.
- *مجمع الزوائد ٦/١٣٤.
وهذا الحديث وهو رفع النساء والذراري في الآطام رواه ابن جرير في تاريخه ١ وقد روى الطبراني هذه القصة عن صفية في غزوة أحد كما تقدم.
- ١تاريخ الأمم والملوك ٢/٥٠.
إلا أن الهيثمي قال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أم عروة بنت جعفر بن الزبير عن أبيها ولم أعرفهما وبقية رجاله ثقات "٣.
ثم عقب السمهودي قائلاً: "والمذكور في كتب السير أن هذه القصة كانت في الخندق وأن بعضهم كان بحصن بني حارثة وبعضهم بفارع وأن صفية رضي الله عنها لما فرغت من قتل اليهودي رجعت إلى الحصن فقالت لحسان: "انزل فاسلبه ١ فإني لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل " قال: " مالي بسلبه حاجة يابنت عبد المطلب "٢ أ. هـ. كلام السمهودي.
- ١السلب هو أخذ ما يكون على المقتول أو معه من سلاح وثياب ودابة وغيرها النهاية في غريب الحديث ٢/٣٨٧.
- *وفاء الوفاء ١/٢١٥.
- *مجمع الزوائد ٦/١١٥.
وهذه القصة صحيحة لتظافر الأدلة التي يقوي بعضها بعضاً يؤيدها أن اليهود إنما غدروا في غزوة الخندق ولم يكن لهم ذكر في أحد.
أما بالنسبة لهذه التهمة التي وجهت ضد حسان بن ثابت وهي الجبن فقد دفعها بعض العلماء لذلك قال السهيلي: "مجمل هذا الحديث عند الناس أن حساناً كان جباناً شديد الجبن وقد دفع بعض العلماء هذا وانكره وقال: لو صح هذا. لهجي به حسان فإنه كان يهاجي الشعراء وكانوا يردون عليه فما عيره أحد بجبن. وإن صح فلعل حسان كان معتلاً في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال وهذا أولى ما تأول ". ثم قال: "وممن أنكر أن يكون هذا صحيحاً أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله في كتابه الدرر ١ وهذا هو الحق والله أعلم فإن شعر حسان كان أشد على الأعداء من وقع النبل، وذلك واضح من المهاجاة التي وقعت بينه وبين شعراء قريش كابن الزبعرى وغيره، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينصب له منبراً في المسجد ٢ يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" وكان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم لأسلنك كما تسل الشعرة من العجين ٣ ولو كان هذا حقاً لهجاه به اعداؤه.
- ١الروض الأنف ٣/٣٨١، وفي الاستيعاب ١/٤٠٥. قال: وقال اكندا هل الخبار والسير: إن حسان كان من أجبن الناس، وذكروا من جبنه أشياء مستشنعة كرهت ذكرها لنكارتها.
- ٢أسد الغابة ٢/٤.
- ٣النهاية في غريب الحديث ٢/٣٩٢، والحديث في البخاري. انظر: فتح الباري ٧/٣٤٦، ورواه مسلم في صحيحه ٤/١٩٣٤ فضائل حسان.
- *وفاء الوفاء ١/٣١٥.
الفصل الثاني: تواضعه صلى الله عليه وسلم ومباشرته الحفر بنفسه
كان صلوات الله عليه وسلامه المثل الأعلى في التواضع، وذلك لحسن أخلاقه التي مدحه الله به، وهذا حاله صلى الله عليه وسلم في السلم والحرب على السواء. وتواضعه عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع قليل من كثير.
أما بالنسبة لما كان منه في هذه الغزوة فقد روى البخاري في ذلك حديثاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وهذا نصه: قال البخاري - رحمه الله -: حدثنا خلاد بن يحى ١ حدثنا عبد الواحد ٢ بن أيمن ٣ عن أبيه قال: "أتيت جابراً -رضي الله عنه- فقال إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق" فقال: "أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول ٤ فضرب فعاد كثيباً٢ أهيل أو أهيم "٣ فقلت يا رسول الله: " ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت عندي شعير وعناق ٥. فذبحتُ العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ٦ ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي ٧ قد كادت تنضج فقلت: طعيم ٨ لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال: كم هو فذكرت له: "فقال كثير طيب" . قال: قل لها: "لا تنزع البرمة ولا الخبر من التنور ٩ حتى آتي" . فقال: قوموا فقام المهاجرون والأنصار. فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم قالت: هل سألك قلت: نعم. فقال: "ادخلوا ولا تضاغطوا" ٣ فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر ١٠ البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف ١١ حتى شبعوا وبقي بقية. قال: "كلي هذا واهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة" ٦.
- ١خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي أبو محمد الكوفي نزيل مكة - صدوق - رمي بالإرجاء، وهو من كبار شيوخ البخاري من التاسعة مات سنة ٢١٧هـ.
- ٢عبد الواحد بن أيمن المخزومي مولاهم أبو القاسم المكي لا بأس به من الخامسة روى له - خ م س - التقريب ٢٢١.
- ٣أيمن الحبشي المكي والد عبد الواحد - ثقة - من الرابعة روى له البخاري وأبو داود في الناسخ والمنسوخ. التقريب ٤٠.
- ٤المعول: الفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر والجمع المعاول، مختار الصحاح ٤٦٣.
- ٥صحيح البخاري مع الفتح ٧/٣٩٥، والعناق الأنثى من الماعز ما لم يتم له سنة، النهاية ٣/٣١١.
- ٦البرمة: هو القدر مطلقاً وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن. النهاية ١/١٢١.
- ٧الأثافي: هي حجار ثلاث يوضع عليها القدر. مختار الصحاح ٨٤.
- ٨بالتصغير للقلة. لأنه حصل في رواية سعيد بن ميناء التي تلي هذه أن جابر رضي الله عنه لما جاء وأخبر امرأته فقالت بك وبك فقال قد فعلت الذي قلت. قال الحافظ في رواية يونس قال: "فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله -عز وجل-". فتح الباري ٧/٣٩٨.
- ٩التنور: الذي يخبز فيه ومنه قوله تعالى: {وَفَارَ التَّنُّورُ} مختار الصحاح ٧٩.
- ١٠أي يغطى.
- ١١أي يغرف مرقاً من البرمة.
- *الكثيب: الرمل المستطيل المحدودب. النهاية في غريب الحديث ٤/١٥٢.
- *الشك من الراوي قال الحافظ في الفتح ٧/٣٩٧، وفي رواية الإسماعيلي أهيل بغير شك، وكذا عند يونس، وفي رواية أحمد - كثيبا يهال قال والمعنى أنه صار رملاً يسيل ولا يتماسك قال تعالى: {وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً} أي رملاً سائلاً، وأما أهيم فقال عياض: ضبطها بعضهم بالمثلثة وبعضهم بالمثناة وفسرها بأنها تكسرت. والكدية جاءت في رواية أبي ذر الكيدة بفتح الكاف وسكون التحتانية قيل هي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض وفي رواية الإسماعيلي فعرضت كدية - كما هنا- وهي بضم الكاف وتقديم الدال على التحتانية. وزاد في روايته - فقال رشوها بالماء فرشوها- فتح الباري ٧/٣٩٦.
- *فيه دليل على كثرتهم ومعنى لا تضاغطوا: أي لا تتزاحموا.
- *فتح الباري ٧/٣٩٥.
كما رواه أيضاً أحمد ١ والنسائي ٢ والبيهقي ٣.
- ١مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠-٣٠١.
- ٢سنن النسائي ٦/٤٣ باب غزوة الترك والحبشة والرواية ليست عن جابر وإنما هي عن رجل من الصحابة.
- ٣دلائل النبوة ٣/٤١٧.
أما البيهقي فقد أخرج هذا الحديث من رواية الإسماعيلي عن طريق المحاربي عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: قلت لجابر: "حدثني بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرويه عنك فقال جابر: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق نحفر فيه فلبثنا ثلاثة أيام لا نطعم شيئاً ولا نقدر عليه فعرضت في الخندق كدية فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت هذه كدية ١ قد عرضت في الخندق فرششنا عليها الماء فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبطنه معصوب بحجر فأخذ المعول أو المسحاة ثم سمى ثلاثاً ثم ضرب فعادت كثياً أهيل "٥ الحديث. قال الحافظ: "وقد وقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب " قال: " لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول فاشتكينا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء فأخذ المعول ثم قال: "بسم الله فضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إن لأبصر قصر المدائن أبيض. ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة" . قال الحافظ: "وقد أخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص نحوه" ١.
- ١هكذا وردت في أشهر الروايات، ووقع في رواية الأصيلي عن الجرجاني (كندة) بنون، وعند ابن السكن: كتدة: بمثناة من فوق، قال عياض لا أعرف لهما معنى، فتح الباري ٧/٣٩٧.
- *دلائل النبوة ٣/٤٢٣.
وهناك أحاديث صحيحة تبين بوضوح مباشرته صلى الله عليه وسلم الحفر ونقل التراب مع صحابته رضي الله عنهم من ذلك ما روي البخاري ونصه: قال البخاري ١ رحمه الله: حدثنا مسلم بن إبراهيم ٢ حدثنا شعبة ٣ عن أبي إسحاق ٤ عن البراء١ رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو إغبر بطنه٢. يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علين الفتح ٥.
- ١صحيح البخاري ٥/٤٧ كتاب المغازي باب غزوة الخندق.
- ٢هو الأزدي الفراهيدي. -ثقة- روى (ع) من التاسعة مات سنة ٢٢٢هـ. التقريب ٣٣٥.
- ٣هو ابن الحجاج بن الورد الواسطي ثم البصري - ثقة حافظ متقن - روى له (ع) من السابعة مات سنة ستين ومائة. التقريب ١٤٥.
- ٤أبو إسحاق هو: عمرو بن عبد الله السبيعي بكسر المهملة وكسر الموحدة مكثر ثقة عابد روى له (ع) من الثالثة مات سنة تسع وعشرين ومائة. التقريب ٢٦٠-٢٦١. ا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأُلى قد بغوا علين _________ ا ... إذا أرادوا فتنة أبين _________ ا قال البراء: "ويرفع بها صوته أبينا أبينا" ٣. كما رواه مسلم٤ وأحمد٥ والدارمي٦ والروياني٧ بزيادة (ينقل في زنبيل٨) وأخرجه الخطيب٩ كما أورده الحافظ في عدة مواضع من _________ ١ البراء بن عازب. الصحابي الجليل استصغر يوم بدر، أبو عمارة صحابي ابن صحابي أحاديثه ٣٠٥ توفي بالكوفة سنة ٧٢هـ. ٢ كذا وقع بالشك: بالغين المعجمة فيهما فأما التي بالموحدة فواضح من الغبار، وأما التي بالميم فقال الخطابي إن كانت محفوظة فالمعنى وارى التراب جلدة بطنه. الفتح ٧/٣٩٩. ٣ فيه دليل على تواضعه صلى الله عليه وسلم، وانشراح صدره ومجاراته لأصحابه فيما هو حلال وطيب. ٤ صحيح مسلم ٣/١٤٣٠ باب غزوة الأحزاب وهي الخندق. ٥ مسند الإمام أحمد ٤/٢٨٢/٢٨٥-٢٩١/٣٠٠/٣٠٢/٣٠٣. ٦ سنن الدارمي ٢/٢٢١. ٧ في المسند ١/٢٢٧ رقم (٣١٧) . ٨ الزنبيل: بكسر الزاي أوله وزيادة نون ساكنة وهو مرادف للعرق والمكتل. انظر الفتح ٤/١٦٩، والهدي لابن القيم حيث جاء فيه (والمكتل هو الزنبيل والقفة) ٣/١٧٨. ٩ تاريخ بغداد ١١/٢٨٩
- ٥الفتح ٦/٤٦، ١٦٠، ٧/٢٤٧، ٣٩٩، ١١/٥١٥، ١٣/٢٢٢.
- *فتح الباري ٧/٣٩٧.
وهذا الحديث يدل بجلاء على مشاركته صلى الله عليه وسلم لهم وعلى تواضعه وقد جاء عند أحمد ١ عن أم سلمة ٢ - رضي الله عنها- قالت: "ما نسيت قوله يوم الخندق وهو يعاطيهم اللبن وقد أغبر شعر صدره وهو يقول: " اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة". الحديث.
- ١مسند الإمام أحمد ٦/٢٨٩.
- ٢أم سلمة اسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقد ولدت له سلمة وعمر ودرة وزينب، وتوفي عنها فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة اثنين من الهجرة بعد وقعة بدر وعاشت بعد ذلك ستين سنة، ت سنة اثنتين وستين وقيل قبلها. انظر الاستيعاب ٤/٤٧٢، أسد الغابة ٥/٥٨٨، والعبر للذهبي ١/٤٨.
كما جاء في الرواية الثانية للبراء عند البخاري حيث قال: حدثني أحمد بن عثمان ١ حدثنا شريح بن مسلمة ٢ قال حدثني إبراهيم بن يوسف١ قال حدثني أبي٢ عن أبي إسحاق قال سمعت البراء يحدث قال: "لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر٣ فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب يقول: والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علين الكريم يصدق ذلك قول عائشة - رضي الله عنها - عندما سئلت عن خلقه فقالت: كان خلقه القرآن ٣.
- ١أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي أبو عبد الله الكوفي ثقة من الحادية عشرة مات سنة ٢٦١هـ، روى له (خ م س ق) . التقريب ١٥.
- ٢شريح بن مسلمة التنوخي الكوفي - صدوق - من قدماء العاشرة مات سنة ٢٢٢هـ، روى له (خ س) التقريب ١٤٥. ا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأُلى قد بغوا علين _________ ا ... إذا أرادوا فتنة أبين _________ ا قال:" ثم يمد صوته بآخرها"٤. هكذا جاء أيضاً في هذه الرواية مباشرته صلى الله عليه وسلم لنقل التراب الناتج من الحفر فلقد كان صلى الله عليه وسلم مدرسة للأخلاق الكريمة الفاضلة المستقاة من القرآن _________ ١ إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي صدوق يهم من السابعة مات سنة ١٩٨هـ، روى له (خ م د ت س) التقريب ٢٤. ٢ يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي وقد ينسب لجده - ثقة - من السابعة مات سنة ١٥٧هـ، روى له (ع) التقريب ٣٨٨. ٣ قال الحافظ: "وليس كذلك فإن صفته صلى الله عليه وسلم أنه كان دقيق المسربة - أي الشعر- الذي في الصدر إلى البطن. قال فيمكن الجمع بأنه كان مع دقته كثيراً أي لم يكن منتشراً بل كان مستطيلاً والله أعلم". فتح الباري ٧/٤٠١. ٤ صحيح البخاري ٥/٤٧، والفتح ٧/٣٩٩.
- ٣صحيح مسلم ١/٥١٣، وأبو داود في التطوع ٢٦، والترمذي في السير ٦٩، والنسائي في قيام الليل ٢، وابن ماجه في الأحكام ١٤.
وسيرته صلى الله عليه وسلم مليئة بأمثال ذلك.
لذلك قال ابن هشام: "فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أجمعوا عليه من الأمر ضرب الخندق على المدينة فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيباً للمسلمين في الأجر وعمل معه المسلمون فيه فدأب فيه ودأبوا وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن.
أما المسلمون فكانوا لا يستأذنون إلا عند الضرورة فإذا قضوا حاجاتهم رجعوا إلى ما كانوا فيه من عمل رغبة في الخير واحتساباً له وقد أنزل الله في ذلك قرآنا يتلى فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَك... الآية﴾ ٢.
- *سورة النور الآية ٦٢.
حيث نزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ١.
ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون ويذهبون بغير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ "٢.
وهذه الآيات عامة ساقها ابن هشام وغيره للاستدلال بها على الفريقين. وعامة في الاستئذان سواء في الحرب أو في السلم وهي في الحقيقة نزلت كما قال ابن كثير ١ في الذين يستأذنون في الخروج من الجمعة وغيرها.
- ١تفسير القرآن العظيم ٣/٣٠٦.
- *السيرة النبوية ٢/٢١٦.
- *سورة النور الآية ٦٣.
الفصل الثالث: الكدية وتغلب المسلمين عليها
والمعجزات التي وقعت في أثناء ذلك إن المصاعب والمشاكل تعترض حتى الأعمال السهلة، وفي أوقات السلم فكيف بعمل شاق ومجهود ضخم وكيف بعمل يكمن فيه درءُ الخطر القادم والمحدق بالمسلمين وبالمدينة التي تؤويهم إلا أن نصر الله لعباده يتجلى عندما ينصروه ﴿... وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١.
إنه عندما علم المسلمون بتكتل الأحزاب وتهيؤهم للخروج لغزو المدينة بقوة كبيرة عندها فكر المسلمون في خطة الدفاع وهي (الخندق) وكانت ناجحة للغاية. وكانوا يعملون فيه بجد حتى ينتهوا منه قبل وصول العدو، وفعلاً شمروا عن ساعد الجد وبدأو بداية المدافع المستميت ولكن اعترضتهم مشاكل منها - الكدية -. تلك التي جعلتهم يذهبون للرسول صلى الله عليه وسلم ويخبرونه بأمرها - وذلك لأنها استعصت عليهم - ويجيء صلى الله عليه وسلم ويضربها فتعود رملاً سائلاً وقد ورد ذلك عند البخاري حيث قال: حدثنا خلاد بن يحى حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: "أتيت جابراً رضي الله عنه فقال: "إنا يوم الخندق نحفر - فعرضت كدية شديدة ١ - فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم" فقالوا: "هذه كدية عرضت في الخندق" فقال: "أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل أو أهيم" . الحديث ٢.
- ١هذه رواية الإسماعيلي عن طريق المحاربي والكدية القطعة الغليظة. انظر هدي الساري ١٧٨.
- ٢صحيح البخاري ٥/٤٥ وقد تقدم.
- *سورة الحج جزء من الآية ٤٠.
الحديث رواه أيضاً أحمد ١ بزيادة رشوها بالماء - والنسائي ٢ بلفظ مرادف- عرضت لهم صخرة - والبيهقي ٣.
- ١مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠- ٣٠١، ٤/٣٠٣.
- ٢سنن النسائي ٦/٤٣.
- ٣دلائل النبوة ٣/٤٢٣.
وأخرجه البيهقي ١ بسنده عن أيمن المخزومي وفيه قال أيمن المخزومي: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "كنا يوم الخندق نحفر فعرضت كذانة ٢، وهي الجبل" ، الحديث.
- ١دلائل النبوة ٣/٤٢٣.
- ٢الكذانة ككتانة حجارة رخوة كالمدر واكذوا صاروا فيها و (الكذكذة) الحمرة الشديدة وكذّ خشن. القاموس ١/٣٧١ وهذا التفسير لا يستقيم مع ما هو معلوم من وقوف هذه الصخرة في طريقهم.
وأخرجه كذلك مطولاً من طريق كثير بن عبد الله ١ عن أبيه ٢ عن جده ٣ وفي أوله "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع فمرت بنا صخرة بيضاء كسرت معاويلنا فأردنا أن نعدل عنها فقلنا حتى نشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلنا إليه سلمان" ٤. الحديث.
- ١لعله حصل خطأ في مطبوعة الفتح ٧/٣٩٧ حيث جاء (كثير بن عبد الرحمن) والصواب ابن عبد الله كما في التقريب (٢٨٥) ، التهذيب ٨/٤١٢، وهو ضعيف من السابعة ونسبه بعضهم إلى الكذب. انظر: الميزان ٣/٤٠٦.
- ٢هو عبد الله بن عمرو بن عوف بن يزيد المزني - مقبول - من الثالثة التقريب ١٨٣.
- ٣عمرو بن عوف بن يزيد بن ملحة بكسر أوله ومهملة أبو عبد الله المزني صحابي مات في ولاية معاوية. روى له (خ ت ر ت ق) . انظر: التقريب ٢٦١، الاستيعاب ٣/٢٧٤.
وهذا الحديث مداره على كثير هذا وهو ضعيف عند الجمهور كما قال الهيثمي وحسن الترمذي حديثه.
وقد أخرج الطبري هذا الحديث بسنده فقال: حدثنا ابن بشار ١ قال ثنا محمد بن خالد بن عثمة ٢ قال ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو عوف المزني قال ثني أبي عن أبيه قال: "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام ذكرت الأحزاب وفيه فحفرنا تحت دوبار ٣ حتى بلغنا الصرى ٤ أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة ٥ فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان أرق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه" ٤ الحديث. قال الحافظ ٦: "ووقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن فعند النسائي ٧ قال في الضربات الثلاث ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ " ٧.
- ١هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري أبو بكر - بندار - ثقة - من العاشرة. مات سنة ٢٥٢. وله بضع وثمانون سنة. روى له (ع) . التقريب ٢٩١.
- ٢محمد بن خالد بن عثمة بمثلثة ساكنة قبلها فتحة ويقال أنها أمه الحنفي البصري صدوق يخطئ من العاشرة. روى له - الأربعة - التقريب ٢٩.
- ٣هكذا جاءت العبارة ولعلها محرفة ودوبار لفظة فارسية معناها مرتين. وهذا التفسير أيضا ليس مفهوم ولا يتفق مع النص. جامع البيان ٢١/١٣٤.
- ٤لم أقف لها على معنى ولعلها كما قال صاحب اللسان ١٤/٤٥٧ (الماء الذي طال استنقاعه) .
- ٥المروة: حجارة بيض براقة - تورى النار - أو هي أصل الحجارة. القاموس ٤/٣٩٢.
- ٦فتح الباري ٧/٣٩٧.
- ٧سنن النسائي ٦/٤٣.
- *فتح الباري ٧/٣٩٨.
- *جامع البيان ٢١/١٣٣، تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٥.
- *سورة الأنعام الآية ١١٥.
وهذا إسناد أحمد حيث قال ابنه عبد الله: حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ١ ثنا عوف عن ميمون أبي عبد الله ٢ عن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق" قال: "وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول" قال: "فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال عوف وأحسبه قال: "وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة. فأخذ المعول فقال: بسم الله فضرب ضربة فكسر الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله أني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا ثم قال: بسم الله فضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله أني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا. ثم قال بسم الله وضرب ضربة أخرى فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله أني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" ٣. الحديث أما ابن إسحاق فقد قال: "وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته. عاين ٣ ذلك المسلمون فكان مما بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث: أنه إشتد عليهم في بعض الخندق كدية فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء من ماء فتفل ٤ فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ثم نضح ٥ ذلك الماء على تلك الكدية. " فيقول من حضرها فوالذي بعثه بالحق نبياً لانهالت٤حتى عادت كالكثيب لا يرد فأساً ولا مسحاة "٥. قال ابن كثير: " هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ٦ وعند أحمد فأخذ المعول أو المسحاة ٧ بالشك وعند الواقدي فأخذ الكرزين ٨. وقد تتابعت المعجزات التي أجراها الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم في أثناء حفر الخندق من ذلك: تكثير طعام جابر رضي الله عنه "، لذلك روى البخاري رحمه الله حيث قال: حدثني عمرو بن علي ٩ حدثنا أبوعاصم أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان ١٠ أخبرنا سعيد بن مينا ٣. قال: " سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصاً٤ شديداً فانكفأت ١١ إلى امرأتي ١٢ فقلت لها هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصاً شديداً.
- ١محمد بن جعفر الهذلي مولاهم المدني البصري المعروف - بغندر - ثقة صحيح الكتاب إلا فيه غفلة من التاسعة. مات سنة ٢٤٣هـ (ع) . التقريب ٢٩٣.
- ٢هو ميمون أبو عبد الله البصري مولى ابن سمرة ضعيف وقيل اسم أبيه أستاذ وفرق بينهما ابن أبي حاتم من الرابعة سئل عنه يحيى بن سعيد فحمّض وجهه وقال زعم شعبة أنه كان فسلا وقال الأثرم عن أحمد أحاديثه مناكير وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو داود تكلم فيه. التقريب ٣٥٤، التهذيب ٢/٣٩٣.
- ٣عاين من المعاينة وهي المشاهدة.
- ٤تفل: أي بصق.
- ٥النضح: هو الرش.
- ٦البداية والنهاية ٤/٩٧.
- ٧مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠.
- ٨الكرزين: الفأس الكبيرة. القاموس ٤/٦٣.
- ٩عمرو بن علي بن حجر بن كنيز بنون وزاي أبو جعفر الفلاس الصيرفي الباهلي البصري ثقة حافظ من العاشرة ت سنة ٢٤٩هـ. روى له (ع) . التقريب ٢٦١.
- ١٠حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي المكي - ثقة حجة - من السادسة. مات سنة ١٥١هـ. روى له (ع) . التقريب ٨٦.
- ١١انكفأت رجعت. المصدر السابق ١٨٣.
- ١٢اسمها سهلية بنت مسعود. فتح الباري ٧/٣٩٧ ولم أجد لها ترجمة في كتب التراجم الأخرى.
- *المسند ٤/٣٠٣، الفتح الرباني ٢١/٧٨.
- *انهالت: تفتتت.
- *السيرة النبوية ٢/٢١٧.
- *سعيد بن مينا مولى البختري بن أبي ذباب الحجازي مكي أو مدني. يكنى أبا الوليد - ثقة - من الثالثة. روى له (خ م د ت ق) . التقريب ١٢٦.
- *الخمص هو ضمور البطن من الجوع، ومنه حديث (كالطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً) . أي تغدو بكرة وهي جياع وتروح عشاء وهي ممتلئة الأجواف. النهاية في غريب الحديث ٢/٨٠.
فأخرجتْ إلي جراباً١ فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن ١ فذبحتها وطحنتِ الشعير ففرغتْ إلى فراغي وقطعتها في برمتها ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه" . فجئته فساررته فقلت: "يارسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعاً من شعير كان عندنا فتعال أنت ونفر معك" .
- ١داجن أي سمينة وهي التي تترك في البيت ولا تفلت للمرعى ومن شأنها أن تسمن. النهاية ٢/١٠٢.
فصاح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أهل الخندق إن جابراً قد صنع سؤراً٣ فحي هلا بكم فقال صلى الله عليه وسلم لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ فجئتُ وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس حتى جئتُ امرأتي فقالت بك وبك ١ فقلتُ قد فعلتُ الذي قلتِ فأخرجت له عجيناً فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال أدعُ خابزة فلتخبز معي ٢. واقدحي٢من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألف فاقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه. وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبزكما هو". الحديث ٣.
- ١هذه خصومة تحصل في مثل هذه الحال خوفاً من الفضيحة لقلة الأكل وكثرة الأضياف. قال الحافظ وجاء في رواية يونس: أنه قال فلقيت من الحياء مالا يعلمه إلا الله عز وجل وقلت جاء الخلق على صاع من شعير وعناق فدخلت على امرأتي أقول افتضحت جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أجمعين فقالت هل كان سألك كم طعامك فقلت: نعم! فقالت: الله ورسوله أعلم ونحن قد أخبرناه بما عندنا فكشفت عني غماً شديداً. فتح الباري ٧/٣٩٨.
- ٢كذا في الصحيح ٥/٤٧، الفتح ٧/٣٩٦، وفي البداية والنهاية ٤/٩٨ (فلتخبز معك) وهو الظاهر.
- ٣صحيح البخاري ٥/٤٦ باب غزوة الخندق.
- *الجراب والجريب مكيال قدر أربعة اقفزة. القاموس ١/٤٥.
- *سؤرا: أي طعاماً يدعو إليه الناس. واللفظة فارسية (وهي بالسين وليست بالصاد كما في بعض المصادر) النهاية في غريب الحديث ٢/٤٢٠.
الحديث رواه أيضا مسلم ١ عن سعيد بن مينا بنفس اللفظ والحاكم ٢.
- ١صحيح مسلم ٣/١٦١٠ كتاب الأشربة.
- ٢المستدرك ٣/٣١.
وعند البخاري من طريق أيمن المخزومي المتقدم وفي آخره (قال كلى هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة) ٦.
وقد أورده ابن تيمية ١ ضمن المعجزات ٢.
- ١هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني ثم الدمشقي الحنبلي شيخ الإسلام - تقي الدين -أبو العباس، محدث حافظ مفسر، فقيه. ولد في ربيع الأول ١٢ منه عام ٦٦١هـ. توفي في دمشق في ٢٠ ذو القعدة عام ٧٢٨. من مصنفاته السياسية الشرعية في إصلاح الراعي والرعية وغير ذلك من الكتب القيمة. تذكرة الحفاظ ٤/١٤٩٦، شذرات الذهب ٦/٨٠.
- ٢الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/١٩٣.
- *القدح بفتح القاف وسكون الدال هو الغرف. القاموس المحيط ١/٢٤٢.
- *فتح الباري ٧/٣٩٥.
وفي رواية يونس "كلي وأهدي فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع" .
وفي رواية أبي الزبير عن جابر "فأكلنا نحن وأهدينا لجيراننا فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب ذلك" ١. قال السيوطي ١: "وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي ٢ في الدلائل عن جابر هذا الحديث" .
- ١الدر المنثور ٥/١٨٧.
- ٢دلائل النبوة ٣/٤٢٢.
ورواه أحمد عن سعيد بن مينا وفيه قال: "فبرك وسمى ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدروا أهل الخندق عنها" ٤. أ. هـ.
عدد من أكل من مائدة جابر رضي الله عنه: الرواية التي في الصحيحين أنهم ألف (وهم ألف) ٥.
وفي رواية أبي نعيم في المستخرج: "فأخبرني أنهم كانوا تسعمائة أو ثمانمائة" .
- *فتح الباري ٧/٣٩٨.
- *مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠.
- *صحيح البخاري ٥/٤٧. باب غزوة الخندق.
وفي رواية عبد الواحد بن أيمن عند الإسماعيلي (كانوا ثمانمائة أو ثلاثمائة) .
وفي رواية أبي الزبير (كانوا ثلاثمائة) . قال الحافظ ١: "والحكم للزائد لمزيد علمه لأن القصة متحدة" .
- ١فتح الباري ٧/٣١٩.
وفي سياق الحديث عن المعجزات قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن مينا أنه حُدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة ١ من تمر في ثوبي ثم قالت: "أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما" قالت: "فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي" فقال صلى الله عليه وسلم تعالى: "يابنية ما هذا معك؟ " قالت فقلت: "يارسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه" قال: "هاتيه" قالت: "فصببته في كفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملأتهما" . ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا ٢ بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده اصرخ في أهل الخندق أن هلمّ إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب ٣.أ. هـ. قال ابن كثير ٤: "هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع" .
- ١الحفنة: ملى الكفين من طعام. مختار الصحاح ١٤٥.
- ٢دحا الشيء بسطه منه قوله تعالى {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} . مختار الصحاح ٣/٣٠٠.
- ٣السيرة النبوية ٢/٢١٨، الروض الأنف ٦/٢٦٥.
- ٤البداية والنهاية ٤/٩٩.
لقد تنوعت المعجزات له صلى الله عليه وسلم فبعضها حدث في أثناء حفر الخندق وكانت عاجلة وبعضها حدث كما قال صلى الله عليه وسلم بعد أعوام طويلة من وفاته صلى الله عليه وسلم ولا زلنا نرى الكثير مما قال ونشاهد أعلام نبوته تباعاً لذلك روى الإمام مسلم حديثاً في ذلك وفيه قال: حدثنا ابن المثنى وابن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي مسلمة ١ قال: سمعت أبا نضرة ٢ يحدث عن أبي سعيد الخدري ٣ قال: "أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار ٤ حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه يقول: بؤس ابن سميه تقتلك فئة باغية" ٢ كما رواه الترمذي ٥ والطيالسي ٦.
- ١هو سعيد بن يزيد بن مسلمة الازدي أبو سلمة البصري القصير ثقة من الرابعة. روى له (ع) ١٢٧.
- ٢المنذر بن مالك بن قطعة بضم القاف وفتح المهملة العبدي العوقي بفتح المهملة والواو ثم قاف البصري أبو نضرة بنون ومعجمة ساكنة مشهور بكنيته - ثقة - من الثالثة. مات سنة ثمان أو تسع ومائة. روى له البخاري تعليقاً ومسلم والأربعة. التقريب ٣٤٧.
- ٣هذه كنيته واسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري له ولأبيه صحبة وهو صحابي مشهور. التقريب ١١٩.
- ٤هو الصحابي الجليل عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي بنون ساكنة ومهملة أبو اليقظان مولى بني مخزوم من السابقين الأولين بدري قتل بصفين مع على سنة سبع وثلاثين. التقريب ٢٥٠.
- ٥سنن الترمذي ٥/٣٣٣. مناقب عمار بن ياسر.
- ٦منحة المعبود ٢/١٥٢.
ولقد تحقق ما قاله صلى الله عليه وسلم حيث قتل عمار في صفين مع علي رضي الله عنه ولما قتله أصحاب معاوية رضي الله عنه قال عمرو بن العاص: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ١.
- ١أسد الغابة ٤/٤٧.
- *صحيح مسلم ٤/٢٢٣٥. كتاب الفتن وأشراط الساعة.
الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجاز المسلمين لحفره
...
الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجازهم لحفره لقد بدأ المسلمون في حفر الخندق في وقت عصيب - ذلك لأنهم يبادرون قدم العدو. وقد وكل صلى الله عليه وسلم لكل أناس جزءاً من المكان المتفق على حفره وفي ذلك تنشيط لهم ودافع على المسابقة في إكمال ما يلزم كل طائفة علماً بأنه صلى الله عليه وسلم قد وضع يده معهم ليدفعهم ويرغبهم أكثر في ذلك فقد روى الطبراني: عن عمرو بن عوف المزني أن رسول صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أحمر السبختين ١ طرف بني حارثة عام حزّب الأحزاب ٢ حتى بلغ المذابح ٣ فقطع لكل - عشرة أربعين ذراعاً واحتج ٤ المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلاً قوياً فقال المهاجرين: "سلمان منا وقالت الأنصار منا" فقال رسول صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت" . الحديث ٥. قال الهيثمي ٦: "رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه. وقد كذبه الشافعي. وتركه أحمد" . وفي الميزان عن ابن حبان - له عن جده نسخة موضوعة - وقال الشافعي وأبو داود: "هو ركن من أركان الكذب" ٤.
- ١كذا في المجمع ٦/١٣٠ -أحمر السبختين- وفي بقية الكتب ورد غير ذلك- ولعله تصحيف فقد جاء عند الطبري في جامع البيان ٢١/١٣٣ - أحمر الشيخين- وفي تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥ أجم الشيخين، وفي دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٠ الأجم - السمر- وهذا هو الحق لأن الا جم هي الحصون، وفيه (حتى توارت بآجام المدينة) أي حصونها واحدها أُجُم بضمتين. النهاية في غريب الحديث ١/٢٦.
- ٢في الطبري عام -ذكرت الأحزاب- جامع البيان ٢١/١٣٣، وتاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥.
- ٣اختلف فيها كثيراً، ولكن التحقيق سيأتي في نهاية هذا الفصل نقلاً عن ياقوت الحموي وغيره.
- ٤عند الطبري في التفسير ٢١/١٣٤ -اختلف- وفي التاريخ ٣/٤٥ - (احتق) - وهو الأصح. انظر: لسان العرب ١٠/٤٩.
- ٥المعجم الكبير للطبراني ٦/٢٦٠ حديث (٦٠٤٠) وفيه (النسختين) بدل السبختين.
- ٦مجمع الزوائد ٦/١٣٠.
وقد أورده ابن جرير الطبري ١ مطولاً ومداره على كثير هذا.
- ١جامع البيان ٢١/١٣٣، تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥.
وعلى ذلك فهو ضعيف لضعف كثير إلا أنه يتقوى بما سيأتي من المتابعات والشواهد، مما يدل على أن له أصلاً.
وقد حصل اختلاف بين روايات هذا الحديث مع أن مدارها على واحد. فقد نقل الحافظ حيث قال: وأخرجه البيهقي مطولاً من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده وساق الحديث إلى أن قال: وخط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع -وفيه- فمرت بنا صخرة بيضاء كسرت معاويلنا فأردنا أن نعدل عنها فقلنا: حتى نشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلنا إليه سلمان - وفيه- فضرب ضربة صدع الصخرة وبرق منها برقة وكبر المسلمون - وفيه - رأيناك تكبر فكبرنا بتكبيرك فقال: إن البرقة الأولى اضاءت لها قصور الشام فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم - وفي آخره- ففرح المسلمون واستبشروا ١.
- ١فتح الباري ٧/٣٩٧.
- *تهذيب التهذيب ٨/٤٢١، سبل السلام ٣/٥٩.
وهذه الرواية سبق في الفتح أنها للطبراني وفيها أن كل أربعين ذراع لعشرة من الناس ١ كذلك أورد ابن كثير هذه الرواية بلفظ "بين كل عشرة أربعين ذراعاً" ٣.
- ١مجمع الزوائد ٦/١٣٠.
وفي الدلائل للبيهقي: فلما وكل رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل جانب من الخندق قال المهاجرون يا سلمان احفر معنا. الحديث ١. وليس فيه تحديد الناس والأذرع.
- ١دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٠.
- *البداية والنهاية ٤/٩٩.
ورواه ابن جرير: عن ابن بشار عن محمد بن خالد بن عثمة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده فذكره - وفيه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعاً. قال واحتق ١ المهاجرون والأنصار في سلمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت" قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً. الحديث ٢.
- ١وهي عند ابن كثير هكذا -ومعناها- اختلفوا وتنازعوا. انظر: البداية والنهاية ٤/٩٩
- ٢جامع البيان ٢١/١٣٣-١٣٤، وقد تقدم رجال السند مترجمين في ص ١٦٩.
ولقد حفروا رضي الله عنهم بجد ونشاط وكانت المسافة طويلة وشاقة حيث كان الحفر من طرف بني حارثة - وبنو حارثة- في طرف الحرة الشرقية - إلى المذاد- من طرف بني سلمة بعد جبل بني عبيد من بني سلمة ١.
- ١المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٧.
وكان هذا مع ما كان بهم من الجوع وبدائية الأدوات التي كانوا يستخدمونها إلا أن اعتمادهم على الله ثم على قوة إيمانهم به وبرسوله وبمشروعية الدفاع عن الإسلام وعن النفس كل ذلك جعلهم ينجزون ما بدأوا فيه بسرعة فائقة إذا قيس بأعمال الآلات الحديثة اليوم.
أما بالنسبة لتحديد المكان المحفور على ضوء الأدلة فقد قال صاحب المواهب ١ اللدنية: روى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزني أنه صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أحمر الشيخين... وهما أطمان طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد ٢.
- ١المواهب اللدنية ٢/١٠٢، وهو محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقاني المالكي أبو عبد الله ت ١١٢٢. معجم المؤلفين ١٠/١٢٤.
- ٢هذا ما قاله الزرقاني بالنسبة لهذا الحديث - بسند لا بأس به- ولم أطلع على الجزء من مسند الطبراني الذي فيه مسند - عمرو بن عوف-.
ولقد عمل صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة مع المسلمين ليقوي نشاطهم وتزداد رغبتهم كما أنه صلى الله عليه وسلم كان يبادلهم الأهازيج. لأن الشعر والتمثل به مما يزيد في النشاط. وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز ١ لذلك روى البخاري رحمه الله حيث قال: حدثنا عبد الله بن محمد ٢ حدثنا معاوية بن عمرو ٣ حدثنا أبو إسحاق ٤ عن حميد ٥ سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: اللهم إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة. فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمداً ... على الجهاد ما بقينا أبداً٥ ورواه مسلم من طريق محمد بن حاتم السمين بنفس اللفظ إلا أن فيه تقديماً وتأخيراً٦. قال الحافظ قوله: "فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك" أي أنهم عملوا فيه بأنفسهم لاحتياجهم إلى ذلك لا لمجرد الرغبة في الأجر ٦ أقول: "إنه قد يفهم من كلام الحافظ أن الحاجة وحدها هي التي دفعتهم للعمل ولكنه واضح أن الرغبة في الأجر هي السمة الغالبة في ذلك وأن الحاجة مضافة إلى ذلك خصوصاً أولئك الذين مدحهم الله في أكثر من آية بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١ الآية.
- ١نوع من الشعر - وقد جاء في حديث الوليد بن المغيرة حين قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم أنه شاعر فقال: "لقد عرفت الشعر رجزه وهزجه وقريضه فما هو به" والرجز: بحر من بحور الشعر وتسمى قصائده أراجيز واحدها أرجوزه فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر ويسمى قائله راجزاً. النهاية في غريب الحديث ٢/١٩٩.
- ٢هو المسندي وترجمته في تهذيب التهذيب ١٠/٢١٥.
- ٣هو الأزدي المعنى -بفتح الميم وسكون المهملة- الكوفي أبو عمرو البغدادي، تهذيب التهذيب ١٠/٢١٥.
- ٤أبو إسحاق هو - الفزاري واسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث- ثقة حافظ من الثامنة روى له (ع) التقريب ٢٢.
- ٥هو الطويل أبو عبيدة البصري اختلف في اسم أبيه -ثقة مدلس- من الخامسة- روى له (ع) التقريب ٨٤.
- ٦فتح الباري ٥/٣٩٤.
- *صحيح البخاري ٥/٤٥ كتاب المغازي باب غزوة الخندق.
- *صحيح مسلم ٣/١٤٣٢ كتاب الجهاد والسير.
أما قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إن العيش عيش الآخرة " فقد بين الحافظ سبب هذا القول وهو لما رأى ما بهم من النصب والجوع قال ذلك. قال: "وعند الحارث بن أبي أسامة من مرسل طاوس زيادة في هذا الرجز: والعن عضلاً والقارة ... هم كلفونا ننقل الحجارة ثم قال: "والشطر الأول غير موزون ولعله" كان: "والعن الهي عضلاً والقارة" .
وفي الطريق الثانية لأنس أنه قال ذلك جواباً لقولهم: "نحن الذين بايعوا محمداً" قال: "ولا أثر للتقديم والتأخير فيه لأنه يحمل على أنه كان يقول" إذا قالوا ويقولون إذا قال. قال: "وفيه أن إنشاد الشعر سبب للتنشيط في العمل وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز" . وقال في قوله: "على الجهاد ما بقينا أبداً" في رواية عبد العزيز على الإسلام بدل - الجهاد - والأول اثبت ١. وهذا الحديث ورد في عدة مواضع في صحيح البخاري ٢.
- ١فتح الباري ٧/٣٩٤-٣٩٥ كتاب الجهاد - باب غزوة الخندق.
- ٢فتح الباري ٦/٤٥ كتاب الجهاد باب التحريض على القتال، ٦/٤٦، ٦/١١٧، ١٣/١٩٢ كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس.
- *سورة الفتح الآية الأخيرة.
أقول: "إن المسلم عليه أن يتأسى برسوله صلى الله عليه وسلم فحينما يرى البذخ الذي فيه بعض الناس والفقر الذي فيه آخرون - يقول - اللهم إن العيش عيش الآخرة. لأنها كلمة ترتفع بالنفس عن الدنيا الفانية وإغراءاتها المذلة" .
وقد جاء عند البخاري من طريق ثانية عن أنس وفيها قال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو معمر ١ حدثنا عبد الوارث ٢ عن عبد العزيز ٣ عن أنس رضي الله عنه ٤ قال: "جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ٥ وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمداً ... على الإسلام ما بقينا أبداً قال: "يقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يجيبهم: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ... فبارك في الأنصار والمهاجرة. قال: "يؤتون بملئ كفِّى من الشعير فيصنع لهم بإهالة ٦ سنخة ٧ توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة ٨ في الحلق ولها ريح منتن" ٧... الحديث.
- ١عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي أبو معمر المقعد المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف البصري واسم أبي الحجاج ميسرة ثقة ثبت - رمي بالقدر من العاشرة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين روى له (ع) التقريب ١٨٣.
- ٢هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوزي بفتح المثناة وتشديد النون البصري - ثقة ثبت - رمي بالقدر ولم يثبت عنه - من الثامنة مات سنة ثمان ومائة. روى له (ع) . التقريب ٢٢٢.
- ٣هو عبد العزيز بن صهيب البناني بموحدة ونونين البصري ثقة من الرابعة مات سنة ثلاثين ومائة روى له (ع) التقريب ٢١٥.
- ٤أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمه عشر سنين صحابي مشهور مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. التقريب ٣٩. والاستيعاب ١/١٩٨.
- ٥المتن هو الكتف (وقد جاء في رواية أخرى على أكتاف) وفي أخرى على أكتادنا وكلاهما بمعنى واحد) .
- ٦الإهالة: بكسر الهمزة وتخفيف الهاء. الدهن مما يؤتدم به وقيل هو ما أذيب من الألية والشحم وقيل الدسم الجامد. النهاية في غريب الحديث ١/٨٤.
- ٧السنخة: المتغيرة الريح وذلك لقدمها. النهاية ١/٨٤، وفتح الباري ٧/٣٩٥.
- ٨بشعة: كريهة الطعم عند ازدرادها. فتح الباري ٧/٣٩٥.
- *فتح الباري ٧/٣٩٢-٣٩٣.
هكذا كان صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صراع دائم مع الدنيا وإغراءاتها ولم تجد إليهم سبيلاً بل كانوا على يقين تام بأن الآخرة أحسن وأولى ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ ١. وكانوا يعملون هذه الأعمال المجيدة الشاقة دفاعاً عن هذا الدين الحنيف وهم في حالة صعبة حيث الجوع والبرد القارس ومع ذلك كانت عزائمهم صلبة تكسر الصخور.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،