السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

صلح الحديبية

التاريخذو القعدة ٦
عمره ﷺ٥٨
الموضعالحديبية
ما نزل فيهالفتح ١

ذو القعدة ٦، وعمره ﷺ ٥٨

تقرأ في حافظ بن محمد عبد الله الحكمي، ١٬٢٤٠ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٤٠٦ هـ
عناوينه هنا (٧٥)
  1. المبحث الأول: المرجحات لتسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية
  2. حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه
  3. حديث أبي قتادة رضي الله عنه
  4. حديث أنس بن مالك عند ابن جرير
  5. المطلب الأول: التحقيق في اسمها من حيث ضبطه وسبب إطلاقه عليها
  6. المطلب الثاني: موقع الحديبية وهل من الحل أو الحرام
  7. المبحث الأول: سبب الغزوة
  8. المبحث الثاني: تاريخ خروج المسلمين لغزوة الحديبية
  9. حديث أنس رضي الله عنه
  10. المبحث الأول: إعداد النبي صلى الله عليه وسلم للخروج إلى الحديبية
  11. المبحث الثاني: عدد جيش السلمين في غزوة الحديبية
  12. المبحث الأول: صلاة المسلمين بذي الحليفة وإحرامهم بالعمرة
  13. المبحث الثاني: إرسال النبي صلى الله عليه وسلم بسر بن سفيان عينا على مكة
  14. الفصل الخامس: إرسال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه إلى غيقة وقصة أبي قتادة رضي الله عنه
  15. المبحث الأول: عين رسول الله صلى الله عليه وسلم الخزاعي يوافيه بخبر قريش
  16. المبحث الثاني: صلاة الخوف بعسفان
  17. المبحث الثالث: بيان أن ابتداء مشروعية صلاة الخوف كان في غزوة الحديبية
  18. المبحث الرابع: تنبية على أحاديث أوردت في صلاة عسفان وبيان وجه مغايرتها
  19. المبحث الأول: المشاق التي عاناها المسلمون في طريقهم الى الحديبية
  20. المبحث الثاني: نزول المسلمين الحديبية ومعجزة النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير ماء البئر
  21. المبحث الثالث: من الذي نزل بالسهم في بئر الحديبية؟
  22. المبحث الأول: إعداد قريش وخروجها لصد المسلمين
  23. المبحث الثاني: تحرشات قريش بالمسلمين وموقف المسلمين حيالها
  24. المبحث الأول: ركب من خزاعة يسعى لإيجاد تقارب بين الطرفين
  25. المبحث الثاني: رسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش
  26. المبحث الثالث: رسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم
  27. المبحث الأول: سبب هذه البيعة
  28. المبحث الثاني: مكان البيعة
  29. المبحث الثالث: على أي شيء كانت البيعة
  30. المبحث الرابع: من هو أول من بايع بيعة الرضوان
  31. المبحث الخامس: ما ورد في فضل أصحاب البيعه
  32. المبحث الأول: أسباب الصلح ومقدماته
  33. المبحث الثاني: الشروط التى تم عليها الصلح
  34. المبحث الثالث: كاتب الصلح وشهوده
  35. المبحث الرابع: تألم عمر وبعض الصحابة من شروط قريش
  36. المطلب الأول: وفاء المسلمين بالعهد
  37. المطلب الثاني: بيان أن امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن رد المهاجرات ليس إخلالا بالصلح
  38. المطلب الأول: تخلى قريش عن أهم شروطها
  39. المطلب الثاني: نقض قريش للعهد
  40. حديث ابن عمر عند ابن حبان
  41. حديث ميمونة رضي الله عنها عند الطبراني
  42. حديث عائشة رضي الله عنها
  43. المبحث الأول: قصة كعب بن عجرة ونزول آية الفدية
  44. المبحث الثاني: بيان كفر من قال مطرنا بنؤ كذا
  45. المبحث الثالث: مشروعية الصلاة في الرحال
  46. المبحث الثالث: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية
  47. المبحث الأول: أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالنحر والحلق وذكر مادار بينهم
  48. المبحث الثاني: عدد الهدى الذي نحره المسلمون في عمرة الحديبية
  49. المبحث الثالث: قصة جمل أبي جهل
  50. المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدى في الحل أو الحرم
  51. المبحث الأول: انصراف المسلمين من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح
  52. المبحث الثاني: نزول سورة الفتح
  53. المبحث الثالث: معجزة النبي صللى الله عليه وسلم في نبع الماء من أصابعه وفي تكثير الطعام
  54. المبحث الرابع: نزول المسلمين بالأثاية
  55. المبحث الأول: فضل غزوة الحديبية
  56. المبحث الثاني: نتائج غزوة الحديبية
  57. توطئة
  58. المبحث الأول: مشروعية الشورى
  59. المبحث الثاني: حكم الأستعانة بالمشرك
  60. ١ - حديث ابن عباس رضي الله عنهما
  61. ٢ - حديث الزهري
  62. ٣ - حديث فطير الحارثي
  63. المبحث الثالث: مقدار المدة التي تجوز مهادنة الكفار عليها
  64. المبحث الرابع: هل تجوز مصالحة الكفار على رد من جاء من قبلهم مسلما
  65. المبحث الخامس: إذا رد الأمام إلى المعاهدين من جاء من قبلهم فأحدث جناية فيهم فهل عليه أو على الإمام ضمان
  66. المبحث السادس: إذا عاهد الإمام قوما فخرجت عليهم طائفة من المسلمين غير متحيزة إلى الإمام فهل على الإمام دفعهاعنهم
  67. المبحث الأول: حكم القيام على رأس الكبير وهو جالس
  68. المبحث الثاني: تعريف الفأل وبيان استحبابه وأنه مغاير للطيرة
  69. المبحث الثالث: بيلن كفر من اعنقد أن للكوكب تأثيرا في ايجاد المطر
  70. المبحث الرابع: هل يجوز التبرك بفضلات الصالحين وآثارهم
  71. المبحث الخامس: هل كتب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حقيقة
  72. المبحث الأول: أتهام العقل أمام النصوص الصريحة
  73. المبحث الثاني: أنموذج من التربية النبوية
  74. المبحث الثالث: مثل رائع لوفاء المسلم وثباته على العقيدة
  75. المبحث الرابع: صروح الكفر والطغيان تتهاوى أمام عزمات الإيمان

المبحث الأول: المرجحات لتسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية

١/١٤١/١٤

...

بعد أن تم اختياري ((لمرويات غزوة الحديبية) ) موضوعاً لبحثي كانت أول قضية استوقفتني هي: اختلاف الذين كتبوا عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ((في عنوان هذه الحادثة) ) .

فنرى بعضهم عنون لها بـ ((أمر الحديبية) ) ١ وبعضهم بـ ((قصة الحديبية) ) ٢، ومنهم من سماها ببعض القضايا التي وقعت فيها مثل: ((عمرة الحديبية) ) ٣، أو ((صلح الحديبية) ) ٤، وفريق آخر سماها بـ ((غزوة الحديبية) ) ٥.

وكان لزاماً علي أن أختار لها عنوان مناسباً من تلك العناوين المطروحة لكن وجدت أمامي سؤالاً يطرح نفسه، وهو: لماذا اخترت هذا العنوان دون غيره؟

وللجواب على هذا السؤال وأمثاله قررت أن يكون اختياري للعنوان ناتجاً عن دراسة وتحليل لتلك العناوين المطروحة لأنه لم يوضع واحد منها إلا باعتبار ما.

بعد دراسة وتأمل لتلك العناوين رأيت أن العنوان المناسب لهذه الحادثة هو: ((غزوة الحديبية) ) وذلك للأمور التالية: أولاً: أنه موافق لاصطلاح أهل السير والمحدثين. قال الزرقاني: "وقد جرت عادة المحدثين وأهل السير واصطلاحهم غالباً أن يسموا كل عسكر حضره النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة (غزوة) وما لم يحضره بل أرسل بعضاً من أصحابه إلى العدو (سرية) أو (بعثاً) " ١.

  1. *انظر: سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨، والمواهب اللدنية ٢/١٧٩ مع شرح الزرقاني.
  2. *انظر: تاريخ الطبري ٢/٧١، وزاد المعاد ٣/٢٨٦.
  3. *انظر: الدرر لابن عبد البر ص ٢٠٤، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص ٣٤٨.
  4. *انظر: تاريخ خليفة ابن خياط ص ٨١، وكتاب صلح الحديبية لمحمد باشميل.
  5. *انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/٤٣٩، ومغازي الواقدي ٢/٥٧١، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٩٥، وتاريخ اليعقوبي ٢/٥٤، وعيون الأثر ٢/١١٣، وجوامع السيرة ص٢٠٧ وغيرها.
١/١٥١/١٥

ثانياً: ما يحمله لفظ (غزوة) من إيحاءات عميقة تعطى الحادثة اعتباراً خاصاً في شعور المسلم ولا توجد في مثل لفظ (قصة) و (أمر) ذلك لأن لفظ (غزوة) أصبح ملازماً لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تكاد ترى أو تسمع هذه اللفظة حتى يسرح بك الخيال من وراء تلك الأجيال المتعاقبة لترى تحركات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأبرار يزلزلون الطغاة وأتباعهم.

ثالثاً: شمول هذا العنوان لجميع تحركات الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة ابتداء من إحرامه بالعمرة ومروراً بالبيعة والصلح إلى رجوعه للمدينة.

رابعاً: ورود عدة أحاديث تصرح بأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمونها (غزوة) ومن تلك الأحاديث ما يلي:

حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه

١ قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا حماد بن مسعده عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات فذكر خيبر٢، والحديبية، ويوم حنين٣، ويوم القرد٤، قال يزيد: ونسيت بقيتهم" ٥.

  1. ١شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ١/٣٨٧.
  2. *لفظ خيبر: بلسان اليهود الحصن، وصار يطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل على سبعة حصون ومزارع ونخيل كثيرة، فتحها النبي صلى الله عليه وسلم سنة سبع من الهجرة، وتقع شمال المدينة بحوالي (١٦٤) كيلاً. انظر: معجم البلدان ٢/٤٠٩، ونسب حرب: ٣٥٦، ومرويات غزوة خيبر لعوض الشهري: ٨.
  3. *حنين: قال ياقوت: "يجوز أن يكون تصغير الحنان وهو الرحمة تصغير ترخيم، ويجوز أن يكون تصغير الحن، وهو حي من الجن، قال السهيلي: سمي بحنين بن قانيه بن مهائيل، قال: وأظنه من العماليق، حكاه عن أبي عبيد البكري، وهو اليوم الذي ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم، وهو قريب من مكة، وقيل: واد قبل الطائف، وقيل: واد بجنب ذي المجاز، وقال الواقدي: بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً". انظر: معجم البلدان ٢/٣١٣.
  4. *يعني غزوة ذي قرد: وهو ماء على ليلتين من المدينة، بينها وبين خيبر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إليه لما خرج في طلب عيينة بن حصن حين أغار على لقاحه. معجم البلدان ٤/٣٢١.
  5. *صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٧٣.
١/١٦١/١٦

وأخرجه أحمد ١ عن حماد بن مسعدة.

  1. ١مسند أحمد ٤/٥٤.

حديث أبي قتادة رضي الله عنه

١ قال مسلم٢: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا معاوية هو ابن سلام أخبرني يحيى، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الحديبية، قال: فأهلوا بعمرة غيري ... (الحديث) .

  1. ١صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٢، وسيأتي تخريجه برقم (٣٨) .

حديث أنس بن مالك عند ابن جرير

١ قال: حدثنا أحمد بن المقدام٣، قال: ثنا المعتمر٤ قال: سمعت أبي٥ يحدث عن قتادة٦ عن أنس٧ بن مالك قال: "لما رجعنا من غزوة الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٨ أو كما شاء الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لقد أنزلت علي آية أحب إلي من الدنيا جميعاً"٩.

  1. ١أحمد بن المقدام أبو الأشعت العجلي، البصري، صدوق صالح الحديث، طعن أبو داود في مروءته، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وله بضع وتسعون سنة: خ، ت، س، ق. تقريب: ١٦.
  2. *معتمر بن سليمان التيمي أبو المعتمر البصري يلقب بالطفيل، ثقة، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقد جاوز الثمانين: ع. تقريب: ٣٤٢.
  3. *سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر البصري، نزل في التيم فنسب إليهم، ثقة عابد، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو ابن سبع وتسعين: ع. تقريب: ١٣٤.
  4. *قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال ولد أكمه، مات سنة بضع عشرة ومائة: ع. تقريب: ٢٨١.
  5. *أنس بن مالك بن النضر الأنصار الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة: ع. تقريب: ٣٩.

هذا حديث صحيح فرجاله رجال الصحيح وأحمد بن المقدام طعن فيه أبو داود بسبب مزاح كان فيه، وقد تعقبه ابن عدي ١ بأنه لا يؤثر فيه، وبين ابن حجر ٢ أيضاً وجه عدم تأثير طعن أبي داود فيه. وقال عنه الذهبي ٣: "أحد الأثبات المسندين، واحتج به البخاري وغيره" ٢.

  1. ١تهذيب التهذيب ١/٨٢.
  2. ٢هدي الساري: ٣٨٧.
  3. ٣هدي الساري: ٣٨٧.
  4. *سورة الفتح آية: ١.
  5. *تفسير ابن جرير ٢٦/٦٩.
١/١٧١/١٧

وفي السند عنعنة قتادة وهو مشهور بالتدليس ١، لكنها غير مؤثرة على صحة الحديث، لأن أصله في صحيح مسلم ٢، سوى ما في أوله، ويشهد له الحديثان السابقان.

  1. ١هدي الساري: ٣٨٧.
  2. ٢جامع التحصيل في أحكام المراسيل: ١٢٤.
  3. *ميزان الاعتدال ١/١٥٨.

المطلب الأول: التحقيق في اسمها من حيث ضبطه وسبب إطلاقه عليها

...

الحديبية: بالتصغير - هي بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة مكسورة وياء مخففة أو مشددة على خلاف: فأهل العراق على تخفيفها، ونقله النووي عن الشافعي وأهل اللغة، وبعض أهل الحديث "١. وقال السهلي: "التخفيف هو الأعرف عند أهل العربية، ونقله البكري عن الأصمعي "٢. وقال أبو جعفر النحاس: "سألت كل من لقيت ممن وثقت بعمله من أهل العربية عن الحديبية فلم يختلفوا على أنها مخففة "٣. وقال أحمد بن يحيى: "لا يجوز غير التخفيف"٤.

  1. *انظر: ص ٢٥٣.
  2. *انظر: معجمك البلدان ٢/٢٢٩، تهذيب الأسماء واللغات ١/٢: ٨١.
  3. *تاج العروس ١/٢٠٤ - ٢٠٥، الروض الأنف ٦/٤٧٥.
  4. *المصباح المنير ١/١٧٠.
١/١٨١/١٨

وأهل المدينة يثقلونها، وكذلك أكثر الفقهاء والمحدثين ١.

  1. ١تهذيب الأسماء واللغات ١/٢: ٨١، تاج العروس ١/٢٠٤ - ٢٠٥.

وحكى ياقوت عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: الصواب: "تشديد الحديبية، وتخفيف الجعرانة، وأخطأ من نص على تخفيفها، وقيل كل صواب" ٢. قلت: الظاهر أن الكل صواب، فقد قال النووي: "وهما وجهان مشهوران" ا. هـ ١ وقال ابن حجر: "والحديبية بالتخفيف والتثقيل لغتان ا. هـ ٢

  1. ١تهذيب الأسماء واللغات ١/٢: ٨١.
  2. ٢فتح الباري ٧/٤٣٩.

قال ياقوت: "هي قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع تحتها " ا. هـ ١ وكذلك قال ابن حجر: هي بئر سمي بها المكان ا. هـ ٢ وقال الخطابي: "إن الحديبية اسم لشجرة حدباء في ذلك الموضع وصُغِّرت وسُمِّي بها المكان، نقله عنه ياقوت "٧.

  1. ١معجم البلدان ٢/٢٢٩.
  2. ٢فتح الباري ٥/٣٣٤.

وحكاه ابن حجر ١ بصيغة التمريض. وقال الزبيدي: "جزم المتأخرون أنها قريبة من قهوة الشميسى، ثم أطلق على الموضع "ا. هـ ٢ قلت: القول الأول: يشهد له ما في حديث البراء: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة ... "١٠.

  1. ١فتح الباري ٥/٣٣٤.
  2. ٢تاج العروس ١/٢٠٥.

ولا يبعد أن تكون البئر سميت بالشجرة، والله أعلم.

  1. *انظر: معجم البلدان ٢/٢٢٩.
  2. *انظر: معجم البلدان ٢/٢٢٩.
  3. *انظر حديث رقم (٥٣) .

المطلب الثاني: موقع الحديبية وهل من الحل أو الحرام

١/١٩١/١٩

...

المطلب الثاني: موقع الحديبية، وهل هي من الحل أو من الحرم؟

قال ياقوت: "بين الحديبية ومكة مرحلة وبينها وبين المدينة تسع مراحل" . اهـ ١ وقال النووي: "إنها على نحو مرحلة من مكة" ٢. وقال في المصباح: "تقع على طريق جدة دون مرحلة" ٣. وقال صاحب صحيح الأخبار: "فإن جزت وادي فاطمة أتيت الموضع الذي يقال له اليوم الشميسي، وكان يقال له في الزمن القديم: الحديبية." اهـ ٢ وقال صاحب نسب حرب: "تقع غرب مكة على بعد (٢٢كيلاً) على الطريق إلى جدة، وقد تغير اسمها إلى الشميسي لأنه يقال: إن رجلاً يدعى الشميسي حفر بئراً هناك فغلب اسمه عليها، وبالقرب منها من الغرب أقامت أمانة العاصمة حدائق تعرف بـ (حدائق الحديبية) وفي الحديبية اليوم مسجد الرضوان يقال: إنه بني مكان البيعة" .اهـ ٣ أفادت هذه النقول أن الحديبية تقع في الناحية الغربية من مكة كما صرح بذلك صاحب (نسب حرب) وهو مفهوم قول صاحب (المصباح) وصاحب (صحيح الأخبار) لأن جدة تقع في الجهة الغربية من مكة لكن الواقع أن الحديبية لا تحاذي بمكة من الجهة الغربية، بل تنحرف إلى جهة الشمال وقد أشار إلى ذلك ياقوت حيث ذكر: "أنها ليست في طول الحرم، ولا في عرضه، بل تقع في زاوية الحرم" .اهـ ٤ أما المسافة التي بين الحديبية وبين مكة فقد ذكر ياقوت أنها مرحلة، والمرحلة تقدر بـ (٤٠ كيلو متراً) كما قرر ذلك صاحب تيسير العلام ٥.

  1. ١معجم البلدان ٢/٢٢٩.
  2. ٢صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار ٢/١٣٨.
  3. ٣نسب حرب: ٣٥٠.
  4. ٤معجم البلدان ٢/٢٢٩.
  5. ٥تيسير العلام ١/٤٨٣.
  6. *تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢: ٨١.
  7. *نقله الزبيدي: تاج العروس ١/٢٠٥.
١/٢٠١/٢٠

لكن نرى صاحب (نسب حرب) يقول: "إن بينهما (٢٢كيلو متراً) ، وهناك فرق شاسع بين القولين.

لكن الظاهر أن المتقدمين لا يريدون التحديد الدقيق، وإنما يقصدون التقدير التقريبي للمسافة. لذلك نرى النووي يقول: إنها على نحو مرحلة. وصاحب المصباح يقول: دون مرحلة.

أما صاحب (نسب حرب) فإنه يريد التحديد الدقيق للمسافة، وما ذكره هو المعروف اليوم.

وقد ذكر المتأخرون أنه قد غلب على مكان الحديبية اسم (الشميسي) فصار المكان يعرف بهذا الاسم، لكن ذكر صاحب (نسب حرب) أنها توجد، ثم حدائق تعرف بـ (حدائق الحديبية) وهذا يعني أن المكان لا زال يعرف أنه مكان الحديبية.

(ب) هل الحديبية من الحل أو من الحرم؟

عند مالك أن الحديبية جميعها من الحرم ١. وقال الشافعي: "الحديبية موضع من الأرض منه ما هو في الحل، ومنه ما هو في الحرم "٢. وقال ياقوت: "وبعض الحديبية في الحل، وبعضها في الحرم، وهو أبعد الحل من البيت "٣. وقال ابن القيم: "والحديبية في الحل باتفاق الناس ".

  1. ١ذكره الزبيدي: تاج العروس ١/٢٠٥.

وقد قال الشافعي: "بعضها في الحل، وبعضها في الحرم، ومراده: أن أطرافها من الحرم، وإلا فهي من الحل باتفاقهم" ا. هـ ١ قلت: الظاهر أن ما ذهب إليه الشافعي وياقوت هو الأرجح، وأما ما حكاه ابن القيم من الاتفاق على أن الحديبية كلها من الحل، فغير مسلم، لأن مالكاً يرى أنها من الحرم كلها، والشافعي وغيره يرون أن بعضها من الحرم.

  1. ١زاد المعاد ٣/٣٨٠.
  2. *الأم ٢/١٥٩.
  3. *معجم البلدان ٢/٢٢٩.
١/٢١١/٢١

وقد حمل ابن القيم قول الشافعي على أنه يقصد أن أطرافها من الحرم، لكنه لم يبين مساحة هذه الأطراف، وعلى افتراض أنه يقصد ذلك، فإن هذه الأطراف يطلق عليها بعض الحديبية، والله أعلم.

المبحث الأول: سبب الغزوة

١/٢٢١/٢٢

...

درج كثير من أهل المغازي على جعل السبب في خروج المسلمين لهذه الغزوة رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم قبيل خروجه، وملخصها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أنه دخل البيت هو وأصحابه وطافوا به، وحلق بعضهم وقصر البعض، وأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا.

وأول من أثبت هذا السبب - حسب علمي - هو الواقدي ١، ثم تابعه كثير ممن كتب في المغازي كاليعقوبي ٢، والمقريزي ٣، الزرقاني ٤، وصاحب تاريخ الخميس ٥، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ٦، وغيرهم.

  1. ١مغازي الواقدي ٢/٥٧٢.
  2. ٢تاريخ اليعقوبي ٢/٥٤.
  3. ٣امتاع الأسماع ١/٢٧٤.
  4. ٤شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٧٩.
  5. ٥تاريخ الخميس ٢/١٧٩.
  6. ٦مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: ٢٦١.

وقد تردد كثيراً في إثبات تلك الرؤيا سبباً للغزوة، لأن أول من أثبتها - كما أشرت - هو الواقدي، بينما أغفلها من هو أثبت منه كابن إسحاق وابن سعد وغيرهما.

لكن بعد البحث والتتبع وجدت ما يشهد لها ويدل على أن لها أصلاً وذلك من القرآن والحديث: قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ ... ﴾ ٧.

  1. *سورة الفتح الآية: ٢٧.
١/٢٣١/٢٣

وقد ذكر المفسرون أن سبب نزول هذه الآية هو التساؤل الذي حصل حول الرؤيا.

فقد روى ابن جرير ذلك عن مجاهد وابن زيد: ١ قال ابن جرير: حدثنا محمد١ بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم٢ قال: ثنا عيسى٣، وحدثني الحارث٤ قال ثنا الحسن٥ قال: ثنا ورقاء٦ جميعاً عن ابن أبي نجيح٧ عن مجاهد٨ في قوله "الرؤيا بالحق" قال: أرى النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية: أين رؤيا محمد صلى الله عليه وسلم؟ "٩.

  1. ١الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي صاحب المسند، رمز له الذهبي بكلمة (صح) - وهي كما قال ابن حجر أنه اعتمد توثيقه - وقال الذهبي: كان عارفاً بالحديث حافظاً، تكلم فيه بلا حجة، وقال الدارقطني هو عندي صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه ابن حزم، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين. ميزان الاعتدال ١/٤٤٢، لسان الميزان ٢/١٥٧.
  2. *محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد العتكي - بفتح المهلمة والمثناة - أبو جعفر البصري، صدوق، توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين: م، د. تقريب: ٣١٣.
  3. *هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري، ثقة ثبت، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين أو بعدها: ع. تقريب: ١٥٥.
  4. *عيسى بن ميمون الجرشي - بضم الجيم وفتح الراء والمعجمة - ثم المكي أبو موسى يعرف بابن داية - تحتانية خفيفة - ثقة من السابعة: خد. تقريب: ٢٧٢.
  5. *الحسن بن موسى الأشيب - بمعجمة ثم تحتانية - أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها، ثقة، مات سنة تسع أو عشر ومائتين: ع. تقريب: ٧٢.
  6. *ورقاء بن عمر اليشكري، أبو بشر الكوفي نزيل المدائن، صدوق في حديثه عن منصور لين: ع. تقريب ٣٧٩. قال أحمد بن حنبل: ثقة صاحب سنة، توفي سنة نيف وستين ومائة رحمه الله. تذكرة الحفاظ ١/٢٣٠.
  7. *عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي أبو يسار الثقفي مولاهم، ثقة، رمي بالقدر وربما دلس، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة أو بعدها: ع، تقريب: ١٩١.
  8. *مجاهد بن جبر - بفتح الجيم وسكون الموحدة - ابو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير والعلم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة، وله ثلاث وثمانون: ع. تقريب: ٣٢٨.

سند هذا الأثر حسن إلى مجاهد لكنه مرسل.

(٥) وقال ابن جرير: حدثني يونس ١، قال: أخبرنا ابن وهب ٢ قال: قال ابن زيد١: في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ... ﴾ ، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين" فلما نزل بالحديبية، ولم يدخل ذلك العام، طعن المنافقون في ذلك فقالوا: أين رؤياه؟ فنزلت الآية٢.

  1. ١يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي أبو موسى البصري، ثقة، مات سنة أربع وستين ومائتين، وله ست وتسعون سنة: م، س، ق: تقريب: ٣٩٠.
  2. ٢عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة، حافظ عابد، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة: ع، تقريب: ١٩٣. ١:هوعبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم، ضعيف، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة: ت، ق. تقريب: ٢٠٢. ٢ تفسير ابن جرير ٢٦/١٠٧. ٣ ميزان الاعتدال ٢/٥٦٤. ٤ انظر ص:١٧١. ٥ انظر ص: ١٧٢.
  3. *تفسير ابن جرير ٢٦/١٠٧.
١/٢٤١/٢٤

سند هذا الأثر صحيح إلى ابن زيد وهو عبد الرحمن بن زيد ضعيف، ضعفه ابن معين، وابن المديني، وأحمد والنسائي، وغيرهم٣.

لكن معنى الأثرين ثابت من حديث المسور ومروان ففيه من رواية معمر عند البخاري: "فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى: فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به٤.

وفي حديثهما من رواية ابن إسحاق عند أحمد بسند حسن "وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهو لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا ... "٥.

فالآية وما في حديث المسور ومروان تدل على أنه قد حصل للنبي صلى الله عليه وسلم رؤيا خرج المسلمون إثرها لهذه الغزوة.

لكن الأثر الذي رواه ابن جرير عن مجاهد يُعَكِّرُ على جعل هذه الرؤيا سبباً لخروج المسلمين إذ فيه: "أن الرؤيا حصلت للرسول صلى الله عليه وسلم بالحديبية "، وذلك بعد خروج المسلمين.

لكن إذا تأملنا حديث المسور ومروان نرى في رواية معمر قول عمر: "أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ ".

١/٢٥١/٢٥

وفي رواية ابن إسحاق: "وقد كان المسلمون خرجوا وهو لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم" .

فكلام عمر يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحدثهم بذلك قبل مجيئهم للحديبية، وما في رواية ابن إسحاق يفيد أن المسلمين خرجوا بعد الرؤيا.

لذلك حمل بعض العلماء الرؤيا التي يشير إليها الأثر الموقوف على مجاهد أنها رؤيا ثانية. قال الزرقاني: "وأما ما رواه الفارابي وعبد بن حميد والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: " أري النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ... ﴾ فهي رؤيا رآها بالحديبية تبشيراً له من الله ثانياً فلا يصلح جعلها سبباً لخروجه من المدينة"١.

  1. *شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٧٩.

المبحث الثاني: تاريخ خروج المسلمين لغزوة الحديبية

استعمل النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة قبل خروجه نميلة بن عبد الله الليثي على قول ابن هشام ١، وابن ٢ سيد الناس ومن تبعهما.

  1. ١سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨.
  2. ٢عيون الأثر ٢/١١٣.

وذكر الواقدي ١، وابن ٢ سعد ومن تبعهما أنه استعمل ابن أم مكتوم، وهناك قول ثالث ٣: أنه استعمل أبارهم كلثوم بن الحصين. قال الزرقاني ٤: "يحتمل أنه استخلف نميلة وأبارهم على المصالح والإمام ابن أم مكتوم" .

  1. ١مغازي الواقدي ٢/٥٧٣.
  2. ٢الطبقات الكبرى ٢/٩٥.
  3. ٣نقله الزرقاني عن البلاذري، شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٨٠.
  4. ٤المصدر السابق.
١/٢٦١/٢٦

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه للغزوة، وذلك في يوم الاثنين مستهل ذو القعدة من السنة السادسة، وسأورد ما يثبت هذا التحديد إن شاء الله.

١ قال البيهقي: "أخبرنا أبو الحسين بن الفضل بن القطان١ ببغداد قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه٢ النحوي، قال: حدثنا يعقوب٣ بن سفيان قال: أخبرنا ابن المنذر٤ قال: حدثنا عبد الله بن نافع٥ قال: حدثني نافع٦ بن أبي نعيم عن نافع٧ مولى ابن عمر قال: " كانت الحديبية سنة ست بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي القعدة "٨.

  1. ١نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ المدني، مولى بني ليث أصله من أصبهان، وقد ينسب لجده، صدوق ثبت في القراءات، مات سنة تسع وستين ومائة: فق. تقريب: ٣٥٥٠.
  2. *محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل الأزرق القطان، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة، توفي سنة خمس عشرة وأربعمائة. تاريخ بغداد ٢/٢٤٩.
  3. *عبد الله بن محمد بن جعفر بن درستويه بن المرزبان النحوي، نقل الخطيب تضعيفه عن اللالكائي، والبرقاني ثم رده ونقل توثيقه عن أبي سعد الحسين بن عثمان الشيرازي، وعبد الله بن منده الحافظ، توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، تاريخ بغداد ٩/٤٢٨.
  4. *يعقوب بن سفيان الفارسي أبو يوسف الفسوي، صاحب المعرفة والتاريخ، قال ابن حجر: ثقة حافظ، توفي سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل بعد ذلك: س، ق. تقريب: ٣٨٦.
  5. *هو إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي، صدوق، تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، مات سنة ست وثلاثين ومائتين: خ، ت، س، ق. تقريب: ٢٣.
  6. *عبد الله بن نافع الصائغ المخزومي مولاهم، أبو محمد المدني، ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، مات سنة ست ومائتين وقيل بعدها: بخ، م، الأربعة. تقريب: ١٩١.
  7. *نافع أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت، فقيه مشهور، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك: ع. تقريب: ٣٥٥.

سند هذا الأثر حسن، فابن المنذر تكلم فيه أحمد لأنه خلط في القرآن، ولكونه قدم إلى ابن أبي دؤاد، لكن وثقه ابن معين والنسائي وابن وضاح، وأبو حاتم والدارقطني، ورجح الذهبي توثيقه فقد رمز له بـ (صح) ، وقال الساجي: "له مناكير لكن تعقبه الخطيب " وقال ابن حجر: " اعتمده البخاري، وانتفى من حديثه"٩، وفي السند أيضاً نافع بن أبي نعيم، قال أحمد: "ليس بشيء في الحديث، لكن وثقه ابن معين" ، وقال ابن سعد: "كان ثبتاً" ، وقال أبو حاتم: "صدوق صالح الحديث" ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن المديني وابن عدي والدارقطني: "لا بأس به" ١، فتوثيق هؤلاء مقدم على قول من جرحه، لا سيما والجرح غير مفسر السبب، وبقية رجال السند كلهم ثقات، فالأثر حسن إلى نافع، وقد أرسله نافع لكن معناه ثابت من حديثي ابن عمر التاليين: (٧) قال ابن حجر: "روى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند حسن عن ابن عمر قال: " كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع "٢.

  1. *دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٢.
  2. *تاريخ بغداد ٦/١٨٠ - ١٨١، ميزان الاعتدال ١/٦٧، هدى الساري: ٣٨٨.
١/٢٧١/٢٧

هذه الرواية صريحة في أن عمرة القضية كانت في السنة السابعة، وحديث البخاري الآتي يثبت أنها كانت في السنة التي تلي عام الحديبية.

(٨) قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً فحال قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحاً عليهم إلا سيوفاً ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بها ثلاثاً أمروه أن يخرج فخرج" ٣.

وأخرجه من طريق ١ محمد بن الحسين بن إبراهيم عن أبيه عن فليح به مثله.

  1. ١صحيح البخاري مع الفتح: كتاب المغازي: ٤٢٥٢.

فهذا الحديث يفيد تصريحاً أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرة القضية في العام الذي يلي عام الحديبية مباشرة، والحديث الذي قبله صريح في أن هذا العام الذي اعتمر فيه عمرة القضية هو السنة السابعة.

وإذا ثبت أن عمرة القضية كانت في السنة السابعة، وأنها في السنة التي تلي عام الحديبية، فالحديبية إذن في السنة السادسة بلا شك.

  1. *ميزان الاعتدال ٤/٢٤٢، تهذيب التهذيب ١٠/٤٠٧.
  2. *فتح الباري ٧/٥٠٠.
  3. *صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٧٠١.
١/٢٨١/٢٨

قال النووي: "وقد أجمع المسلمون أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة" ا. هـ ١ وقال ابن كثير: "وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف" ا. هـ ٢ وقال ابن حجر: "كانت الحديبية في سنة ست بلا خلاف" ا. هـ ٣ وقد شذ ابن الديبع فقال: "كانت في السنة الخامسة" ٤، ولكن لا مستند له في ذلك.

  1. ١المجموع شرح المهذب ٧/٧٨.
  2. ٢البداية والنهاية ٤/١٦٤.
  3. ٣التلخيص الحبير ٤/٩٠.

(ب) التحديد بشهر ذي القعدة ورد فيه ما يلي: ١ قال البخاري حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه: "اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم: لا يدخل مكة سلاحاً إلا في القرب" ٥.

  1. ١صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٠.

وأخرجه في كتاب الصلح ١ والمغازي ٢ بهذا الإسناد مطولاً.

  1. ١صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٩.
  2. ٢صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي ٤٢٥١.

وأخرجه من طريق ١ شعبة، ومن طريق٩ سفيان بن سعيد، كلاهما عن أبي إسحاق عن البراء مختصراً لم يذكر العمرة.

  1. ١صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٨.

وأخرجه أحمد ١ عن حجين وأسود بن عامر كلاهما عن إسرائيل به مطولاً.

  1. ١مسند أحمد ٤/٢٩٨.

وأخرجه الدارمي ١ عن محمد بن يوسف عن إسرائيل به مطولاً.

  1. ١سنن الدارمي ٢/٢٣٧.
  2. *حدائق الأنوار ومطالع الأسرار ٢/٦٠٩.
  3. *صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٤٤.
١/٢٩١/٢٩

وأخرجه الترمذي ١ عن عباس بن محمد الدوري عن إسحاق بن منصور السلولي عن إسرائيل به مختصراً، ولفظه: قال: "اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة" .

  1. ١سنن الترمذي، كتاب الحج: ٩٣٨.

وأخرج بعضه في كتاب البر والصلة ١، وفي كتاب المناقب ٢ من طريق إسرائيل أيضاً، وليس في ذكر للعمرة.

  1. ١سنن الترمذي، كتاب البر والصلة: ١٩٠٤.
  2. ٢سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٧٦٣.

وأخرجه البخاري من غير طريق إسرائيل بسياق آخر مختصراً: قال: حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق قال: "سألت مسروقاً وعطاء ومجاهد فقالوا: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج، قال وسمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما يقول: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين" ٤.

وأخرجه بهذا السند في كتاب الجزية والموادعة ١ مطولاً، ولم تذكر فيه العمرة.

  1. ١صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجزية والموادعة: ٣١٨٤.

حديث أنس رضي الله عنه

(١٠) قال البخاري حدثنا حسان بن حسان حدثنا همام عن قتادة: سألت أنساً رضي الله عنه: كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "أربع عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة الجعرانة ١ إذ قسم غنيمة - أراه حنين - قلت كم حج؟ قال: واحدة" ٧.

  1. ١الجعرانة - بكسر أوله -: هي ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب. معجم البلدان ٢/١٤٢.

وأخرجه ١ عن هدبة عن همام به بلفظ: "اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع في ذي القعدة إلا التي اعتمر مع حجته، عمرته من الحديبية" نحوه ...

  1. ١صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٨٠.
  2. *صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٨١.
  3. *صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٧٨.
١/٣٠١/٣٠

وأخرجه بهذا الإسناد في المغازي ١ بمثله، وفي الجهاد ٢ مختصراًَ ذكر عمرة الجعرانة فقط.

  1. ١صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٤٨.
  2. ٢صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٣٠٦٦.

وأخرجه مسلم عن ١ هداب - هو هدبة ٢ - به فذكر نحوه، وفيه: "من الحديبية أو زمن الحديبية" .

  1. ١صحيح مسلم، كتاب الحج: ٢١٧.
  2. ٢قال ابن حجر: أخرجه مسلم عن هداب، وهو هدبة المذكور، فتح الباري ٣/٦٠٢.

وأخرجه عن ١ محمد بن المثنى عن عبد الصمد عن همام به نحو لفظ هدبة.

  1. ١صحيح مسلم، كتاب الحج: ٢١٨.

وأخرجه أبو داود ١ عن أبي الوليد الطيالسي وهدبة، كلاهما عن همام به نحوه.

  1. ١سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٩٩٤.

وأخرجه البخاري عن أبي الوليد ١ به، وليس فيه تحديد زمن الحديبية.

  1. ١صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٧٩.

وأخرجه الترمذي ١ عن إسحاق بن منصور عن حبان بن همام به، وليس فيه تحديد زمن الحديبية.

  1. ١سنن الترمذي، كتاب الحجر: ٨١٥.

وأخرجه أحمد ١ عن عفان عن همام به، بمثل لفظ حسان بن حسان.

  1. ١المسند ٣/٢٤٥.

حكى ابن كثير والعيني الإجماع على إنها في ذي القعدة: قال ابن كثير: "كان الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف "١٠. وقال العيني: "وكان خروجه من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف" ١١. قلت: قد وردت عن عروة بن الزبير رواية بأن غزوة الحديبية كانت في شوال، ونص الرواية: (١١) قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة ١ قال: حدثنا هشام ٢ عن أبيه ٣ قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية، وكانت الحديبية في شوال" ٤، الحديث.

  1. ١هو: حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، أبو أسامة مشهور بكنيته، ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بآخره يحدث من كتب غيره، مات سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين: ع. تقريب: ٨١.
  2. ٢هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي ثقة فقيه ربما دلس، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة، وله ثمانون سنة: ع. تقريب: ٣٦٤.
  3. ٣عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، ومولده في أواخر خلافة عمر الفاروق: ع. تقريب: ٢٣٨.
  4. *البداية والنهاية ٤/١٦٤.
  5. *عمدة القاري ١٤/٦.
١/٣١١/٣١

أخرجه يعقوب بن سفيان من طريق آخر: قال: حدثنا إسماعيل ١ ابن الخليل عن علي ٢ بن مسهر قال: أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان، وكانت الحديبية في شوال" ٧.

  1. ١إسماعيل بن الخليل الخزاز - بمعجمات - أبو عبد الله الكوفي، ثقة، مات سنة خمس وعشرين ومائتين: خ، مد. تقريب: ٣٣.
  2. ٢علي بن مسهر - بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء - القرشي الكوفي، قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أضر، مات سنة تسع وثمانين ومائة: ع. تقريب: ٢٤٩.

وأخرجه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان ١ به.

  1. ١دلائل النبوة، ٢، لوحة: ٢١٢.

سند هذا الأثر صحيح إلى عروة، وهو مرسل.

وقد اعتبر العلماء هذه الرواية عن عروة شاذة.

فقد حكاها ابن القيم عنه ثم عقب عليها بقوله: "وهذا وهم وإنما كانت غزوة الفتح في رمضان" ٩.

كما أوردها ابن كثير من طريق يعقوب بن سفيان، وعقب عليها بقوله: وهذا غريب جداً عن عروة ١. وقال ابن حجر: "جاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان، واعتمر في شوال وشذ بذلك" ١. قلت: وقد وردت عن عروة رواية أخرى توافق الجمهور: (١٢) قال البيهقي: قال: يعقوب ٢: قال حسان ٣ بن عبد الله: عن ابن لهيعة ٤ عن أبي الأسود ٥: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تجهز يريد العمرة، وتجهز معه ناس كثير، وذلك في ذي القعدة سنة ست" ٦.

  1. ١البداية والنهاية ٤/١٦٤.
  2. ٢هو يعقوب بن سفيان.
  3. ٣حسان بن عبد الله بن سهل الكندي أبو علي الواسطي، نزيل مصر، صدوق يخطئ، مات سنة اثنتين وعشرين بعد المائتين: خ، س، ق. تقريب، تهذيب التهذيب ٢/٢٥٠.
  4. ٤هو: عبد الله بن لهيعة - بفتح اللام وكسر الهاء - ابن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري، صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقروناً، مات سنة أربع وسبعين ومائة، وقد ناف على الثمانين: م، د، ت، ق. تقريب: ١٨٦.
  5. ٥هو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، أبو الأسود المدني يتيم عروة، ثقة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة: ع. تقريب: ٣٠٨.
  6. *تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة، ٥٦.
  7. *المعرفة والتاريخ ٣/٢٥٨.
  8. *زاد المعاد ٣/٢٨٧.
١/٣٢١/٣٢

هكذا ذكر البيهقي هذه الرواية موقوفة على أبي الأسود لكن ابن القيم وابن كثير صرحا بأن أبا الأسود رواها عن عروة بن الزبير. قال ابن القيم: "وقد قال أبو الأسود عن عروة: أنها كانت في ذي القعدة على الصواب" ٧. وقال ابن كثير: بعد أن حكى قول الجمهور: "وهو الذي رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة: أنها في ذي القعدة سنة ست" ٨.

كما جزم ابن حجر حيث قال: وقد وافق أبو الأسود عن عروة الجمهور ١.

  1. ١فتح الباري ٧/٤٤٠.

وسند هذا الأثر ضعيف لأنه معلق فبين البيهقي ويعقوب بن سفيان واسطتان ١.

  1. ١انظر حديث رقم (٦) .
  2. *فتح الباري ٧/٤٤٠.
  3. *دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٢.
  4. *زاد المعاد ٣/٢٨٧.
  5. *البداية والنهاية ٤/١٦٤.
١/٣٣١/٣٣

وفي سنده ابن لهيعة ضعفه الحفاظ في غير رواية العبادلة عنه، أما روايتهم عنه فقد صححها ١ بعضهم، وليست هذه منها، وهو مرسل أيضاً لكن معناه ثابت من الروايات السابقة.

  1. ١ميزان الاعتدال ٢/٤٥٧. والعبادلة هم: عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقري، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، المصدر السابق ٤٨٢، وسير أعلام النبلاء ٨/٢٠.

تحديد خروجه صلى الله عليه وسلم بيوم الاثنين ذكره بعض أهل المغازي وغيرهم: قال الواقدي: "وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة ... " ٢. وقال ابن سعد: "وركب راحلته القصواء وخرج وذلك يوم الاثنين لهلال ذي القعدة ... " ٣. وقال القسطلاني: "خرج عليه السلام يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة" . ا. هـ ١ ولم أرَ في كتب المغازي أو غيرها أحداً يذكر خلاف ذلك، بل حكى العيني الإجماع على ذلك: قال العيني: "وكان خروجه صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف" ٥.

  1. ١المواهب اللدنية ٢/١٧٩.
  2. *مغازي الواقدي ٢/٥٧٣.
  3. *الطبقات الكبرى ٢/٩٥.
  4. *عمدة القاري ١٤/٦.

المبحث الأول: إعداد النبي صلى الله عليه وسلم للخروج إلى الحديبية

١/٣٤١/٣٤

...

كانت عداوة قريش للمسلمين لا تخفى على من له أدنى علم بأحداث الجزيرة في ذلك الوقت، فآخر هجوم قامت به على المدينة - كان قبل سنة فقط من خروج المسلمين لهذه الغزوة ١ - حشدت فيه كل قواها المادية والمعنوية مستهدفة القضاء على المسلمين، وإبادة خضرائهم، لكن الله ردهم بغيظهم لم ينالوا خيراً، فغيظهم على المسلمين يزداد يوماً بعد يوم، ومن المستحيل أن يمكنوا المسلمين من الدخول إلى مكة عن رضى منهم وطواعية، بل لن يتوانوا في الإيقاع بهم إن وجدوا سبيلاً إلى ذلك.

  1. ١كان ذلك في غزوة الخندق، وهي في سنة خمس على الراجح. انظر: مرويات غزوة الخندق لإبراهيم عمير مدخلي ص ٣٥ - ٥٠.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على علم بعداوة قريش وحنقها لذلك فقد أخذوا أهبتهم وحيطتهم قبل خروجهم من المدينة. قال ابن إسحاق: "واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب" ٢ ا. هـ كذا ذكره ابن إسحاق دون سند، لكن أشارت إليه آيات سورة الفتح - ولا شك أن القرآن هو أول مصادر السيرة النبوية ١ - قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ٢.

  1. ١انظر مصادر السيرة النبوية وتقويمها لفاروق حمادة: ٢٣.
  2. *سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨.
١/٣٥١/٣٥

فقد ورد في تفسير هذه الآية ما يلي: (١٣) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمرو وقال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ قال: أعراب المدينة جهينة ومزينة استتبعهم لخروجه إلى مكة قالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاءوا فقتلوا أصحابه، فنقاتلهم فاعتلوا بالشغل"٣.

وسند هذا الأثر صحيح إلى مجاهد، وهو مرسل، لكن يشهد له مرسل قتادة التالي.

(١٤) قال ابن جرير حدثنا بشر ١ قال: ثنا يزيد ٢ قال: ثنا سعيد ٣ عن قتادة ٤ قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ، قال: ظنوا بنبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ٥.

  1. ١بشر بن معاذ العقدي - بفتح المهملة والقاف - أبو سهل البصري الضرير، صدوق، مات سنة بضع وأربعين ومائتين: ت، س، ق. تقريب: ٤٥.
  2. ٢يزيد بن زريع - بتقديم الزاي مصغراً - البصري، أبو معاوية، ثقة ثبت، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة: ع. تقريب: ٣٨٢.
  3. ٣هو: سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، له تصانيف لكنه كثير التدليس، واختلط وكان من أثبت الناس في قتادة، مات سنة ست، وقيل سبع وخمسين ومائة: ع. تقريب: ١٢٤.
  4. ٤قتادة بن دعامة.
  5. ٥تفسير ابن جرير ٢٦/٧٨.
  6. *سورة الفتح الآية: ١١ - ١٢.
  7. *تفسير ابن جرير ٢٦/٧٧، ورجال الاسناد تقدمت تراجمهم، انظر حديث رقم (٤) .
١/٣٦١/٣٦

وسنده صحيح إلى قتادة لشاهدة من الحديث السابق.

وقد ورد في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق سفيان عند البخاري: أنهم كانوا على استعداد لقتال من اعترض سبيلهم، وهذا يفيد أنهم قد حملوا السلاح، يقول في الحديث: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشيروا أيها الناس عليّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عيناً من المشركين، وإلا تركناهم محروبين، فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: امضوا على اسم الله ... " ١.

وكان مع المسلمين خيل كذلك لكن لم أقف على شيء في عددها سوى ما ذكر ابن سعد قال: وقدم عباد بن بشر أمامه طليعة في عشرين فرساً من خيل المسلمين ١.

  1. ١الطبقات الكبرى ٢/٩٥.

وليس فيما ذكر ابن سعد تحديد لعدد الخيل بل يفهم من كلامه أنها كانت أكثر مما ذكر، لأن (من) في قوله من خيل المسلمين تبعيضية ١.

  1. ١وقد ذكر صاحب السيرة الحلبية أنه كان مع المسلمين مائتا فرس ٢/٦٩٠، وتبعه محمد باشميل، صلح الحديبية: ١٢٦.

وإذن فالنبي صلى الله عليه وسلم قد استعد بالرجال كما ذكر ابن إسحاق وبالسلاح، وهو مفهوم حديث المسور ومروان وبالخيل كما ذكر ابن سعد، وقد نص على ذلك كله حديث سلمة بن الأكوع يقول فيه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الحديبية فنحرنا مائة بدنة ونحن بضع عشرة مائة ومعهم عدة السلاح والرجال والخيل ... ٤ وهذا الحديث ضعيف لأنه من طرق موسى بن عبيدة الربذي، وقد ضعفه الحفاظ لكن يستأنس به مع ما سبق من الشواهد وأقوال أصحاب المغازي.

وقد ذكر الواقدي أنهم خرجوا بغير سلاح وأورد أثرين عن عمر بن الخطاب وسعد بن عبادة يفيدان أن النبي صلى الله عليه وسلم أبى أن يحمل السلاح.

  1. *انظر ص ١٢٥.
  2. *تاريخ ابن أبي شيبة: لوحة ٦٠، وسيأتي برقم (٣٢) .
١/٣٧١/٣٧

(١٥) قال الواقدي: فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أتخشى يا رسول الله علينا من أبي سفيان بن حرب وأصحابه، ولم نأخذ للحرب عدتها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أدري ولست أحب أحمل السلاح معتمراً "١.

(١٦) وقال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو حملنا السلاح معنا فإن رأينا من القوم ريباً كنا معدين لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لست احمل السلاح، إنما خرجت معتمراً" ا. هـ ١ وهذان الأثران ضعيفان، إذ لا أسانيد لهما، وقول الواقدي مرجوح لمخالفته غيره من أهل المغازي.

  1. ١مغازي الواقدي ٢/٥٧٣.

وقد أخرج ابن جرير بإسناده إلى ابن أبزى رواية يثبت فيها خلاف ما ذكر الواقدي من جواب الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: (١٧) قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد ١ قال: حدثنا يعقوب القمي ٢ عن جعفر ٣ - يعني ابن أبي المغيرة - عن ابن أبزى ٤ قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر: يا رسول الله تدخل على قوم هم لك حرب بغير سلاح ولا كراع ٥، قال: فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فلم يدع فيها كراعاً ولا سلاحاً إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى فنزل بمنى فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله - فيومئذ سمي سيف الله - يا رسول الله ارم بي حيث شئت، فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١.٢ هذا الحديث مرسل، وسنده إلى ابن أبزى ضعيف، لأن فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: ضعفه أبو حاتم وغيره واتهمه أبو زرعة وغيره بالكذب ٦.

  1. ١محمد بن حميد بن حبان الرازي حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين: د، ت، ق. تقريب: ٢٩٥، وانظر: التاريخ الكبير ١/١/٦٩، ميزان الاعتدال ٣/٥٣٠.
  2. ٢يعقوب بن عبد الله بن سعد الأشعري، أبو الحسن القمي - بضم القاف وتشديد الميم - صدوق يهم، مات سنة أربع وسبعين ومائة: خت، الأربعة. تقريب: ٣٨٦.
  3. ٣جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي - بضم القاف - قيل اسم أبي المغيرة دينار، صدوق يهم، من الخامسة: بخ، د، ت، س، فق. تقريب: ٥٦.
  4. ٤سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الكوفي، ثقة من الثالثة: ع. تقريب: ١٢٣.
  5. ٥الكُراع: اسم لجميع الخيل. النهاية ٤/١٦٥.
  6. ٦ميزان الاعتدال ٣/٥٣٠، تهذيب التهذيب ٩/١٢٧.
  7. *مغازي الواقدي ٢/٥٧٣.
١/٣٨١/٣٨

وفي هذا الحديث - في الشطر الأخير منه - نكارة نبّه عليها بعض العلماء: فقد نقله ابن كثير عن ابن جرير ثم قال: رواه ابن أبي حاتم عن ابن أبزى بنحوه، وهذا السياق فيه نظر، فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية، لأن خالداً رضي الله عنه لم يكن أسلم بل قد كان طليعة للمشركين كما ثبت في الصحيح ولا يجوز أن يكون عمرة القضاء، لأنهم قاضوه على أن يأتي من العام القابل، فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام، ولما قدم صلى الله عليه وسلم لم يمانعوه ولا حاربوه ولا قاتلوه، فإن قيل فيكون يوم الفتح.

فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح لأنه لم يسق عام الفتح هدياً، وإنما جاء محارباً مقاتلاً في جيش عرمرم، فهذا السياق فيه خلل، وقد وقع فيه شيء فليتأمل، والله أعلم ا. هـ ١ وقال ابن حجر: وفي صحته نظر؛ لأن خالداً لم يكن أسلم في الحديبية، وظاهر السياق أن هذه القصة كانت في الحديبية، فلو كانت في عمرة القضية لأمكن، مع أن المشهور أنهم فيها لم يمانعوه ولم يقاتلوه ٢ ا. هـ قلت: التحقيق أن ما ذكره ابن كثير هو الأظهر، من أنه ليس في الحديبية، ولا في عمرة القضية، ولا في الفتح، وآفته ابن حميد قال عنه الذهبي: وهو مع إمامته منكر الحديث صاحب عجائب ا. هـ ٣

  1. ١تفسير ابن كثير ٤/١٩٣.
  2. ٢الكافي الشافي بتخريج أحاديث الكشاف ٢/٣٤٢ حاشية الكشاف.
  3. ٣سير أعلام النبلاء ١١/٥٠٣.
  4. *سورة الفتح آية: ٢٤.
  5. *تاريخ الأمم والملوك ٢/٧٢، تفسير ابن جرير ٢٦/٩٥.

المبحث الثاني: عدد جيش السلمين في غزوة الحديبية

١/٣٩١/٣٩

...

وردت نصوص كثيرة تشير إلى عدد المسلمين في هذه الغزوة جاء في بعضها أنهم كانوا بضع عشرة مائة، وورد في بعضها تحديد عددعم لكنها اختلفت فيه اختلافاً كبيراً.