السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

فتح مكة

التاريخرمضان ٨
عمره ﷺ٦٠
ما نزل فيهالنصر ١

رمضان ٨، وعمره ﷺ ٦٠

تقرأ في إبراهيم العلي، ت ١٤٢٥هـ، ١٢١ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: دار النفائس، الأردن، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ
عناوينه هنا (٤١)
  1. المبحث الثاني: إسلام أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهجرتها
  2. المبحث الثالث: مبايعته ﷺ للنساء
  3. المبحث الرابع: قصة أبي بصير رضوان الله عليه
  4. المبحث السابع: سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة
  5. المبحث الثامن: سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الحرقات من جهينة
  6. المبحث العاشر: قصة محلم بن جثامة وقتله الرجل الذي جاء مسلما
  7. المبحث الحادي عشر: سرية عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه
  8. المبحث الرابع عشر: كتب الرسول إلى الملوك والزعماء
  9. ١ - رسالته إلى هرقل ملك الروم
  10. ٢ - رسالة النبي إلى كسرى ملك الفرس
  11. ٣ - رسالته إلى النجاشي
  12. ٤ - رسالته إلى المقوقس حاكم مصر
  13. ١ - سببها
  14. ٢ - وقتها
  15. ٣ - رسالة حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة
  16. ٤ - كتمان الرسول وجهته عن أصحابه
  17. ٥ - تأمير أبو رهم الغفاري على المدينة
  18. ٦ - قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية
  19. ٧ - نزول النبي ﷺ بمر الظهران وإيقاد النيران الكثيرة
  20. ٨ - إسلام أبي سفيان، وإعطاؤه الأمان
  21. ٩ - لباس النبي عليه السلام أثناء دخوله مكة
  22. ١٠ - مقولة سعد بن عبادة وأخذ الراية منه
  23. ١١ - قراءة الرسول ﷺ سورة الفتح يوم فتح مكة
  24. ١٢ - محاولات يائسة للتصدي لجيش المسلمين
  25. ١٣ - مدخل الرسول عليه الصلاة والسلام مكة يوم الفتح
  26. ١٤ - أين ركزت راية رسول الله ﷺ يوم الفتح
  27. ١٥ - إهدار دم بعض المشركين يوم الفتح
  28. ١٦ - أذن الله لرسوله بالقتال في مكة ساعة من نهار
  29. ١٧ - إزالة الأصنام من حول الكعبة
  30. ١٨ - مقولة الأنصار أن النبي ﷺ أدركته رأفة بقومه
  31. ١٩ - صلاة النبي داخل الكعبة
  32. ٢٠ - إسلام والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
  33. ٢١ - قصة الرجل الذي قتلته خزاعة
  34. ٢٢ - مبايعته ﷺ للناس يوم الفتح
  35. ٢٣ - لا تغزى الكعبة بعد الفتح ولا يقتل قرشي صبرا بعده
  36. ٢٤ - قصة مفتاح الكعبة
  37. ٢٥ - قصة المرأة المخزومية التي سرقت
  38. ٢٦ - خطبته عليه الصلاة والسلام يوم الفتح
  39. ٢٧ - صلاته عليه السلام يوم الفتح
  40. ٢٩ - مدة إقامته ﷺ في مكة عام الفتح
  41. المبحث الثالث: ابن اللتبية الأزدي وجمع الصدقات

المبحث الثاني: إسلام أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهجرتها

١/٣٢٨١/٣٢٨

٥٣٦ - من حديث مروان والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أن لا يأتيك منا أحد -وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك، وامتعضوا منه، وأبي سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلمًا.

وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ، وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ - إلى قوله: وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ١ ٢ .

  1. ١الممتحنة: آية رقم: ١٢.
  2. ٢أخرجه البخاري في الشروط باب ما يجوز من الشروط في الإِسلام والأحكام والمبايعة رقم: ٢٧١١، ٢٧١٢.

المبحث الثالث: مبايعته ﷺ للنساء

٥٣٧ - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يمتحن يقول الله عز وجل . ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ ١ ، إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة.

  1. ١سورة الممتحنة: ١٢.

وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله ﷺ : (انطلقن فقد بايعتكن) ، ولا والله: ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط. غير أنه يبايعن بالكلام. قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط، إلا بما أمره الله تعالى، وما مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: (قد بايعتكن) كلامًا" اللفظ لمسلم ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في الطلاق باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي رقم: ٥٢٨٨، = = مسلم في الإمارة باب كيفية بيعة النساء رقم: ١٨٦٦، الترمذي في تفسير القرآن باب ومن سورة الممتحنة: ٣٣٠٦، وقال: حسن صحيح وابن ماجه في الجهاد باب بيعة النساء رقم: ٢٨٧٥، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف رقم: ١٦٦٤٧.

المبحث الرابع: قصة أبي بصير رضوان الله عليه

١/٣٢٩١/٣٢٩

٥٣٨ - من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة الوارد في الصحيح في قصة صلح الحديبية والذي أخرجه البخاري في كتاب الشروط " … ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم (وقال يحيى عن ابن المبارك) فقدم عليه أبو بصير بن أسيد الثقفي مسلمًا مهاجرًا.

فاستأجر الأخنس بن شريق رجلًا كافرًا من بني عامر بن لؤي ومولى معه، وكتب معهما إلى رسول الله ﷺ يسأله الوفاء، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فيه، فدفعه إلى الرجلين.

فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يكون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك يا فلان هذا جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه به حتى برد ١ ، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله ﷺ : (لقد رأى هذا ذعرًا) ٢ .

  1. ١برد: مات.
  2. ٢ذعرًا: خوفًا.

فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي ﷺ : (ويل أمه ١ مسعر حرب لو كان له أحد) ٢ فلما عرف ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر ٣ قال: وينفلت أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت فيهم عصابة ٤ . قال: فوالله لا يسمعون بعير ٥ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل الله عز وجل : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ الحمية حمية الجاهلية) ٦ .

  1. ١ويل أمه: كلمة ذم تقولها العرب ولا يقصدون معنى لها من الذم لأن الويل الهلاك كقولهم لأمه الويل. والمراد هنا التعجب من إقدامه إلى الحرب والنهوض لها وإسعار نارها.
  2. ٢لو كان له أحد ينصره ويؤازره على إيقاد نار الحرب لأثار الفتنة وأفسد الصلح.
  3. ٣سيف البحر: ساحل البحر وهو طريق قريش إلى الشام.
  4. ٤عصابة: الجماعة وهي ما بين العشر إلى الأربعين.
  5. ٥العير: الغافلة.
  6. ٦الفتح: آية: ٢٤.
١/٣٣٠١/٣٣٠

وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ﷺ ، ولم يقروا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحالوا بينهم وبين البيت " ١ .

  1. ١انظر تخريجه حديث رقم: ٤٨٨.

المبحث السابع: سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة

١/٣٦٦١/٣٦٦

٥٨٧ - من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: (غزونا فزارة، وعلينا أبو بكر، أمره رسول الله ﷺ علينا. فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أمرنا أبو بكر فعرسنا ١ ثم شن الغارة، فورد الماء، فقتل من قتل عليه، وسبى، وأنظر إلى عنق من الناس ٢ ، فيهم الذراري ٣ فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل. فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم. وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم ٤ . معها ابنة من أحسن العرب. فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر. فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة، وما كشف لها ثوبًا. فلقيني رسول الله ﷺ في السوق. فقال: (يا سلمة! هب لي المرأة) فقلت: (يا رسول الله! والله لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبًا " ٥ ، ثم لقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق، فقال لي: (يا سلمة! هب لي المرأة. لله أبوك!) فقلت: هي لك يا رسول الله فوالله ما كشفت لها ثوبًا. فبعث بها رسول الله ﷺ . إلى أهل مكة، ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسروا بمكة" ٦ .

  1. ١التعريس: نزول آخر الليل.
  2. ٢عنق من الناس: جماعة.
  3. ٣الذراري: النساء والصبيان.
  4. ٤قشع من أدم: نطع.
  5. ٥وما كشفت لها ثوبًا: كناية عن الجماع.
  6. ٦أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب القتل حديث رقم: ١٧٥٥، وأبو داود في السنن في الجهاد باب الرخصة في المدركين يفرق بينهم حديث رقم: ٢٦٩٧، أحمد في المسند: ٤/ ٤٦، البيهقي في الدلائل:٤/ ٢٩٠.

المبحث الثامن: سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الحرقات من جهينة

٥٨٨ - من حديث أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما قال: "بعثنا رسول الله ﷺ في سرية. فصبحنا الحرقات ١ من جهينة، فأدركت رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : (أقال لا إله إلا الله وقتلته؟) قال: قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: (أفلا كشفت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا) فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. قال: فقال سعد -يعني سعد ابن أبي وقاص-: "وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطن يعني أسامة قال: قال رجل: ألم يقل الله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ الأنفال آية (٣٩) فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة" ٢ اللفظ لمسلم.

  1. ١فصبحنا الحرقات: أتيناهم صباحًا، الحرقات موضع ببلاد جهينة.
  2. ٢أخرجه البخاري في المغازي باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات: ٤٢٦٩، وانظر: ٦٨٧٢، ومسلم في الإيمان باب تحريم قتل الكافر إذا قال لا إله إلا الله رقم: ٩٦، وأبو داود في الجهاد باب على ما يقاتل المشركون: ٢٦٤٣، وأحمد في المسند: ٥/ ٢٠٧.

المبحث العاشر: قصة محلم بن جثامة وقتله الرجل الذي جاء مسلما

١/٣٦٨١/٣٦٨

٥٩٠ - من حديث عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنه قال: "بعثنا رسول الله ﷺ إلى أضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحرث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له ١ مع متيع ٢ له ووطب ٣ من لبن، فسلم علينا بتحية الإِسلام فأمسكنا عنه، وحمل عليه، مجلم بن جثامة، فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه الخبر، فنزل فينا القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ٤ ٥ .

  1. ١مقود: البعير المتخذ للركوب.
  2. ٢متيع: تصغير متاع.
  3. ٣ووطب: وعاء اللبن.
  4. ٤النساء: ٣٩.
  5. ٥أخرجه أحمد في المسند: ٦/ ١١، ورجاله ثقات، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٦٢٧، وأورده السيوطي في الدر المنثور: ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠، وزاد نسبته إلى ابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، والطبراني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٠٥، وقال الهيثمي في المجمع: ٧/ ٨، رواه أحمد، والطبراني ورجاله ثقات.

المبحث الحادي عشر: سرية عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه

١/٣٦٩١/٣٦٩

٥٩١ - من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "إن رسول الله ﷺ بعث علقمة بن مجزز على بعث، وأنا فيهم. فلما انتهى إلى رأس غزاته، أو كان ببعض الطريق استأذن منه طائفة من الجيش، فأذن لهم، وأمر عليهم عبد الله ابن حذافة بن قيس السهمي، فكنت فيمن غزا معه، فلما كان بعض الطريق، أوقد نارًا ليصطلوا، أو ليصنعوا عليها صنيعًا، فقال عبد الله " وكانت فيه دعابة " أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا؟ بلى. قال: فما أنا بآمركم بشيء إلا صنعتموه؟ قالوا: نعم. قال: فإني أعزم عليكم إلا تواثبتم في هذه النار. فقام ناس فتحجزوا. فلما ظن أنهم واثبون، قال: أمسكوا على أنفسكم، وإنما كنت أمزح معكم. فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبي ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : (من أمركم منهم بمعصية الله، فلا تطيعوه) ١ .

  1. ١أخرجه ابن ماجة في الجهاد باب لا طاعة في معصية الله حديث رقم: ٢٨٦٣، وابن حبان، برقم: ١٥٥٢ موارد، وأحمد في المسند: ٣/ ٦٧، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٦٣٠ - ٦٣١ وأبو يعلى برقم: ١٣٤٩، وقال البوصيري في الزوائد: ٢/ ٤٢٣، إسناده صحيح ونقل الحافظ في الفتح: ٨/ ٥٨ تصحيحه عن ابن خزيمة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

٥٢٩ - ومن حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي ﷺ في سرية" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة النساء باب أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم حديث رقم: ٤٥٨٤، مسلم في الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء حديث رقم: ١٨٣٤، وأبو داود في الجهاد باب في الطاعة: ٢٦٢٤، الترمذي: في الجهاد: ١٦٧٣، النسائي في البيعة: ٧/ ١٥٤، ١٥٥، أحمد في المسند: ٣١٢٤.

المبحث الرابع عشر: كتب الرسول إلى الملوك والزعماء

١/٣٧٩١/٣٧٩

كان من هدي نبينا ﷺ أنه لا يبدأ أحدًا بقتال إلا إذا بلغه الدعوة، ودعاه إلى الله تعالى، وقد اتبع رسول الله ﷺ هذا المنهج التزامًا بأوامر الله تعالى له، اتبع هذا المنهج مع جميع من حاربهم من القبائل العربية، واتبع هذا المنهح مع ملوك الأرض وأباطرتها في عصره، فدعاهم إلى الله تعالى، فأرسل إليهم رسله، وبعث إليهم كتبه يدعوهم إلى الله تعالى، ولم يستثن أحدًا منهم.

٦٠٦ - من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : "أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر، وإلى النجاشي وإلى كل جبار، يدعوهم إلى الله تعالى، وليس النجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ " ١ .

  1. ١أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله عز وجل حديث رقم: ١٧٧٤، الترمذي في الاستئذان باب في مكانة المشركين رقم: ٢٧١٦، وقال: حديث حسن صحيح غريب، والنسائي في السنن الكبرى كتاب السير كما أشار إليه في تحفة الأشراف. الحافظ المزي حديث ١١٧٩، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٧٦.

١ - رسالته إلى هرقل ملك الروم

٦٠٧ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : "أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه قال: " انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ . قال: فبينما أنا بالشام، إذ جيء بكتاب من رسول الله ﷺ إلى هرقل: يعني عظيم الروم. قال: وكان دحية الكلبي جاء به، فدفعه إلى عظيم بصرى ١ ، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم. قال: فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل. فأجلسنا بين يديه. فقال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا. فأجلسوني بين يديه. وأجلسوا أصحابي خلفي. ثم دعا بترجمانه فقال له: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه، قال: فقال أبو سفيان: وأيم الله! لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت. ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب، قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: ومن يتبعه: أشراف الناس ٢ أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قال: قلت: لا. بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالًا، يصيب منا، ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه. قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قال: قلت: لا. قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها.

  1. ١بصرى: منطقة حوران وهي منطقة ذات قلاع وأعمال قريبة من طرف البرية التي بين الشام والحجاز، والمراد بعظيم بصرى: أميرها، وحوران الآن هي منطقة جنوب سورية وجزء من شمال الأردن وشمال فلسطين.
  2. ٢أشراف الناس: كبارهم وأهل الأحساب فيهم.
١/٣٨٠١/٣٨٠

وسألتك: هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه.

وسألتك عن أتباعه، أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل.

وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: فزعمت أن لا؟ فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله.

وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له؟ فزعمت أن لا. وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب.

وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتم.

وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قد قاتلتموه. فتكون الحرب بينكم وبينه سجالًا. ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة.

١/٣٨١١/٣٨١

وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر. وكذلك الرسل لا تغدر.

وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله. قلت رجل ائتم بقول قيل قبله. قال: لم قال: بم يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف. قال: إن يكن ما تقول فيه حقًّا، فإنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم. ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي. قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه، فهذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام ١ ، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ٢ ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٣ . قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، أكثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشه، إنه يخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.

  1. ١دعاية الإِسلام: دعوة الإِسلام وهي كلمة التوحيد.
  2. ٢الأريسيين: الأكارون، أي الفلاحون والزراعون، ومعناه أن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك، ويقال إنهم الهود والنصارى أتباع عبد الله أريس الذي تنسب إليه الأروسية من النصارى، ويقال: إنهم الملوك الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة ويأمرونهم بها، والقول الأول: هو الأصح والأشهر.
  3. ٣٣ / آل عمران آية ٦٤.

وكان ابن الناطور -صاحب إيلياء وهرقل- أسُقفًا على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاءً ينظر في النجوم.

١/٣٨٢١/٣٨٢

فقال لهم حين سألوه، إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود. فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان خيبر عن خبر رسول الله ﷺ .

فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم. وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وأنه نبي.

فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: "يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردوهم عليَّ. وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي باب حديث أبي سفيان عند هرقل حديث رقم: ٧، وله أطراف في صحيح البخاري بأرقام: ٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠ و ٧١٩٦، ٧٥٤١، وفي صحيح مسلم الجهاد والسير باب كتاب النبي إلى هرقل يدعوه إلى الإِسلام: ١٧٧٣. الترمذي في سنة رقم: ٢٧١٨، الاستئذان، باب ما جاء كيف يكتب لأهل الشرك، وأبو داود في الأدب: ٥١٣٦، باب كيف يكتب إلى الذمي، أحمد: ١/ ٢٦٣، والبيهقي في السير: ٩/ ١٧٧، باب إظهار دين النبي ﷺ على الأديان، وأبو نعيم في دلائل النبوة برقم: ٢٣٩، وعبد الرزاق في المصنف رقم: ٩٧٢٤، وابن مندة في الإيمان رقم: ١٤٣.

٢ - رسالة النبي إلى كسرى ملك الفرس

٦٠٨ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما "أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر حديث رقم: ٤٤٢٤، فتح: ٨/ ١٢٦، أحمد في المسند: ١/ ٢٤٣، ٣٠٥.
١/٣٨٣١/٣٨٣

٦٠٩ - من مرسلات سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر، والنجاشي كتابًا واحدًا.

بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر والنجاشي أما بعد: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.

فأما كسرى، فمزق كتابه، ولم ينظر فيه فقال رسول الله ﷺ : (مزق ومزقت أمته) ١ .

  1. ١أخرجه أبو عبيد في الأموال رقم: ٥٩، صفحة ٣٢، وقد اتفقت كلمة العلماء على سعيد بن المسيب وأن جميع مراسيله صحيحه وأنه كان لا يرسل إلا عن ثقة من كبار التابعين أو صحابي معروف انظر أقوال العلماء في ذلك (جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص: ٤٥ - ٤٦ - ٩٩، وقد جاء ما يؤيده من مرسل يزيد بن أبي حبيب عند ابن جرير الطبري في تاريخه: ٢/ ٣ / ٩٠، قبل غزوة خيبر فالحديث بذلك حديث حسن.

٦١٠ - من مرسل يزيد بن حبيب رضي الله عنه قال: "وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه: بسم الله الرحمن الرحيم (من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًّا، ويحق القول على الكافرين، فإن تسلم، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك) . قال: فلما قرأه شقه وقال: يكتب إلي بهذا وهو عبدي". قال: ثم كتب كسرى إلى باذان، وهو على اليمن، أن أبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين، فليأتياني به، فبعث باذان قهرمانه، وهو بابويه وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس، وبعث معه رجلًا من الفرس يقال له خرخسرة، وكتب معهما إلى رسول الله ﷺ يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبابويه: ائت بلد هذا الرجل، وكلمه، وائتني بخبره، فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجالًا من قريش بجنب من أرض الطائف، فسألاهم عنه، فقالوا: هو بالمدينة، واستبشروا بهما، وفرحوا، وقال بعضهم لبعض: ابشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك كفيتم الرجل!

١/٣٨٤١/٣٨٤

فخرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ ، فكلمه بابويه فقال: إن شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ينفعك، ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت، فهو مهلكك، ومهلك قومك، ومخرب بلادك.

ودخلا على رسول الله ﷺ ، وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما، ثم أقبل عليهما، فقال: (ويلكما من أمركما بهذا؟) قالا: أمرنا بهذا ربنا؛ يعنيان كسرى، فقال رسول الله ﷺ : (ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي، وقص شاربي) ، ثم قال: (ارجعا حتى تأتياني غدًا) . قال: وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بأن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله، في شهر كذا وكذا في ليلة كذا وكذا من الليل سلط عليه ابنه شيروه فقتله، قال: فدعاهما فأخبرهما فقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، فنكتب عنك بهذا، ونخبر الملك؟ قال: (نعم أخبراه ذلك عني وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء ".

ثم أعطى خرخسرة منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك. فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيًّا كما يقول، وليكونن ما قد قال، فلئن كان هذا حقًّا فهو نبي مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا، فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه: "أما بعد فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبًا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتجميرهم في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخد لي الطاعة من قبلك، وانطلق إلى الرجل الذي كان كسرى قد كتب فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه".

١/٣٨٥١/٣٨٥

فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال: "إن هذا الرجل لرسول. فأسلم، وأسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن، وقال: وقد قال بابويه لباذان: ما كلمت رجلًا قط أهيب عندي منه، فقال له باذان: هل معه شرط؟ قال: لا) ١ .

  1. ١أخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه المجلد الثاني الجزء الثالث ص: ٩٠ - ٩١، وابن كثير في سيرته: ٣/ ٥٠٨ - ٥١٠، نقلًا عن ابن جرير، وابن سعد في الطبقات: ١/ ٢ / ١٤٧، من حديث عبيد الله بن عبد الله بن مسعود مرسلًا أيضًا بإسناد صحيح، ووصله ابن بشران في الأمالي من حديث أبي هريرة بسند واه، وحسنه الألباني بهذين الشاهدين" بدون ذكر ابن كثير كما في تعليقه على فقه السيرة: ص: ٣٨٩.

٣ - رسالته إلى النجاشي

٦١١ - من حديث أنس رضي الله عنه "أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الدي صلى عليه النبي ﷺ " ١ .

  1. ١سبق تخريجه حديث رقم: ٦٠٦.

وقد أوضح ابن القيم أن النجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ ، وهو الذي آمن وأكرم أصحابه، هو غير النجاشي الذي كتب إليه يدعوه إلى الإِسلام فهما اثنان ١ .

  1. ١زاد المعاد: ٣/ ٦٩٠.

٤ - رسالته إلى المقوقس حاكم مصر

٦١٢ - من مرسل عبد الرحمن بن عبد القارئ: "أن رسول الله ﷺ بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس، فقبَّل الكتاب، وأكرم حاطبًا، وأحسن نزله، وسرَّحه إلى النبي ﷺ ، وأهدى له مع حاطب كسوة، وبغلة بسرجها، وخادمتين إحداهما أم إبراهيم، وأما الأخرى، فوهبها رسول الله ﷺ لجهم بن قيس العبدي، فهي أم زكريا بن جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر" ١ .

  1. ١سيرة ابن هشام: ٤/ ٢١٦ وعنه ابن كثير في سيرته: ٣/ ٥١٤، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٩٥، وإسناده ثقات، قد صرح ابن إسحاق بالحديث، وله شاهد من حديث حاطب أخرجه البيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦، وابن كثير: ٣/ ٥١٤ - ٥١٥، وقال الحافظ في الإصابة: ١/ ٣٠٠، في ترجمة حاطب رقم: ١٥٣٨، أخرجه ابن شاهين من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن جده قلت: وفي سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف كما في التقريب، فيرتقي الحديث إلى درجة الحسن، وابن سعد في الطبقات: ١/ ٢٦٠ - ٢٦١.

١ - سببها

١/٤٠١١/٤٠١

٦٣٤ - قال محمَّد بن إسحاق في المغازي: حدثني الزهري عن عروة بن الزبير، عن المسور بن محزمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعًا قالا: "كان في صلح رسول الله يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء يدخل في عقد محمَّد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل" فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن ندخل في عقد محمَّد ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة والثمانية عشر شهرًا.

ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم، وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله وعهده ليلًا بماء لهم يقال له: الوتير قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمَّد، وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم بالكراع والسلاح، فقاتلوهم معه للطعن على رسول الله ﷺ ، وأن عمرو بن سالم ركب إلى رسول الله ﷺ عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله ﷺ يخبره الخبر وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله ﷺ أنشده إياها: يا رب إني ناشد محمدًا … حلف أبينا وأبيه ألا تلدا ١

  1. ١الأتلد: القديم.

قد كنتم ولدًا وكنا والدًا .. . ثمت أسلمنا فلم ننزع يدًا ١ فانصر رسول الله نصرًا أعتدا ٢ … وادع عباد الله يأتوا مددًا ٣ فيهم رسول الله قد تجردا … أن سيم خسفًا وجهه تربدًا ٤ في فيلق ٥ كالبحر يجري مزبدًا … أن قريشًا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا … وزعموا أن لست أدعو أحدًا فهم أذل وأقل عددًا … قد جعلوا لي بكداء مرصدًا ٦ هم بيتونا بالوتير هجدًا … وقتلونا ركعًا وسجدًا ٧ فقال رسول الله ﷺ : (نصرت يا عمرو بن سالم) ، فما برح رسول الله ﷺ مرت عنانة في السماء، فقال رسول الله ﷺ : (إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب) ٨ .

  1. ١وننزع يدًا: لم ننقض عهدنا فنرجع عن الإِسلام.
  2. ٢نصرًا أعتدا: أي حاضرًا.
  3. ٣المدد: العون.
  4. ٤سيم خسف: طلب منه وكلفه، الخسف: الذل، تربد: تغير.
  5. ٥الفيلق: الجيش.
  6. ٦كداء: موضع بمكة، الرصد: الذي يترصد للأمر ويطلبه، أو الكمين.
  7. ٧الوتير: اسم ماء، هجد: جمع هاجد ويطلق على النائم أو المستيقظ.
  8. ٨أخرجه ابن إسحاق في المغازي، وسنده صحيح، ورجاله ثقال صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، انظر الإصابة في تمييز الصحابة: ٢/ ٥٢٩، ترجمه عمرو بن سالم رقم: ٥٨٣٧، ابن كثير في السيرة: ٣/ ٥٢٦، ٥٢٧، البيهقي في دلائل النبوة: ٥/ ٥ - ٧، وانظر الحديث بطوله هناك فإن فيه قدوم أبي سفيان بن حرب لتجديد العقد، وموقف الصحابة رضوان الله عليهم منه، ودعاء النبي ﷺ بتعمية الأخبار عن قريش، ولهذا الحديث شاهد من حديث ميمونة بنت الحارث أخرجه الطبراني في المعجم الصغير حديث رقم:٩٦٨، الروض الداني إلي معجم الطبراني وإسناد ضعيف، وفي الكبير: ٢٣/ ٤٣٣. وله شاهد من حديث عائشة قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٦١، ١٦٢، رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام عن أبيه عن عائشة وقد وثقهما ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح وقد ضعف هذه الحادثة غير واحد لأنهم لم يطلعوا على إسنادها، فهذا الإسناد كما أوردناه في بداية الحادثة وبذلك يزول سبب التضعيف والحمد لله.
١/٤٠٢١/٤٠٢

٦٣٥ - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "إن قائد خزاعة قال: اللهم إني ناشد محمدًا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا انصر هداك الله نصرًا أعتدًا … وادع عباد الله يأتوا مددًا ١

  1. ١كشف الأستار عن زوائد البزار حديث رقم: ١٨١٧، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٦٢، رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير محمَّد بن عمرو، وحديثه حسن، البيهقي دلائل النبوة: ٥/ ١٣، وحسنه الحافظ في الفتح: ٧/ ٥٢٠، ورواه ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة مرسلًا، ومن طريق عكرمة مرسلًا.

٢ - وقتها

١/٤٠٣١/٤٠٣

كانت غزوة الفتح سنة ثمان للهجرة والذي اتفق عليه أهل السير أنه خرج ﷺ في عاشر رمضان ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه ١ .

  1. ١فتح الباري: ٤/ ١٨١، قلت: ومما يؤيد أن خروج النبي ﷺ كان لعشر خلون من رمضان سنة ثمان للهجرة قوة، ما جاء عن ابن عباس أيضًا قال: "ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين بن عتبة بن خلف الغفاري وخرج لعشر مضين من رمضان … " فذكر الحديث، أورده ابن إسحاق في المغازي، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٦٤، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع فالحديث صحيح.

٦٣٦ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إن النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم، ويصومون، حتى بلغ الكديد -وهو ماء بين عسفان وقديد- أفطر وأفطروا" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي: باب غزوة الفتح من رمضان حديث رقم: ٤٢٧٦، وانظر أرقام: ١٩٤٨، ١٩٤٤، ٤٢٧٩، مسلم في الصيام باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر في غير رخصة حديث رقم: ١١١٣، الموطأ: ١/ ٢٩٤، النسائي في الصيام باب الرخصة للمسافر أن يصوم بعضًا ويفطر بعضًا: ٤/ ١٨٩، وأحمد في المسند: ١/ ٢٥٩، ٢٩١، ٣٢٥، أبو داود في الصوم: ٢٤٠٤، باب الصوم في السفر، والبيهقي في الصيام: ٤/ ٢٤٣، باب الرخصة في الصوم، والطحاوي في الصيام: ٢/ ٦٤، ٦٥، باب الصيام في السفر، وصححه ابن خزيمة: ٢٠٣٦ وابن حبان برقم: ٣٥٦٠، الدرامي: ٢/ ٩؛ الصيام باب الصوم في السفر، عبد الرزاق في الصيام: ٧٧٦٢، باب السفر في شهر رمضان، الحميدي رقم: ٥١٤، الطيالسي في الصوم: ١/ ١٩٠ برقم: ٩١٥.

٣ - رسالة حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة

٦٣٧ - من حديث علي رضي الله عنه قال: "بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوا منها، قال: فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها.

فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة -إلى ناس بمكة من المشركين- يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ : فقال رسول الله ﷺ : (يا حاطب ما هذا؟) قال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش - يقول: كنت حليفًا- ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، رقم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإِسلام. فقال رسول الله ﷺ : (أما إنه قد صدقك) . فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا قال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم) ، فأنزل الله السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ١ ٢ .

  1. ١سورة الممتحنة: ١.
  2. ٢أخرجه البخاري في المغازي باب فضل من شهد بدرًا رقم:٣٩٨٣، وفي باب غزوة الفتح رقم: ٤٢٧٤، والبخاري في الجهاد رقم: ٣٠٠٧، ومسلم فضائل الصحابة باب من فضائل أهل بدر حديث رقم: ٢٤٩٤، أبو داود في الجهاد باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلمًا: ٢٦٥٠، ٢٦٥١، الترمذي في التفسير باب ومن سورة الممتحنة حديث: ٣٣٠٥، والنسائي في الكبري كما في تحفة الأشراف حديث رقم: ١٠٢٢٧، والطبري في تفسيره: ٢٨/ ٥٨، أحمد في المسند: ١/ ٨٠، والحميدي رقم: ٤٩ من طرق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، وقد جاء من حديث جابر عند أحمد بإسناد على شرط مسلم مخنصرًا انظر الفتح الرباني: ٢١/ ١٤٨.

٤ - كتمان الرسول وجهته عن أصحابه

١/٤٠٤١/٤٠٤

٦٣٨ - قال محمَّد بن إسحاق: حدثني محمَّد بن جعفر عن عروة عن عائشة: "أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تغربل حنطة، فقال: ما هذا؟ أمركم رسول الله ﷺ بالجهاز؟ قالت: نعم فتجهز، قال: وإلى أين؟ قالت: ما سمى لنا شيئًا غير أنه قد أمرنا بالجهاز" ١ .

  1. ١أخرجه ابن إسحاق في المغازي بسند صحيح رجاله ثقات، وقد صرح بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه، ابن كثير في السيرة النبوية: ٣/ ٥٣٥، وقد جاء من طريق أخرى عن عائشة وقال الهيثمي: ٦/ ١٦١ - ١٦٢، رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عنها، وقد وثقهما ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح، وله شاهد من حديث ميمونة عند الطبراني في الصغير: ٩٦٨، بإسناد ضعيف.

٥ - تأمير أبو رهم الغفاري على المدينة

٦٣٩ - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، واستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن الحصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وخرج لعشر مضين من رمضان فصام رسول الله وصام الناس معه حتى إذا كانوا بالكديد بين عسفان وأمج أفطر ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين" ١ .

  1. ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٦٤: في الصحيح طرف منه في الصيام، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وصرح بالسماع، سيرة ابن هشام: ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠.

٦ - قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية

١/٤٠٥١/٤٠٥

٦٤٠ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "مضى رسول الله ﷺ وأصحابه عام الفتح حتى نزل مر الظهران، في عشرة آلاف من المسلمين، فسبعت سليم وألَّفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد.

وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يدرون ما هو صانع، وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ ثنية العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك، وصهرك، فقال: (لا حاجة لي فيهما أما ابن عمي، فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري، فهو الذي قال لي بمكة ما قال) .

فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له فقال: والله ليأذنن رسول الله ﷺ ، أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا أو جوعًا، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق لهما، فدخلا عليه، فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى فيه فقال: لعمرك إني يوم أحمل راية … لتغلب خيل اللات خيل محمَّد لكالمدلج الحيران أظلم ليله … فهذا أوان الحق أهدي وأهتدي فقل لثقيف لا أريد قتالكم … وقل لثقيف تلك عندي فأوعدي هداني هاد غير نفسي ودلني … إلى الله من طردت كل مطرد أفر سريعًا جاهدًا عن محمد … وأدعى وإن لم أنتسب لمحمد هم عصبة من لم يقل بهواهم … وإن كان ذا رأي يلم ويفند أريد لأرضيهم ولست بلاقط … مع لقوم ما لم أهد في كل مقعد فما كنت في الجيش الذي نال عامرًا … ولا كلَّ عن خير لساني ولا يدي قبائل جاءت من بلاد بعيدة … توابع جاءت من سهام وسردد وإن الذي أخرجتم وشتمتم … سيسعى لكم سعي امرء غير مقدد فلما أنشد رسول الله ﷺ إلى الله من طردت كل مطرد، ضرب رسول الله ﷺ في صدره، فقال: (أنت طردتني كل مطرد) ١ .

  1. ١أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٣ - ٤٤، هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقد جدت قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية بن أبي المغيرة من رواية أخرى عن ابن عباس دون ذكر الشعر رواها الطبراني، ورجالها رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٦٤ - ١٦٧، في حديث طويل ذكر في سياقه قصة أسر أبي سفيان بن حرب وإسلامه وإعطائه الأمان من الرسول عليه السلام ، وأخرجه البيهقي في الدلائل: ٥/ ٢٧ - ٢٨، والإسناد صحيح صرح ابن إسحاق بالتحديث، وسيأتي لفظ ذلك كله في مكانه.

٧ - نزول النبي ﷺ بمر الظهران وإيقاد النيران الكثيرة

١/٤٠٦١/٤٠٦

٦٤١ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعدما ذكر قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية بن المغيرة … " … فلما نزل رسول الله بمر الظهران قال العباس: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش آخر الدهر. قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ . فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، قال: فوالله إني لأسير عليها، وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل به ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيرانًا ولا عسكرًا، قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة قد حمشها الحرب فقال أبو سفيان: خزاعة والله أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها" ١ .

  1. ١رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ١٦٤ - ١٦٧، وانظر المطالب العالية حديث رقم: ٤٣٦٢ حيث قال: أخرجه إسحاق بن راهويه، وقال ابن حجر: هذا حديث صحيح. وأخرج البخاري من مرسل عروة في المغازي باب ابن ركز النبي الراية يوم الفتح حديث رقم: ٤٢٨٠، وابن سعد في الطبقات: ٢/ ١٣٤ - ١٣٥، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٣٣ - ٣٥، وفيه مراجعه أبو سفيان لبديل بن ورقاء في كثرة النيران والقبض على أبي سفيان وورود الكتائب عليه … سيرة ابن هشام: ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٥.

٨ - إسلام أبي سفيان، وإعطاؤه الأمان

١/٤٠٧١/٤٠٧

٦٤٢ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وهو جزء من الحديث السابق وتكملة له قال: " … فقال أبو سفيان: خزاعة والله أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها فقلت: يا أبا حنظلة، تعرف صوتي؟ فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي؟ فقلت: هذا والله رسول الله في الناس، واصباح قريش! قال: فما الحيلة، فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب عجز هذه البغلة، فركب، ورجع صاحباه، فخرجت به فكلما مررت بنار من نيران المسلمين، فقالوا: ما هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ عليها عمه قالوا: هذه بغلة رسول الله ﷺ عليها عمه، حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلي فلما رآه على عجز البغلة عرفه، فقال: والله عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك، فخرج يشتد نحو رسول الله ﷺ ودخل، ورفعت البغلة فسبقته بقدر ما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله ﷺ ودخل عمر. فقال: هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه، في غير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، فقلت: قد أجرته يا رسول الله، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر، قلت: مهلًا يا عمر، فوالله لو كان رجلًا من بني عدي ما قلت هذا، ولكنه من بني عبد مناف، فقال: مهلًا يا عباس، لا تقل هذا، فوالله لإسلامك حين أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب أبي لو أسلم، وذلك أني عرفت أن إسلامك أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : (يا عباس اذهب به إلى رحلك، فهذا أصبحت فائتنا به) .

فذهبت به إلى الرحل، فلما أصبحت غدوت به، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: (ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟) فقال: بأبي وأمي ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك، وأعظم عفوك، لقد كاد أن يقع في نفسي أن لو كان إله غيره لقد أغنى شيئًا بعد، فقال: (ويحك يا أبا سفيان: ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟) فقال: بأبي وأمي ما أحلمك، وأكرمك وأوصلك، وأعظم عفوك، أما هذا فكان في النفس منها حتى الآن شيء. قال العباس: فقلت: ويلك أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن يضرب عنقك، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، قال العباس: فقلت: يا رسول الله! إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعل له شيئًا، فقال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن).

١/٤٠٨١/٤٠٨

فلما انصرف إلى مكة ليخبرهم قال رسول الله ﷺ : (احبسه بمضيق من الوادي عند حطم الخيل ١ ، حتى تمر به جنود الله).

  1. ١حطم الخيل: أي، ازدحامها وفي رواية خطم الجبل: أي أنفه.

فحبسه العباس حيث أمره رسول الله ﷺ ، فمرت القبائل على ركابها، فكلما مرت قبيلة، قال: من هذه؟ فأقول: بنو سليم، فيقول: ما لي ولبني سليم، ثم تمر أخرى فيقول: ما هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، فلم يزل يقول ذلك حتى مرت كتيبة رسول الله ﷺ الخضراء ١ ، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق ٢ ، قال: من هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء قبل ٣ ، والله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم لعظيم، فقلت: ويحك يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذا، فقلت: النجاء إلى قومك.

  1. ١الكتيبة الخضراء: ما غلب عليها لبس الحديد، شبه سواده بالخضره، والعرب تطلق الخضرة على السواد.
  2. ٢الحدق: العيون.
  3. ٣قبل: طاقة ومقدرة.

فخرج حتى أتاهم بمكة، فجعل يصيح بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمَّد، قد أتاكم بما لا قبل لكم به، فقامت امرأته هند بنت عتبة، وأخذت بشاربه فقالت: اقتلوه الحميث ١ الدسم ٢ فبئس طليعة قوم، فقال أبو سفيان: لا يغرنكم هذه من أنفسكم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقالوا: ويحك ما تغني عنا دارك. قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد" ٣ .

  1. ١الحميت: الزق.
  2. ٢الدسم الحمش: الأسود الدني.
  3. ٣انظر تخريجه في الحديث السابق فإنه جزء منه.

٩ - لباس النبي عليه السلام أثناء دخوله مكة

١/٤٠٩١/٤٠٩

٦٤٣ - من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : "أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام" ١ .

  1. ١أخرجه مسلم في الحج باب جواز دخول مكة بغير إحرام حديث: ١٣٥٨، الترمذي في الجهاد باب ما جاء في الألوية حديث: ١٦٧٩، ورقم: ١٧٣٥، اللباس باب ما جاء في العمامة السوداء، أبو داود: ٤٠٧٦، اللباس باب في العمائم، والنسائي: ٥/ ٢٠١، الحج باب دخول مكة بغير إحرام: ٨/ ٢١١، اللباس والزينة باب لبس العمائم السود، ابن ماجه: ٢٨٢٢، الجهاد باب لبس العمائم في الحرب، أحمد في المسند: ٣/ ٣٦٣، ٣٨٧.

٦٤٤ - من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : "أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: (اقتله) ، قال مالك: ولم يكن النبي ﷺ فيما نرى والله أعلم يومئذ محرمًا" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب أين ركز الراية حديث رقم: ٤٢٨٦، مسلم في الحج باب جواز دخول مكة بغير إحرام: ١٣٥٧، أبو داود في الجهاد باب الأسير يقتل ولا يعرض عليه الإِسلام: ٢٦٨٥، الترمذي الجهاد باب ما جاء في المغفر: ١٦٩٣، النسائي في الحج باب دخول مكة بغير إحرام: ٥/ ٢٠١، ابن ماجه في الجهاد باب السلاح حديث رقم: ٢٨٠٥، الدارمي: ٢/ ٢٢١.

٦٤٤ - أ - وقد جاء أيضًا من حديث عمرو بن حريث "أن النبي ﷺ كان يوم فتح مكة يلبس عمامة حرقانية سوداء" ١ .

  1. ١أخرجه مسلم: ١٣٥٩ الحج باب دخول مكة بغير إحرام، أبو داود: ٤٠٧٧، اللباس باب العمائم، النسائي: ٨/ ٢١١ الزينة، ابن ماجه حديث رقم: ١١٠٤، ٢٨٢١، أحمد: ٤/ ٣٠٧.

١٠ - مقولة سعد بن عبادة وأخذ الراية منه

٦٤٥ - من مرسل عروة بن الزبير قال: " … فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ : تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرت كتيبة فقال: يا عباس من هذه؟ فقال: هذه غفار، قال: ما لي ولغفار، ثم مرت جهينة، قال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم، فقال مثل ذلك، ومرت سليم، فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: با عباس، حبذا يوم الذمار.

١/٤١٠١/٤١٠

ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وراية النبي ﷺ مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول ﷺ بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: (ما قال:) قال: قال كذا وكذا، فقال: (كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة) ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح حديث رقم: ٤٢٨٠، وله شاهد من حديث ابن عباس الذي أوردناه سابقًا وفيه ذكر مرور الكتائب إلا قول سعد رقم: ٦٤١، وجاء كذلك من مرسل ابن شهاب الزهريّ شبيهًا بقول عروة.

٦٤٦ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: "كان قيس " يعني ابن سعد بن عبادة " في مقدمة النبي ﷺ لما قدم مكة، فكلم سعد النبي ﷺ أن يصرفه عن الموضع الذي فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك" ١ .

  1. ١أخرجه البزار في كشف الأستار حديث رقم: ١٨١٩، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٧٥، رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ في الفتح: ٨/ ٩: إسناده على شرط البخاري.

"والمذكور أن الرسول عليه السلام أخذ الراية من سعد بن عبادة وأمر عليًّا بنزعها منه، ثم ردها من علي بن أبي طالب إلى قيس بن سعد بن عبادة خشية تغير خاطر سعد، فأمر بدفعها لابنه، ثم إن سعد بن عبادة خشي أن يقع من ابنه شيء ينكره النبي ﷺ ، أن يأخذها منه، فحينئذ أخذها الزبير" كذا قال الحافظ في الفتح في الجمع بين أقوال اختلفت فيمن كان يحمل الراية بعد سعد بن عبادة " ١ .

  1. ١الحافظ في فتح الباري: ٨/ ٩.

١١ - قراءة الرسول ﷺ سورة الفتح يوم فتح مكة

٦٤٧ - من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته، وهو يقرأ سورة الفتح، وقال: لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح حديث رقم: ٤٢٨١، مسلم في صلاة المسافرين باب قراءة النبي سورة الفتح يوم فتح مكة حديث رقم: ٧٩٤، أبو داود في الصلاة حديث رقم: ١٤٧٦، الترمذي في الشمائل حديث رقم: ٣١٢، النسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك صاحب تحفة الأشراف حديث رقم: ٩٦٦٦.

١٢ - محاولات يائسة للتصدي لجيش المسلمين

١/٤١١١/٤١١

٦٤٨ - من حديث عبد الله بن رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "وفدت وفود إلى معاوية: وذلك في رمضان، فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام، فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعامًا فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة. فقال: سبقتني. قلت: نعم. فدعوتهم. فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم؟ يا معشر الأنصار! ثم ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين ١ ، وبعث خالد على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسَّر ٢ ، فأخذوا بطن الوادي ٣ . ورسول الله في كتيبة. قال: فنظر فرآني فقال: (أبو هريرة) ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: فقال: (اهتف لي بالأنصار) ٤ ولا يأتيني إلا أنصاري)، قال: فأطافوا به ٥ ، ووبشت قريش أوباشًا لها ٦ وأتباعًا، فقالوا: نقدم هؤلاء. فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، فقال رسول الله ﷺ : (ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم) ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى ٧ : (حصدًا حتى توافوني بالصفا) قال: فانطلقنا. فما شاء أحد منا أن يقتل أحدًا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا بشيء قال: فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله: أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. قال: فقال رسول الله ﷺ (من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) قال: فغلق الناس أبوابهم" ٨ .

  1. ١المجنبتين: الميمنة والميسرة، والقلب يكون بينهما.
  2. ٢الحسر: الذين لا دروع لهم.
  3. ٣أخذوا بطن الوادي: جعلوا طريقهم في بطن الوادي.
  4. ٤اهتف لي بالأنصار: صح بهم وادعهم لي.
  5. ٥أطافوا به: أحاطوا به.
  6. ٦وبشت قريش أوباشًا لها: جمعت جموعًا من قبائل شتى.
  7. ٧قال بيديه: أشار إلى هيئتهم المجتمعة.
  8. ٨أخرجه مسلم في الجهاد باب فتح مكة حديث رقم: ١٧٨٠، أبو داود في الخراج والإمارة والفيء باب خبر مكة حديث رقم: ٣٠٢٤ مختصرًا، النسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك صاحب تحفة الأشراف حديث رقم: ١٣٥٦١، وأحمد في المسند: ٢/ ٥٣٨، وما بين القوسين فالزيادات من رواية أحمد في المسند: ٢/ ٥٣٨، وابن أبي شيبة رقم: ١٨٧٤٥ وأبو عوانة؛ ٤/ ٢١٧، ٢٢٩، أحمد في فضائل الصحابة رقم: ١٤٢٥.

١٣ - مدخل الرسول عليه الصلاة والسلام مكة يوم الفتح

١/٤١٢١/٤١٢

٦٤٩ - من حديث عائشة رضي الله عنها : (أن النبي ﷺ دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة) ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب دخول النبي ﷺ من أعلى مكة حديث رقم: ٤٢٩٠، وأخرجه مسلم في الحج باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا حديث رقم: ١٢٥٨، وأحمد في المسند، الفتح الرباني: ٢١/ ١٥٠.

وفعل رسول الله ﷺ هذا، ودخوله من هذا المكان إنما كان تحقيقًا لقول صاحبه الشاعر المبدع حسان بن ثابت حين هجا قريش، وأخبرهم بأن خيل الله تعالى ستدخل من كداء، أذكر بعض الأبيات التي قالها والتي ذكرها الإِمام مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها : "قال حسان: هَجَوتَ مُحَمدًا فأجبتُ عنه … وعند الله في ذاك الجزاء هَجَوَت مُحمدًا برًّا تقيًّا … رسول الله شيمته الوفاء فإن أبي ووالده وعرضي ١ … لعرض محمَّد منكم وقاء ٢ ثكلت بنيتي ٣ إن لم تروها … تثير النقع ٤ من كتفي كداء ٥ يبارين الأعنة ٦ مصعدات ٧ … على أكتافها الأسل الظماء ٨ تظل جيادنا متمطرات ٩ … تلطمهن بالخمر النساء ١٠ فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا ١١ … وكان الفتح وانكشف الغطاء" ١٢

  1. ١عرض الرجل: أموره كلها التي يحمد بها ويذم.
  2. ٢وقاء: ما وقيت به الشيء حميته.
  3. ٣ثكلت بنيتي: الثكل، فقد الولد.
  4. ٤تثير النقع: ترفع الغبار وتهيجه.
  5. ٥كتفي كداء: جانبي كداء، وكداء ثنية على باب مكة.
  6. ٦يبارين الأعنة: يجذبن الأعنة كناية عن قوة نفوسها.
  7. ٧مصعدات: مقبلات إليكم ومتوجهات.
  8. ٨الأسل الظماء: الأسل: الرماح، الظماء: الرقاق.
  9. ٩تظل جيادنا متمطرات: تظل خيولنا مسرعات بسبق بعضها بعضًا.
  10. ١٠تلطمهن بالخمر النساء: يضربن الخيل بخمرهن.
  11. ١١اعتمرنا: أدينا العمرة.
  12. ١٢أخرجه مسلم في فضائل الصحابة باب فضائل حسان بن ثابت حديث رقم: ٢٤٩٠.
١/٤١٣١/٤١٣

ومما يؤيد ما ذكرت ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم إلى أبي بكر فقال: (يا أبا بكر كيف قال حسان) ، فأنشده قوله: عدمت بنيتي إن لم تروها … تثير النقع موعدها كداء ينازعن الأسنة مسرجات … يلطمهن بالخمر النساء فقال: أدخلوها من حيث قال حسان" ١ .

  1. ١أخرجه البيهقي بإسناد حسن كما قال الحافظ في فتح الباري: ٨/ ١٠، انظر دلائل البيهقي: ٥/ ٦٦.

١٤ - أين ركزت راية رسول الله ﷺ يوم الفتح

ركزت راية النبي ﷺ يوم الفتح بالحجون كما جاء في مرسل عروة بن الزبير الذي رواه الإِمام البخاري في صحيحه ١ .

  1. ١سبق تخريجه: ٦٤١، ٦٤٥.

١٥ - إهدار دم بعض المشركين يوم الفتح

٦٥٠ - من حديث أنس رضي الله عنه : "أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما وضعه عن رأسه قيل: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة قال: (اقتلوه) ١ .

  1. ١سبق تخريجه حديث رقم: ٦٤٤.

٦٥١ - من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: (قال رسول الله ﷺ وسلم يوم فتح مكة: (الناس آمنون غير عبد العزى بن خطل) ١ .

  1. ١أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٤٢٣، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ١٧٥، رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات.

٦٥٢ - من حديث مصعب بن سعد عن ابن سعد بن أبي وقاص قال: "لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس ألا أربعة نفر وامرأتين، وقال: (اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح) .

فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارًا، وكان أشب الرجلين، فقتله، وأما مقيس بن صبابة، فأدركه الناس في السوق فقتلوه. وأما عكرمة، فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا ها هنا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا ﷺ حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوًا كريمًا فجاء فأسلم. وأما عبد الله بن سعد بن أبي السرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ قال: يا رسول الله بايع عبد الله قال: فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا كل ذلك يأبي، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته، فيقتله) ، فقالوا: وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك، قال: (إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين) ١ .

  1. ١أخرجه النسائي في تحريم الدم باب حكم المرتد: ٧/ ١٠٥ - ١٠٦، أبو داود في الجهاد باب قتل الأسير، ولا يعرض عليه الإِسلام حديث رقم:٢٦٨٣، وفي الحدود باب حكم من ارتد: ٤٣٥٩، البيهقي في السنن: ٧/ ٤٠،البزار: ١٨٢١، والحاكم في المستدرك ٣/ ٤٥، وصححه ووافقه الذهبي، وأبو يعلى في المسند: ٧٥٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ٣٣٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ١٦٨، ١٦٩، رواه أبو داود وغيره باختصار، ورواه أبو يعلى والبزار، ورجالهما ثقات، قلت: ورجاله رجال الصحيح وقد جاء من حديث سعيد بن يربوع المخزومي شبيهًا بهذا اللفظ أخرجه أبو داود في الجهاد باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإِسلام، رقم: ٢٦٨٤، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٧٣، رواه الطبراني ورجاله ثقات.
١/٤١٤١/٤١٤

٦٥٣ - من حديث أم هانئ رضي الله عنها قال: "ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، قالت: فسلمت عليه فقال: (من هذه؟) فقلت: أنا أم هانئ، بنت أبي طالب، فقال: (مرحبًا بأم هانئ) . فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلًا قد أجرته فلان بن هبيرة. فقال رسول الله ﷺ : (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) قالت: أم هانئ وذاك ضحى) ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في الصلاة باب الصلاة في الثوب الواحد حديث رقم: ٣٥٧، في الجزية والموادعة باب أمان النساء: ٣١٧١، مسلم في صلاة المسافرين وقصرها باب صلاة الضحى حديث: ٣٣٦، أبو داود في الجهاد باب أمان المرأة: ٢٧٦٣، الترمذي السير باب ما جاء في أمان المرأة والعبد: ١٥٧٩، وقال حسن صحيح، ابن ماجه في الطهارة باب المنديل بعد الوضوء: ٤٦٥، مالك في الموطأ: ١/ ١٥٢، قصر الصلاة باب صلاة الضحى، الدارمي: ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥، النسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ١٨٠١٨، قلت: وعند ابن إسحاق أنهما رجلان من أحمائها أجارتهم فأجارهم عليه السلام (سيرة ابن هشام: ٢/ ٤١١).

١٦ - أذن الله لرسوله بالقتال في مكة ساعة من نهار

١/٤١٥١/٤١٥

٦٥٤ - عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: "ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا، قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به: إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرًا، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسول الله ولم يأذن لكم، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب) . فقيل لأبي شريح، ماذا قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، أن الحرم لا يعيذ عاصيًا ١ ، ولا فارًّا بدم ٢ ، ولا فارًّا بِخَرْبَةٍ ٣ " ٤ .

  1. ١لا يعند عاصيًا: لا يجيره. ولا يعلمه.
  2. ٢ولا فارًّا بدم: من التجأ إليه هاربًا من سبب من الأسباب الموجبة للقتل.
  3. ٣ولا فارًّا بخربة: اللص المفسد في الأرض.
  4. ٤أخرجه البخاري في المغازي باب حدثني محمَّد بن بشار حديث رقم: ٤٢٩٥، مسلم في الحج باب تحريم مكة وصيدها الحديث ١٣٥٤، والترمذي: ٨٠٩، الحج باب ما جاء في حرمة مكة، والنسائي: ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥ - ٢٠٦، الحج باب تحريم القتال فيه، أحمد في المسند: ٤/ ٣١، ٣٢، وقد جاء شبيهًا بحديث أبي شريح حديث ابن عباس عند مسلم: ١٣٥٣، النسائي: ٥/ ٢٠٣، وعن حديث أبي هريرة عند مسلم: ١٣٥٥.

١٧ - إزالة الأصنام من حول الكعبة

٦٥٥ - من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: (جاء الحق، وزهق الباطل، جاء الحق، وما يبدى الباطل وما يعيد) ١ . ٦٥٦ - من حديث أبي هريرة الذي سبق جزء منه " … قال: فغلق الناس أبوابهم قال: فأقبل رسول الله ﷺ إلى الحجر، فاستلمه، ثم طاف بالبيت قال: وفي يده قوس أخذ بسية ٢ القوس قال: فأتى في طوافة على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه قال: فجعل يطعن بها في عينه ويقول: (جاء الحق، وزهق الباطل) ، قال: ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه " ٣ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح: ٤٢٨٧، مسلم في الجهاد باب إزالة الأصنام من حول الكعبة: ١٧٨١، الترمذي كتاب التفسير ومن سورة بني إسرائيل: ٣١٣٨، وابن حبان: ١٧٠٢، مسند الحميدي: ١/ ٤٦، الحديث: ٨٦، وابن أبي شيبة في المصنف: ١٨٧٥٢، وقد جاء مثله من حديث ابن عباس عند البزار رقم: ١٨٢٥ وقال الهيثمي: ٦/ ١٧٦، رواه الطبراني ورجاله ثقات ورواه البزار باختصار.
  2. ٢بسية القوس: طرفها المنحني.
  3. ٣سبق تخريجه حديث: ٦٤٨.
١/٤١٦١/٤١٦

٦٥٧ - من حديث جابر رضي الله عنه قال: "دخلنا مع النبي ﷺ مكة في البيت، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا تعبد من دون الله، قال: فأمر بها رسول الله ﷺ فكبت كلها لوجوهها، ثم قال: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ١ ثم دخل رسول الله ﷺ البيت فصلى ركعتين، فرأى فيه تمثال إبراهيم وإسماعيل وإسحق وقد جعلوا في يد إبراهيم الأزلام يستقسم بها، فقال رسول الله ﷺ : (قاتلهم الله، ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام) ، ثم دعا رسول الله ﷺ بزعفران فلطخه بتلك التماثيل " ٢ .

  1. ١آية: ٨١ سورة الإسراء.
  2. ٢أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف حديث رقم: ١٨٧٥١، وحسنه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية حديث رقم: ٤٣٦٤، وحسنه البوصيري أيضًا، وقد جاء قريبًا من هذا اللفظ من حديث ابن عباس عند البخاري حديث رقم: ٣٣٥٢، وأبو داود: ٢٠٢٧.

١٨ - مقولة الأنصار أن النبي ﷺ أدركته رأفة بقومه

٦٥٨ - من حديث أبي هريرة الذي سبقت أجزاء منه " … قال ثم أتى الصفا، فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره، ويدعوه، قال: والأنصار تحته، قال يقول بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى يقضي قال: فلما قضي الوحي رفع رأسه ثم قال: (يا معشر الأنصار قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته؟) قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال: (فما اسمي إذًا؟ كلا، إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم) ، قال: فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله، قال: فقال رسول الله ﷺ : (فإن الله ورسوله ليصدقانكم ويعذرانكم) ١ .

  1. ١سبق تخريجه في حديث: ٦٤٨.

١٩ - صلاة النبي داخل الكعبة

١/٤١٧١/٤١٧

٦٥٩ - من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : "أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفًا أسامة بن زيد، ومعه بلال، ومعه عثمان ابن طلحة من الحجبة حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت، فدخل رسول الله ﷺ ، ومعه أسامة ابن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فمكث فيه نهارًا طويلًا، ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا فسأله، أين صلى رسول الله ﷺ ؟؛ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه، قال عبد الله: فنسيت أن أسأله: كم صلى سجدة" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في الجهاد باب الردف على الحمار حديث رقم: ٢٩٨٨، مسلم في الحج باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره حديث رقم: ١٣٢٩، أبو داود في المناسك باب دخول الكعبة حديث رقم: ٢٠٢٣، النسائي في الحج باب دخول الببت: ٥/ ٢١٦ - ٢١٧، ابن ماجه مناسك باب دخول الكعبة حديث رقم: ٣٠٦٣، أحمد في المسند انظر الفتح الرباني: ٢١/ ١٥٤.

وقد جاء من حديث ابن عباس المروي في صحيح البخاري ومسلم وعند أحمد "أن النبي ﷺ لم يصل في داخل الكعبة" ، والصحيح والله أعلم أن المثبت مقدم على النافي والذين دخلوا مع النبي ﷺ هم الذين رووا أنه صلى داخلها، وهم أعلم بذلك ممن لم يدخل معه وهو ابن عباس، وقال الإِمام النووي رحمه الله : "أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنه مثبت فمعه زيادة علم فواجب ترجيحه" ١ .

  1. ١الفتح الرباني: ٢١/ ١٥٦.

وأما القول أن ابن عباس روى عدم الصلاة في الكعبة عن أخيه الفضل وهو ممن دخل مع النبي ﷺ فلعل الفضل قد اشتغل بالدعاء، ولذلك لم ير النبي ﷺ والله أعلم.

٢٠ - إسلام والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه

١/٤١٨١/٤١٨

٢٠ - إسلام والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه : ٦٦٠ - من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: "لما وقف رسول الله ﷺ بذي طوى ١ قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنية اظهري بي على أبي قبيس ٢ قالت: وقد كف بصره، قالت: فأشرفت به عليه، قال: يا بنية، ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعًا، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلًا يسعى بين ذلك السواد مقبلًا ومدبرًا، قال: يا بنية ذلك الوازع يعني الذي يأمر الخيل، ويتقدم إليها، ثم قالت: قد والله انتشر السواد، فقال: قد والله إذا دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي، فأغطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، وفي عنق الجارية طوق لها من ورق، فتلقاها رجل، فاقتطعه من عنقها. قالت: فلما دخل رسول الله ﷺ مكة، ودخل المسجد أتاه أبو بكر رضي الله عنه بأبيه يقوده ٣ ، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: (هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه) ، قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه، قال: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: (أسلم) ، فأسلم، ودخل به أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله ﷺ ، ورأسه كأنه ثغامة ٤ ، فقال رسول الله ﷺ : (غيروا هذا من شعره) ، ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته، فقال: أنشد بالله وبالإِسلام طوق أختي فلم يجبه أحد فقال: يا أخية احتسبي طوقك" ٥ .

  1. ١ذي طوى: موضع معروف قرب مكة.
  2. ٢اظهري بي على أبي قبيس: اصعدي بي على جبل أبي قبيس وهو جبل لأنه كان كفيف البصر.
  3. ٣يقوده: لأنه كان كفيف البصر.
  4. ٤ثغامة: نبت أبيض الزهر والثمر يشبه الشيب.
  5. ٥أخرجه ابن حبان في الموارد: ١٧٠٠، وابن إسحاق في المغازي بسند صحيح رجاله ثقات سيرة ابن هشام: ٢/ ٤٠٥، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٧٣، ١٧٤، رواه أحمد، والطبراني، ورجالهما ثقات، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٩٥ - ٩٦، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٦ - ٤٧، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.

٢١ - قصة الرجل الذي قتلته خزاعة

١/٤١٩١/٤١٩

٦٦١ - من حديث أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: "أذن لنا رسول الله ﷺ يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله ﷺ برفع السيف فلقي رهط منا الغد رجلًا من هذيل في الحرم يؤم ١ رسول الله ﷺ ليسلم، وكان قد وترهم ٢ في الجاهلية، وكانوا يطلبونه، فقتلوه، وبادروا أن يخلص إلى رسول الله، فيأمر ٣ .

  1. ١يؤم: يقصد رسول الله ﷺ ليسلم عليه يديه.
  2. ٢وترهم: أصاب منهم جناية.
  3. ٣فيأمر: بادروا بقتله قبل أن يصل إلى رسول الله فيأمر بعدم قتله.

فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ غضب غضبًا شديدًا، والله ما رأيته غضب غضبًا أشد منه، فسعينا إلى أبي بكر وعلي رضي الله عنهما نستشفعهما، وخشينا أن نكون قد هلكنا، فلما صلى رسول الله ﷺ الصلاة قام، فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإن الله عز وجل هو حرَّم مكة، ولم يحرمها الناس، وإنما أحلها لي ساعة من النهار أمس: وهي اليوم حرام كما حرمها الله عز وجل أول مرة.

وإن أعتى الناس على الله عز وجل ثلاثة: رجل قتل فيها، ورجل قتل غير قاتله، ورجل طلب بذحل في الجاهلية، وإني والله لأدينَّ ١ هذا الرجل الذي قتلتم) فوداه رسول الله ﷺ " ٢ .

  1. ١لأدين: أي سأدفع دينه لأولياء دمه.
  2. ٢سبق تخريجه حديث رقم: ٦٥٤، قلت: وقد جاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده شبيها بهذا اللفظ قال الهيثمي: ٦/ ١٧٧ رواه الطبراني، ورجاله ثقات، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم حديث رقم: ١٣٥٥.

٢٢ - مبايعته ﷺ للناس يوم الفتح

٦٦٢ - من حديث مجاشع بن مسعود رضي الله عنه قال: "أتيت النبي ﷺ بأخي بعد الفتح، فقلت: يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة، قال: (ذهب أهل الهجرة بما فيها) ، فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال: (أبايعه على الإِسلام والإيمان والجهاد). قال أبو عثمان، فلقيت معبدًا بعد، وكان أكبرهما، فسألته: فقال: صدق مجاشع " ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب وقال الليث حديث رقم: ٤٣٠٥، ٤٣٠٦، ٤٣٠٧، ٤٣٠٨، مسلم في صحيحه الإمارة باب المبايعة عند فتح مكة حديث رقم: ١٨٦٣، أحمد في المسند: ٣/ ٤٦٩،٤٦٨.
١/٤٢٠١/٤٢٠

٦٦٣ - من حديث الأسود بن خلف رضي الله عنه : "أنه رأى النبي ﷺ يبايع الناس يوم الفتح قال: فجلس عند قرب دار سمرة، قال الأسود: فرأيت النبي ﷺ جلس، فجاءه الناس الصغار والكبار والنساء، فبايعوه على الإِسلام والشهادة فقلت: فما الإِسلام قال: الإيمان بالله، فقلت: وما الشهادة؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله " ١ .

  1. ١أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٤١٥، ٤/ ١٦٨، وسنده حسن، والحافظ في المستدرك: ٣/ ٢٩٦، ولم يتكلم عنه بشيء، وسكت عنه الذهبي، ورجاله ثقات.

٦٦٤ - من حديث عائشة بنت قدامة رضي الله عنها قالت: "أنا مع أمي رائطة بنت سفيان الخزاعية، والنبي ﷺ يبايع النسوة، ويقول: (أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصين في معروف) ، قالت: فأطرقن: فقال لهن النبي ﷺ : (قلن نعم فيما استطعتن) ، فكن يقلن وأقول معهن، وأمي تلقنني قولي أي بنية فيما استطعت) ١ .

  1. ١أخرجه أحمد: ٦/ ٣٦٥، وسنده حسن، وانظر الإصابة في تمييز الصحابة: ٤/ ٣٥١، ترجمة رقم: ٨١١، وقال الحافظ بعد أن عزاه لأحمد: "ورويناه بعلو في المعرفة لابن منده من وجه آخر".

٦٦٥ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: (لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا) ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب لا هجرة بعد الفتح حديث رقم: ٣٠٧٧، ومسلم في الجهاد والإمارة باب المبايعة بعد فتح مكة حديث رقم: ١٣٥٣/ ٨٥، ص: ٣/ ١٤٨٧، أبو داود في الجهاد باب الهجرة هل انقطعت حديث رقم: ٢٤٨٠، والترمذي في السير باب ما جاء في الهجرة حديث رقم: ١٥٩٠، وقال حديث حسن صحيح، والنسائي في السنن الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ٥٧٤٨، قلت: وقد جاء بنفس المعنى واللفظ من حديث عائشة أخرجه البخاري حديث رقم: ٣٠٨٠، ٣٩٠٠، ٤٣١٢، ومسلم في صحيحه رقم: ١٨٦٤.

٦٦٦ - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "إن هند بنت عتبة بن ربيعة قالت: يا رسول الله ما كان مما على ظهر الأرض أخباء، وأهل خباء -الشك من ابن بكير- أحب إلى أن يذلوا من أهل خبائك، أو أخبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء، أو أخباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك، أو أخباءك، قال رسول الله: (وأيضًا والذي نفسي محمَّد بيده) ، قالت: يا رسول الله أن أبا سفيان رجل ممسك، فهل علي من حرج أن أطعم من الذي له؟ قال: (لا إلا بالمعروف) ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في الأيمان والنذور باب كيف كانت يمين رسول الله الحديث رقم: ٦٦٤١، فتح الباري: ١١/ ٥٣٥، مسلم في الأقضية باب قضية هند حديث رقم: ١٧١٤، ص: ٣/ ١٣٣٩، أبو داود في البيوع والإجارة باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده حديث رقم: ٣٥٣٢، ٣٥٣٣، النسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ١٦٦٣٣.
١/٤٢١١/٤٢١

٦٦٧ - عن أيوب قال: قال لي أبو قلابة ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته فسألته، فقال: "كنا بممر الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام فكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق.