السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

غزوة حنين

التاريخمتصلة بالفتح، سنة ٨
عمره ﷺ٦٠
الموضعحنين

متصلة بالفتح، سنة ٨، وعمره ﷺ ٦٠

تقرأ في إبراهيم بن إبراهيم قريبي، ١٬٧٨٤ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ
عناوينه هنا (٤٢)
  1. المبحث الأول: سبب الغزوة
  2. المبحث الثاني: الاستعداد للمعركة
  3. المبحث الأول: تاريخ الغزوة
  4. المبحث الثاني: في تعيين الأمير على مكة
  5. المبحث الثالث: عدد الجيش الإسلامي في هذه الغزوة
  6. المبحث الرابع: استعداد هوازن العسكري
  7. المبحث الخامس: تبشير الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالنصر وبيان فضل الحراسة في سبيل الله
  8. المبحث السادس: بقايا من رواسب الجاهلية
  9. المبحث السابع: بيان من قال في هذه الغزوة (لن نغلب اليوم من قلة)
  10. المبحث الأول: سبب هزيمة المسلمين في بداية المعركة
  11. يوم حنين١، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة٢، فرأيت رجلا من المشركين علا٣
  12. المبحث الثاني: مواقف مريبة إثر انكشاف المسلمين في بادئ الأمر
  13. المبحث الثالث: عدد الثابتين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين
  14. المبحث الرابع: عوامل انتصار المسلمين في حنين
  15. المبحث الأول: خسائر المشركين في هذه الغزوة
  16. المبحث الثاني: إصابات المسلمين في هذه الغزوة
  17. المبحث الأول: التوجه نحو نخلة
  18. المبحث الثاني: سرية أوطاس
  19. المبحث الثالث: موقف الشيماء وبجاد
  20. المبحث الأول: الفرق بين الغنيمة والفيئ والنفل
  21. المبحث الثاني: جفاء الأعراب وغلظتهم
  22. المبحث الثالث: اعتراض ذي الخويصرة التميمي على الرسول صلى الله عليه وسلم في قسم الغنائم
  23. المبحث الرابع: في بيان حكمة توزيع الغنائم على قوم دون آخرين
  24. المبحث الخامس: موقف الأنصار من توزيع الغنائم وخطبة الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم
  25. الباب الثالث: في بيان أبرز الأحكام المستنبطة من غزوة حنين
  26. الحكم الأول: جواز وطء المسبية بعد الاستبراء
  27. الحكم الثاني: وقوع العزل في أوطاس
  28. الحكم الثالث: في مسئلة المتعة
  29. الحكم الرابع: منع المخنثين من الدخول على النساء الأجنبيات
  30. الحكم الخامس: في النهي عن قتل النساء والضعفاء ومن في حكمهم
  31. الحكم السادس: العذر الذي يبيح ترك حضور صلاة الجماعة
  32. الحكم السابع: تعليم أبي محذورة الأذان
  33. الحكم الثامن: إقامة الحد في دار الحرب
  34. الحكم التاسع: الاستعانة بالمشركين
  35. الحكم العاشر: العارية من حيث الضمان وعدمه
  36. الحكم الحادي عشر: قضاء الرسول في شأن محلم بن جثامة
  37. الحكم الثاني عشر: في بيان نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم
  38. الحكم الثالث عشر: استحقاق القاتل سلب القتيل
  39. الحكم الرابع عشر: في بيان تحريم الغلول في الغنيمة
  40. الحكم الخامس عشر: المؤلفة قلوبهم
  41. الحكم السادس عشر: بعض ما يجتنبه المحرم
  42. الخاتمة

المبحث الأول: سبب الغزوة

١/٨٧١/٨٧

...

بعد فتح مكة والقضاء على أعظم قوة للشرك في الجزيرة العربية لم يبق أمام المسلمين إلا قبائل هوازن وثقيف المتاخمة لمكة المكرمة، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصمما على مطاردة فلول الوثنية والإجهاز على معاقل الشرك في جزيرة العرب التي لا يجتمع فيها دينان، وقد ترامت أنباء فتح مكة في أنحاء الجزيرة العربية وخاصة في ديار هوازن وثقيف القريبة من مكة، وما أن سمعت قبائل هوازن بهذا الفتح الإسلامي الكبير حتى تداعت فيما بينها تتدارس هذا الحدث الجلل وترصد تحركاته نحوها، فكانت النتيجة أنها عزمت أن تهاجم المسلمين قبل أن يهاجموها، فأعدت عدتها وحشدت قواها المادية والبشرية، وقد جاء التصريح بحقيقة ما كانوا يبيتون للمسلمين من كيد في الروايات الآتية: ٢٣- ما رواه الحاكم قال: حدثنا أبوالعباس١محمد بن يعقوب، ثنا أحمد ١ بن عبد الجبار، ثنا يونس ٢ بن بكير، عن ابن٢ إسحاق قال: حدثني عاصم٣ بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن٤ بن جابر، عن أبيه جابر ابن عبد الله - رضي الله عنهما -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سار إلى حنين لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصري من بني نصر وجشم ومن سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال وناسا من بني عمرو٥ بن عامر بن عوف بن عامر وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبنو مالك ثم سار بهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسار مع الأموال والنساء والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عبد الله٦ بن أبي حدرد الأسلمي فقال: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم فدخل فمكث فيهم يوماً أو يومين ثم أقبل فأخبره الخبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي الحدرد؟ فقال عمر: كذب ابن أبي الحدرد، فقال ابن أبي الحدرد: إنّ كذبتني فربما كذبت من هو خير مني، فقال عمر يا رسول الله ألا تسمع ما يقول ابن أبي الحدرد؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد كنت يا عمر ضالا فهداك الله - عز وجل –" ، ثم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم إلى صفوان بن أمية فسأله أدرعا مائة وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبا يا محمد؟ قال بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، ثم خرج رسول الله سائراً. ثم قال الحاكم: صحيح ٣ الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي ٤.

  1. ١أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي - بضم العين المهملة والطاء الخفيفة - أبو عمرو الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له (ت ٢٧٢) /د (التقريب ١/١٩، وتهذيب التهذيب ١/٥١- ٥٢) . ١ يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي، صدوق يخطئ، من التاسعة (ت ١٩٩) /خت م د ت ز ق. (ابن حجر: التقريب ٢/٣٨٤) . وفي (تهذيب التهذيب ١١/٤٣٤- ٤٣٦) ، وصفه بقوله: يونس بن بكير بن واصل الشيباني الجمال الكوفي الحافظ، ثم ساق كلام العلماء فيه والذين وثقوه أكثر ممن ضعفه. وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ ١/٣٢٦) ،:يونس بن بكير بن واصل الحافظ العالم المؤرخ أبو بكر الشيباني الكوفي الجمال صاحب المغازي، ثم ذكر جماعة ممن روى عنهم ورووا عنه، ثم قال: قال ابن معين: كان صدوقا، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وسئل عنه أبو زرعة: أي شيء ينكر عليه؟ فقال: أما الحديث فلا أعلمه، ثم نقل تضعيفه عن أبي داود، وذكر أن ابن عدي ساق له عدة أحاديث غرائب، ثم قال في ختام ترجمته: روى له مسلم متابعة واستشهد به البخاري. (انظر: ميزان الاعتدال ٤/٤٧٧- ٤٧٨، وتذكرة الحفاظ ١/٣٢٦، وسير أعلام النبلاء ٩/٢٤٥- ٢٤٨) . ٢ محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، صدوق يدلس. تقدم في حديث
  2. ٢. ٣ عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، أبو عمر المدني، ثقة، عالم بالمغازي، من الرابعة (ت بعد ١٢٠) /ع (التقريب ١/٣٨٥) . ٤ عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو عتيق المدني، ثقة، لم يصب ابن سعد في تضعيفه، من الثالثة /ع (التقريب ١/٤٧٥) . ٥ وقع هنا عند الحاكم: (وناسا من بني عمرو بن عاصم بن عوف بن عامر) وهو خطأ مطبعي، والصواب ما أثبتناه. ٦ وقع كذلك هنا: (عبد الرحمن بن أبي الحدرد) وهو خطأ أيضا وقد وقع على الصواب عند الحاكم نفسه في ٣/٥٧٢.
  3. ٣اعترض الألباني على تصحيح الحاكم لهذا لحديث، وموافقة الذهبي له، وقال: هو حسن فقط للكلام المعروف في ابن إسحاق، والمتقرر أنه حسن الحديث إذا صرح بالتحديث كما في هذا الحديث. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٢٠٩ تحت حديث رقم (٦٣١) . ودفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي ص٨٢، وانظر: فتح الباري ٤/٣٢) .
  4. ٤الحاكم: المستدرك ٣/٤٨- ٤٩. (السنن الكبرى ٦/٨٩، دلائل النبوة ٢/٤٢ ب-أ) . (البداية والنهاية٤/٣٢٤، وانظر: سيرة ابن هشام ٢/٤٣٩-٤٤٠، والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٢- ٧٣) .
  5. *هو محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم النيسابوري المعروف بالأصم، الإمام المفيد الثقة المحدث المشرق. قال الحاكم: كان محدث عصره بلا مدافعة. وقال أيضا: حدث (٧٦) سنة، ولم يختلف في صدقه وسماعه (ت ٣٤٦) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠- ٨٦٤) .
١/٨٩١/٨٩

والحديث من هذه الطريق أورده البيهقي في السنن الكبرى مختصرا، وأورده في الدلائل مطولا٣.

وأورد ابن إسحاق القصة بدون إسناد كما قال ابن كثير٤.

وكان هذا هو السبب الرئيسي لخروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين لغزو هذه القبائل المحتشدة قبل أن يداهموا المسلمين في مكة المكرمة، ولقد سارع الرسول - صلى الله عليه وسلم في رسم - الخطة اللازمة لملاقاة هذا العدو، بعد دراسة حال العدو العسكرية، ومعرفة عدته المادية.

المبحث الثاني: الاستعداد للمعركة

١/٩٠١/٩٠

إن الاستعداد والتأهب لملاقاة العدو والأخذ بالأسباب المادية أمر لازم، وسبب من أسباب النصر، وهو لا ينافي التوكل، إذ إن المسلم يؤمن إيمانا جازما بأن النصر من عند الله - عز وجل -، وهو في نفس الوقت يؤمن بأنه مأمور بالأخذ بالأسباب، وأخذ الحيطة، والتدابير اللازمة ضد عدوه، وقد أمر الله عز وجل بذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .١ ومن هذا المنطلق فقد روى الترمذي من حديث الزبير بن العوام.

٢٤- قال: كان على النبى - صلى الله عليه وسلم - درعان يوم أحد، فنهض إلى الصخرة ١ فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، فصعد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى استوى على الصخرة فقال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أوجب طلحة" . ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد ابن إسحاق.

  1. ١إلى الصخرة: أي صخرة كانت هناك يستوي عليها وينظر إلى الكفار، ويشرف على المؤمنين. (تحفة الأحوذي ٥/٣٤١) .

وفي الباب عن صفوان بن أمية، والسائب بن يزيد ١.

  1. ١السنن ٣/١١٩ أبواب الجهاد (باب ما جاء في الدرع) .

وأعاد الحديث في كتاب المناقب بسنده ومتنه وقال: حسن صحيح غريب ١. قلت: الحديث عنعنه ابن إسحاق وهو مدلس ولكنه قد صرح بالتحديث عند الحاكم، ومن طريقه رواه البيهقي، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ٢.

  1. ١٥/٣٠٧ باب مناقب طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
  2. ٢الحاكم: المستدرك ٣/٢٥، والبيهقي: السنن الكبرى ٩/٤٦.
  3. *سورة الأنفال _ آية: ٦٠.
١/٩١١/٩١

٢٥- وحديث السائب ١ بن يزيد أخرجه أبو داود عن يزيد ٢ أن خصيفة عن السائب، عن رجل ٣ قد سماه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظاهر يوم أحد بين درعين، أو لبس درعين ٤. وأخرجه الترمذي في الشمائل ٥.

  1. ١السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل في نسبه غير ذلك. يعرف بابن أخت النمر - بفتح فكسر - صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحج به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة (ت ٩١) وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. /ع. (ابن حجر: التقريب ١/٢٨٣) .
  2. ٢يزيد بن عبد الله بن خصيفة - بمعجمة وصاد مهملة وفاء مصغرا - ابن عبد الله ابن يزيد الكندي، المدني، وقد ينسب لجده، ثقة من الخامس. /ع. (المصدر السابق ٢/٣٦٧) .
  3. ٣قوله: عن رجل (عند البيهقي: عن رجل من بني تيم، عن طلحة بن عبيد الله) . (السنن الكبرى ٩/٤٦) .
  4. ٤أبو داود: (السنن ٢/٣٠) ، كتاب الجهاد (باب في لبس الدروع) .
  5. ٥انظر: (الأطراف للمزي ٣/٢٦٣) ، حديث (٣٨٠٥) ، والإتحافات الربانية بشرح الشمائل المحمدية لأحمد عبد الجواد الدومي ص١٥٠.

والحديث سكت عنه المنذري ١، وفيه إبهام وهو قوله عن رجل.

  1. ١محمد شمس الحق العظيم آبادي: (عون المعبود ٧/٢٥٣) .

وأخرجه ابن ماجه: فقال: عن السائب بن يزيد إن شاء الله تعالى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد خذ درعين، كأنه ظاهر بينهما ١. وهو عند أحمد أيضا فحدث به يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، مرة بالاستثناء، ومرة بدون استثناء ٢. قال المباركفوري في أثناء شرحه للحديث: قوله: كان على النبي - صلى الله عليه وسلم - درعان "أي مبالغة في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ، [سورة النساء، من الآية: ٧١] . وقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [سورة الأنفال، من الآية: ٦٠] . فإنها تشمل الدرع، وإن فسرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأقوى أفرادها حيث قال: ألا إن القوة الرمي، ثم قال: قال القاري ٣: وفيه إشارة إلى جواز المبالغة في أسباب المجاهدة وأنه لا ينافي التوكل والتسليم بالأمور الواقعة المقدرة" ١٠.

  1. ١ابن ماجه: (السنن ٢/٩٣٨) ، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح على شرط البخاري، وقع هذا الحديث في سنن ابن ماجه من طريق هشام بن سوار، والصواب هشام بن عمار، فإن هشام بن سوار ليس من رجال التقريب.
  2. ٢أحمد: (المسند ٣/٤٤٩) .
  3. ٣هو الشيخ ملا علي القاري بن سلطان بن محمد الهروي الحنفي، الجامع للعلوم النقلية والعقلية، والمتضلع من السنة النبوية، أحد جماهير الأعلام ومشاهير أولي الحفظ والأفهام، توفي سنة (١٠١٤هـ) . (الشوكاني: البدر الطالع ١/٤٤٥- ٤٤٦، وكحالة: معجم المؤلفين ٧/١٠٠- ١٠١) .
  4. *(تحفة الأحوذي ٥/٣٤١، وانظر: زاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٨٠، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/١٠) .
١/٩٢١/٩٢

ومن هنا فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما أراد الخروج إلى حنين لملاقاة جموع هوازن أرسل إلى صفوان بن أمية يطلب منه دروعا ليلقى فيها عدوه، كما تقدم ذلك من حديث جابر بن عبد الله ١.

  1. ١تقدم الحديث برقم (٢٣) وهو حديث حسن.

وقد جاء أيضا من حديث صفوان بن أمية نفسه عند أبي داود وغيره وهذا سياقه عند أبي داود: ٢٦- قال: حدثنا الحسن ١ بن محمَّد، وسلمة ٢ بن شبيب، قالا: أخبرنا يزيد ٣ بن هارون، أخبرنا شريك ٤، عن عبد العزيز ٥ بن رفيع، عن أمية ٦ ابن صفوان بن أمية، عن أبيه ٧: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعار منه أدرعا يوم حنين، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: "لا، بل عارية مضمونة" . قال أبو داود: هذه رواية يزيد ببغداد، وفي روايته بواسط تغير على غير هذا ٨.

  1. ١الحسن بن محمد بن الصباح - بفتح المهملة وتشديد الموحدة - الزعفراني - بفتح الزاي وسكون العين المهملة - أبو علي البغدادي صاحب الشافعي، ثقة من العاشرة (ت٢٦٠) أو قبلها بسنة./خ عم. (ابن حجر: التقريب١/١٧٠، وتهذيب التهذيب ٢/٣١٨) .
  2. ٢سلمة بن شبيب المسمعي - بكسر الميم الأولى وفتح الميم الثانية - النيسابوري، نزيل مكة، ثقة من كبار الحادية عشرة (ت بضع وأربعين بعد المائتين) /م عم. (التقريب ١/٣١٦، وتهذيب التهذيب ٤/١٤٦) .
  3. ٣يزيد بن هارون بن زاذان السلمي، مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة (ت٢٠٦) /ع. (التقريب٢/٣٧٢،وتهذيب التهذيب١١/٣٦٦)
  4. ٤شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلا فاضلا، عابدا شديدا على أهل البدع، من الثامنة (ت ١٧٧ أو ١٧٨) /خت م عم. (التقريب ١/٣٥١، وتهذيب التهذيب٤/٣٣٣- ٣٣٧) . وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ١/٢٣٢) :وحديث شريك من أقسام الحسن.
  5. ٥عبد العزيز بن رفيع - بفاء مصغرا - الأسدي، أبو عبد الملك، المكي نزيل الكوفة، ثقة من الرابعة (ت ١٠٣) وقيل بعدها. /ع. (التقريب ١/٥٠٩، تهذيب التهذيب ٦/٣٣٧) .
  6. ٦أمية بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، المكي، مقبول من الرابعة. /بخ د ت س. (التقريب ١/٨٣، وتهذيب التهذيب ١/٣٧١) .
  7. ٧صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي المكي، صحابي من المؤلفة، مات أيام قتل عثمان بن عفان، وقيل: سنة ٤١، وقيل: ٤٢ في أوائل خلافة معاوية. /خت م عم. (التقريب ١/٣٦٧، وتهذيب التهذيب ٣/٤٢٤- ٤٢٥) .
  8. ٨أبو داود: السنن ٢/٢٦٥ كتاب البيوع (باب في تضمين العارية) .
١/٩٣١/٩٣

والحديث أخرجه النسائي، وأحمد، والدارقطني، والحاكم، ومن طريقه أخرجه البيهقي، الجميع من طريق يزيد بن هارون، عن شريك بن عبد الله، عن عبد العزيز بن رفيع به ١. ثم قال الحاكم: وله شاهد من حديث عبد الله بن عباس: ٢٧- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعار من صفوان بن أمية أدرعا وسنانا في غزوة حنين، فقال: يا رسول الله: "أعارية مؤداة" ؟ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه٢. وسكت عنه الذهبي.

  1. ١النسائي: السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي ٤/١٩٠ حديث (٤٩٤٥) . وأحمد: (المسند ٣/٤٠٠- ٤٠١، ٦/٤٦٥) . و (الدارقطني: السنن ٣/٣٩) . و (الحاكم: المستدرك ٢/٤٧) . و (البيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٨) . (المستدرك ٢/٤٧، من طريق الحاكم أخرجه البيهقي ٦/٨٨. وأخرجه أيضا الدارقطني في سننه ٣/٣٨. وفيه: إسحاق بن عبد الواحد القرشي، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١/١٩٤- ١٩٥: واه) . ٣ جرير بن عبد الحميد بن قرط - بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة - الضبي الكوفي نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب. قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه (ت ١٨٨) . /ع. (ابن حجر: التقريب ١/١٢٧، وتهذيب التهذيب ٢/٧٥) . ٤ قال المنذري: فيه جهالة وإرسال. (انظر: عون المعبود ٩/٤٧٧) . (أبو داود: السنن٢/٢٦٥ كتاب البيوع، باب في تضمين العارية. والدارقطني: السنن ٣/٤٠، والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٩) .

والحديث فيه شريك بن عبد الله القاضي، وقد وصف بأنه صدوق يخطئ كثيرا، وقد خالفه: ١- جرير٣ بن عبد الحميد بن قرط، فرواه عن عبد العزيز بن رفيع بلفظ: "عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا صفوان هل عندك من سلاح؟ قال: عارية أم غصبا؟ " قال: "لا، بل عارية" ، فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين٤ درعا" ٥.

١/٩٤١/٩٤

٢- أبو الأحوص ١، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء ٢، عن ناس من آل صفوان بن أمية نحوه ٣.

  1. ١هو سلام بن سليم الحنفي مولاهم أبو الأحوص الكوفي/ ثقة متقن، من السابعة (ت١٧٩) ./ع. (التقريب ١/٣٤٢، وتهذيب التهذيب ٤/٢٨٢) .
  2. ٢عطاء بن أبي رباح - بفتح الراء الموحدة - واسم أبي رباح: أسلم القرشي مولاهم، المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال، من الثالثة (ت١١٤) على المشهور، وقيل: إنه تغير بآخره، ولم يكن ذلك منه./ع. (التقريب ٢/٢٢، وتهذيب التهذيب ٧/١٩٩) .
  3. ٣أبو داود: السنن ٢/٢٦٦ كتاب البيوع، باب في تضمين العارية. والدارقطني: السنن ٣/٤٠، والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٩.

٣- ورواه قيس ١ بن الربيع، عن عبد العزيز بن الرفيع، عن ابن أبي مليكة ٢، عن امية بن صفوان عن أبيه٦.

  1. ١قيس بن الربيع الأسدي، أبو محمد الكوفي، صدوق، تغير لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، من السابعة (ت سنة بضع وستين بعد المائة) . /د ت ق. (التقريب ٢/١٢٨، وتهذيب التهذيب ٨/٣٩١) .
  2. ٢هو: عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة - بالتصغير- التيمي، المدني، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقة فقيه، من الثالثة (ت ١١٧) ./ع. (التقريب ١/٤٣١، وتهذيب التهذيب ٥/٣٠٦- ٣٠٧) . (الدارقطني: السنن ٣/٤٠، والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٩) . ٧ تقدم برقم (٢٣) وهو حديث حسن. ٨ جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المعروف بالصادق، صدوق فقيه، إمام، من السادسة (ت ١٤٨) ./بخ م عم. (التقريب ١/١٣٢، وتهذيب التهذيب ٢/١٠٣) ٩ أبوه هو: أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل. تقدم في حديث (١٩) . ١٠ (السنن الكبرى٦/٨٩-٩٠،وأخرجه الطبري في تاريخ الرسل والملوك٣/٧٣) . (إرواء الغليل ٥/٣٤٤- ٣٤٦) . ويعني بالطرق الثلاث: طريق شريك، وطريق جابر، وطريق جعفر بن محمد عن أبيه. (السنن لكبرى ٧/١٩) . ٣ هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الواسطي الأصل، أبو بكر الكوفي، ثقة حافظ، صاحب تصانيف، من العاشرة (ت٢٣٥) /خ م د س ق. (التقريب ١/٢٤٥، وتهذيب التهذيب ٦/٢- ٤) . ٤ وكيع بن الجراح بن مليح - بفتح الميم، وكسر اللام وحاء مهملة - الرؤاسي - بضم الراء وهمزة ثم مهملة - أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، من كبار التاسعة (ت١٩٦) /ع. (التقريب ٢/٣٣، وتهذيب التهذيب ١١/١٢٣، والمغني لابن طاهر الهندي ص٧٤) . ٥ إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، (مقبول) من السادسة/س ق. (التقريب١/٦٥وانظر تهذيب التهذيب١/٢٧٢وتعجيل المنفعة ص١٤) . ٦ هو إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة المخزومي، (مقبول) من الثالثة/خ س ق. (المصدر السابق ١/٣٨) . ٧ هو جد إبراهيم، وهو عبد الرحمن بن أبي ربيعة، واسم أبي ربيعة: عمرو بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو عبد الرحمن المكي، صحابي، مات ليالي قتل عثمان بن عفان، وهو والد عمر بن أبي ربيعة الشاعر/ س ق. (المصدر السابق ١/٤١٤، وتهذيب التهذيب ٥/٢٠٨) . ٨ عند النسائي:"أربعين ألفا"بدون شك. وعند البخاري: استلفه مالا بضعة عشر ألفا. ٩ عند النسائي: فجاءه مال فدفعه إليّ وقال: "بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء"، وعند البخاري: "إنما جزاء السلف الحمد والوفاء".

فأدخل (ابن أبي مليكة) بين عبد العزيز وأمية بن صفوان. قال الألباني والحديث مضطرب الإسناد، لكن له شاهدان: الأول: عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعا مائة درع وما يصلحها" . الحديث٧.

الثاني: من رواية جعفر٨ بن محمد، عن أبيه٩: أن صفوان بن أمية أعار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلاحا هي ثمانون درعا، فقال له: أعارية مضمونة أم غصبا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بل عارية مضمونة" .

أخرجه البيهقي١٠ وقال: وبعض هذه الأخبار، وإن كان مرسلا، فإنه يقوى بشواهده مع ما تقدم من الموصول. ثم قال الألباني: وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع هذه الطرق الثلاث١. قلت: ٢٨- وروى البيهقي من مرسل الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى صفوان بن أمية في أداة ذكرت له عنده فسأله إياها فقال صفوان: أين الأمان، أتأخذها غصبا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن شئت أن تمسك أداتك فامسكها وإن أعرتنيها فهي ضامنة علي حتى نؤديه إليك" . والحديث مطول في قصة حرب حنين٢.

١/٩٥١/٩٥

وجاء في هذا المعنى ما رواه ابن ماجه، وأحمد، والنسائي، والبخاري في التاريخ من حديث عبد الله بن أبي ربيعة، وهذا سياقه عند ابن ماجه: ٢٩- قال: حدثنا أبو بكر٣ بن أبي شيبة، ثنا وكيع٤، ثنا إسماعيل٥ بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، عن أبيه٦ عن جده٧: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استلف منه حين غزا حنينا ثلاثين أو أربعين ألفا٨، فلما قدم قضاها إياه٩، ثم قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد" ١٢.

١/٩٦١/٩٦

والحديث أورده النسائي من طريق سفيان الثوري، عن إسماعيل بن إبراهيم ولم يذكر فيه (حين غزا حنينا) .

أ - إسماعيل بن إبراهيم وقد وصفه ابن حجر بقوله: (مقبول) .

و (المقبول) عنده هو من ليس له من الحديث إلاَّ القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله ١.

  1. ١انظر: (التقريب ١/٥) .

وإسماعيل قد وثقه أبو داود، وابن حبان، وعلى خذا فيكون ثقة ولعل ابن حجر نظر على قول أبي حاتم فيه (شيخ)

ب - إبراهيم بن عبد الرحمن (قد وصفه ابن حجر أيضا بقوله "مقبول" وفي تهذيب التهذيب ذكر بأن ابن حبان وثقه، وابن قطان الفاسي قال فيه: "لا يعرف" ، وإبراهيم قد أخرج له البخاري في الصحيح، ولذا فقد مال ابن حجر في هدي الساري٥ إلى رد قول ابن قطان، فقال: روى عنه جماعة ووثقه ابن حبان، وله في الصحيح حديث واحد في كتاب الأطعمة في دعائه - صلى الله عليه وسلم - في تمر جابر بن عبد الله بالبركة٦.

وقد كان الشيخ أبو الحسن٧ المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: هذا اجتاز القنطرة، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه. قال أبو الفتح ١ القشيري في مختصره: وهكذا نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة، وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما.

  1. ١هو: محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن دقيق العيد القشيري، المنفلوطي الصعيدي، المالكي ثم الشافعي، الإمام الفقيه المجتهد المحدث الحافظ العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح، صاحب التصانيف منها: العدة شرح العمدة، وكتاب (الإلمام) وله كتاب في علوم الحديث، ولد سنة (٦٢٥) بقرب ينبع من الحجاز، وتوفي سنة (٧٠٢) هـ. (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٨١- ١٤٨٣) . (ابن حجر: هدي الساري ص٣٨٤) . (الذهبي: ميزان الاعتدال ١/٥٥٦ و٣/٤٢٦) . (ابن حجر: الإصابة ٢/٣٠٥، وتهذيب التهذيب ٥/٢٠٨، والتاريخ الكبير للبخاري ٥/٩- ١٠، والاستيعاب ٢/٢٩٩) .
  2. *والحديث يدل أيضا على حسن المعاملة في القضاء وهو من الآداب السامية التي حث الدين الإسلامي عليها، لحديث "إن خيركم أو من خيركم أحاسنكم قضاء". رواه ابن ماجة في سننه ٢/٨٠٩ كتاب الصدقات.
  3. *ابن ماجة: السنن ٢/٨٠٩ كتاب الصدقات، باب حسن القضاء. وأحمد: في المسند ٤/٣٦، والنسائي: السنن - المجتبى - ٧/٢٧٦ كتاب البيوع، باب الاستقراض، والبخاري: في التاريخ الكبير ٥/٩- ١٠.
  4. *انظر: (تهذيب التهذيب ١/٢٧٢) . (هدي الساري ص٣٨٨، وانظر: تهذيب التهذيب ١/١٣٨- ١٣٩) . ٦ البخاري: (الصحيح ٧/٦٩) ، كتاب الأطعمة، باب الرطب والتمر. ٧ هو علي بن الفضل بن علي بن حاتم بن حسن بن جعفر الحافظ العلامة المفتي، شرف الدين أبو الحسن، ابن القاضي الأنجب أبي المكارم المقدسي ثم المالكي، سمع صحيح البخاري من القاضي أبي عبيد نعمة بن زيادة الله الغفاري، عن عيسى بن أبي ذر الهروي، وسمع من الحافظ السلفي فأكثر عنه، وانقطع إليه وتخرج به، ولد سنة (٥٤٤) توفي سنة (٦١١) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٤/١٣٩٠- ١٣٩٢) .
١/٩٧١/٩٧

وقد ردَّ ابن حجر أيضا بنحو هذا٢.

وابن قطان الفاسي قد قال عن الجماعة لا يعرفون مع أنهم معروفون عند غيره، وقد ردَّ الذهبي في صنيعه هذا، وذكر أمثلة لذلك٣.

فقد قال البخاري: إبراهيم لا أدري سمع من أبيه أم لا. وقال ابن عبد البر: يقولون لم يرو عن عبد الله بن أبي ربيعة غير إبراهيم – يعني ابن ابنه -٤.

والذي ظهر لي ان الحديث فيه انقطاع بين "إبراهيم بن عبد الرحمن" وبين جده "عبد الله بن ربيعة" وأنّ "عبد الرحمن" والد إبراهيم ليس من رجال السند، إذ لو كان من رجال السند لوجدت ترجمته في "التقريب" و "تهذيب التهذيب" ولم أجد ترجمته أيضا في التاريخ الكبير للبخاري، ولا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.

كما أنني لم أجد في ترجمة "عبد الله بن أبي ربيعة" أن ابنه عبد الرحمن ممّن روى عنه.

ولا في ترجمة "إبراهيم" أنه روى عن أبيه "عبد الرحمن" .

١/٩٨١/٩٨

وبهذا يكون الراوي عن "عبد الله بن أبي ربيعة" هو "إبراهيم بن ابنه" ، وهو لم يدرك جده، وذلك أن عبد الله بن أبي ربيعة مات ليالي قتل عثمان بن عفان، وأن أم إبراهيم ١ تزوجت بأبيه "عبد الرحمن" بعد يوم الجمل، فتكون ولادة إبراهيم بعد وفاة جده بمدة، فيكون الحديث منقطعا.

  1. ١هي أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وكانت قبل عبد الرحمن تحت طلحة بن عبيد الله فقتل يوم الجمل. (الطبقات الكبرى لابن سعد٨/٤٦٢) . وفي موطأ مالك ٢/٧٥٢ كتاب الأقضية، باب ما لا يجوز من النحل "ومات أبو بكر وأم كلثوم حمل في بطن أمها". (الاستيعاب ١/٣٨٥، ٣/٥٣٧، وأسد الغابة ٢/٧٥، ٥/٣٦٩، والإصابة ١/٣٦٤، والسيرة الحلبية لبرهان الدين الحلبي ٣/٦٣) .

وهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أنه يجب على المسلم أن يأخذ حذره، وأن يتأهب لملاقاة عدوه ويؤيدها قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ . [سورة الأنفال، من الآية: ٦٠] .

وقد ذكر بن عبد البر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، وأن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم أعان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين بثلاثة آلاف رمح فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشركين" ٢.

المبحث الأول: تاريخ الغزوة

١/٩٩١/٩٩

...

تاريخ وقت هذه الغزوة مرتبط بوقت فتح مكة المكرمة، ذلك أن غزوة حنين ناشئة عنه ومتممة له، ومن هنا أطلقت بعض الروايات الخروج إلى حنين في شهر رمضان، والمعروف أن هذا إنما كان في غزوة الفتح.

ولما كانت غزوة حنين من تتمة هذا الفتح العظيم الذي أيد الله به عباده المؤمنين، وأن هذا النصر بصورته الكاملة لم يتحقق إلا بعد الانتهاء من غزوة حنين.

جاء إطلاق الخروج شاملا لهما كما جاء كثير مما تم في غزوة حنين من قسم الغنائم وغيره مذكور في فتح مكة، من ذلك: ٣٠- ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال: "لما كان ١ يوم فتح مكة قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنائم بين قريش" . الحديث ٢.

  1. ١قوله: "لما كان يوم فتح مكة قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنائم بين قريش" قال ابن حجر: ولأبي ذر عن شيخه "قسم غنائم في قريش". وله في رواية الكشميهني "بين قريش" وهي رواية الأصيلي. ووقع عند القابسي "غنائم قريش" ولبعضهم "غنائم من قريش" وهو خطأ، لأنه يوهم أن مكة لما فتحت قسمت غنائم قريش، وليس كذلك بل المراد بقوله "يوم فتح مكة" زمان فتح مكة وهو يشمل السنة كلها، ولما كانت غزوة حنين ناشئة عن غزوة مكة أضيفت إليها كما تقدم عكسه. وقد قرر ذلك الإسماعيلي فقال: قوله "لما فتحت مكة قسم الغنائم" يريد غنائم هوازن، فإنه لم يكن عند فتح مكة غنيمة تقسم، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - غزا حنينا بعد فتح مكة في تلك الأيام القريبة، وكان السبب في هوازن فتح مكة لأن الخلوص إلى محاربتهم كان بفتح مكة. (فتح الباري٨/٥٤، وانظر: حديث (٣١) مع التعليق عليه) .
  2. ٢البخاري: (الصحيح ٥/١٣٠ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف) . ومسلم: (الصحيح ٣/٧٣٥ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه) .
١/١٠٠١/١٠٠

٣١- وما رواه البخاري من حديث عبد الله بن عباس قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان إلى حنين ١ والناس مختلفون، فصائم ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته - أو على راحته - ثم نظر إلى الناس، فقال المفطرون للصوام: أفطرو ا٤.

  1. ١قال ابن حجر: هذا الحديث استشكله الإسماعيلي بأن حنينا كانت بعد الفتح، فيحتاج إلى تأمل، فإنه ذكر قبل ذلك أنه خرج من المدينة إلى مكة. وكذا حكى ابن التين عن الداودي أنه قال: الصواب أنه خرج إلى مكة. أو كانت "خيبر" فتصحفت. قال ابن حجر: وحمله على خيبر مردود، فإن الخروج إليها لم يكن في رمضان، وتأويله ظاهر، فإن المراد بقوله "إلى حنين" أي التي وقعت عقب الفتح لأنها لما وقعت إثرها أطلق الخروج إليها، وقد وقع نظير ذلك في حديث أبي هريرة. وبهذا جمع المحب الطبري. (فتح الباري ٨/٥) . قلت: وحديث أبي هريرة المشار إليه أخرجه البخاري في صحيحه ٥/١٢١ كتاب المغازي، باب أين ركز النبي - صلى الله عليه وسلم - الراية يوم الفتح بلفظ "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد حنينا: منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر". (صحيح البخاري ٥/١٢٠ كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان) .

ومن خلال هذا الاتصال بين الغزوتين فإن تاريخ غزوة حنين يتوقف على معرفة فتح مكة ومدة الإقامة فيها بعد الفتح، لأن المؤرخين عولوا على هذا التاريخ في هذه الغزوة، على أنه قد اختلفت الروايات في فتح مكة ومدة الإقامة فيها بعد الفتح، وسأعرض أقوال العلماء في ذلك ووجهة كل منهم، ثم أحاول الترجيح بعد ذلك ما وجدت إليه سبيلا.

١/١٠١١/١٠١

والأقوال التي يمكن الاعتماد عليها في تاريخ غزوة حنين، قولان ١: الأول: أن غزوة حنين كانت في اليوم الخامس من شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة. روي ذلك عن ابن مسعود ٢، وإلى هذا ذهب عروة ابن الزبير وابن إسحاق وأحمد وابن جرير الطبري ٣.

  1. ١هناك قول ثالث وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى حنين لليلتين بقيتا من رمضان. (فتح الباري ٨/٢٧) .
  2. ٢عبد الله بن مسعود بن غافل - بمعجمة وفاء - ابن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، مناقبه جمة، وأمّره عمر على الكوفة (ت ٣٢) أو في التي بعدها في المدينة./ع. (ابن حجر: التقريب ١/٤٥٠) .
  3. ٣ابن كثير: (البداية والنهاية ٤/٣٢٢، والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٦) .

٣٢- ودليل هذا القول ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني ابن شهاب ١ الزهري، عن عبيد ٢ الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: "أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة" . قال ابن اسحاق: وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان٦. والحديث مرسل لأن عبيد الله لم يدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  1. ١محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة ابن كلاب القرشي الزهري، أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة (ت١٢٥) وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين./ع. (ابن حجر: التقريب ٢/٢٠٧) .
  2. ٢عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، من الثالثة (ت٩٤) وقيل: ٩٨، وقيل غير ذلك./ع. (المصدر السابق ١/٥٣٥) . (سيرة ابن هشام٢/٤٣٧، وتاريخ الرسل والملوك للطبري٣/٦٩- ٧٠، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٤٣، والمعارف لابن قتيبة ص١٧، وفتح الباري لابن حجر ٨/٢٧) . ٧ محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي، مولاهم، الحراني، ثقة، من الحادية عشرة (ت ١٩١) على الصحيح./ز م عم. (التقريب ٢/١٦٦، وتهذيب التهذيب ٩/١٩٣- ١٩٤) . (سنن أبي داود ١/٢٨٠ كتاب صلاة المسافر، باب متى يتم المسافر) . وسنن ابن ماجة ١/٣٤٢ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب كم يقصر المسافر إذا أقام ببلدة. ٢ عبدة بن أبي سليمان الكلابي - بكسر الكاف وتخفيف اللام - الكوفي، يقال اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، من صغار الثامنة (ت ١٨٧) وقيل: بعدها. /ع. (التقريب ١/٥٣٠، وتهذيب التهذيب ٦/٤٥٨، ٩/٣٩) . ٣ أحمد بن خالد بن موسى، ويقال: ابن محمد الوهبي الكندي، أبو سعيد صدوق من التاسعة، (ت ٢١٤) . /ز بخ عم. (التقريب ١/١٤، وتهذيب التهذيب ١/٢٦) . ٤ سلمة بن الفضل الأبرش - بموحدة فراء ثم معجمة - مولى الأنصار، قاضي الري، صدوق كثير الخطأ، من التاسعة (ت ١٩١) . /د ت فق. (التقريب ١/٣١٨، وتهذيب التهذيب ٣/١٥٣) . ٥ هو عبد الله بن إدريس الأودي - بمفتوحة فواو ساكنة، فدال مهملة –الزعافري– بفتح المعجمة والعين المهملة وكسر الفاء - أبو محمد الكوفي ثقة فقيه عابد، من الثامنة (ت ١٩٢) . /ع. (التقريب ١/٤٠١، وتهذيب التهذيب ٥/١٤٤، والخلاصة للخزرجي ٢/٣٩، والمغني لابن طاهر الهندي ص٨) . (السنن الكبرى ٣/١٥١) . (انظر: تذرة الحفاظ ١/٣١٦، وسير أعلام النبلاء ٩/٤٩ كلاهما للذهبي) . (انظر الكفاية للخطيب البغدادي ص٥٨٠- ٥٨١، ومقدمة ابنالصلاح ص١١١- ١١٢ مع التقييد والإيضاح، والتقريب والتيسير للنووي ص١٣٨ مع تدريب الراوي، والتبصرة والتذكرة للعراقي ١/١٧٤- ١٧٥) . ٩ عراك بن مالك الغفاري، الكناني، المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات في خلافة يزيد بن عبد الملك، بعد المائة./ع. (التقريب ٢/١٧، وتهذيب التهذيب ٧/١٧٢) . ١٠ (فتح الباري ٢/٥٦٢) .

وقد وصله أبو داود، وابن ماجة من طريق محمد٧ بن سلمة، عن ابن إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما١. ثم قال أبو داود: روى هذا الحديث عبدة٢ بن سليمان، وأحمد٣ بن خالد الوهبي، وسلمة٤ بن الفضل، عن ابن إسحاق، لم يذكروا فيه ابن عباس.

١/١٠٢١/١٠٢

والحديث اختلف فيه على ابن إسحاق كما ترى.

فرواه عنه محمد بن سلمة موصولا. وخالفه عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل، وابن إدريس٥ فأرسلوه. قال البيهقي: وهو الصحيح٦. قلت: ومحمد بن سلمة٧ ثقة إمام مفت، وقد تفرد بزيادة الوصل، والزيادة من الثقة مقبولة. وهو مذهب الجمهور من الفقهاء، وأصحاب الحديث٨. وقال ابن حجر: وأما رواية "خمسة عشر" فضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك٩ بن مالك، عن عبيد الله كذلك١٠.

١/١٠٣١/١٠٣

٣٣- أخبرنا عبد الرحمن ١ بن الأسود البصري، قال: حدثنا محمد ٢ بن ربيعة، عن عبد الحميد ٣ بن جعفر، عن يزيد ٤ بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقام بمكة خمسة عشر يصلي ركعتين ركعتين" ٥. وقال البيهقي: "رواه عراك بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ٥. وتعقبه ابن التركماني ٦ بقوله: قلت: أخرجه النسائي عن عراك مسندا ثم ساق رواية النسائي هذه" ٨.

  1. ١عبد الرحمن بن الأسود بن المأمون، الهاشمي، مولاهم البصري، ثقة، من الحادية عشرة (ت بعد سنة٢٤٠) /ت س. (التقريب١/٤٧٢، وتهذيب التهذيب ٦/١٤٠) .
  2. ٢محمد بن ربيعة الكلابي - بكسر الكاف وتخفيف اللام-ابن عم وكيع، صدوق من التاسعة (ت بعد ١٩٠) /بخ عم. (التقريب ٢/١٦٠، وتهذيب التهذيب ٩/١٦٢) .
  3. ٣عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، من السادسة (ت ١٥٣) /خت م عم (التقريب ١/٤٦٧، وتهذيب التهذيب٦/١١١- ١١٢) . ورمز له الذهبي بـ: (صح) ، إشارة إلى أنه ثقة. (ميزان الاعتدال ٢/٥٣٩) .
  4. ٤يزيد بن أبي حبيب المصري، أبو الرجاء، واسم أبيه سويد، واختلف في ولائه، ثقة فقيه، وكان يرسل، من الخامسة (ت ١٢٨) /ع. (التقريب ٢/٣٦٣، وتهذيب التهذيب ١١/٣١٨) .
  5. ٥السنن الكبرى ٣/١٥١.
  6. ٦هو: علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني الحنفي، قاضي القضاة علاء الدين بن التركماني، علق على سنن البيهقي تعليقات نافعة طبعت معها بعنوان "الجوهر النقي" (ت ٧٤٩) . انظر ترجمته في: (لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ لابن فهد المالكي ص١٢٥- ١٢٦) . (الجوهر النقي ٣/١٥١ مع سنن البيهقي) . (الواقدي: المغازي ٣/٨٨٩ و٨٩٢) . (الطبقات الكبرى ٢/١٥٠، وانظر: ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٢٢، والقسطلاني: المواهب اللدنية ١/١٦١، والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٦، والسفاريني: شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٧٨، ٧٩٣) . (الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٦، وابن حجر: فتح الباري ٨/٢٧) . (أحمد: المسند ١/٣١٥، وأبو داود: السنن ١/٢٨٠. كتاب صلاة السفر، باب متى يتم المسافر) . (النووي: شرح مسلم ٣/١٧٦، وابن حجر: فتح الباري ٤/١٨١ و٨/٤) .

وبهذا تكون رواية "أقام بمكة بعد الفتح خمسة عشر" صحيحة.

القول الثاني: أن غزوة حنين كانت يوم السبت لست ليال خلون من شهر شوال، ووصل إلى حنين مساء الثلاثاء لعشر ليال خلون من الشهر المذكور. وبهذا قال الواقدي.

ودليله: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، وأقام بمكة خمس عشرة، ثم غدا يوم السبت لست ليال خلون من شهر شوال، وانتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال١.

  1. *النسائي: السنن ٣/١٠٠ كتاب تقصير الصلاة في السفر، باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة.
١/١٠٤١/١٠٤

وتابعه ابن سعد٢.

هذه هي أقوال العلماء في هذا الباب، والذي يظهر لي ما يأتي: أ- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى حنين في شهر شوال من السنة الثامن للهجرة، بغض النظر عن كونه خرج في خامس شوال أوسادسه.

ب- يترجح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهما في سادس شهر شوال، لأنه يمكن الجمع بينه وبين القول بأن الخروج إلى حنين كان في الخامس شوال.

قال الزرقاني - بعد إن ذكر هذين القولين - وهذا الخلاف: إما أنه للاختلاف في هلال الشهر، أو أن من قال لست ليال عدّ ليلة الخروج، ومن قال لخمس لم يعدها، لأنه خرج في صبيحتها فكأنه خرج فيها.

وجمع بعضهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بالخروج في أواخر رمضان، وسار سادس شوال، ووصل إليها في عاشره٣.

إذا أخذنا برواية ابن عباس - رضي الله عنهما - التي أخرجها أحمد وأبو داود بإسنادين أحدهما صحيح "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة عام الفتح سبع عشرة" ٤.

مع ذكره النووي وابن حجر: من أن المشهور في كتب المغازي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان، ودخل مكة لتسع عشرة خلت منه٥.

كان خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة حنين في اليوم السادس من شهر شوال.

١/١٠٥١/١٠٥

وقد وردت روايات أخر في مدة إقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة بعد الفتح، منها ثماني عشرة، وتسع عشرة، ورجح البيهقي وابن حجر رواية "تسع عشرة" لأنها أكثر ما وردت بها الروايات الصحيحة، وهي ثابتة في صحيح البخاري ١، ولا منافاة بينها وبين سائر الروايات كما جمع بينها البيهقي نفسه فقال: من روى تسع عشرة عد يوم الدخول ويوم الخروج، ومن قال ثمان عشرة لم يعد أحد اليومين، ومن قال سبع عشرة لم يعدهما. قال ابن حجر: وتحمل رواية "خمسة عشرة" على أن الراوي ظن أن الأصل رواية "سبع عشرة" فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة ٢.

  1. ١٢/٣٩ كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر.
  2. ٢البيهقي: السنن الكبرى ٣/١٥١، وابن حجر: فتح الباري ٢/٥٦٢، وشمس الحق العظيم آبادي: عون المعبود ٤/٩٨- ٩٩.

وإذا أمكن الجمع بين الروايات تعين المصير إليه، لأن العمل بجميع الروايات أولى من تر ك بعضها، والخلاف في كون الخروج إلى حنين في اليوم الخامس أو السادس، ليس من الخلاف الشديد، بل القولان متقاربان كما هو ظاهر. والله أعلم.

المبحث الثاني: في تعيين الأمير على مكة

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد الخروج إلى غزوة أو غيرها عين أميرا يقوم مقامه مدة غيابه يعلم الناس دينهم ويتفقد أحوالهم ويحل مشكلاتهم، وكانت طاعة الأمير واجبة بطاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

لما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-: ٣٤- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع ١ أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني " ٢.

  1. ١وعند أحمد من رواية الأعرج عن أبي هريرة "ومن أطاع الأمير"، وعند مسلم "ومن يطع الأمير". قال ابن حجر: ويمكن رد اللفظين لمعنى واحد، فإن كل من يأمر بحق وكان عادلاً فهو أمير الشارع لأنه تولى بأمره وبشريعته، ويؤيده: توحيد الجواب في الأمرين. وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر أن المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود الحديث، وأما الحكم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (فتح الباري ١٣/١١٢) . (البخاري: الصحيح ٩/٥١ كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} . ومسلم: الصحيح ٣/١٤٦٦ كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله، وتحريمها في المعصية. والنسائي: ٧/١٣٨ كتاب البيعة، باب الترغيب في طاعة الإمام. وابن ماجة: السنن ٢/؟؟؟ كتاب الجهاد، باب طاعة الإمام. وعبد الرزاق: المصنف ١١/٣٢٩. وأحمد: المسند ٢/٢٤٤، ٢٥٢، ٢٧٠، ٣١٣، ٣٤٢، ٤١٦، ٤٧١، ٥١١) . ١ سلمة: هو الأبرش، تقدم في حديث (٣٢) ، وتقدم ابن إسحاق في حديث
١/١٠٦١/١٠٦

فحين عزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الخروج إلى حنين، استخلف عتاب بن أسيد على من بقي من أهل مكة يرعى مصالحهم ويقضي حوائجهم. وقد جاءت في ذلك الآثار الآتية: ٣٥- ما رواه الطبري قال: حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة ١، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر قال: "ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، واستعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عتاب٢ بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ابن عبد شمس على مكة أميرا على من غاب عنه من الناس، ثم مضى على وجهه يريد لقاء هوازن" ٣.

  1. ١. ٢ عتاب - بتشديد التاء - و (أسيد) مكبرا، و (العيص) - بكسر العين المهملة وسكون المثناة التحتية ثم صاد مهملة - ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة القرشي، الأموي، كان رجلا صالحا فاضلا نبيلا، أسلم يوم الفتح واستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مكة لما سار إلى حنين، وحج بالناس في تلك السنة، وهي سنة ثمان للهجرة، ولم يزل واليا على مكة مدة حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومدة خلافة أبي بكر الصديق، وكان عمره حين استعمل على مكة نيفا وعشرين سنة، وقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمله على مكة بعد رجوعه من حصار الطائف. ومات عتاب - رضي الله عنه - يوم مات أبو بكر الصديق. (انظر ابن سعد: الطبقات الكبرى ٥/٤٤٦، وابن عبد البر: الاستيعاب ٣/١٥٣- ١٥٤ مع "الإصابة"، وابن الأثير أسد الغابة ٣/٥٥٦، وابن حجر: الإصابة ٢/٤٥١، والتقريب ٢/٣، وتهذيب التهذيب ٧/٨٩- ٩٠) . (تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٧) . ٤ قال عنه ابن حجر في التقريب ٢/١٥٦: محمد بن حميد بن حيان الرازي، حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه. وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/٥٣٠: محمد بن حميد من بحور العلم، وهو ضعيف، ونقل عن جماعة من النقاد أنهم رموه بالكذب.

والحديث فيه ثلاث علل: أ- ضعف ابن حميد٤.

ب- عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس.

١/١٠٧١/١٠٧

جـ الإرسال ١.

  1. ١فإن عبد الله بن أبي بكر هو ابن محمد بن عمرو بن حزم، ذكره ابن حجر في تقريبه في الطبقة الخامسة، وهي طبقة صغار التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة. (التقريب ١/٥، ٤٠٥، وتهذيب التهذيب ٥/١٦٤) .

٣٦- ما رواه خليفة ابن خياط قال: حدثني علي ١ بن محمد، عن حماد ٢ بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد ٣ بن المسيب قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة سنة ثمان من مهاجره في شهر رمضان فأقام خمسة عشر يوما، ثم شخص ٤، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد ٥.

  1. ١علي بن محمد أبو الحسن المدائني الأخباري صاحب التصانيف، اعتمده خليفة بن خياط فيما يتعلق بالمغازي. قال ابن عدي: ليس بالقوي في الحديث، وهو صاحب الأخبار، قل ما له من الروايات المسندة، ووثقه يحيى بن معين (ت ٢٢٥) . (انظر: الذهبي: ميزان الاعتدال ٣/١٥٣، وابن حجر: لسان الميزان ٤/٢٥٣، ومقدمة تاريخ خليفة بن خياط لأكرم العمري ص١٨- ١٩) .
  2. ٢حماد بن سلمة بن دينار البصري، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت البناني، وتغير حفظه بآخره، من كبار الثامنة (ت ١٦٧) . /خت م عم. (التقريب ١/١٩٧، وتهذيب التهذيب ٣/١١- ١٦) .
  3. ٣سعيد بن المسيب بن حزن - بوزن سهل - أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار، من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه. (ت بعد٩٠) وقد ناهزالثمانين./ع. (التقريب١/٣٠٥-٣٠٦،وتهذيب التهذيب٤/٨٤) .
  4. ٤شخص: أي خرج. (النهاية لابن الأثير: ٢/٤٥٠- ٤٥١) .
  5. ٥تاريخ خليفة بن خياط ص: ٨٧.

والحديث فيه علتان: أ- ضعف علي بن زيد بن جدعان ١.

  1. ١انظر ترجمته في: التقريب ٢/٣٧، وتهذيب التهذيب ٧/٣٢٢. قال عنه في التقريب "ضعيف".

ب- الإرسال.

٣٧- ما رواه البخاري في "التاريخ" والحاكم في "المستدرك" عن حرمي ١ بن حفص العتكي، ثنا خالد ٢ بن أبي عثمان، عن أيوب بن عبد الله بن يسار، عن عمرو ٣ بن أبي عقرب قال: سمعت عتاب بن أسيد وهو مسند ظهره إلى بيت الله يقول: "والله ما أصبت في عملي هذا ممّا ولاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ثوبين معقدين كسوتهما مولاي كيسان" ٣.

  1. ١حرمي - بحاء وراء مفتوحتين وياء مشددة بلفظ النسب - ابن حفص بن عمر العتكي-بفتح المهملة والمثناة - أبو علي البصري، ثقة من كبار العاشرة (ت٢٢٣) أو (٢٢٦) /خ د س. (التقريب١/١٥٩،وتهذيب التهذيب٢/٢٣٢،والمغني لابن طاهر الهندي ص٢١) .
  2. ٢خالد بن أبي عثمان القرشي الأموي البصري، وهو أخو عبد الله بن أبي عثمان، وهو خالد مولى سيار الذي روى عنه شعبة، ثقة. (البخاري: التاريخ الكبير٣/١٦٣-١٦٤،وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل٣/٣٤٥) .
  3. ٣عمرو بن أبي عقرب، تابعي كبير مخضرم، سمع عتاب بن أسيد والي مكة، وعتاب مات بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنتين فيكون لعمرو إدراك. ذكره سعيد بن يعقوب في الصحابة برواية موهومة تقتضي أن له صحبة. (ابن حجر: الإصابة ٣/١١٦، ١١٧، وانظر: الطبقات الكبرى لابن سعد٥/٤٥٧، والتاريخ الكبير للبخاري٦/٣٥٦، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم٦/٢٥٢) . (التاريخ الكبير للبخاري ٧/٥٤، والمستدرك للحاكم ٣/٥٩٥) . (كتاب الأموال ص٣٨٢) . (البخاري: التاريخ الكبير١/٤١٩، وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل٢/٢٥١) . (الإصابة ٢/٤٥١) . ٧ مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله الزبيري، المدني، نزيل بغداد، صدوق عالم بالنسب، من العاشرة (ت ٢٣٦) /س ق. (التقريب ٢/٢٥٢، وتهذيب التهذيب ١٠/١٦٢- ١٦٤) . (المستدرك ٣/٥٩٤- ٥٩٥) . ٩ الحديث المعضل: هو ما سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي. (انظر تدريب الراوي للسيوطي ص١٢٩) .
١/١٠٨١/١٠٨

ورواه أبو عبيد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن خالد بن أبي عثمان الأموي به٤.

والحديث فيه: أيوب بن عبد الله بن يسار، سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم٥. وقال ابن حجر: إسناده حسن٦.

٣٨- ما رواه الحاكم من طريق مصعب٧ بن عبد الله الزبيري قال: استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عتاباً على مكة، ومات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعتاب عامله على مكة، وتوفي عتاب بن أسيد بمكة في جمادى الأخرى سنة ثلاث عشرة٨.

والحديث معضل٩.

١/١٠٩١/١٠٩

وفي حديث أبي محذورة في قصة تعليمه الأذان، فقلت: يا رسول الله مرني باتأذين بمكة، فقال: "قد أمرتك به" ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم" ١.