السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

حجة الوداع

التاريخسنة ١٠، بلا خلاف
عمره ﷺ٦٢
الموضععرفة

سنة ١٠، بلا خلاف، وعمره ﷺ ٦٢

تقرأ في محمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ، ٣٧١ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ

الباب الثالث في سياق حجة الوداع

٩/٤٥٠٩/٤٥٠

أفردها بالتصنيف الحافظ أبو بكر ، وأبو جعفر أحمد بن عبد الله المحب الطبري، وأبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعيون، وأبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري، وبسط الكلام عليها أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن القيم الحنبلي في «زاد المعاد» ، والحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير الشافعي في كتاب السيرة في تاريخه المسمى «بالبداية والنهاية» ، وهو أوسع من الذي قبله، كل منهم ذكر أشياء لم يذكرها الآخر، وظفرت بأشياء لم يذكروها، ورأيت سياق ابن القيم أحسنهم سياقا، فاعتمدته وجردته من الأدلة غالبا، ومن الأبحاث الطويلة، وأدخلت فيه ما أجمل به مميزا له غالبا بقولي: «قلت» في أوله، «والله أعلم» في آخره، وإذا أتيت بضمير تثنية لا مرجع له كقالا، أو رجحا أو جزما، فمرادي: ابنا كثير، والقيم، وضمير مفرد مذكر لا مرجع له فمرادي: ابن القيم، أو أبا محمد فمرادي: ابن حزم، والله سبحانه وتعالى أعلم، وأسأله التوفيق للصواب، وحسن المرجع، والمآب، وهو حسبي ونعم الوكيل، لم يشأ لم يكن، بالله العلي العظيم.

ذكر إعلامه - صلى الله عليه وسلم - بأنه حاج في هذه السنة

قلت: قال ابن سعد: قالوا: عليه وسلم- بالمدينة عشر سنين يضحي كل عام، ولا يحلق، ولا يقصر، ويغزو المغازي، ولا يحج حتى كان في ذي القعدة سنة عشر أجمع الخروج إلى الحج والله تعالى أعلم، ولما عزم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الحج أذن في الناس أنه حاج في هذه السنة فسمع بذلك من حول المدينة، فلم يبق أحد يريد وفي لفظ: راجلا إلا قدم، فقدم المدينة بشر كثير، ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، وكانوا وعن يمينه، وعن شماله، مدّ البصر، الله- صلى الله عليه وسلم- ويعمل مثل عمله، وأصاب الناس جدري، أو حصبة، منعت من شاء الله أن تمنع من الحج، قال أبو محمد: فأعلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن عمرة في رمضان، تعدل حجة معه. وصوّبا أن هذا الإعلام كان بعد رجوعه- صلى الله عليه وسلّم- وهو كما قال.

ذكر خروجه - صلى الله عليه وسلم - من المدينة الشريفة

قلت: استعمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما أراد الخروج على المدينة أبا دجانة سماك بن خرشة السّاعدي ويقال: بل سباع بن عرفطة ذكره ابن هشام والله تعالى أعلم.

٩/٤٥١٩/٤٥١

وصلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الظهر بالمدينة أربعا، وخطب الناس وعلمهم ما أمامهم من المناسك ثم ترجل وادهن بزيت، قلت اغتسل قبل ذلك، وتجرد في ثوبين صحاريين إزار ورداء كما ذكره ابن سعد، زاد محمد بن عمر الأسلمي: وأبدلهما بالتنعيم بثوبين من جنسهما، والله تعالى أعلم، ولبس إزاره، ورداءه، قلت وركب كما قال أنس على رحل وكانت زاملته، وقال أيضا حجّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على رحل رثّ، وقطيفة خلقة تستوي أربعة دراهم ولا تستوي.

ثم قال: «اللهم اجعله حجا مبرورا، لا رياء فيه، ولا سمعة» [ (١) ] رواه البخاري تعليقاً وابن ماجة، والترمذي، في «الشمائل» وأبو يعلى موصولا، والله تعالى أعلم.

وخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من المدينة نهارا بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة وصوّبا أن خروجه كان يوم السبت، وبسط الكلام على ذلك الحافظ الدمياطي، قلت: ورواه الحاكم في «الإكليل» عن ، وبه جزم ابن سعد، ومحمد بن عمر الأسلمي، خلافا لابن حزم في أنه كان يوم الخميس، واستدل بأشياء نقضا عليه، وخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على طريق الشجرة، كان يخرج منها، وصلى في مسجدها، رواه البخاري عن ابن عمر.

ذكر نزوله- صلى الله عليه وسلّم- بذي الحليفة وبياته بها: فسار- صلى الله عليه وسلّم- حتى أتى ذا الحليفة، وهو من وادي العقيق فنزل به، قلت: تحت سمرة في موضع المسجد بذي الحليفة، دون الروسة عن يمين الطريق كما في الصحيح، عن ، ليجتمع إليه أصحابه، كما ذكره محمد بن عمر الأسلمي والله تعالى أعلم.

وصلى بهم العصر ركعتين، قلت: وأمر بالصلاة في ذلك الوادي، رواه الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، وابن ماجة، والبيهقي، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول بوادي العقيق: «أتاني آت من ربي» ، ولفظ البيهقي: «جبريل» فقال: «صلّ في هذا الوادي المبارك» ، وقال: «عمرة في حجة، إلى يوم القيامة والله تعالى أعلم» [ (٢) ] .

ثم بات بذي الحليفة، وصلى المغرب والعشاء، والصبح والظهر فصلى بها خمس صلوات، وكان نساؤه معه كلهن في الهوداج، وكنّ تسعة وطاف عليهن تلك الليلة واغتسل، قلت: وطيبته عائشة قبل طوافه عليهن تلك الليلة، واغتسل. «كما رواه مسلم- عن عائشة، والبيهقي عنها، قالت: طيّبته بالطيب» والله تعالى أعلم.

وساق هديه مع نفسه، قلت: كان معه- صلى الله عليه وسلم- قبل وصوله، أنه- صلى الله عليه وسلم- دعا ببدنته، وفي رواية: بناقته فأشعرها في صفحة سنامها من الشق الأيمن ثم سلت الدم عنها، وقلدها نعلين، قلت: وتولى إشعار بقية الهدي وتقليده غيره، قال: كان- صلى الله عليه وسلم- معه هدي كثير. قال ابن سعد: وكان على هديه ناجية بن جندب الأسلمي وكان جميع الهدي الذي ساقه من المدينة [ (١) ] .

ذكر إحرامه - صلى الله عليه وسلم -

٩/٤٥٢٩/٤٥٢

«فلما صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الصبح أخذ في الإحرام، فاغتسل غسلا ثانيا، غير الغسل الأول، وغسل رأسه بخطمي وأشنان، قلت: ودهن رأسه بشيء من زيت غير كثير» ، رواه الإمام أحمد، والبزار، والطبراني، والدارقطني عن عائشة [ (٢) ] .

وعن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدّهن بالزيت- وهو محرم- غير المقتت» ، رواه الترمذي، وابن ماجة [ (٣) ] .

في حديث أبي أيوب عند الشيخين: أنه- صلى الله عليه وسلم- في غسله حزك رأسه بيديه جميعا فأقبل بهما وأدبر، والله تعالى أعلم، وطيبته بذريرة وطيب فيه مسك [ (٤) ] ، قلت: وبالغالية الجيدة كما رواه الدارقطني والبيهقي والله أعلم في بدنه ورأسه حتى كان وبيص المسك يرى من مفارقه، ولحيته الشريفة- صلى الله عليه وسلم-[ (٥) ] ثم استدامه، ولم يغسله، قلت وروى الإمام أحمد، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- الطيب في مفرق رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بعد أيام وهو محرم [ (٦) ] ، ورواه الحميدي في مسنده بلفظ: بعد ثالثة، وهو محرم» والله تعالى أعلم.

ثم لبس إزاره ورداءه، قلت: «ولم ينه عن شيء من الأردية إلا المزعفرة، التي تردع على الجلد» ، رواه البخاري، وأبو يعلى، عن ابن عباس والله تعالى أعلم.

وسأله- صلى الله عليه وسلّم- رجل: «ما يلبس المحرم من الثياب؟» فقال- صلى الله عليه وسلم-: « ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أن تكون نعالا، فإن لم تكن نعالا فخفين دون الكعبين» ، وفي رواية: «إلا أن لا يجد نعلين» ، وفي رواية: «فمن لم يجد نعلين» ، وفي رواية: «فليحرم أحدكم في إزار، ونعلين» .

٩/٤٥٣٩/٤٥٣

فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليجعلهما أسفل شيئا مسّه الزعفران، ولا الورس، إلا أن يكون غسيلا، ولا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين» ، رواه الإمام أحمد، والشيخان، عن ابن عمر، والله تعالى أعلم [ (١) ] .

وولدت أسماء بنت عميس- زوجة أبي بكر- بذي الحليفة محمد بن أبي بكر.

فأرسلت أبا بكر إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- تقول: كيف أصنع؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «اغتسلي واستثفري بثوب، وأهلّي» ، وفي رواية: «وأحرمي» ، رواه مسلم في حديث جابر الطويل [ (٢) ] .

وزاد النسائي، وابن ماجة، عن أبي بكر: أنها لا تطوف بالبيت [ (٣) ] .

ثم أنه- صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتين، قال في الاطلاع: صلى ركعتي الإحرام، وهما الركعتان اللتان كان يودع بهما المنزل. قال ابن القيم: «ولم ينقل عنه أنه- صلى الله عليه وسلم- صلى للإحرام ركعتين» قلت: روى الشيخان، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل» [ (٤) ] .

قال النووي في «شرح مسلم» فيه استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبل الإحرام إلى آخره. والله تعالى أعلم.

ثم ركب راحلته القصواء، قلت: «واستقبل القبلة قائما، ثم لبّى» [ (٥) ] رواه البخاري، عن ابن عمر والله تعالى أعلم.

ذكر إهلاله - صلى الله عليه وسلم - وفي أي مكان أهل

اختلف في الموضع الذي أهل فيه- صلى الله عليه وسلم-.

فقيل: أهلّ من المسجد الذي بذي الحليفة، فروى الخمسة عن سالم، عن أبيه عن - رضي الله تعالى عنهما- أنه- صلى الله عليه وسلم- أهل من عند المسجد، يعني: مسجد ذي الحليفة، وفي رواية الشيخين، عن ابن عمر قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إنما أهل من المسجد [ (١) ] .

٩/٤٥٤٩/٤٥٤

روى الطبراني، عن أبي داود المازني، وكان من أهل ، قال: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فدخل مسجد ذي الحليفة، فصلّى فيه أربع ركعات، ثم أهلّ في المسجد فسمعه الذين كانوا في المسجد فقالوا أهل من المسجد، وأهل حين ركب راحلته، فقال الذين به راحلته، ثم لما استوى على البيداء أهلّ فسمعه الذين على البيداء فقالوا أهلّ من البيداء وصدقوا كلهم» [ (٢) ] .

وقيل: أهلّ حين استوت به راحلته- صلى الله عليه وسلّم-.

وروى الستة، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: بات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذي الحليفة حتى أصبح، فلما زالت راحلته واستوت به أهلّ [ (٣) ] .

وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «فأصبح رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بذي الحليفة، وركب [أهلّ] هو وأصحابه» ورواه الإمام أحمد من طريق آخر نحوه [ (٤) ] .

وروى مسلم من طريق زين العابدين بن علي بن الحسين، والبخاري من طريق عطاء، كلاهما عن جابر- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- حين استوت به راحلته» .

وروى الشيخان من طريق عبيد بن جريج، عن ابن عمر قال: «أما الله- صلى الله عليه وسلم- يهل حتى تنبعث به راحلته» [ (٥) ] .

وروى مسلم، من طريق موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه قال: «بيداؤكم التي تكذبون صلى الله عليه وسلم- إلا من عند الشجرة، حين قام به بعيره» [ (٦) ] .

وروى الإمام أحمد، من طريق أبي حسان: مسلم بن عبد الله البصري الأعرج، والبخاري من طريق كريب، كلاهما عن ابن عباس قال: «لما أصبح رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بذي الحليفة ودعا براحلته فلما استوت على البيداء أهلّ بالحج» [ (١) ] .

٩/٤٥٥٩/٤٥٥

وروى الشيخان، عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله- حين استوت به راحلته» . قال ابن كثير: وهذه الرواية المثبتة المفسرة أنه أهلّ حين استوت به راحلته عن ابن عمر مقدمة على الأخرى لاحتمال أنه أراد أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته، وتكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الأخرى، ورواية أنس وجابر وكذا رواية ابن عباس التي في الصحيح سالمات من المعارض، قال: وهذه الطرق كلها دالة على القطع أو الظن الغالب أنه- صلى الله عليه وسلّم- أحرم بعد الصلاة وبعد ما ركب راحلته وابتدأت به السير، زاد ابن عمر. وهي مستقبلة القبلة. قال: وما في الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أهل حين استوت به راحلته أصح وأثبت، من رواية خصيف الحروري، عن سعيد بن جبير. قلت: وجعل أبو جعفر الطحاوي والحافظ حديث ابن عباس هذا جامعا بين الأقوال، وأورده ابن القيم ساكتا عليه.

ذكر الاختلاف فيما أهل به - صلى الله عليه وسلم -

اختلف في ذلك على أربعة أقوال: الأول: الإفراد بالحج.

روى الإمامان: الشافعي وأحمد، والشيخان والنسائي عن عائشة وأحمد، ومسلم، وابن ماجه، والبيهقي عن جابر بن عبد الله، وأحمد، ومسلم، والبزار، عن ، ومسلم، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عباس «أنه- صلى الله عليه وسلم- أهل بالحج مفردا» [ (٢) ] .

الثاني: القرآن.

روى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة والبيهقي عن وأحمد عن عثمان وأحمد والبخاري، وابن حبان، عن علي، وأحمد، والنسائي، والشيخان، والبزار، والبيهقي، عن أنس، والترمذي، وابن ماجة، والبزار، والدارقطني، والبيهقي، عن جابر بن عبد الله، والإمام أحمد، وابن ماجة، عن أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري- رضي الله تعالى عنه- وأحمد، عن سراقة بن مالك، والإمامان: مالك، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي عن سعد بن أبي وقاص، والطبراني، عن عبد الله بن أبي أوفى والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس، وأحمد ومسلم، والنسائي، والدارقطني، عن الهرماس بن زياد، وأبو يعلى، عن بن الخطاب، وأحمد، والشيخان، عن ابن عمرو، وأحمد، عن عمران بن حصين، والدارقطني، عن أبي قتادة، والترمذي- وحسنه- عن جابر بن عبد الله، وأحمد، عن حفصة، والشيخان، والبيهقي، عن عائشة- رضي الله تعالى عنهم- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان قارنا» [ (١) ] .

٩/٤٥٦٩/٤٥٦

الثالث: التمتع.

روى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، عن ابن عمر قال: عليه وسلم- الحج، وأهدى، فساق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأهلّ بالعمرة، ثم أهل بالحج. الحديث [ (٢) ] .

وروى الشيخان، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- عليه وسلّم- في تمتعه بالعمرة إلى الحج: وتمتع الناس معه [ (٣) ] .

وروى مسلم، عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- قال: «تمتع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتمتعنا معه» .

وروى مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- « لم يكن عنده الهدي فليحل الحلّ كلّه، فإنّ إلى يوم القيامة» [ (٤) ] .

وروى البخاري، عن حفصة- رضي الله تعالى عنها- أنها قالت الناس حلّوا بعمرة؟ قال: «إني لبدت رأسي، وقلّدت هديي فلا أحل حتى أنحر» [ (٥) ] .

٩/٤٥٧٩/٤٥٧

وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: « عليه وسلم- وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من نهى عنه معاوية» [ (١) ] .

وروى الشيخان، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- عن معاوية- رضي الله تعالى عنه- قال: «قصرت عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بمشقص» ، زاد مسلم، فقلت: «لا أعلم هذه إلا حجّة عليك» [ (٢) ] .

وروى النسائي، عن عطاء، عن معاوية قال: « الله- صلى الله عليه وسلم- بمشقص كان معي، بعد ما طاف بالبيت وبالصفا والمروة، في أيام العشر» [ (٣) ] . قال قيس بن سعد الراوي، عن عطاء: «والناس ينكرون هذا على معاوية» [ (٤) ] .

وروى البخاري عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «اعتمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبل أن يحج» .

الرابع: - الإطلاق.

روى الشيخان، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا نذكر حجّا ولا عمرة وفي لفظ «نلبيّ لا نذكر حجّا ولا عمرة» ، وفي لفظ «خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا نرى إلا مكة، أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من لم يكن معه هدي إذا طاف بين الصّفا والمروة، أن يحل» [ (٥) ] .

قال الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- أخبرنا سفيان، أخبرنا ابن طاوس [ (٦) ] ، وإبراهيم ابن ميسرة، وهشام بن حجير [ (٧) ] سمعوا طاوسا يقول: «خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة، ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهلّ ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة الحديث» [ (٨) ] ويأتي الكلام عليه في التنبيهات.

٩/٤٥٨٩/٤٥٨

فهذه أربعة أقوال: «الإفراد، والقران، والتمتع، والإطلاق، ورجحا أنه- صلى الله عليه وسلم- كان قارنا، ورجحه المحب الطبري، والحافظ، وغيرهم، ويأتي تحقيقه بعد تمام القصة، قال: أهلّ في مصلاه، ثم ركب ناقته، فأهلّ أيضا، ثم أهلّ لما استقلت به على البيداء وكان يهلّ بالحج والعمرة تارة، وبالعمرة تارة، وبالحج تارة لأن العمرة جزء منه، فمن ثمّ قيل: قرن. وقيل: تمتع، وقيل: أفرد، وكل ذلك وقع بعد صلاة الظهر، خلافا لابن حزم، وصاحب الاطلاع، قال النووي، والحافظ: وطريق الجمع بين الأحاديث وهو الصحيح: أنه- صلى الله عليه وسلم- كان أولا مفردا بالحج، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج فصار: قارنا، فمن روى الإفراد هو الأصل، ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع والارتفاق.

ذكر لفظ تلبيته [- صلى الله عليه وسلم - ثم]

لبّى- صلى الله عليه وسلّم- فقال: « شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك» ، ورفع صوته بالتلبية حتى سمعها أصحابه، قلت: وروى البزار، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كانت تلبية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لبّيك حجّا حقّا تعبّدا ورقّا» [ (١) ] .

وروى الطبراني- بسند حسن- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقف فلما قال: «لبيك اللهم لبيك» قال: «إنّما الخير خير الآخرة» [ (٢) ]

وعند الإمام أحمد، والنسائي، والبيهقي عن أبي هريرة «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال في تلبيته: «لبّيك إله الحقّ لبّيك» [ (٣) ] .

وروى الطبراني، عن خزيمة بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الله عز وجل مغفرته ورضوانه واستعتقه من النار» [ (٤) ] .

وأمرهم بأمر الله- تعالى- بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج.

وأمره جبريل- عليه الصلاة والسلام- «أن يعلن بالتلبية» ، وروى الإمام أحمد، عن السائب بن خلاد أن رسول الله- « أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتّلبية» ، وقال: «يا محمد كن عجاجا ثجاجا» [ (١) ] ، «رواه الطبراني وغيره» . قلت: جاء جبريل به، فلم يرد- صلى الله عليه وسلم- شيئا منه، ولزم- صلى الله عليه وسلّم- تلبيته» ، رواه مسلم، وعند أبي داود، والناس يزيدون «ذا المعارج» ونحوه من الكلام. والنبي- صلى الله عليه وسلم- يسمع، فلا يقول لهم شيئاً، ثم إنه- صلى الله عليه وسلّم- خيّرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة. ثم ندبهم عند دنوّهم من مكة إلى فسخ الحج، والقران إلى العمرة، لمن لم يكن معه هدي، ثم حتّم ذلك عليهم عند المروة، ثم سأل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو يلبّي تلبيته المذكورة، والناس معه يزيدون فيها، وينقصون، وهو يقرهم، ولا ينكر عليهم، ولزم تلبيته.

ذكر مسيره - صلى الله عليه وسلم -

٩/٤٥٩٩/٤٥٩

من قال إهلاله ومروره بالروحاء، ثم الأثاية قلت: قال ابن سعد: ومضى- صلى الله عليه وسلّم- يسير المنازل ويؤم أصحابه في الصّلوات في مساجد له، قد بناها الناس وعرفوا مواضعها. والله تعالى أعلم.

ثم سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. وهو يلبي تلبيته المذكورة، فلما كان بالرّوحاء رأى حمارا وحشيا عقيرا، قال: «دعوه يوشك أن يأتي صاحبه» ، فجاء صاحبه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قلت: هو رجل من بهز، واسمه الله تعالى أعلم فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «شأنكم بهذا الحمار» ، فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أبا بكر فقسمه بين الرفاق، ثم مضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى كان بالأثاية بين الرّويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم، فأمر رجلا- قلت هو أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- كما رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن ، والله تعالى أعلم- فأمره أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه [ (٢) ] ، قال: والفرق بين قصة الظبي، وقصة الحمار: أن الذي صاد الحمار كان حلالا، فلم يمنع من أكله، وهذا لم يعلم أنه حلال، وهم محرمون، فلم يأذن لهم في أكله، ووكّل من يقف عنده لئلا يأخذه أحد حتى يجاوزوه.

ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بالعرج

وضياع زاملته التي بينه وبين أبي بكر، ثم سار- صلى الله عليه وسلم- حتى إذا نزل بالعرج، وكانت زاملته وزاملة أبي بكر واحدة، وكانت مع غلام لأبي بكر، فجلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر إلى جانبه وعائشة إلى جانبه الآخر، وأسماء بنت أبي بكر إلى جانبه وأبو بكر ينتظر الغلام أن يطلع عليه فطلع وليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر- وكان فيه حدة: بعير واحد تضلّه، فطفق يضرب الغلام بالسوط، وسلم- يتبسم ويقول: «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع؟» ، وما يزيد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أن يقول ذلك ويتبسم، ترجم أبو داود على هذه القصة «باب المحرم يؤدب» [ (١) ] .

٩/٤٦٠٩/٤٦٠

قلت سبق أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حجّ على رحل، وكانت زاملة، قال المحب الطبري: فيحتمل إن يكون بعض الزاملة عليها، وبعض الزاملة مع زاملة أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- ولما بلغ آل فضالة الأسلمي، أن زاملة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ضلت حملوا له جفنة من حيس فأقبلوا بها حتى وضعوها بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «هلم يا أبا بكر، فقد جاء الله تعالى بغذاء أطيب، وجعل أبو بكر يغتاظ على الغلام، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «هوّن عليك يا أبا بكر، فإن الأمر ليس إليك، ولا إلينا معك، وقد كان الغلام حريصا على ألا يضل بعيره، وهذا خلف مما كان معه» ، ثم أكل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأهله، وأبو بكر ومن كان معه يأكل حتى شبعوا، فقال فأقبل صفوان بن المعطل- رضي الله تعالى عنه- وكان على ساقة الناس، والبعير معه، وعليه الزاملة، فجاء حتى أناخ على باب منزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: «متاعك؟» ، فقال: «ما فقدت شيئا إلا قعبا كنا نشرب فيه، فقال الغلام: هذا القعب معي» فقال أبو بكر لصفوان: أدّى الله عنك الأمانة.

وجاء سعد بن عبادة، وابنه قيس- رضي الله تعالى عنهما- ومعهما زاملة تحمل زادا يؤمّان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فوجدا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واقفا بباب منزله، قد رد الله- عز وجل- عليه زاملته، فقال سعد يا رسول الله: بلغنا أن زاملتك ضلت الغداة، وهذه زاملة مكانها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «قد جاء الله بزاملتنا، فارجعا بزاملتكما بارك الله فيكما» .

ذكر مروره - صلى الله عليه وسلم - بالأبواء

وإهداء الصعب بن جثامة له- ثم مضى رسول الله حتى إذا كان أهدى له الصعب بن جثامة حمار وحش، وفي رواية «عجز حمار وحش» وفي رواية «لحم حمار وحش، يقطر دما» ، وفي رواية «شق حمار وحشي» ، وفي رواية «رجل حمار وحش فرده» وقال: «إنا لم نردّه عليك إلا أنّا حرّم» [ (٢) ] .

ذكر مروره - صلى الله عليه وسلم - بوادي عسفان

٩/٤٦١٩/٤٦١

فلما مر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بوادي عسفان، قال: «يا أبا بكر أيّ واد هذا؟» قال: «وادي عسفان» ، قال: «لقد مرّ به هود، وصالح، على بكرين أحمرين خطمهما ليف، وأزرهم العباء، وأرديتهم النماز يلبون، يحجون البيت العتيق [ (١) ] .

ذكر مروره - صلى الله عليه وسلم - بسرف

قلت: قال ابن سعد: وكان يوم الاثنين بمر الظهران فغربت له الشمس بسرف.

فلما كان- صلى الله عليه وسلّم- بسرف حاضت عائشة وقد كانت أهلت بعمرة، فدخل عليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهي تبكي، فقال: «ما يبكيك؟ لعلك نفست؟» قالت: نعم، قال: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي لا تطوفي بالبيت» .

وقال- صلى الله عليه وسلم- لما كان بسرف لأصحابه: «من لم يكن معه فليفعل، ومن كان معه هدي فلا» . قال ابن القيم: وهذا رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات، فلما كان بمكة، أمر أمرا حتما من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، ويحل من إحرامه، ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه، ولم ينسخ ذلك شيء البتة بل سأله سراقة بن مالك، عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها هل هي لعامهم ذلك أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد، وإن إلى يوم القيامة» .

وقد روي عنه- صلى الله عليه وسلم- الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- وأحاديثهم صحاح، وسرد أسماءهم، والدليل على صحة مذهبه في نحو عشر ورقات وسيأتي التحقيق فيه بعد تمام القصة.

ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بذي طوى، ودخوله مكة، وطوافه وسعيه

ثم نهض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أن نزل بذي طوى، وهي المعروفة اليوم بآبار الزاهر، فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجة، وصلّى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، ونهض إلى مكة من أعلاها من الثنية العليا، التي تشرف على الحجون وكان في العمرة يدخل من أسفلها وفي الحج دخل من أعلاها وخرج من أسفلها، ثم سار حتى دخل المسجد ضحى.

وروى الطبراني عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودخلنا معه من باب عبد مناف، وهو الذي تسميه الناس: «باب بني شيبة» - رجاله رجال الصحيح إلا مروان بن أبي مروان، قال السليماني: فيه نظر» [ (١) ] .

٩/٤٦٢٩/٤٦٢

وروى البيهقي: وخرج من باب بني مخزوم [إلى الصفا] فلما نظر إلى البيت، واستقبله ورفع يديه وكبر، وقال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا، وتعظيما، وتكريما، ومهابة، وزد من عظّمه، ممن حجه أو اعتمره، تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا» [ (٢) ] .

وروى الطبراني، عن حذيفة بن أسيد، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا نظر إلى البيت قال: « وتعظيما وتكريما وبرا ومهابة» [ (٣) ] .

فلما دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- المسجد عمد إلى البيت، ولم يركع تحية المسجد، فإن تحية الطواف.

وكان طوافه- صلى الله عليه وسلم- في هذه المرة ماشيا فقد روى البيهقي- بإسناد جيد- كما قال ابن كثير عن جابر بن عبد الله قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، وسلم- باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا، ومشى أربعا، حتى فرغ قبّل الحجر، ووضع يديه عليه، ومسح بهما وجهه» [ (٤) ] .

وأما ما رواه مسلم، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «طاف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بعيره يستلم الركن كراهة أن يضرب عنه الناس» ، وما رواه أبو داود، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مكة يشتكي فطاف على راحلته وكلما أتى الركن استلم أناخ فصلّى ركعتين [ (٥) ] .

وقول أبي الطفيل- رضي الله تعالى عنه- «يطوف حول البيت على بعير يستلم الركن بمحجن» رواه البيهقي [ (٦) ] . قال: طاف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حجته بالبيت ابن أم مكتوم آخذ بخطامها يرتجز فقالا، واللفظ لابن كثير، إن حجة الوداع كان فيها ثلاثة أطواف، هذا الأول، والثاني طواف الإفاضة، وهو طواف الفرض وكان يوم النحر. والثالث: طواف الوداع فلعل ركوبه- صلى الله عليه وسلم- كان في أحد الأخيرين، أو في كليهما، فأما الأول: وهو طواف القدوم فكان ماشيا فيه، وقد نص على هذا الإمام الشافعي- رضي الله تعالى عنه- والدليل على ذلك ما رواه البيهقي بإسناد جيد، عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، وسلم- باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثمن رمل ثلاثا، ومشى أربعا، حتى فرغ يقبل الحجر، ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه» . قال ابن القيم: وحديث ابن عباس إن كان محفوظا فهي في إحدى عمره، وإلا فقد صح عنه: الرمل في الثلاثة الأول من طواف القدوم، إلا أن يقول كما قال ابن حزم في السعي: إنه رمل على بعيره، فقد رمل لكن ليس في شيء من الأحاديث أنه كان راكبا في طواف القدوم.

٩/٤٦٣٩/٤٦٣

فلما حاذى- صلى الله عليه وسلّم- الحجر الأول استلمه، ولم يزاحم عليه قلت: وقال لعمر: « لا تزاحم على الحجر تؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلّل وكبّر» رواه الإمام أحمد وغيره والله تعالى أعلم [ (١) ] . قال: ولم يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني، ولم يرفع يديه، ولم يقل: نويت بطوافي هذا الأسبوع، كذا وكذا ولا افتتحه بالتكبير، كما يكبر للصلاة كما يفعله من لا علم عنده، بل هو من البدع المنكرات، ولا حاذى الحجر الأسود بجميع يديه، ثم انفتل عنه وجعله على شقه، بل واستقبله، واستلمه، ثم أخذ على يمينه وجعل البيت على يساره ولم يدع عند الباب بدعاء، ولا تحت الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها ولا وقت الطواف ذكرا معينا، لا بفعله ولا تعليمه، بل حفظ عنه بين الركنين وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ. قلت: وروى ابن سعد، عن - رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول بين الركنين: اليماني، والحجر الأسود رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [ (٢) ] .

ورمل- صلى الله عليه وسلّم- في طوافه هذا الثلاثة الأشواط، الأول قلت: «من الحجر إلى الحجر» رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى [ (٣) ] .

٩/٤٦٤٩/٤٦٤

وكان يسرع مشيه، ويقارب بين خطاه واضطبع بردائه فجعله على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الآخر، ومنكبه، وكلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه واستلمه بمحجنه وقبّل المحجن، وهو عصا محنيّة الرأس.

وثبت عنه: أنه استلم الركن اليماني، ولم يثبت عنه أنه قبّله، ولا قبّل يده حين استلامه.

وقول ابن عباس كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقبّل الركن اليماني، ويضع خدّه عليه، رواه الدارقطني، من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز. قال ابن القيم: «المراد بالركن اليماني ها هنا الحجر الأسود، فإنه يسمى الركن اليماني مع الركن الآخر يقال لهما: اليمانيان، ويقال له مع الركن الذي يلي الحجر من ناحية الباب العراقيان، ويقال للركنين اللذين يليان الحجر الشاميان، ويقال للركن اليماني، والذي يلي الحجر من ظهر الكعبة الغربيان، ولكن ثبت عنه أنه قبل الحجر الأسود، وثبت عنه أنه استلمه بيده، فوضع يده عليه ثم قبّلها.

وثبت عنه: أنه استلمه بمحجنه، فهذه ثلاث صفات.

وروي عنه «أنه وضع شفته عليه طويلا يبكي» .

وروى الطبراني بإسناد جيد أنه- صلى الله عليه وسلم- كان إذا استلم الركن اليماني قال: بسم الله، والله أكبر، وكان كلما أتى الحجر الأسود، قال: «الله أكبر» .

وروى أبو داود الطيالسي، عن - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ثم قبله، ثم سجد عليه، ثلاث مرات، ولم يمس من الركنين إلا اليمانيين فقط. قلت: «واستسقى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في طوافه» . رواه الطبراني، عن العباس، وفي سنده رجل لم يسم، والله تعالى أعلم [ (١) ] .

فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ فصلى ركعتين- والمقام بينه وبين البيت- قرأ فيهما بعد الفاتحة: بسورة الإخلاص، وقراءته الآية المذكورة. قلت في حديث جابر: «أنه قرأ فيهما يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ والله تعالى أعلم. فلما فرغ من صلاته أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يقابله، فلما دنا منه قرأ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أبدأ بما بدأ الله به» .

وفي رواية النسائي: «ابدأوا» على الأمر ثم رقى عليه حتى إذا رأى البيت فاستقبل البيت فوحّد الله- تعالى- وكبره وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ، ثم دعا بين ذلك، قال مثل ذلك ثلاث مرات» .

٩/٤٦٥٩/٤٦٥

وقام ابن مسعود على الصدع، وهو: الشق الذي في الصفا، فقيل له ها هنا يا أبا عبد الرحمن، قال: مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما سعي حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى كذا في حديث جابر عند الإمام أحمد ومسلم من طريق [ (١) ] .

قالا: لكن روى الإمام أحمد، ومسلم عن محمد بن بكر، والنسائي عن شعيب بن إسحاق ومسلم عن علي بن شهر وعيسى بن يونس كلهم عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عليه وسلّم- طاف في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة ليراه الناس. قلت وبكونه سعى راكبا جزم ابن حزم.

وظاهر الأحاديث عن جابر وغيره، يقتضي أنه مشى خصوصا قوله فلما حتى إذا صعد مشى. وجزم ابن حزم: بأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده.

قال ابن كثير وهذا بعيد جدا.

قالا: وفي الجمع بينهما وجه أحسن من هذا وهو: أنّه سعى ماشيا أولا، ثم أتم سعيه راكبا، وقد جاء ذلك مصرحا به، ففي صحيح مسلم، عن أبي الطفيل، قال قلت لابن عباس: والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال: «صدقوا وكذبوا» ، قال: قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا قال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، حتى خرج عليه العواتق من البيوت قال: وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لا يضرب الناس بين يديه، قال: فلما كثر عليه الناس ركب، والمشي أفضل. قلت: «وفي حديث يعلى بن أمية عند الإمام أحمد أنه رأى رسول الله- بين الصفا والمروة ببرد نجراني» [ (٢) ] .

وروى النسائي والطبراني برجال الصحيح، عن أم ولد «أنها أبصرت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: «لا يقطع الأبطح إلا شدّا» [ (٣) ] .

٩/٤٦٦٩/٤٦٦

وروى البيهقي، عن قدامة بن عمار، قال: «رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يسعى بين الصفا والمروة على بعير، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك» [ (١) ] .

وروى عبد الله ابن الإمام أحمد، والبزار- برجال ثقات- عن علي- رضي الله تعالى عنه- «أنه رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كاشفا عن ثوبه حتى بلغ ركبتيه» [ (٢) ] .

وروى الإمام أحمد، والطبراني، عن حبيبة بنت أبي تجراة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السّعي، يدور به إزاره وهو يقول: « كتب عليكم السعي» وفي الكبير قال: «ولقد الإزار حول بطنه وفخذيه حتى رأيت بياض فخذيه» [ (٣) ] . قلت: وفي حديث ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أنه- صلى الله عليه وسلم- كان إذا سعى في بطن المسيل، قال: «اللهم اغفر وارحم، وأنت الأعز الأكرم» رواه الطبراني [ (٤) ] .

وفي حديث ابن علقمة، عن عمه «أنه- إذا جاء عبيد الله- استقبل البيت ودعا» . رواه الإمام أحمد وأبو داود إلا أنه قال: عن أمّه والله تعالى أعلم [ (٥) ] .

قال ابن حزم وطاف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- راكبا على بعير يخبّ ثلاثا ويمشي أربعا.

قالا: وكونه خب ثلاثة أشواط بين الصفا والمروة، ومشى أربعا لم يتابع على هذا القول، ولم يتفوه به أحد قبله، وإنما هذا في الطواف بالبيت.

وكان- صلى الله عليه وسلم- إذا وصل إلى المروة رقي عليها واستقبل البيت وكبر الله ووحدّه وفعل كما فعل على الصفا، فلما أكمل سعيه عند المروة أمر كلّ من لا هدي معه أن يحل حتما ولا بد قارنا كان أو مفردا، وأمرهم أن يحلّوا الحلّ كله، من وطء النساء، والطيب ولبس المخيط، وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية، ولم يحل هو من أجل هديه، فحلّ الناس كلهم وسلم- ومن كان معه هدي، ومنهم أبو بكر وعمر، وطلحة والزبير، قال: « استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» ، وهناك سأله سراقة بن مالك بن جشم وهو في أسفل الوادي، لمّا أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة والإحلال، يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبّك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصابعه واحدة في الأخرى فقال: «لا» ، ثلاث مرات، ثم قال: «دخلت العمرة في الحج مرتين أو ثلاثا إلى الأبد» بل الأبد فحل الناس كلهم إلا النبي- صلى الله عليه وسلم- ومن كان معه هدي. قلت: وأمره- صلى الله عليه وسلم- من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، رواه عنه خلائق من الصحابة.

٩/٤٦٧٩/٤٦٧

وقد اختلف العلماء في ذلك. فقال مالك، والشافعي، كان ذلك من خصائص الصحابة، ثم نسخ جواز الفسخ كغيرهم، وتمسكوا بما رواه مسلم، عن أبي ذر لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا إلى أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم-.

وأما الإمام أحمد فرد ذلك وجوّز الفسخ لغير الصحابة.

وهناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، وللمقصرين مرة.