وفاته ﷺ
ابن ثلاث وستين، سنة ١١، وعمره ﷺ ٦٣
وفاته
توفي المصنف رحمه الله سنة ٩٤٢ هـ أسكنه الله تعالى فسيح جناته اللهم آمين ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الثالث: في وفاته وتاريخه وصلاته عليه، وحزنه عليه.
مات سنة عشر، جزم به الواقدي، وقال: يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول. وقالت عائشة: عاش ثمانية عشر شهراً رواه الإمام أحمد، وفي صحيح البخاري أنه عاش سبعة عشر شهراً أو ثمانية عشر شهراً على الشك. وقال محمد بن المؤمل: بلغ سبعة عشر شهراً أو ثمانية أيام.
وروى ابن سعد عن مكحول وابن سعد عن عطاء وابن سعد عن عبد الرحمن بن عوف وابن سعد عن بكير بن عبد الله بن الأشج وابن سعد عن قتادة وابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلقا به إلى النخل الذي فيه إبراهيم- عليه السلام-، فدخل وإبراهيم يجود بنفسه فوضعه في حجرة، فلما (مات) [ (١) ] زرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عبد الرحمن بن عوف: تبكي يا رسول الله؟ أو لم تنه عن البكاء؟ قال: «إنما نهيت عن النوح وعن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو، ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجه، وشق جيب، ورنة شيطان» .
وفي رواية: «إنما نهيت عن النياحة، وأن يندب الميت بما ليس فيه» ، ثم قال: «وإنما هذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم بإبراهيم لولا أنه حق ووعد صادق، ويوم جامع» .
وفي لفظ: «لولا أنه أجل معدود، ووقت معلوم، ووعد صادق، وأنها سبيل مأتية وإن أخرانا ستلحق أولانا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا وإن بك يا إبراهيم لمحزونون تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب» .
وفي رواية فلقد رأيته يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، والله يا إبراهيم، إنا بك لمحزونون» .
وروى مسلم وأبو داود وابن مسعد والإمام أحمد وعبد بن حميد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- والطبراني عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الله تعالى والله إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون» .
وروى ابن ماجه والطبراني في «الكبير» وابن عساكر عن أسماء بنت يزيد- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب ولولا أنه وعد صادق، وموعود جامع، وأن الآخر منا يتبع الأول لوجدنا عليك يا إبراهيم، وجدا أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» .
وروى ابن سعد عن بكير بن عبد الله بن الأشج- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى على ابنه إبراهيم فصرخ أسامة بن زيد فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: رأيتك تبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البكاء من الرحمة والصراخ من الشيطان» .
وروى ابن سعد عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فانطلق بي إلى النخل الذي فيه إبراهيم فوضعه في حجره، وهو يجود بنفسه، فذرفت عيناه فقلت له: أتبكي يا رسول الله، أو لم تنه عن البكاء؟ قال: «إنما نهيت عن النوح عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان» ، قال: قال عبد الله بن نمير في حديثه: «إنما هذا رحمة ومن لا يرحم لا يرحم، يا إبراهيم، لولا أنه أمر حق، ووعد صادق، وأنها سبيل مأتية، وإن أخرانا ستلحق أولانا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون تدمع العين، ويحزن القلب، ولا تقول ما يسخط الرب- عز وجل-.
وروى ابن ماجة والحكيم والترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- لمّا قبض إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تدرجوه في أكفانه، حتى أنظر إليه» فأتاه فانكب عليه وبكى.
واختلف: هل صلى عليه أم لا؟.
وروى الإمام أحمد وابن سعد من طريق جابر الجعفي وهو ضعيف عن البراء والبيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه، وابن ماجة بسند ضعيف عن ابن عباس وابن سعد وأبو يعلى عن أنس وأبو داود والبيهقي مرسلا عن عطاء بن أبي رياح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على ابنه سيدنا إبراهيم زاد البيهقي في المقاعد: وهو موضع الجنائز، زاد أنس: وكبر عليه أربعا، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا.
وروى ابن سعد عن عطاء وابن سعد عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على شفير قبر ابنه فرأى فرجة في اللحد، فناول الحفار مدرة وقال: «إنها لا تضر ولا تنفع ولكنها تقر عين الحي» ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي بإصبعه، ويقول: «إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه، فإنه مما يسلي بنفس المصاب» . قال الزبير بن بكار: ولما دفن قبل علي قبره وأعلى بصلاته، وهو أول قبر رش.
وروى ابن سعد عن رجل من آل علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دفن سيدنا إبراهيم، قال: هل من أحد يأتي بقربة فأتى رجل من الأنصار بقربة ماء، فقال: رشها على قبر إبراهيم، وقال: وقبر إبراهيم قريب من الطريق، وأشار إلى قريب من دار عقيل.
التاسع: في وفاته - رضي الله تعالى عنه - ودعائه صلى الله عليه وسلم لأهله
روى أبو القاسم البغوي وأبو عمر عن عبد الله بن الزبير قال: «حدثني- أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة قال: شهدت مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه- رضي الله تعالى عنهم- فرأيت جعفر حين التحم القتال، اقتحم على فرس له أشقر ثم عقره، وقاتل القوم حتى قتل، وكان أول من عقر في الإسلام» .
وروى البخاري وابن حبان عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل فعبد الله بن رواحة» . قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين طعنة ورمية.
استشهد هو وزيد في جمادي سنة ثمان من الهجرة وروى الواقدي وابن سعد وابن عساكر عن عبد الله بن جعفر وابن سعد عن عامر والطبراني في الكبير وابن عساكر عن ابن عباس وأبو داود الطيالسي وابن سعد والإمام أحمد والطبراني في الكبير والحاكم وابن عساكر عن عبد الله بن جعفر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إن جعفرا قد قدم إلى أحسن الثواب فأخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته» وفي لفظ: «أخلف جعفرا في ولده» وفي لفظ: «وبارك لعبد الله في صفقة يمينه» - ثلاث مرات.
وروى ابن إسحاق عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- أن جعفرا وأصحابه قدموا من أرض الحبشة بعد فتح خيبر فقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر.
وروى الطيالسي والإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه والطبراني في الكبير، والحاكم والبيهقي والضياء عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر- رضي الله تعالى عنه- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد أتاهم ما يشغلهم» .
وروى ابن ماجه عن أم عيسى الجزار عن أم عون ابنة جعفر عن جدتها أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم، فاصنعوا لهم طعاما» .
وروى الطبراني برجال الصحيح- مرسلا- عن الشعبي- رحمه الله تعالى- قال: قتل جعفر- رضي الله تعالى عنه- يوم مؤتة بالبلقاء.
الثالث في وفاته - رضي الله تعالى عنه -
توفي بناحية الأردنّ في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة من الهجرة، وذلك في خلافة عمر بن الخطاب.
الثالث: في وفاته - رضي الله تعالى عنه -
قال خليفة بن خياط: توفي سنة ثمان وخمسين بالمدينة، وقيل: بالشام، وقيل: باليمن والله أعلم، وعمره بضع وثمانون سنة.
الخامس: في وفاته
سافر- رضي الله تعالى عنه- إلى خراسان مع سهيل بن عثمان وكان معاوية ولى سعدا خراسان فقال له سعيد في بعض غزواته: يا ابن عم أضرب لك بمائة سهم، فقال: يكفني سهم واحد لي، وسهمان لفرسي أسوة بالمسلمين، ومات بسمرقند ويقال: استشهد بها ولا عقب له.
السابع عشر: في وفاته - رضي الله تعالى عنه - توفي بالطائف.
روى الطبراني برجال الصحيح عن سعيد بن جبير- رحمه الله تعالى- قال: مات ابن عباس- رحمه الله- ورضي الله عنه بالطائف، وشهدنا جنازته فجاء طائر لم يرى على خلقه، حتى دخل في نعشه ثم لم يرى خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على القبر يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر/ ٢٧، ٣٠] .
وروى أيضا عن عبد الله بن ياسين عن أبيه نحو إلا أنه قال: جاء طائر أبيض يقال له: الغرنوف قال يحيى بن بكير- رحمه الله تعالى-: توفى عبد الله بن عباس سنة ثمان وستين وهو ابن إحدى أو اثنتين وسبعين سنة، وكان يصفر لحيته.
الخامس: في وفاته - رضي الله تعالى عنه -
توفي بالمدينة سنة عشرين، ودفن في دار عقيل بن أبي طالب، قاله أبو عمر: وقال ابن قتيبة: دفن بينبع، وقيل: توفّي في سنة خمس عشرة، وكان- رضي الله تعالى عنه- هو الذي حفر قبر نفسه قبل أن يموت بثلاثة أيام، وسبب موته أنه كان في رأسه ثؤلول فحلقه الحلّاق، فقطعه، فلم يزل مريضا حتى مات بعد مقدمه من الحج، روي عنه أنه قال لما حضرته الوفاة: «لا تبكوا عليّ فإنّي لم أتنطّف بخطيئة منذ أسلمت» .
الرابع: في وفاته - رضي الله تعالى عنه
[توفي نوفل بن الحارث بعد أن استخلف عمر بن الخطاب بسنة وثلاثة أشهر فصلى عليه ثم تبعه إلى البقيع حتى دفن هناك] .
السابع: في مرضه ووفاته وذكر بعض ما رثي به
روى الحاكم عن الشّعبيّ قال: ماذا يتوقع من هذه الدنيا الدنية وقد سم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسم أبو بكر [ (٢) ] .
وروى الواقديّ والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان أول بدء مرض أبي بكر أنّه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة فكان يوما باردا فحمّ خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، وتوفى ليلة الثّلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة، وكان يأمر عمر بالصّلاة.
وروى ابن سعد وابن أبي الدنيا عن أبي السفر قال: لمّا دخلوا على أبي بكر في مرضه، فقالوا: يا خليفة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟، قال: قد نظر إليّ، فقالوا: ما قال لك؟ قال: إنّي فعّال لما أريد [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أن أبا بكر، لما حضرته الوفاة، قال: أيّ يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين، قال: فإن متّ في ليلتي هذه فلا تنتظروا بي الغد، فإنّ أحبّ الأيّام إليّ أقربها من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-.
وروى الإمام أحمد وابن جرير عن عبد الله بن اليمن مولى الزبير بن العوام، قال: لما حضر أبو بكر تمثّلت عائشة- رضي الله تعالى عنها- بهذا البيت: أعوذك ما بقي العذار عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر ورواه ابن سعد وغيره عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما ثقل أبو بكر تمثلت بهذا البيت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر وروى أبو يعلى برجال الصحيح عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلت على أبي بكر فرأيت به وهو في الموت وفي لفظ: «فرأيت به الموت» ، فقلت: هيج هيج من لا يزال دمعه مقنعا ... فإنه في مرة مدفوق فقال: لا تقولي هذا، ولكن قولي: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق ١٩] . ثم قال: في أي يوْم تُوُفِّي رسوُلُ الله- صلى الله عليه وسلّم-. قلت: يوم الاثْنين، قال: أرجو فيما بيني وبين اللّيل، فمات ليلة الثّلاثاء، ودفن قبل أن يصبح [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد عنها أنها تمثّلت بهذا البيت وأبو بكر يقضي. وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل فقال: ذاك رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى ابن عساكر في تاريخه بسنده عن الأصمعي قال خفاف بن ندبة السلمي يبكي أبا بكر- رضي الله تعالى عنه-: ليس لحي فاعلمنه بقا ... وكلّ دنيا أمرها للفنا والملك في الأقوام مستودع ... عارية فالشّرط فيه الأدا والمرء يسعى وله راصد ... تندبه العين ونار الصّدا يهرم أو يقتل أو يقهره ... يشكوه سقم ليس فيه شفا أن أبا بكر هو الغيث إن ... لم تزرع الجوزاء بقلا بما تالله لا يدرك أيامه ... ذو مئزر ناش ولا ذو ردا من يسع كي يدرك أيامه ... مجتهدا شذّ بأرض فضا ومن مناقبه أنه قال لعائشة- رضي الله تعالى عنها- في مرضه: أنا مذ وليت أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ولكنا أكلنا خبز الشعير طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشيّ وهذا البعير النّاضح وهذه القطيفة، فإذا متّ فابعثي بها إلى عمر، قالت عائشة: فقلت، فلما جاء الرّسول إلى عمر بكى، وجعلت دموعه تسيل، ويقول: رحم الله أبا بكر مرّتين، لقد أتعب من بعده. ومن مناقبه ما كان من إنقاذ جيش أسامة، ومخالفته الكافّة في ترك إبعاده وقوله: كأن أخر من السماء فتخطفني الطير، وتنهشني السّباع أحب إلي أن أكون حالا لعقد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول عند موته: أنقذوا جيش أسامة.
ومنها قتالة أهل الرّدّة، وخروجه بنفسه. قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: وقبل عمر رأيه- رضي الله تعالى عنهما- في قتال أهل الردة.
ومنها عهده إلى عمر- رضي الله تعالى عنهما- لما حضرته الوفاة، وقوله له: اتق الله، يا عمر! واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدّى لها فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحقّ في دار الدّنيا، وثقله عليهم وحقّ لميزان يوضع فيه الحقّ أن يكون ثقيلا، وإنّما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الباطل، وحقّ الميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا، وأن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف أن لا ألحق بهم، وأن الله تعالى ذكر أهل النّار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وردّ عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكن العبد راغبا وراهبا، ولا يتمنّى على الله، ولا يقنط من رحمته، فإن أنت حفظت وصيّتي فلا تكن الدّنيا أحب إليك من الموت.
الخامس: في وفاته، وأنه قتل فهو شهيد.
وقد روى البخاري عن حفصة قالت: قال عمر- رضي الله تعالى عنه-: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، وميتة في بلد رسولك- صلى الله عليه وسلم- وذكر قاتله كما ختم الله له بالشّهادة حين طعنه العلج أبو لؤلؤة فيروز، غلام للمغيرة بن شعبة، وهو كامن له في زوايا المسجد، وعمر قام يصلّي في صلاة الصّبح عند إحرامه، بسكين مسمومة ذات طرفين في كتفه وخاصرته، قال: الحمد لله الذّي لم يجعل ميتتي على يد أحد يدّعي الإسلام. وطعن معه ثلاثة عشر رجلا فمات سبعة وعاش الباقون، فطرح عليه برنس، فلما أحسّ أنّه مقتول قتل نفسه وفي رواية «فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا فلما اعتم قتل نفسه وشرب عمر لبنا فخرج من جوفه فعلم أنّه ميّت فأشاروا عليه بالوصيّة فجعل الخلافة شورى بين عليّ، وطلحة والزّبير، وسعد، وعبد الرّحمن، وعثمان بن عفان وقال: لا أعلم أحدا أحق من هؤلاء الذين توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو عنهم راض، وقال: يؤمّر المسلمون أحد هؤلاء لا أعلم أحدا أحق من هؤلاء الستة وحسب الدين الذي كان عليه فوجده ستّة وثمانين ألفا أو نحوه، فقال لابنه عبد الله: إن وفّى ما لي دين عمر، فأدّوه منه، وإلا فسل من بني عدي، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، ثم بعث ابنه عبد الله إلى عائشة- رضي الله تعالى عنها- فقال: قل: يقرأ عمر عليك السّلام ولا تقل: أمير المؤمنين. فلست اليوم أميرهم، وقل: ليستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فجاء وسلّم واستأذن فدخل فوجدها تبكي، فقال لها: فقالت: كنت أراه لنفسي ولأوثرنّه اليوم على نفسي، فلمّا أقبل عبد الله من عندها، قيل لعمر: هذا عبد الله، قال: ارفعوني فأسنده رجل، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحبّ، قال: قد أذنت، قال: الحمد لله ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك. فإذا أنا قبضت فاحملوني ثم سلّم وقل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردّتني ردّوني إلى مقابر المسلمين، وأوصاهم أن يقتصدوا في كفنه ولا يتعالوا وطعن يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وغسّله ابنه عبد الله، وحمل على سرير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وصلّى بهم عليه صهيب وكبّر أربعا، ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، وقيل: توفي لأربع بقين من ذي الحجّة، وقيل: لثلاث، وقيل: لليلة، وتوفّي وهو ابن ثلاث وستّين سنة على الصحيح المشهور، ثبت ذلك في الصحيح عن معاوية بن أبي سفيان وقال الجمهور: والصّحيح أن سنه- صلى الله عليه وسلّم- وأبي بكر وعمر، وعلي، وعائشة ثلاث وستّون، ونزل في قبره ابنه عبد الله وعثمان وسعيد بن زيد وهو أول من اتخذ الدّرّة، وفتح الله في ولايته بيت المقدس، و «دمشق» ، وزنيم «قرقيسيا» والسوس واليرموك، ثم كانت وقعة الجابية و «الأهواز» ، وكورها على يدي أبي موسى الأشعري «وجلولاء» سنة تسع عشرة، وأميرها سعد بن أبي وقاص وقيساريّة، وأميرها معاوية، ثم وقعة باب النون وأميرها عمرو بن العاص، ثم وقعة «نهاوند» سنة إحدى وعشرين، وأميرها النّعمان بن ميمون المزني، ثم فتح الله الأهواز سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة، وكانت «إصطخر» الأولى وهمذان سنة ثماني عشرة، وحج بالنّاس عشر سنين متواليات.
الخامس: في وفاته ومن قتله وشيء من آثاره وما فتح في زمنه.
توفي والنبي- صلى الله عليه وسلّم- راض عنه وأبو بكر وعمر- رضي الله تعالى عنهم- وقتل شهيدا يوم الجمعة لثمان خلون من ذي الحجة، وقيل: لثماني عشرة خلت منه بعد العصر، ودفن بالبقيع سنة خمس وثلاثين، وقيل: يوم الأربعاء، وهو ابن تسعين سنة، وقيل: ثمان وثمانين، وهو الصحيح.
وقيل: وعشرين، وصلّى عليه جبير بن مطعم ودفن ليلا بالبقيع، وأخفى قبره ذلك الوقت، وإنّما دفن ليلا للعجز عن إظهار دفنه، لغلبة قاتليه، وقيل: لم يصل عليه، ودفن بثيابه في دمائه ولم يغسّل وقيل: حكيم بن حزام، وقيل: المسور بن مخرمة، وقيل: مروان ونائلة وأم البنين زوجتاه وهما اللّتان دلّلتاه، في حفرته على الرجال الذين نزلوا في قبره، ولحدّوا له، وغيّبوا قبره، وتفرّقوا، وكانت نائلة مليحة الثّغر، فكسرت ثناياها بحجر، وقالت: والله لا يجتليكن أحد بعد عثمان، وخطبها معاوية بالشام فأبت» .
وروى الترمذي عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فتنة فقال يقتل فيها هذا مظلوما، لعثمان.
وروى أيضا عن أبي سهلة مولى عثمان، قال: قال عثمان- رضي الله تعالى عنه- يوم الدار: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه ولم يلبس السّراويل في جاهلية ولا إسلام إلّا يوم قتل.
وروى البخاري عن عثمان بن موهب- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله [ (١) ] بن عمر، قال: يا بن عمر إنّي سائلك عن شيء فحدّثني عنه، هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد قال: نعم، قال: تعلم أنّه تغيّب عن بدر ولم يشهد قال: نعم، قال: هل تعلم أنّه تغيّب عن بيعة الرّضوان ولم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، فقال ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: تعال، أبيّن لك، أمّا فراره يوم أحد فأشهد أن الله تعالى عفا عنه وغفر له، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إلى قوله عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [آل عمران ١٥٥] ، وأما تغيّبه عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وكانت مريضة، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأمّا تغيبه عن بيعة الرّضوان، فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عثمان، وكانت بيعة الرّضوان بعد ما ذهب عثمان- رضي الله تعالى عنه- إلى مكة، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- بيده اليمنى هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك» .
وروى أبو يعلى عن الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنهما- أن الحسن قام خطيبا، فقال: أيّها النّاس، إني رأيت البارحة في منامي عجبا، رأيت ربّ العزة جلّ جلاله فوق عرشه فجاء رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عند قائمة من قوائم العرش، ثم جاء أبو بكر وعمر، ثم جاء عثمان فقال: يا رب سل عبادك، فيم قتلوني، فانبعث من السّماء ميزابان من دم الأرض قال: فقيل لعليّ: ألا ترى إلى ما تحدّث به الحسن؟ ! فقال: يحدّث بما رأى؟! وقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: قتل عثمان مظلوما بالطّعن لعن الله قتلته! وحجّ بالنّاس عشر سنين متوالية، فتح من العام الذي بويع سنة أربع وعشرين بلاد الرّيّ بكما لها، وفي سنة خمس وعشرين فتحت بلاد أرمينيّة، وفي سنة ستّ وعشرين فتحت اسكندرية ثاني مرّة، والقيروان وغيرها، وفي سنة سبع وعشرين فتحت إفريقية وبلاد المغرب، وفي سنة ثمان وعشرين فتحت إصطخر وما والاها، وفي تسع وعشرين فتحت بلاد فارس ثاني مرّة، وفي سنة ثلاثين كانت غزوة البحر وفتحت بلاد كثيرة بالغرب، وفي سنة إحدى وثلاثين فتحت صقلّيّة وغيرها، وفي اثنتين وثلاثين فتحت قبرص، وفي ثلاث وثلاثين فتحت بعض بلاد الأندلس، وفي أربع وثلاثين كانت غزوة ذي حسب وفتحت أطراف خراسان وما والاها، وفي سنة خمس وثلاثين فتحت بلاد كثيرة من بلاد الهند وغيرها من بلاد الغرب والأندلس، وكان يعتق في كل جمعة عتيقا، فإن تعذّر عليه أعتق في الجمعة الأخرى عتيقين، وقال مولاه حمدان: كان يغتسل كل يوم منذ أسلم، ولم يمس فرجه بيمينه منذ بايع بها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وكان نقش خاتمه «آمنت بالّذي خلق فسوّى» ، وفي رواية أخرى «آمن عثمان بالله العظيم» .
وروى ابن سعد أن امرأة كانت تدخل على عثمان- رضي الله تعالى عنه- وهو محصور، فولدت، ففقدها يوما، فقيل: إنّها قد ولدت غلاما، فأرسل إليها بخمسين درهما سنبلانيّة، وقال: هذا غطاء ابنك وكسوته، فإذا مرّت به سنة رفعناه إلى مائة، وكان يصلّي بالقرآن العظيم في (ركعة) [ (١) ] عند الحجر الأسود أيّام الحج، وكان هذا دأبه، وقال ابن عمر في قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر ٩] . هو عثمان، وقال ابن عباس في قوله تعالى هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل ٧٦] وقال حسّان- رحمه الله تعالى-: ضحّوا بأشمط عنوان السّجود له ... يقطع اللّيل تسبيحا وقرآنا وقال الحسن: قال عثمان- رضي الله تعالى عنه-: لو أنّ قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربّنا سبحانه وتعالى، وإني لأكره أن يأتي يوم لا أنظر في المصحف، وكان إذا قام من اللّيل لا يوقظ أحدا من أهله ليعينه على وضوئه، وكان يصوم الدّهر، وكان لا يرفع المئزر عنه وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه مستويا من شدة حيائه.
ومن مناقبه الكبار: جمع المصحف، وحرق ما سواه.
وروى أبو بكر بن داود في كتاب المصاحف بسنده عن سويد بن غفلة قال: قال علي- رضي الله تعالى عنه- حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته، وهكذا رواه أبو داود الطّيالسيّ وعمر بن مسروق عن شعبة، وسبب ذلك خشية الاختلاف في القرآن العظيم، فإنّ حذيفة كان في بعض الغزوات وقد اجتمع فيها خلق عظيم من أهل الشام فكان بعضهم يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدّرداء، وجماعة من أهل العراق يقرؤون على قراءة ابن مسعود، وأبيّ، فجعل من لم يعلم أن القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربّما يجاوز ذلك إلى تخطئته وكفره، فأدّى ذلك إلى اختلاف شديد، فركب حذيفة إلى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمّة قبل أن تختلف كاختلاف اليهود والنّصارى في كتبهم، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- وشاورهم في ذلك، واتفقوا على كتابة المصحف وأن يجتمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه فاستدعى بالصّحف التي كان الصديق- رضي الله تعالى عنه- قد أمر زيد بن ثابت بكتابته وجمعه، فكان عند الصّدّيق أيّام حياته، ثم كان عند عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فلما توفّي صار إلى حفصة، فاستدعى به عثمان، وأمر زيد بن ثابت الأنصاريّ أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، يحضره عبد الله بن الزّبير وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتبوا لأهل الشام مصحفا ولأهل مصر آخر وبعث إلى البصرة مصحفا، وإلى الكوفة آخر، وآخر إلى مكة، وآخر إلى المدينة، وأقر بالمدينة مصحفا، وليست كلها بخط عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه وخلافته.
وروى البيهقي وغيره بسنده عن سويد بن غفلة قال: قال علي: أيها الناس، يقولون: عثمان حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم- ولو ولّيت مثل ما ولّي لفعلت مثل الذي فعل، وكان ذلك بإجماع الصّحابة- رضوان الله تعالى عليهم- أجمعين.
الثالث: في وفاته - رضي الله تعالى عنه -.
قتل يوم الجمل سنة ستّ وثلاثين، وهو ابن أربع وستّين، وقيل: اعتزل يوم الجمل في بعض الصفوف، فرمي بسهم فقطع من رجله عرق النسا، فلم يزل دمه ينزف منه حتى مات، وأقرّ مروان بن الحكم أنّه رماه، ودفن بقنطرة القرة، قد رأى بعد موته بثلاثين سنة في المنام أنه يشكو إليها الغلاوة فأمر به فاستخرج طريّا ودفن في دار الهجرتين بالبصرة، وقبره مشهور.
الرابع في وفاته - رضي الله تعالى عنه -
كان أوصى أن يكفن في جبّة صوف، لقي المشركين فيها يوم بدر وهي عليه، فقال: إنما كنت أخبؤها لهذا فكفّن فيها، وذلك سنة خمس وخمسين، وهو ابن تسع وسبعين، وقيل: ابن اثنتين وثمانين، وهو آخر من مات من المهاجرين- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتوفّي في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل إليها وصلّى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذ وإلي المدينة، وصلّى عليه أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- في حجرهنّ ودفن بالبقيع.
الثالث: في وفاته - رضي الله تعالى عنه -
توفّي سنة خمسين أو إحدى وخمسين وكان ابن بضع وسبعين سنة بالعقيق، وحمل إلى المدينة، ودفن بها، وغسّله ابن عمر، وقيل: سعد بن أبي وقاص، وصلّى عليه ابن عمر ونزل في قبره سعد وابن عمر- رضي الله تعالى عليهم أجمعين-.
توفّي سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان- رضي الله تعالى عنه- فصلى عليه عليّ وقيل الزبير- رضي الله تعالى عنهما- ودفن بالبقيع وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، أو خمس وسبعين سنة.
الثالث: في وفاته - رضي الله تعالى عنه -.
توفّي بالطاعون عام عمواس هو ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- ووقع ذلك الطّاعون مرتين وطال مكثه وفني فيه خلق كثير من الناس، وطمع العدوّ، وتخوّف المسلمون بذلك، وقبره بغور بيسان عند قرية تسمى عمتا. قال الشيخ محي الدين النّوويّ: وعلى قبره من الجلالة ما هو لائق به، وقد زرته فرأيت عنده عجبا، وصلّى عليه معاذ بن جبل، ونزل في قبره هو، وعمرو بن العاص، والضّحّاك ابن مزاحم.
وعمواس بلدة صغيرة بين الرملة وبيت المقدس، ونسب [الطاعون] إليها، لأنّه أوّل ما نجم من هذا الدار ثم انتشر إلى الشام.
ومن مناقبه ما روي عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أنه قال لأصحابه ذات يوم: تمنّوا، فقال رجل: أتمنى لو أن لي هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله، ثم قال: تمنّوا، فقال رجل: أتمنّى لو كانت مملوءة لؤلؤا وزبرجدا وجوهرا أنفقه في سبيل الله وأتصدّق به، ثم قال: تمنّوا، فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجرّاح.
[عن عروة بن الزبير قال] : لمّا قدم عمر الشام تلقاه النّاس وعظماء أهل الأرض، وهو راكب فقال: أين أخي وقرّة عيني، قالوا: من تعني؟ قال: أبا عبيدة بن الجراح، قالوا: الآن يأتيك، فلما أتاه، نزل فاعتنقه ثم دخل عليه بيته فلم يرى فيه إلّا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: ألا اتّخذت ما اتّخذ أصحابك؟ قال: يا أمير المؤمنين، هذا يبلغني المقيل.
الباب الأول في كثرة أمراضه - صلى الله عليه وسلم -
روى أبو يعلى بسند جيد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان عرق الكلية وهي الخاصرة تأخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شهرا ما يستطيع أن يخرج للنّاس، ولقد رأيته يكرب حتّى آخذ بيده فأتفل فيها بالقرآن ثمّ أكبّها على وجهه ألتمس بذلك بركة القرآن وبركة يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأقول يا رسول الله إنّك مجاب الدّعوة فادع الله يفرّج عنك ما أنت فيه فيقول: «يا عائشة أنا أشدّ النّاس بلاء»
[ (١) ] .
وروى ابن السني، وأبو نعيم عنها: «أنّ الخاصرة كانت تنهز رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكنّا ندعوها عرق الكلية» .
وروى أبو يعلى- بسند ضعيف عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من ذات الجنب» [ (٢) ] .
قال الحافظ بهاء الدين محمد بن أبي بكر البوصيري في «إتحاف المهرة» إنه حديث منكر فقد ثبت في الصحيح أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «ذلك ما كان الله يعذّبني به» .
وروى الحاكم وصححه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كانت تأخذه الخاصرة فيشتدّ به جدّا فاشتدّت به حتّى أغمي عليه وفزع النّاس إله فظننّا أنّ به ذات الجنب فلددناه ثمّ سرّي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وأفاق فعرف أنّه قد لدّ فقال: «ظننتم إن الله قد سلّطها على ما كان ليفعل إنّها من الشّيطان وما كان الله ليسلّطه عليّ»
[ (٣) ] .
وروى البخاري وابن سعد والحاكم وابن جرير عن عائشة وابن سعد عن أم سلمة وابن سعد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قالوا: «كانت تأخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الخاصرة فاشتدّت به فأغمي عليه حتّى ظننّا أنه قد مات فلددناه فجعل يشير إلينا أن لا تلدّوني فقلنا: كراهية المريض للدّواء فلما أفاق. قال: «ألم أنهكم أن تلدّوني» .
- وفي لفظ- «أما إنّكم لددتموني وأنا صائم» ثم قال: «أكنتم ترون أنّ الله يسلّط عليّ ذات الجنب ما كان الله ليجعل لها عليّ سلطانا إنّ ذات الجنب من الشّيطان والله لا يبقى في البيت أحد إلا لدّ وأنا أنظر، إلا العباس فإنّه لم يشهدكم فما بقي أحد في البيت إلا لدّ ولددنا ميمونة وهي صائمة»
[ (١) ] .
وروى ابن إسحاق- بسند فيه متهم وهو علي- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت «تمادى على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجعه وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة فاجتمع إليه أهله فقال العباس: إنا لنرى برسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات الجنب لألدنّه فلدّوه وأفاق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «من فعل هذا؟» قالوا: عمّك العباس تخوّف أن يكون بك ذات الجنب فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إنّها من الشّيطان وما كان الله ليسلّطه عليّ لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلّا عمّي العباس» فلدّ أهل البيت كلّهم حتى ميمونة وإنّها لصائمة يومئذ وذلك بعين رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. قلت: ولا منافاة بين حديث أبي يعلى وهذين الحديثين: لأن في ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين.
أحدهما: ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن.
والآخر: ريح محتقن بين الأضلاع، فالأول هو المنفي هنا، والثاني هو الذي أثبت في حديث أبي يعلى وليس فيه محذور كالأول.
«اللّدود» بفتح اللام وبدالين مهملتين أن تجعل الدواء في أحد جانبي الفم، وكان الذي لدّوه به العود الهندي، والزيت والورس.
الباب الثاني في نعي الله تعالى إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - نفسه الشريفة
قال الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٠] . وقال عز وجل: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ؟
[الأنبياء ٣٤] وقال تعالى تقدس اسمه كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [الأنبياء ٣٥] . وقال سبحانه وتعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران ١٤٤] . وقال تبارك وتعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر ١- ٣] .
وروى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبزار وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً [النصر ١- ٣] حتى ختمها فعرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه الوداع فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم.
وروى الإمام أحمد والبلاذري وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «نعيت إليّ نفسي وقرب أجلي» .
وروى النسائي وعبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنه قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ نعيت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نفسه حتى أنزلت فأخذني أشد ما يكون اجتهادا في أمر الآخرة.
وروى الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن الفضيل بن عياض قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] إلى آخر السورة قال محمد- صلى الله عليه وسلم-: «يا جبريل نعيت إليّ نفسي» قال جبريل: «الآخرة خير لك من الأولى» .
وروى ابن سعد عن الحسن البصري- رحمه الله تعالى- قال: لما نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخرها قال قرّب لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- أجله وأمر بكثرة التّسبيح والاستغفار.
وروى عبد الرزاق والشيخان وابن سعد عن عائشة وابن جرير وابن مردويه عن أم سلمة وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والحاكم عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منذ نزلت عليه السورة كان لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: وفي لفظ لعائشة: كان يكثر في آخر عمره من قول: «سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك اللهم اغفر لي إنّك أنت التوّاب الرّحيم» ويقول ذلك في ركوعه وسجوده يتأول القرآن يعني إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] قالت عائشة: فقلت له: يا رسول الله إنك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليك ما لم تكن تفعله قبل اليوم، فقال: «إنّ ربي كان أخبرني بعلامة في أمّتي فقال إذا رأيتها فسبّح بحمد ربك واستغفره فقد رأيتها» إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] إلى آخر السورة.
وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم حبيبة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إن الله لم يبعث نبيا إلا عمّر في أمّته شطر ما عمّر النّبيّ الماضي قبله، وإنّ عيسى ابن مريم كان عمره أربعين سنة في بني إسرائيل، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميّت في هذه السنة فبكت فاطمة فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «وأنت أول أهل بيتي لحوقا بي» فتبسّمت.
وروى الطبراني والحاكم والطحاوي والبيهقي بسند صحيح عن فاطمة الزهراء- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إنه لم يكن نبي إلا عاش من بعده نصف عمر الذي كان قبله وإنّ عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبا على رأس الستين. يا بنيّة إنّه ليس منّا من نساء المسلمين امرأة أعظم ذريّة منك فلا تكوني من أدنى امرأة صبرا، إنك أول أهل بيتي لحوقا بيّ وإنّك سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من البتول مريم بنت عمران» .
وروى إسحاق بن راهويه وابن سعد عن يحيى بن جعدة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «يا فاطمة أنه لم يبعث نبيّ إلا عمّر نصف الذي كان قبله [وإنّ عيسى ابن مريم بعث رسولا لأربعين وإنّي بعثت لعشرين]
[ (١) ] .
وروى البخاري في «تاريخه» عن زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش الذي كان قبله» .
وروى ابن سعد عن يزيد بن زياد أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال في السّنة التي قبض فيها لعائشة- رضي الله تعالى عنها-: «أن جبريل كان يعرض عليّ القرآن في كل سنة مرّة فقد عرض عليّ العام مرّتين وأنه لم يكن نبيّ إلا عاش نصف عمر أخيه الذي كان قبله عاش عيسى ابن مريم مائة وخمسا وعشرين سنة وهذه اثنتان وستون سنة، ومات في نصف السنة» .
وروى أبو يعلى من طريق الحسين بن علي بن الأسود وباقي رجاله ثقات عن يحيى بن جعدة قال: قالت فاطمة- رضوان الله تعالى عليها-: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أن عيسى ابن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة» .
تنبيه
قال البيهقي كذا في هذه الرواية.
وقد روى عن ابن المسيب أن عيسى حين رفع كان ابن ثلاث وثلاثين سنة.
وعن وهب بن منبه: اثنان وثلاثون سنة، فإن صحّ قول ابن المسيب وابن وهب فالمراد من الحديث والله تعالى أعلم: ما بقي في الأرض بعد نزوله من السماء والله تعالى أعلم. قلت: لم يصح ما نقله عن سعيد ووهب وقد بسطت الكلام على ذلك في باب [ ... ]
فراجعه. وقال الحافظ ابن حجر بعد إيراده في «المطالب العالية» : حديث يحيى بن جعدة معناه عمره في النبوة.
الباب الثالث في عرضه - صلى الله عليه وسلم - القرآن على جبريل - عليه الصلاة والسلام - في العام الذي مات فيه مرتين ونعيه - صلى الله عليه وسلم - نفسه لأصحابه
روى الإمام أحمد وابن سعد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعرض القرآن على جبريل في كلّ رمضان فلما كان في العام الذي مات فيه عرضه عليه مرّتين» .
وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعتكف في كل شهر رمضان عشرة أيّام، فلما كان العام الذي توفي فيه عكف عشرين يوما وكان جبريل يقرأ عليه القرآن مرة كل رمضان فلما كان العام الذي توفي فيه عرضه عليه مرتين.
وروى الشيخان عن فاطمة الزهراء- رضي الله تعالى عنها- أنها أسرّ إليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن جبريل كان يعارضني القرآن كل عام مرة وإنّه عارضني به العام مرتين ولا أرى أجلي إلّا قد قرب فاتّقي الله واصبري فإنّي نعم السلف أنا لك» .
وروى مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يرمي الجمار فوقف وقال: «لتأخذوا عنّي مناسككم فلعلّي لا أحجّ بعد عامي هذا» .
وروى ابن مردويه عن معاوية بن أبي سفيان والإمام أحمد وابن سعد وأبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن واثلة بن الأسقع- رضي الله تعالى عنهما- قالا: خرج علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «أتزعمون أنّي من آخركم وفاة قلنا: أجل، قال: فإنّي من أوّلكم وفاة وتتبعوني أفنادا يهلك بعضكم بعضا» .
وروى ابن سعد عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إني أوشك أن أدعى فأجيب وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي إنّ اللّطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»
[ (١) ] .
وروى ابن سعد عن عكرمة مرسلا قال: قال العباس: لأعلمن ما بقاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فينا فقال له: يا رسول الله لو اتخذت عرشا فإن النّاس قد آخوك، فقال: «والله لا أزال بين ظهرانيهم ينازعوني ردائي ويصيبني غبارهم حتّى يكون الله يريحني منهم» ! قال العباس: فعرفنا أنّ بقاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فينا قليل.
وروى البزار عن العباس- رضي الله تعالى عنه- قال رأيت في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء بأشطان شداد، فقصصت ذلك على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «ذاك وفاة ابن أخيك» .
أفناد قال في القاموس أي: تتبعوني ذوي فند: أي ذوي عجز وكفر للنّعمة والأشطان: بشين جمع شطن بشين معجمة فطاء مهملة فنون: الحبل.
الباب الرابع فيما جاء أنه خير بين أن يبقى حتى يرى ما يفتح على أمته وبين التعجيل واستغفاره - صلى الله عليه وسلم - لأهل البقيع
روى ابن إسحاق والإمام أحمد وابن سعد والبيهقي عن أبي مويهبة والإمام أحمد وابن سعد والبيهقي عن أبي رافع موليا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهما- واللفظ لأبي مويهبة- قال: أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يصلى على أهل البقيع فصلى عليهم ثلاث مرّات، فلما كان في الثانية هبنى من جوف اللّيل فقال: «يا أبا مويهبة إني أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فأسرج لي دابّتي» قال: فركب ومشيت حتّى انتهى إليهم فنزل عن دابته، وأمسكت الدّابة، فلما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح فيه الناس، لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضاً، يتبع آخرهم أوّلها، الآخرة شر من الأولى» ، ثم أقبل على وقال: «يا أبا مويهبة إنّي قد أتيت مفاتيح خزائن الدّنيا والخلد فيها، ثم الجنة. فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربّي والجنة» قال: قلت بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: «لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة» ، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في وجعه الّذي قبضه الله عز وجل فيه حين أصبح.
وروى ابن سعد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة فلبس ثيابه ثم خرج، فأمرت خادمتي بريرة، فتبعته حتى إذا جاء البقيع وقف في أدناه ما شاء الله أن يقف ثم انصرف فسبقته بريرة فأخبرتني فلم أذكر له شيئا حتى أصبح، ثم ذكرت له ذلك فقال «إني بعثت لأهل البقيع لأصلّي عليهم»
[ (١) ] .
وروى أيضا عنها قالت: فقدت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الليل فتبعته فإذا هو بالبقيع فقال: «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط أتانا الله وأتاكم ما توعدون، وأنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم» قالت: ثم التفت إلى فقال: «ويحها لو تستطيع ما فعلت»
[ (١) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: خطب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن عبدا خيره الله تعالى بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله» ، فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه فكان المخير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان أبو بكر هو أعلمنا به فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لا تبك يا أبا بكر إنّ أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوّة الإسلام، لا يبقى باب في المسجد إلا سدّ إلا باب أبي بكر» .
وروى عبد الرزاق بسند جيد قوي عن طاووس مرسلا قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «نصرت بالرعب وأعطيت الخزائن، وخيّرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل» .
وروي عن عقبة بن عامر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع على المنبر فقال: «إنّي بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد! وإنّ موعدكم الحوض وإنّي لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوا فيها» . قال عقبة: وكانت أخر نظرة نظرتها إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
تنبيه
«هبّ من نومه» هب بضم الهاء وأهببته أي استيقظته وأنبهته من نومه وأنتبه بمعناه.
القطع: بكسر القاف وسكون الطاء ظلمة آخر الليل.
الباب الخامس في ابتداء مرضه - صلى الله عليه وسلم - وسؤال أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - أن يمرضه في بيته
قال ابن إسحاق: لما قفل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من حجة الوداع أقام بالمدينة ذا الحجة، والمحرم، وصفر. وضرب على الناس بعث أميره أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- وقد تقدم ذكر ذلك في جمّاع أبواب بعوثه فبينا الناس على ذلك إذ ابتدأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشكواه الذي قبضه الله تعالى فيه إلى ما أراده به من رحمة وكرامة في ليال بقين من صفر، أو في أول ربيع الأول صبيحة ليلة خروجه البقيع ليلا مع أبي مويهبة، فلما أصبح ابتدأ بمرضه من يومه ذلك.
وروى ابن سعد عن محمد بن عمر عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن جده- رضي الله تعالى عنه- والبيهقيّ عن محمد بن قيس قالا: أوّل ما بدأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شكواه يوم الأربعاء فكان شكوه إلى أن قبض- صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر يوما. ومشى على ذلك أبو عمرو وغيره. وقال سليمان التيمي: يوم السبت ومشى عليه الخطابي وقال الإمام الليث بن سعد: يوم الاثنين في صفر سنة إحدى عشرة ليلة إحدى وعشرين رواه يعقوب بن سفيان قال أبو عمر: لليلتين بقيتا منه.
وروى محمد بن قيس لإحدى عشرة ليلة بقيت منه. وقال عمر بن علي: لليلة بقيت منه قال أبو الفرج بن الجوزي: ابتدأ به صداع في بيت عائشة، ثم اشتد أمره في بيت ميمونة وقيل: في بيت زينب بنت جحش.
وقيل: في بيت ريحانة. قال الحافظ: وكونه في بيت ميمونة هو المعتمد، لأنه الذي رواه الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها-.
وروى البلاذري عنها أنه- صلى الله عليه وسلم- أقام في بيت ميمونة سبعة أيام.
وروى ابن إسحاق والإمام أحمد عنها قالت: رجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات يوم من البقيع فدخل عليّ وهو يصدع وأنا اشتكي رأسي فقلت: وا رأساه فقال: «والله بل أنا والله وا رأساه» .
وفي رواية قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا مر ببابي يلقي إليّ الكلمة ينفع الله بها فمرّ ذات يوم فلم يقل شيئا مرتين، أو ثلاثا فقلت: يا جارية دعي لي وسادة على الباب: فجلست عليها على طريقه وعصبت رأسي فمرّ بي وقال: «ما شأنك» ؟ فقلت: أشتكي رأسي! فقال: «بل أنا وا رأساه» ! ثم مضى فلم يلبث إلا يسيرا حتى جيء به محمولا في كساء فدخل عليّ وقال: «وما عليك لو مت قبلي، فوليت أمرك وصليت عليك ودفنتك» فقلت: والله إني لأحسب أن لو كان ذلك، لقد خلوت ببعض نسائك في بيتي في آخر النهار فأعرست بها فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم تمادى به وجعه وهو يدور على نسائه ثم استعزّ به وهو في بيت ميمونة» .
وروى البخاري نحوه.
وروى أبو يعلى والإمام أحمد- برجال ثقات- عنها قالت: ما مر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بابي قطّ إلّا قد قال كلمة تقرّ بها عيني قالت: فمر يوما فلم يكلمني ومرّ من الغد فلم يكلمني قالت: ومر من الغد فلم يكلمني، قلت: قد وجد على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في شيء: قالت فعصبت رأسي وصفّرت وجهي، وألقيت وسادة قبالة باب الدّار فاجتنحت عليها، قالت: فمرّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنظر إليّ فقال: «ما لك يا عائشة» ؟ قالت: قلت يا رسول الله اشتكيت وصدّعت قال: «تقولين: وا رأساه، بل أنا وا رأساه» قالت فما لبث إلا قليلا حتى أتيت به يحمل في كساء قالت: فمرّضته ولم أمرّض مريضا قطّ ...
الحديث.
وروى ابن سعد عن عطاء بن يسار- رحمه الله تعالى- مرسلاً قال: أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقيل له: اذهب فصل على أهل البقيع، فذهب فصلى عليهم فقال: اللهم اغفر لأهل البقيع، ثم رجع فرقد فأتي فقيل له: اذهب فصل على الشهداء فذهب إلى أحد فصلى على قتلى أحد فرجع معصوب الرأس فكان بدء الوجع الذي مات فيه- صلى الله عليه وسلم-.
وروى أبو طاهر المخلص عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء أبو بكر إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ائذن لي فأمرّضك فأكون الذي أقوم عليك فقال: «يا أبا بكر إني إن لم أجد أزواجي وبناتي علاجي ازدادت مصيبتي عليهم عظما، وقد وقع أجرك على الله.
الباب السابع في اشتداد الوجع عليه - زاده الله فضلا وشرفا -
روى ابن حبان وابن سعد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: جعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يشتكي ويتقلّب على فراشه فقلت له: لو فعل هذا بغضنا قال: «إنّ الأنبياء يشدّد عليهم» .
وروى الإمام أحمد والشيخان وابن سعد عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا قال: «أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قلت: ذاك بأنّ لك أجرين؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله عنه من خطاياه كما تحطّ الشجرة ورقها» -.
وروى ابن سعد والشيخان والبلاذري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما رأيت أحدا أشدّ عليه الوجع من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى الإمام أحمد وابن سعد والبخاري في «الأدب» وابن أبي الدنيا وابن ماجه وأبو يعلى والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- فإذا عليه صالب من الحمى ما تكاد تقرّ يد أحدنا عليه من شدّة الحمّى.
وفي رواية «دخلنا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعليه قطيفة فوضعت يدي عليه فوق القطيفة فوجدت حرارتها فوق القطيفة فجعلنا نسبّح فقال: «ليس أحد أشدّ بلاء من الأنبياء، كما يشدّد علينا البلاء يضاعف لنا الأجر، إن كان النبي من الأنبياء ليسلّط عليه القمّل حتّى يقتله وإن كان النبي من الأنبياء ليعرّى ما يجد شيئا يواري عورته إلا العباءة يدرعها، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء»
[ (١) ] .
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد بإسناد صحيح والنسائي والحاكم وابن الجوزي عن أبي عبيدة عن عمته فاطمة بنت اليمان أخت حذيفة قالت: أتينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في نساء نعوده فإذا سقاء معلّق نحوه يقطّر ماؤه عليه من شدّة ما يجد من حرّ الحمى فقلنا: يا رسول الله لو دعوت الله يكشف عنك فقال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إن أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .
وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- طرقه وجع فجعل يشتكي ويتقلّب على فراشه فقالت له عائشة لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه! فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إنّ الصالحين يشدّد عليهم وإنّه لا يصيب المؤمن نكبة من شوكة فما فوق ذلك إلّا حطّت بها عنه خطيئة ورفع بها درجة» .
وروى ابن سعد عنها قالت: مرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مرضا اشتد منه ضجره أو وجعه فجعل يشتكي ويتقلب على فراشه فقلت: يا رسول الله إنك لتجزع أو تضجر، لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إن المؤمنين يشدّد عليهم، لأنّه لا يصيب المؤمن نكبة من شوكة فما فوقها ولا وجع إلا رفع الله تعالى له بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة» .
وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن أسامة بن يزيد- رضي الله تعالى عنه- قال: لما ثقل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجعه هبط وهبط الناس معه إلى المدينة، فدخلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد أصمت فلم يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها عليّ، أعرف أنه يدعو لي.
وروى النسائي والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أغمي على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في حجرتي، فجعلت أمسح له وجهه وأدعو له بالشفاء، فقال: «بل أسأل الله الرفيق الأعلى لأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل» .
وروى الإمام أحمد في «الزهد» وابن سعد عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال دخلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يوعك فوضعت يدي فوق ثوبه، فوجدت حرّها من فوق الثوب، فقلت: يا رسول الله ما وجدت أحدا تأخذه الحمّى أشدّ من أخذها إيّاك قال: «كذلك يضاعف لنا الأجر إن أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثمّ الصّالحون» .
وروى ابن أبي شيبة والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان بين يديه ركوة، أو عليه فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت» - وفي لفظ: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات» ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرّفيق الأعلى» .
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن الجوزي عنها قالت: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح بها وجهه- وفي لفظ- ثم يمسح وجهه بالماء، ثم قال: «اللهم أعني على سكرات الموت» .
وروى البلاذري عنها قالت: لا أغبط أحدا يخفف عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
ورواه البخاري بلفظ: لا أكره شدّة الموت لأحد أبدا بعد النبي- صلى الله عليه وسلم-.
صالب الحمّى- قال في الصحاح: الصّالب: الحارّة من الحمى، خلاف الناقص تقول: صلبت عليه حمّة تصلب بالكسر أي دامت واشتدّت، فهو مصلوب عليه هذا أي: طورا ونارا.
الباب الثامن في أمره - صلى الله عليه وسلم - أن يصب عليه الماء لتقوى نفسه فيعهد إلى الناس
روى الشيخان وابن سعد والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما ثقل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واشتدّ وجعه قال: «اهريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهنّ، لعلّي أعهد إلى الناس» قالت: فأجلسناه في مخضب لحفصة ثم طفقنا نصبّ عليه من تلك القرب حتى جعل يشير إلينا أن قد فعلتم، ثمّ خرج إلى الناس فصلّى بهم وخطبهم.
وروى ابن إسحاق عنها قالت: قال النبي- صلى الله عليه وسلم- في مرضه: «صبوا عليّ من سبع قرب من آبار شتى حتّى أخرج إلى النّاس فأعهد إليهم» قالت: فأقعدناه في مخضب لحفصة فصببنا عليه الماء صبّا أو شننا عليه الماء شنّا فوجد راحة فخرج عاصبا رأسه وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه واستغفر للشهداء من أصحاب أحد ودعا لهم ثم قال: «أما بعد فإنّ الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم، إلا في حدّ ألا إن عبدا من عباد الله قد خيّره الله بين الدّنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله» ففهمها أبو بكر وعرف أنّ نفسه يريد، فبكى وقال: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «على رسلك يا أبا بكر سدّوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر فإني لا أعلم امرءا أفضل عندي يدا في الصحابة من أبي بكر» وفي رواية: «لو كنت متخذا من العباد خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء وإيمان حتى يجمع الله بيننا عنده» .
وروى البخاريّ والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه، فصعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «أنه ليس من الناس أحد آمنّ عليّ بنفسه وماله من أبي بكر، ولو كنت متخذا من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن خلّة الإسلام أفضل سدّوا عنّي كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر» .
وروي عن عروة بن الزبير- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد وهو في وجعه، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر وقد كان الناس قالوا في إمرة أسامة: أمّر غلاما حدثا على جلّة المهاجرين والأنصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها النّاس انفذوا بعث أسامة فلعمري لئن قلتم في إمارته فقد قلتم في إمارة أبيه من قبله وإنّه لخليق بالإمارة وإن كان أبوه لخليق الإمارة ثم نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وانكمش الناس في جهازهم واستقر برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجعه، فخرج وخرج جيشه معه حتى تدلوا الجرف من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره وتتامّ إليه الناس، وثقل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فقام أسامة والناس ينتظرون ما الله قاض في رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عاصبا رأسه بخرقة فلما استوى على المنبر تحدق الناس بالمنبر واستنكفوا حوله فقال: والذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض الساعة ثم تشهد، فلما قضى تشهّده كان أول ما تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد ثم قال: إن عبدا من عباد الله خيّر بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه، وقال: بأبي أنت وأمي نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا، فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: على رسلك»
[ (١) ] .
في بيان غريب ما سبق
الوكاء ...
أحدق من الحدقة وهي العين والتحديق: شدة النّظر.
استنكف حوله بمعنى: أحاط عليه.
أهرق يقال: هراق الماء يهريقه- بفتح الهاء، هراقة أي صبّه.
الباب التاسع فيما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - طلب من أصحابه القود من نفسه
روى ابن سعد وأبو يعلى والطبراني وابن جرير والبيهقي وأبو نعيم وابن الجوزي عن الفضل بن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «شدّوا رأسي، لعلّي أخرج إلى المسجد» ، فشددت رأسه بعصابة ثم خرج إلى المسجد يهادي بين رجلين، حتى قدم على المنبر ثم قال: نادوا في الناس فصحت في الناس فاجتمعوا إليه فقال: أمّا بعد أيّها النّاس فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وإنه قد دنا مني خفوق من بين أظهركم وإنما أبا بشر فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ولا يقولن أحد: إني أخشى الشّحناء من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ألا وإن الشّحناء ليست من طبعي ولا من شأني، ألا وإن أخيركم إليّ من أخذ مني شيئا كان له، أو حلّلني فلقيت الله عز وجل وأنا طيّب النّفس، وإني أرى أن هذا غير مغن حتى أقوم فيكم مرارا ثم نزل، فصلى الظهر، ثم جلس على المنبر، فعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها فقام رجل فقال: إذا والله يا رسول الله إن لي عندك ثلاثة دراهم فقال: أما أنا فلا أكذّب قائلا ولا أستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندي؟ فقال يا رسول الله أتذكر يوم مرّ بك المسكين، فأمرتني، فأعطيته ثلاثة دراهم، فقال: يا فضل أعطه ثم قال: أيها الناس من كان عليه شيء فليؤدّه ولا يقولنّ رجل فضوح الدنيا ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ثم عاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مقالته الأولى ثم قال: «أيها الناس من كان عنده من الغلول شيء فليردّه» ، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله قال: «ولم غللتها؟» قال: كنت محتاجا إليها، قال: «خذها منه يا فضل» ، فقال: ألا من أحس- وفي لفظ- خشي من نفسه شيئا فليأت. ادع الله له، فقام رجل فقال: يا رسول الله إني لكذوب وإني لفاحش فقال: «اللهم ارزقه الصدق واذهب عنه الكذب إذا أراد» ، ثم قام رجل فقال: يا رسول الله إني منافق وإني لبخيل وإني لجبان [وإني لنؤوم وإني لكذوب فقام عمر بن الخطاب فقال: فضحت نفسك أيّها الرجل] [ (١) ] فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- يا بن الخطاب: فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة فقال اللهم ارزقه إيمانا وصدقا واذهب عنه النوم وشحّ نفسه وشجّع جبنه. قال الفضل: فلقد رأيته في الغزو وما معنا رجل [أسخى] منه نفسا ولا أشدّ بأسا، ولا أقلّ نوما فقال عمر: كلمة فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم قال: عمر معي وأنا مع عمر، والحق مع عمر حيث كان وقامت امرأة وأومأت بإصبعها إلى نسائها فقال: انطلقي إلى بيت عائشة حتى آتيك ثم أتاها، فوضع قضيبا على رأسها ثم دعا لها، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- فإني كنت لا أعرف دعوة النبي- صلى الله عليه وسلم- فيها إذ كانت تقول: يا عائشة أحسني صلاتك.
تنبيهات
الأوّل: حديث ابن عباس في قصة عكّاشة وطلبه القصاص من النبي- صلى الله عليه وسلم- وطلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- القضيب المسوق مع الحسن والحسين من السيدة فاطمة- رضي الله تعالى عنها- فهو حديث باطل رواه الطبراني من حديث عبد المنعم بن إدريس، وهو كذاب أشر، وقد صرح بوضعه الرازي في كتاب العلل له وابن الجوزي والذهبي في كتاب «العلوّ الإلهي المقدس» والشيخ وغيرهم فليحذر.
يهادي: أي كان يمشي بينهما يعتمد عليهما من ضعفه وتمايله.
خفوق: - «بخاء معجمة مضمومة وفاء آخره قاف يقال: خفقت الشّمس إذا تدلّت للغروب.
الشّحناء: - العداوة.
فضوح: «بفاء فضاد معجمة مضمومة فواو فحاء، كشف المساوىء.
الباب العاشر في مدة مرضه - صلى الله عليه وسلم - واستخلافه أبا بكر في الصلاة بالناس
قال الحافظ: اختلف في مدة مرضه، فالأكثر على أنّه ثلاثة عشر يوما.
وقيل: بزيادة يوم وقيل: بنقصه.
وقيل: تسعة أيام رواه البلاذري عن علي- رضي الله تعالى عنه- وقيل: عشرة، وفيه جزم سليمان التيمي، وكان يخرج إلى الصلاة إلا أنّه انقطع ثلاثة أيّام. قال في العيون: أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يصلى بالناس فصلى بهم فيما روينا سبع عشرة صلاة، ورواه البلاذري عن أبي بكر ابن أبي سبرة- وفي لفظ- وقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن سعد عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: لما استعز برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا عنده في نفر من المسلمين قال: دعا بلال للصلاة فقال مروا من يصلي بالناس قال: فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا فقال قم يا عمر فصلّ بالناس، قال: فقام فلما كبر عمر سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صوته وكان عمر رجلا مجهرا قال: فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: لا، لا، لا يصلي بالناس إلا ابن أبي قحافة يقول ذلك مغضبا فأين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون، قال: فبعث إلى أبي بكر بعد ما صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس قال وقال عبد الله بن زمعة قال عمر لي: ويحك ماذا صنعت بي يا بن زمعة، والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس قال: قلت: والله ما أمرني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحقّ من حضر بالصّلاة.
وروى الشيخان وابن سعد والبلاذري والبيهقي وابن إسحاق عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما مرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مرضه الذي مات فيه فثقل، فحضرت الصلاة فأذّن بلال فقال: «أصلّى النّاس؟» قلت: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! [فقال: ضعوا لي ماء في المخضب قالت: ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: «أصلّى النّاس؟» فقلت: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله] [ (١) ] فقال: «ضعوا إليّ ماء في المخضب» قالت: فقلنا فاغتسل فقال: «أصلّى الناس؟» فقلنا: لا، هم ينتظرونك! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لصلاة العشاء الآخرة. فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس فقلت: أن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يسمع النّاس من البكاء.
وفي لفظ: لم يستطع أن يصلّي بالناس فعاودته مثل مقالتي فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» فقلت لحفصة: قولي له: أن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصلّ بالناس ففعلت حفصة فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إنّكنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» ، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: لقد عاودت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ذلك، وما حملني على معاودته إلا أن يتشائم النّاس بأبي بكر.
- وفي لفظ- والله ما أقول ذلك إلا أني كنت أحب أن يصرف الله ذلك عن أبي بكر، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا، وأن الناس يتشاءمون به في كل حدث كان، فكنت أحبّ أن يصرف ذلك عن أبي بكر.
- وفي لفظ- علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشائم الناس به، فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن أبي بكر إلى غيره فأرسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه من البكاء فقال: يا عمر صلّ بالنّاس قال: أنت أحقّ بذلك فصلى بهم تلك الأيام ثم إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجد خفّة فخرج يهادي بين رجلين، أحدهما العباس لصلاة الظّهر كأني أنظر إلى رجليه يخطان الأرض من الوجع، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر وأمرهما فأجلساه إلى جنب أبي بكر عن يساره فأخذ النبي- صلى الله عليه وسلم- من حيث الآية التي انتهى أبو بكر إليها فقرأ، فجعل أبو بكر يصلي قائما ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي قاعدا، وفي رواية: فكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
وروى ابن إسحاق وابن سعد والبلاذري عن عبيد الله بن أبي مليكة عن عبيد بن عمير، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما فرغ من الصلاة يوم صلى قاعدا عن يمين أبي بكر قال: وأقبل عليهم فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد: يا أيها الناس سعّرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم وإنّي والله لا يمسك الناس عليّ بشيء إني لم أحلّ إلّا ما أحلّ القرآن ولم أحرّم إلّا ما حرّم القرآن يا فاطمة بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يا صفية عمّة محمد اعملا لها عند الله فإني لم أغن عنكما من الله شيئا، فلما فرغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من كلامه قال أبو بكر: يا رسول الله إنّي أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما تحب واليوم يوم بنت خارجة فأتها قال: نعم ثم دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وخرج أبو بكر إلى أهله بالسّنح.
وروى الإمام أحمد والنسائي والبيهقي والترمذي وصححه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خلف أبي بكر قاعدا في مرضه الذي مات فيه» .
وروى ابن سعد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كشف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السّتارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أنه لم يبق من مبشّرات النّبوّة إلّا الرّؤيا الصّالحة يراها المسلم، أو ترى له ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا، فأمّا الرّكوع فعظموا فيه الرّب، وأما السّجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» .
وروى الطبراني عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كشف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سترا، وفتح بابا في مرضه، فنظر إلى الناس يصلون خلف أبي بكر، فسرّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذلك.
وروى ابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: إن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأنّ وجهه ورقة بمصحف، ثم تبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ضاحكا، فبهشنا ونحن في الصلاة من الفرح بخروج رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وفي رواية: «وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم برسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين رأوه ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ وظنّ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خارج إلى الصلاة فأشار إليهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن أتموا صلاتكم ثم دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من يومه» .
وروي أيضا عنه قال آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فلما رآه الناس تخشخشوا فأومأ إليهم أن امكثوا مكانكم فنظرت إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف ثم ألقى السّجف وتوفّي من آخر ذلك اليوم.
في بيان غريب ما سبق
«استعزّ» بضم المثناة والفوقية وكسر العين المهملة وزاء معجمة يقال: أستعز بفلان أي غلب عن كل شيء من مرض أو غيره. وقال أبو عمر: استعزّ بالعليل إذا غلب على عقله.
المخضب بالكسر شبه المركن وهي إجّانة تغسل فيها الثياب] .
السّنح هنا بضم السين والنون.
وقيل: بسكونها، أطم الجشم وزيد بن الحارث على ميل من المسجد النبوي، وهو أدنى العالية سميت الناحية، ووهم من جعله بحري مسجد الفتح، لأن ذلك بالمثناة التحتية وكسر السين قاله السيد نور الدين السمهودي في «تاريخ المدينة» .
«قمن-: بقاف مفتوحة فميم مكسورة فنون: حقيق.
الباب الحادي عشر في إرادته - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب لأبي بكر كتابا ثم لم يكتب
روى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما ثقل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائتني بكتف أو لوح أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: «يأبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر» ورواه البخاري لقد: هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول قائلون، أو يتمنى المتمنون ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون ورواه مسلم بلفظ قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مرضه ادع لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، وقد ورد أنه أراد أن يكتب كتابا ولم يذكر أبا بكر.
الباب الثاني عشر في إرادته - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب لأصحابه كتابا فاختلفوا فلم يكتب
روى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بلّ دمعه الحصى، قلت يا ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقال عمر: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مدّ عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت، فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم ومنهم من يقول ما قال عمر. فتنازعوا ولا ينبغي عند النبي التنازع، فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه! فذهبوا يعيدون عليه فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «قوموا» لما أكثروا اللّغو والاختلاف عنده، دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه. فقال: وأوصاهم عند موته بثلاث فقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم قال: وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيها فقال ابن عباس إن الرّزيئة سحل الرّزيئة ما حال بين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبين أن يكتب لهم هذا الكتاب لاختلافهم ولغطهم» .
وروى أبو يعلى بسند صحيح عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده وفي رواية: «يكتب فيهما كتابا لأمّته لا يظلمون ولا يظلمون» وكان في البيت لغط فنكل عمر فرفضها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم- وبقية رجاله ثقات- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بكتف فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تختلفون بعدي فأخذ من عنده من الناس وفي لفظ: «فقالت امرأة ممن حضر ويحكم عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إليكم فقال بعض القوم اسكتي فإنه لا عقل لك فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- أنتم لا أحلام لكم.
وروى الإمام أحمد وابن سعد- وفي سنده ضعف- عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال أمرني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن آتيه بطبق أكتب فيه ما لا تضلّ أمتي من بعدي قال: فخشيت أن تسبقني نفسه قال: قلت إني أحفظ وأوعى قال: أوصي بالصّلاة والزّكاة وما ملكت أيمانكم» .
تنبيهات
الأول: قال البيهقي والذهبي: وإنما أراد عمر التخفيف عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين رآه شديد الوجع لعلمه أن الله تبارك وتعالى قد أكمل ديننا، ولو كان ذلك الكتاب وحيا لكتبه النبي- صلى الله عليه وسلم- ولما أخل به لاختلافهم ولغطهم لقول الله تعالى: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] كما لم يترك تبليغ غيره لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه، وإنما أراد ما حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله، أن يكتب استخلاف أبي بكر، ثم ترك كتابته اعتمادا على ما علم من تقدير الله تعالى، كما هم به في ابتداء مرضه حين قال: «وا رأساه» . ثم بدا له أن لا يكتب ثم قال: «يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر»
ثم نبه أمّته على خلافته باستخلافه إيّاه في الصلاة حين عجز عن حضورها [ (١) ] ، وبسط البيهقي الكلام في ذلك. وقال المازري: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلّت على أن الأمر ليس على التحتم بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه- صلى الله عليه وسلم- قال ذلك عن غير قصد جازم [وعزمه- صلى الله عليه وسلم- كان إمّا بالوحي وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد أيضا] . وقال النووي: اتفق العلماء على أن قول عمر «حسبنا كتاب الله» من قوة فقهه ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب أمورا ربما عجزوا عنها فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد من العلماء، وفي تركه- صلى الله عليه وسلم- الإنكار على عمر الإشارة إلى تصويبه وأشار بقوله: «حسبنا كتاب الله» إلى قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: أن الرزية ... إلخ، لأن عمر كان أفقه منه قطعا، ولا يقال: أن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن وأعلم الناس بتفسيره ولكنه أسف على ما فاته من البيان وبالتنصيص عليه لكونه أولى من الاستنباط والله تعالى أعلم.
قولهم: «أهجر» بإثبات همز الاستفهام وفتح الهاء والجيم، قالوا: ولبعضهم هجرا بضم الهاء وسكون الجيم والتنوين أي قال هجرا والهجر بضم الهاء وسكون الجيم، وهو الهذيان الذي يقع من كلام المريض، الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته ووقوع ذلك من النبي- صلى الله عليه وسلم- في حقه مستحيل.
وإنما هذا على طريق الاستفهام الذي معناه الإنكار والإبطال- أي أنه- صلى الله عليه وسلم- لا يهجر أي: لم يختلفوا في الأخذ عنه ولم ينكروا عليه الكتاب، وهو لا يهجر أصلا.
الرزيئة براء مفتوحة فزاي مكسورة فياء فهمز المصيبة.
اللغط: بغين معجمة فطاء مهملة محركا الصوت أو الجلبة، أو أصوات مبهمة لا تفهم.
الباب الثالث عشر في إخراجه - صلى الله عليه وسلم - من المال كان عنده وعتق عبيده
روى ابن سعد والطبراني- برجال الصحيح- عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- قال: كان عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سبعة دنانير وضعها عند عائشة فلما كان في مرضه قال: يا عائشة ابعثي الذّهب إلى علي، ثم أغمي عليه وشغل عائشة ما به حتى قال ذلك مرارا كل ذلك يغمى على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويشغل عائشة ما به فبعث به إلى علي فتصدّق به، ثم أمسى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليلة الاثنين في جديد الموت، فأرسلت عائشة إلى امرأة من النساء بمصباحها فقالت: اقطري لنا في مصباحي من عكيك السن فإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمسى في جديد الموت» .
وروى ابن سعد أيضا عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة- وهي مسندته إلى صدرها: «يا عائشة ما فعلت تلك الذّهب؟ قالت: هي عندي قال فأنفقيها ثم غشي عليه وهو على صدرها فلما أفاق قال: هل أنفقت تلك الذّهب يا عائشة قالت: لا والله يا رسول الله، قالت: فدعا بها فوضعها في كفّه، فعدّها، فإذا هي ستّة دنانير فقال: ما ظنّ محمّد بربّه أن لو لقي الله وهذه عنده؟ فأنفقها كلها، ومات من ذلك اليوم.
وروى مسدد وابن أبي عمر وابن أبي شيبة والإمام أحمد- برجال الصحيح- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في وجعه الذي مات فيه: ما فعلت بالذّهب؟ قلت: هو عندي يا رسول الله قال: ائت بها فأتيت بها فجعلها في كفّه وهي بين الخمس والسّبع فرفع بها كفّه وقال: أنفقيها وقال: ما ظنّ محمّد إن لقي الله وهذه عنده أنفقيها.
وروى أبو طاهر المخلص عن سهل بن يوسف عن أبيه عن جده قال: أعتق النبي- صلى الله عليه وسلم- في مرضه أربعين نفسا-.
الباب الرابع عشر في إعلامه - صلى الله عليه وسلم - ابنته فاطمة - رضي الله تعالى عنها - بموته
روى الخمسة والطبراني وابن حبان والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: اجتمع نساء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يغادر منهم امرأة في وجعه الذي مات فيه وما رأيت أحدا أشبه سمتا وهديا ودلّا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- في قيامها وقعودها من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها وقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مرض جاءت تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: مرحبا يا بنتي فأجلسها عن يمينه أو عن شماله فأكبت عليه تقبّله، فسارّها بشيء، فبكت، ثم سارّها فضحكت فقلت: ما رأيت اليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عن ذلك قلت لها: ما خصك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالسّرار وتبكين فلما أن قامت قلت لها: أخبريني بما سارّك؟ قالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما أن توفي قلت لها: أسألك بما لي عليك من الحق لما أخبرتيني قالت أما الآن فنعم: سارّني فقال: إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، وأنه لم يكن نبيّ كان بعده نبيّ إلا عاش بعده نصف عمر الذي كان قبله، ولا أرى ذلك إلا اقترب أجلي- وفي لفظ- فقالت إنه أخبرني أنه يقبض في وجعه، فاتقي الله واصبري، إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزنة منك فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبرا فنعم السلف أنا لك فبكيت ثم سارني فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة- وفي لفظ- «أخبرني أني أول أهله لحوقا به، فضحكت ضحكي الذي رأيت» .
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،