السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

وفاته ﷺ

التاريخابن ثلاث وستين، سنة ١١
عمره ﷺ٦٣

ابن ثلاث وستين، سنة ١١، وعمره ﷺ ٦٣

تقرأ في محمد بن سعد، ت ٢٣٠هـ، ٤٨٤ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: تحقيق علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ
عناوينه هنا (٥٥)
  1. وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -
  2. ذكر ما قرب لرسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، من أجله
  3. ذكر عرض رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، القرآن على جبريل واعتكافه في السنة التي قبض فيها
  4. ذكر من قال: إن اليهود سحرت رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  5. ذكر ما سم به رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  6. ذكر خروج رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إلى البقيع واستغفاره لأهله والشهداء
  7. ذكر أول ما بدأ برسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وجعه الذي توفى فيه
  8. ذكر شدة المرض على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  9. ذكر ما كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يعوّذ به ويعوّذه جبريلُ
  10. ذكر صلاة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بأصحابه في مرضه
  11. ذكر أمر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أبا بكر يصلى بالناس في مرضه
  12. ذكر ما قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه لأبى بكر، رضي الله عنه
  13. ذكر سد الأبواب غير باب أبي بكر، رضي الله عنه
  14. ذكر تخيير رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  15. ذكر قسم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بين نسائه في مرضه من نفسه
  16. ذكر استئذان رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، نساءه أن يمرض في بيت عائشة
  17. ذكر السواك الذي استن به رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه الذي مات فيه
  18. ذكر اللدود الذي لد به رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه
  19. ذكر الدنانير التي قسمها رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه الذي مات فيه
  20. ذكر الكتاب الذي أراد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أن يكتبه لأمته في مرضه الذي مات فيه
  21. ذكر ما قال العباس بن عبد المطلب لعلي بن أبي طالب في مرض رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -[الذي مات فيه]
  22. ذكر ما قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، لفاطمة ابنته في مرضه، صلوات الله عليهما وسلامه
  23. ذكر ما قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه لأسامة بن زيد، رحمه الله
  24. ذكر ما قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه الذي مات فيه للأنصار، رحمهم الله
  25. ذكر ما أوصى به رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه الذي مات فيه
  26. ذكر نزول الموت برسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  27. ذكر وفاة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  28. ذكر من قال إن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، لم يوص وإنه توفى ورأسه في حجر عائشة
  29. ذكر من قال توفى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في حجر علي بن أبي طالب
  30. ذكر تسجية رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، حين توفى بثوب حبرة
  31. ذكر تقبيل أبى بكر الصديق رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بعد وفاته
  32. ذكر كلام الناس حين شكوا في وفاة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  33. ذكر كم مرض رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، واليوم الذى توفى فيه
  34. ذكر التعزية برسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  35. ذكر القميص الذى غسل فيه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  36. ذكر غسل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وتسمية من غسله
  37. ذكر من قال كفن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في ثلاثة أثواب
  38. ذكر من قال كفن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في ثلاثة أثواب أحدها حبرة
  39. ذكر من قال كفن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في ثلاثة أثواب برود، ومن قال كفن في قميص وحلة
  40. ذكر حنوط النبي، - صلى الله عليه وسلم -
  41. ذكر الصلاة على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  42. ذكر موضع قبر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  43. ذكر حفر قبر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، واللحد له
  44. ذكر ما ألقى في قبر النبي، - صلى الله عليه وسلم -
  45. ذكر من نزل في قبر النبي، - صلى الله عليه وسلم -
  46. ذكر قول المغيرة بن شعبة إنه آخر الناس عهدا برسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  47. ذكر دفن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  48. ذكر رش الماء على قبر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  49. ذكر تسنيم قبر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -
  50. ذكر سن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يوم قبض
  51. ذكر مقام رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بالمدينة بعد الهجرة إلى أن قبض
  52. ذكر الحزن على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ومن ندبه وبكى عليه
  53. ذكر ميراث رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وما ترك
  54. ذكر من قضى دين رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وعداته
  55. ذكر من رثى النبي، - صلى الله عليه وسلم -

وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -

٣/١٧٢٣/١٧٢

من الدّخاخين وأجالَ الخيلَ في عَرَصَاتهم وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة على فرس أبيه سَبْحة وقتل قاتِلَ أبيه في الغارة وأسهم للفرس سهمَين ولصاحبه سهمًا وأخذ لنفسه مثل ذلك. فلمّا أمسَى أمر النّاس بالرّحيلِ ثمّ أغَذّ السّيْرَ فوردوا وادى القُرى في تسعِ ليال، ثمّ بعث بشيرًا إلى المدينة يخبر بسلامتهم، ثمّ قصد بعدُ في السّير فسار إلى المدينة ستًّا وما أصيب من المسلمين أحدٌ، وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقّونهم سرورًا بسلامتهم ودخل على فرس أبيه سَبْحة واللّواءُ أمامه يحمله بُريدة بن الحُصيب حتى انتهى إلى المسجد فدخل فصلّى ركعتين ثمّ انصرف إلى بيته. وبلغ هِرقل وهو بحِمْص ما صنع أسامة فبعث رابصةً يكونون بالبَلْقاء، فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشأم في خلافة أبي بكر وعمر.

ذكر ما قرب لرسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، من أجله

أخبرنا عفّان بن مسلم عن شُعبة وأخبرنا عُبيد الله بن موسى العبسى عن إسرائيل بن يونس جميعًا عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عُبيدة بن عبد الله يخبر عن أبيه قال: كان النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يكثر أن يقول: سبحانَك اللهمّ وبحمدك اللهمّ اغفر لي! فلمّا نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ، قال: سبحانَك اللهمّ وبحمدك اللهمّ اغفر لي إنّك أنت التّوّاب الرّحيم.

أخبرنا هَوْذة بن خليفة، أخبرنا عوْف عن الحسن قال: لمّا أُنْزِل على النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سورة النصر: ١ - ٣] قال: قرب لرسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أجَلُه وأُمر بكثرة التسبيح والاستغفار.

أخبرنا قَبيصة بن عقبة، أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عون عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [سورة النصر: ١] قال: داعٍ من الله ووداعٌ من الدّنيا.

٣/١٧٣٣/١٧٣

وأخبرنا نصر بن باب عن داود بن أبي هند عن عامر عن مسروق عن عائشة أنّها قالت: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في آخِر عمره يكثر من قوله: سبحان الله وبحمده استغفرُ الله وأتوب إليه! قالت: فقلت يا رسول الله إنّك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفرُ الله وأتوب إليه ما لم تكن تفعله قبل اليوم، قالت فقال: إنّ ربّى كان أخبرني بعلامة في أُمّتى فقال إذا رأيتَها فسبّحْ بحمدِ ربك واستغفِرْه، فقد رأيتهما ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، إلى آخر السورة.

أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا عبّاد بن العوّام عن هلال -يعني ابن خبّاب- عن عِكرمة عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت إذا جاء نصر الله والفتح دعا رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فاطمةَ فقال: إنّى نُعِيَتْ إليّ نفسى! قالت: فبكيتُ، فقال: لا تبكى فإنّكِ أوّل أهلى بي لحوقًا، فضَحِكتُ وقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إذا جاء نصرُ الله والفتح وجاءَ أهل اليَمَن هم أرقّ أفئِدةٍ والإيمانُ يمانٍ والحِكْمةُ يمانية.

أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهري عن أبيه عن صالح بن كَيْسان عن ابن شهاب، أخبرني أنس بن مالك: أنّ الله، تبارك وتعالى، تابع الوحيَ على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قبل وفاته حتى توفّى، وأكثر ما كان الوحيُ في يوم توفّى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

أخبرنا المعلّى بن أسَد، أخبرنا وُهيب عن أيوب عن عِكرمة قال: قال العبّاس لأعلمنّ ما بقاءُ رسولِ الله فينا، فقال له: يا رسول الله لو اتخذتَ عرشًا فإنّ النّاس قد آخَوْكَ، قال: واللهِ لا أزال بين ظَهْرَانَيهم ينازعونى ردائى ويُصيبنى غُبارُهم حتى يكون الله يُريحنى منهم! قال العبّاس: فعرفنا أن بقاء رسول الله فينا قليلٌ.

أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن الدّمشقي، أخبرنا شعيب بن إسحاق والوليد بن مسلم وأخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا بِشْر بن بكر قالوا: أخبرنا الأوْزاعي وحدّثنى ربيعة بن يزيد سمعت واثلة بن الأسقع قال: خرج علينا رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: أتزعمون أنّى من آخِركم وفاةً؟ ألا وإنّى من أوّلكم وفاة وتتّبعونى أقتادًا يهلك بعضكُم بعضًا: قال خالد بن خِداش في حديثه: أفْنَادًا.

٣/١٧٤٣/١٧٤

أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عطاء بن السّائب عن سالم بن أبي الجعد: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: أتيتُ فيما يرى النائم بمفاتيح الدنيا ثمّ ذُهِب بنبيّكم إلى خير مذهبٍ وتُركتُم في الدنيا تأكلون الخبيص أحمرَه وأصفره وأبيضه، الأصل واحدٌ العسل والسّمن والدّقيق، ولكنّكم اتّبعتم الشّهوات.

أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن غالب عن بكر بن عبد الله قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: حياتى خيرٌ لكم، تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا متّ كانت وفاتى خيرًا لكم، تُعرض عليّ أعمالكم، فإذا رأيت خيرًا حمدتُ الله وإن رأيت شَرًّا استغفرت الله لكم.

أخبرنا هاشم بن القاسم الكنانيّ، أخبرنا محمّد بن طلحة عن الأعمش عن عطيّة عن أبي سعيد الخُدْري عن النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: إنّى أوشكُ أن أُدْعى فأُجيب وإنّى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعِترتى، كتابُ الله حَبْلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتى، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يَرِدا عليّ الحوض، فانظروا كيف تَخْلُفُونِي فيهما.

ذكر عرض رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، القرآن على جبريل واعتكافه في السنة التي قبض فيها

أخبرنا عُبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن أبي حَصين عن أبي صالح قال: كان جبريل يعرض القرآن كلّ سنةٍ مرّة على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلمّا كان العام الذي قُبض فيه عَرضه عليه مرّتين، وكان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يعتكف فى رمضان العشرَ الأواخر، فلمّا كانت السنة التي قُبض فيها اعتكف عشرين يومًا (١) .

أخبرنا يحيَى بن خُلَيف بن عقبة البصريّ وأخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا ابن عون عن محمّد بن سِيرين قال: كان جبريل يعرض القرآن على النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كلّ عام مرّة في رمضان، فلمّا كان العام الذي توفّى فيه عرضه عليه مرّتين، قال محمّد: فأنا أرجو أن تكون قراءتنا العرْضَةَ الأخيرة.

٣/١٧٥٣/١٧٥

أخبرنا يعلَى بن عُبيد، أخبرنا محمّد بن إسحاق عن ابن شهاب عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يعرض الكتاب على جبريل في كلّ رمضان، فإذا أصبح النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من ليلته التي يعرض فيها ما يعرض أصبح وهو أجود من الرّيح المرسَلة لا يُسْأل شيئًا إلّا أعطاه، فلمّا كان الشهر الذي هلك بَعْدَه عرضه عليه عرضتين.

أخبرنا يحيَى بن عبّاد عن إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أجود النّاس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حتى ينسلخ إذا لقيه جبريل يعرض عليه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، القرآن فكان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أجود بالخير من الريح المرسَلة.

أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا أبو معشر عن يزيد بن زياد قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في السنة التي قُبض فيها لعائشة: إنّ جبريل كان يعرض عليّ القرآن فى كلّ سنة مرّة فقد عرض عليّ العامَ مرّتين، وإنّه لم يكن نبيّ إلّا عاش نِصْفَ عُمْرِ أخيه الذي كان قَبْله، عاش عيسى بن مريم مائة وخمسًا وعشرين سنةً، وهذه اثنتان وستّون سنة، ومات في نصف السنة.

أخبرنا هاشم بن القاسم قال: أخبرنا المسعوديّ عن القاسم -يعني ابن عبد الرحمن- قال: كان جبريل ينزل على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يُقرئه القرآنَ كلّ عامٍ في رمضان مرّةً حتى إذا كان العام الذي قُبض فيه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، نزل جبريل فأقرأه القرآن مرّتين: قال عبد الله: فقرأت القرآن مِن فِي رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ذلك العامَ. واللهِ لو أنّى أعلم أنّ أحدًا أعلمُ بكتابِ اللهِ منّى تُبَلّغُنيه الإبل لَركبتُ إليه، واللهِ ما أعلَمُهُ.

ذكر من قال: إن اليهود سحرت رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -

أخبرنا عفّان، أخبرنا وُهَيب، أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، سُحر له حتى كان يخَيّل إليه أنّه يصنع الشئ ولم يصنَعْه، حتى إذا كان ذات يومٍ رأيتُه يدعو فقال: أشَعَرْتِ أنّ الله قد أفتانى فيما استفتيتُهُ؟

٣/١٧٦٣/١٧٦

أتانى رجلان فقعد أحدُهما عند رأسى والآخر عند رِجْلَيّ فقال أحدهما: ما وجعُ الرّجلِ؟ فقال الآخرُ: مطبوبٌ! فقال: مَن طبّه؟ فقال: لبيد بن الأعصم، قال: فيمَ؟ قال: في مشطٍ ومُشاطة وجُبّ طَلْعةٍ ذكرٍ! قال: فأين هو؟ قال: في ذى ذَرْوَان: قال: فانطلق رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلمّا رجع أخبر عائشة فقال: كأنّ نخلها رءوس الشياطين وكأنّ ماءَها نُقاعةُ الحِنّاء، فقلت: يا رسول الله فأخْرجْه للنّاس! قال: أمّا الله فقد شفانى وخشيتُ أن أُثَوّر على النّاس منه شرًّا (١) .

أخبرنا موسى بن داود قال: أخبرنا ابن لَهِيعة عن عمر مولى غُفْرة: أنّ لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حتى التبس بصرُهُ وعادَه أصحابُهُ، ثمّ إنّ جبريل، عليه السلام، وميكائيل أخبراه فأخذه النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فاعترف فاستخرج السّحرَ من الجُبّ من تحت البئر ثمّ نزعه فحلّه فكُشِفَ عن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وعفا عنه (٢) .

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني أبو مروان عن إسحاق بن عبد الله عن عمر بن الحكم قال: لمّا رجع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من الحُدَيْبية في ذى الحجّة ودخل المحرّم، جاءت رُؤساءُ يهودَ الذين بقوا بالمدينة ممّن يُظهر الإسلامَ وهو منافقٌ إلى لبيد بن الأعصم اليهوديّ، وكان حليفًا في بني زُريق، وكان ساحرًا قد علمَت ذلك يهودُ أنّه أعلمُهم بالسّحر وبالسموم، فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرُ منّا وقد سحَرْنا محمّدًا فسحره منّا الرجال والنساء فلم نصنع شيئًا، وأنت ترى أثره فينا وخلافَهُ دينَنا ومن قتل منّا وأجْلَى، ونحن نجعل لك على ذلك جُعْلًا على أن تسحره لنا سحرًا يَنْكَؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير على أن يسحر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فعمد إلى مشط وما يُمشط من الرّأس من الشعر فعقد فيه عُقَدًا وتفل فيه تَفْلًا وجعله في جُبّ طلعَة ذكرٍ، ثمّ انتهى به حتَّى جعله تحت أُرْعوفة البِئر فوجد رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أمرًا أنكره حتى يخيّل إليه أنّه يفعل الشئ ولا يفعله، وأنكر بصره حتَّى دلّه الله عليه فدعا جُبير بن إياس الزُّرَقى، وقد شهد بدرًا، فدلّه على موضع في بئر ذَرْوَان تحت أرعوفة البئر فخرج جبير حتَّى استخرجه ثمّ أرسل إلى لبيد بن الأعصم فقال: ما حملك على ما صنعتَ فقد دلّنى الله على سحرك وأخبرنى ما صنعتَ؟ قال: حبّ الدنانير يا أبا القاسم! قال إسحاق بن عبد الله: فأخبرتُ عبدَ الرّحمن بن كعب بن مالك بهذا الحديث فقال: إنّما سحره بناتُ أعصم أخوات لبيد، وكُنّ أسحر من لبيد وأخبث، وكان لبيد هو الذي ذهب به فأدخله تحت أرعوفة البئر، فلمّا عقدوا تلك العُقَد أنْكَر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، تلك الساعةَ بصره ودسّ بناتُ أعصم إحداهنّ فدخلت على عائشة فخبّرتها عائشة أو سمعت عائشة تذكر ما أنكر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من بصره ثمّ خرجت إلى أخواتها وإلى لبيد فأخبرتْهم، فقالت إحداهنّ: إن يكن نبيًّا فسيُخْبَر وإن يكُ غير ذلك فسوف يُدَلّهُه هذا السحرُ حتى يذهب عقلُه فيكون بما نال من قومنا وأهلِ ديننا، فدلّه الله عليه. قال الحارث بن قيس: يا رسول الله ألا نُهَوِّرَ البئر؟ فأعرض عنه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فهوّرَها الحارثُ بن قيس وأصحابه وكان يستعذب منها. قال: وحفروا بئرًا أخرى فأعانهم رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على حفرها حين هوّروا الأخرى التي سُحر فيها حتى أنبطوا ماءَها ثمّ تهوّرت بعدُ. ويقال إنّ الذي استخرج السّحر بأمر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قيس بن مِحصن.

٣/١٧٧٣/١٧٧

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهرى عن ابن المسيّب وعروة بن الزّبير قالا: فكان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول: سحرَتْنى يهود بني زُريق.

أخبرنا عمر بن حفص عن جُوَيْبر عن الضّحّاك عن ابن عبّاس قال: مرض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأُخّذ عن النساء وعن الطعام والشّراب فهبط عليه مَلَكان وهو بين النائم واليقظان، فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ثمّ قال أحدهما لصاحبه: ما شكوُهُ؟ قال: طُبّ! يعني سُحر. قال: ومن فَعَله؟ قال: لبيد بن أعصم اليهوديّ! قال: ففى أيّ شئ جعله؟ قال: في طلعة: قال: فأين وضعها؟ قال: في بئر ذَرْوان تحت صخرة: قال: فما شفاؤه؟ قال: تُنْزَح البئر وترفع الصّخرة وتستخرج الطلعة. وارتفع الملَكان فبعث نبيّ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى عليّ، رضي الله عنه، وعمّار فأسرهما أن يأتيا الرّكيّ فيفعلا الّذى سمع، فأتياها وماؤها كأنَّه قد خُضِبَ بالحنّاء فنزحاها ثمّ رفعا الصّخرة فأخرجا طلعةً، فإذا بها إحدى عشرة عُقْدة، ونزلت هاتان السورتان: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [سورة الفلق: ١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [سورة الناس: ١] ، فجعل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كلّما قرأ آيةً انحلَّت عقدةٌ حتى انحلّت العُقَدُ وانتشر نبيّ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، للنساء والطعام والشراب.

٣/١٧٨٣/١٧٨

أخبرنا موسى بن مسعود، أخبرنا سفيان الثوريّ عن الأعمش عن ثُمامة المُحَلّميّ عن زيد بن أرقم قال: عقد رجل من الأنصار، يعني للنبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عقدًا وكان يأمنُه ورمى به في بئر كذا وكذا، فجاء الملَكان يعودانه فقال أحدهما لصاحبه: تدرى ما به؟ عقد له فلان الأنصاري ورمى به في بئر كذا وكذا ولو أخرجه لَعُوفى، فبعثوا إلى البئر فوجدوا الماء قد اخضرّ فأخرجوه فرموا به فعُوفىَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فما حَدَّث به ولا رُئىَ في وجهه.

أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن الزّهريّ في ساحر أهل العهد قال: لا يُقتل، قد سَحر رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، رجلٌ من أهل الكتاب فلم يقتله.

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني ابن جُريج عن عطاء قال: وحدّثنى ابن أبي حبيبة عن داود بن الحُصين عن عكرمة: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عفا عنه: قال عكرمة: ثمّ كان يراه بعدَ عفوه فيُعْرِض عنه. قال محمّد بن عمر: هذا أثبت عندنا مِمّن روى أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قتله.

ذكر ما سم به رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -

أخبرنا أبو معاوية الضّرير، أخبرنا الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يقولون إنّ اليهود سَمّت رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وسمّت أبا بكر.

أخبرنا عمر بن حفص عن مالك بن دينار عن الحسن: أنّ امرأةً يهوديّة أهدت إلى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، شاةً مسمومة فأخذ منها بضعة فلاكَها في فيه ثمّ طرحها فقال لأصحابه: أمْسِكُوا فإنّ فَخِذَها تعلمنى أنّها مسمومة، ثمّ أرسل إلى اليهوديّة فقال: ما حَمَلَك على ما صنعتِ؟ قالت: أردتُ أن أعلم إن كنتَ صادقًا فإنّ الله سيُطلعك على ذلك، وإن كنتَ كاذبًا أرحت النّاس منك.

٣/١٧٩٣/١٧٩

أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفى عن محمّد بن عَمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لا يأكل الصّدقة ويأكل الهديّة، فأهدت إليه يهوديّة شاة مقليّة، فأكل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، منها هو وأصحابه فقالت: إنّى مسمومة! فقال لأصحابه: ارفعوا أيديَكم فإنّها قد أخبرتنى أنّها مسمومة، فرفعوا أيديهم فمات بشر بن البراء، فأرسل إليها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: ما حَمَلَك على ما صنعتِ؟ قالت: أردتُ أن أعلم إن كنتَ نبيًّا لم يضررك، وإن كنتَ مَلِكًا أرحتُ النّاسَ منك! فأمر بها فقُتلت.

أخبرنا سعيد بن سُليمان، أخبرنا عبّاد بن العوّام عن هلال بن خبّاب عن عكرمة عن ابن عبّاس: أنّ امرأة من يهود خَيْبَر أهدت لرسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، شاةً مسمومة ثمّ عَلِمَ بها أنّها مسمومَة فأَرسل إليها فقال: ما حَمَلَكِ على ما صنعتِ؟ قالت: أردتُ أن أعلم إن كنتَ نبيًّا فسيُطلعك الله عليه، وإن كنت كاذبًا نُريح النّاسَ منك! فكان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إذا وَجَدَ شيئًا احتجم: قال: خرج مرّةً إلى مكّة، فلمّا أحرَمَ وَجَدَ شيئًا فاحتجم (١) .

أخبرنا سعيد بن سليمان قال: أخبرنا عبّاد بن العوّام عن سفيان بن حسين عن الزهريّ عن سعيد بن المسيّب وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مثله أو نحوه ولم يعرض لها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

أخبرنا هشام أبو الوليد الطّيالسيّ، أخبرنا أبو عَوانة عن حُصين عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: طُبّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأتاه رجل فحجمه بقرْنٍ على ذُؤابَتَيه.

أخبرنا مُوسى بن داود، أخبرنا ابن لَهيعة عن عمر مولى غُفْرَة قال: أمر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بقتل المرأة التي سمّت الشّاة.

أخبرنا أبو معاوية الضّرير، أخبرنا الأعمش عن عبد الله بن مُرّة عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: لأن أحلف تسعًا أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قُتل قتلًا أحبّ إليّ من أن أحلف واحدة وذلك بأنّ الله اتّخذه نبيًّا وجعله شهيدًا.

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحُصين عن أبي سفيان عن أبي هُريرة، وحدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله، وحدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن يونس بن يوسف عن سعيد بن المسيّب، وحدّثني عمر بن عُقبة عن شُعبة عن ابن عبّاس، زاد بعضهم على بعض، قالوا: لمّا فتح رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، خيبر واطمأنّ جعلت زينبُ بنت الحارث أخي مَرْحَب، وهي امرأة سَلّام بن مِشْكَم، تسأل: أي الشّاة أحبّ إلى محمّد؟ فيقولون: الذراع! فعمدَتْ إلى عنزٍ لها فذبحتها وصلَتْها ثمّ عمدت إلى سمٍّ لا يُطْنى، وقد شاورت يهودَ في سموم، فأجمعوا لها على هذا السمّ بعينه، فسمّت الشّاة وأكثرت فى الذراعَين والكتف، فلمّا غابت الشّمس وصلّى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، المغرب بالنّاس انصرف وهي جالسة عند رجليه، فسأل عنها فقالت: يا أبا القاسم هديّة أهديتها لك! فأمر بها النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأُخذت منها فوُضعت بين يديه وأصحابُه حُضُور أوْ مَن حَضَرَ منهم، وفيهم بشْر بن البراء بن مَعْرُور، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ادنوا فتعشّوا! وتناول رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الذّراع فانتهش منها وتناول بشر بن البراء عَظْمًا آخر فانتهش منه، فلمّا ازدرد رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لُقْمَتَه ازدرد بشر بن البراء ما في فيه وأكل القومُ منها، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ارفعوا أيديكم فإنّ هذه الذراع، وقال بعضهم فإنّ كتف الشاة، تُخبرنى أنّها مسمومة! فقال بشر: والّذى أكرمك لقد وجدتُ ذلك من أُكْلتى التي أكلتُ حين التقمتُها فما منعنى أن ألفظها إلّا أنّى كرهت أن أُبْغِض إليك طعامَك، فلمّا أكلتُ ما في فيك لم أرغب بنفسى عن نفسك ورجوتُ أن لا تكون ازدردتَها وفيها بَغْىٌ! فلم يقُم بشر من مكانه حتى عادَ لونُه كالطّيلسان وماطله وجعُه سمنةً لا يتحوّل إلّا ما حُوّلَ ثمّ ماتَ: وقال بعضهم: فلمْ يَرِمْ بشر من مكانه حتى توفّى: قال: وطُرح منها لكلبٍ فأكل فلم يَتْبَعْ يَدَه حتى مات: فدعا رسول الله زينب بنت الحارث فقال: ما حمَلَكِ على ما صَنعتِ؟ فقالت: نلتَ من قومى ما نلت! قتلتَ أبي وعمّى وزوجى فقلتُ إن كان نبيًّا فستُخبره الذّراعُ، وقال بعضهم وإن كان مَلِكًا استرحنا منه ورجعت اليهوديّة كما كانت: قال: فدفعها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى وُلاة بشر بن البراء فقتلوها، وهو الثبت، واحتجم رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على كاهله من أجل الذي أكل، حَجَمَه أبو هند بالقرْن والشّفْرة، وأمر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أصحابه فاحتجموا أوْساط رءُوسهم وعاش رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي قُبض فيه جعل يقول في مرضه: ما زلت أجِدُ من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر عِدادًا حتى كان هذا أوَانَ انقطاع أبْهرى، وهو عِرْق في الظّهر، وتوفّى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، شهيدًا، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته ورضوانه.

ذكر خروج رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إلى البقيع واستغفاره لأهله والشهداء

٣/١٨١٣/١٨١

أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن ابن أبي علقمة عن أُمّه أنّها قالت: سمعت عائشة تقول: قام رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ذات ليلة فلبس ثيابه ثمّ خرج، فأمرتُ خادمتى بَريرَةَ فتبعتْه، حتى إذا جاء البقيعَ وقف في أدناه ما شاء الله أن يقف، ثم انصرف فسبقته بريرة فأخبرتني فلم أذكر له شيئًا حتى أصبح ثمّ ذكرت ذلك له فقال: إنّى بُعِثْتُ إلى أهل البقيع لأصلّى عليهم (١) .

أخبرنا نوح بن يزيد المؤدّب ومحمّد بن الصّبّاح قال: أخبرنا شريك عن عاصم بن عُبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن عائشة قالت: فقدتُ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من اللّيل فتبعتُه فإذا هو بالبقيع فقال: السّلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين! أنتم لنا فَرَط: وإنّا بكم لاحقون! اللهمّ لا تحرمنا أجرَهم ولا تَفْتنَّا بعدهم! قالت: ثمّ التفَتَ إليّ فقال: ويحها لو تستطيع ما فعلَتْ! (٢) .

أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا إسماعيل بن جعفر المدنيّ، وأخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد العزيز بن محمّد الدّراوَرْدى جميعًا عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن عائشة قالت: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كُلما كان ليلتها من رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين! إيّانا وإيّاكم ما توعدون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون! اللهمّ اغفر لأهل بقيع الغَرْقد.

أخبرنا محمّد بن عمر، حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الرّحمن المخزوميّ عن أبيه عن عائشة قالت: وثب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من مَضجعه من جوف الليل فقلتُ: أين بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؟ قال: أُمِرتُ أن أستغفر لأهل البقيع. قالت: فخرج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وخرج معه مولاه أبو رافع، فكان أبو رافع يُحدّث قال: استغفر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لهم طويلًا ثمّ انصرف وجعل يقول: يا أبا رافع إنِّي قد خُيّرتُ بين خزائن الدنيا والخُلْد ثمّ الجنّة وبين لقاء ربّي والجنّة، فاخترتُ لقاء ربّى! (١)

٣/١٨٢٣/١٨٢

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني إسحاق بن يحيَى بن طلحة عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدّه عن أبي مُويهبة مولى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من جوف الليل: يا أبا مُويهبة إنّى قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلقْ معي! فخرج وخرجتُ معه حتى جاءَ البقيعَ فاستغفر لأهله طويلًا ثمّ قال: لِيَهْنِئكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح النّاس فيه! أقبلَت الفِتَنُ كقِطَع اللّيل المظلِم يتبع بعضها بعضًا يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شرّ من الأولى! ثمّ قال: يا أبا مُويهبة إنّى قد أُعطيتُ خزائنَ الدّنْيا والخُلد ثمّ الجنّة فخُيّرتُ بين ذلك وبين لقاء ربي والجنّة، فقلت: بأبى أنت وأمّى فخُذْ خزائن الدنيا والخلد ثمّ الجنّة، فقال: يا أبا مُويهبة قد اخترتُ لقاء ربّي والجنّة! فلمّا انصرف ابتدأه وجعُه فقَبَضَه الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (٢) .

أخبرنا معن بن عيسى ومحمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، وأخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أُتِيَ فقيل له اذهب فصَلّ على أهل البقيع! ففعل ذلك ثمّ رجع فرَقد فقيل له: اذهب فصَلّ على أهلِ البقيع! فذهب فصلّى عليهم فقال: اللهمّ اغفر لأهل البقيع! ثمّ رجع فرقد فأُتِيَ فقيل له: اذهب فصَلّ على الشّهداء! فذهب إلى أُحُدٍ فصلّى على قَتلى أُحُدٍ فرجع معصوبَ الرّأس، فكان بدء الوجع الذي مات فيه (٣) ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا ابن لَهيعة، حدّثني يزيد بن أبي حبيب: أنّ أبا الخير حدّثه أنّ عقبة بن عامر الجُهنى حدّثهم: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، صلّى على قَتْلَى أُحد بعد ثمانى سنين كالمودّع للأحياء والأموات ثمّ اطّلع المنبر فقال: إنّى بين أيديكم فرطٌ وأنا عليكم شهيد! وإنّ موعِدكم الحوض وإنّي لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإنّي لستُ أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدُّنيا أن تُنافسوا فيها (١) . قال عقبة: وكانت آخر نظرةٍ نظرتُها إلى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

ذكر أول ما بدأ برسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وجعه الذي توفى فيه

٣/١٨٣٣/١٨٣

أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهريّ عن أبيه عن صالح بن كَيسان عن ابن شهاب قال قالت عائشة: بدأ برسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، شكوُهُ الّذي توفّى فيه وهو في بيت مَيْمونَة، فخرج في يومه ذلك حتَّى دخل عليّ، قالت: فقلت وارأساهْ! فقال: وددتُ أنّ ذلك يَكون وأنا حيّ فأصلّى عليك وأدفنك! قالت فقلتُ غَيْرَى: أوَ كأنَّك تحبّ ذلك؟ لكأنّي أراك في ذلك اليوم مُعرِسًا ببعض نساء! قالت فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بل أنا وا رأساهْ! ثمّ رجع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى بيت ميمونة فاشتدّ وجعه.

أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا محمّد بن مُسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: دخل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على عائشة فقالت: وارأساهْ! فقال النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بل أنا وارأساهْ! فكان أوّل وجعه الذي مات فيه، وكان لا يشكو وجعًا يَيْجَعُه.

أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا أبو معْشر عن محمّد بن قيس قال محمّد بن عمر: وأخبرنا عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ عن أبيه عن جدّه قال: أوّل ما بدأ برسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، شكوُهُ يومَ الأربعاء فكان شكوُه إلى أن قُبض، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثلاثة عشر يومًا.

ذكر شدة المرض على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -

٣/١٨٤٣/١٨٤

أخبرنا الفضل بن دُكين عن شَيبان بن عبد الرحمن وأخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا أبان بن يزيد العطار جميعًا قالا: أخبرنا يحيَى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن عبد الرّحمن بن شيبة عن عائشة أمّ المؤمنين: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، طَرَقَه وجعٌ فجعل يشتكى ويتقلّب على فراشه، فقالت له عائشة: يا رسول الله لو صَنع هذا بعْضُنَا لوجدتَ عليه! فقال لها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال الفضل بن دُكين: إنّ الصالحين، وقال مسلم بن إبراهيم إنّ المؤمنين، يشدّد عليهم لأنّه لا يصيب المؤمنَ نكْبةٌ من شَوْكة فما فوقها، قال مسلم: ولا وجع، إلّا رفع الله له بها درجةً وحطّ لها عنه خطيئة، وقال الفضل بن دُكين: فما فوقها إلّا حطّ بها عنه خطيئة.

أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ، أخبرنا إسرائيل بن يونس عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبي بُرْدَة عن بعض أزواج النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ويحسبها عائشة، قالت: مرض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مَرَضًا اشتدّ منهُ ضَجَرُه أو وجعُه، قالت: فقلتُ يا رسول الله إنّك لتجزع أو تضجر، لو فعلَتْه امرأةٌ منّا عجبتَ منها! قال: أوَما علمت أنّ المؤمِن يُشدَّد عليه لِيكون كَفّارةً لخطاياه؟

أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا أبو مُعاوية شَيْبَانُ عن أشعث بن سليم عن أبي بردة قال: مرض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فاشتدّ وجعه حتَّى أعلزه، فلمّا أفاق قالت له إحدى نسائه: لقد اشتكيتَ في شكوِك شكوَى لو أنّ إحدانا اشتكَتْه لخافت أن تجد عليها! قال: أوَلم تعلمى أنّ المُؤمن يشدّد عليه في مرضه لِيُحَطّ به خطاياه؟

أخبرنا قبيصة بن عُقبة، أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: ما رأيتُ أحدًا كان أشدّ عليه الوجع من رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

أخبرنا أبو معاوية الضّرير ويعلى بن عُبيد قالا: أخبرنا الأعمش عن إبراهيم التّيْميّ عن الحارث بن سُويد عن عبد الله قال: دخلتُ على النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو يوعَك فمسِسْتُه فقلت: يا رسول الله إنّك لتوعك وعكًا شديدًا! فقال: أجَلْ إنّى أُوعَك كما يوعَكُ رجُلان منكم! قال: قُلْتُ إن لك لأجْرَيْن! قال: نعم! والّذى نفسى بيده ما على الأرض مسلمٌ يصيبه أذى من مرضٍ فما سِواه إلّا حطّ الله به عنه خطاياه كما تحطّ الشجرةُ ورقَها.

٣/١٨٥٣/١٨٥

أخبرنا النّضْر بن إسماعيل أبو المغيرة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: دخل عبد الله بن مسعود على النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فوضع يده عليه ثمّ قال: يا رسول الله، إنّك لتوعك وعكًا شديدًا! قال: أجلْ إنّى لأوعك كما يوعك رجلان منكم: قال: قلت يا رسول الله ذلك بأنّ لك أجرَيْن! قال: أجلْ أما إنّه ليس من عبدٍ مسلمٍ يصيبه أذًى فما سواه إلّا حطّ الله به عنه خطاياه كما تحطّ هذه الشجرة ورقَها.

أخبرنا عُبيد الله بن موسى العبسيّ عن موسى بن عُبيدة الرّبَذى عن زيد بن أسلم عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: جئنا النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فإذا عليه صالبٌ من الحُمّى ما تكاد تَقَرّ يدُ أحدنا عليه من شِدّة الحمّى، فجعلنا نسبح فقال لنا رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ليس أحدٌ أشدّ بلاءً من الأنبياء، كما يشتدّ علينا البلاء كذلك يضاعف لنا الأجرُ، إن كان النّبيّ من أنبياء الله لَيُسلّط عليه القملُ حتَّى يقتله، وإن كان النّبيّ من أنبياء الله لَيعرى ما يجد شيئًا يوارى عَوْرَتَه إلّا العباءة يَدّرعها.

أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد الله بن وهب عن هشام بن سعد عن يزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار: أن أبا سعيد الخدرى دخل على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو موعوك عليه قطيفة فوضع يده عليه فوجد حَرَارَتها فوق القطيفة فقال: ما أشدّ حُمّاك! فقال: إنّا كذلك يشدّد علينا البلاءُ ويضاعَف لنا الأجرُ! قال: مَن أشدّ النّاس بلاءً؟ قال: الأنبياءُ! قال: ثمّ مَن؟ قال: الصالحون! لقد كان أحدهم يُبتلى بالفقر حتَّى ما يجد إلّا العباءة يحوبُها ويُبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدُهم كان أشدّ فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء.

أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا أبو هلال، أخبرنا بكر بن عبد الله: أنّ عمر دخل على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو محموم أو مورود، قال: فوضعَ يده عليه فقبَضَها من شدّة حَرّه، قال: فقال يا نبيّ الله ما أشدّ وِرْدك أو أشدّ حُمّاك! قال: فإنّي قرأتُ اللّيلة أو البارحة بحمد الله سبعين سورة فيهنّ السبع الطُّوَل! قال: يا نبيّ الله قد غفرَ الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر فلو رَفِقْتَ بنفسك أو خَفّفْتَ عن نفسك! قال: أفلا أكون عبدًا شَكُورًا؟

٣/١٨٦٣/١٨٦

أخبرنا أبو أسامة عن سليمان بن المغيرة عن ثابت -يعني البُنَانيّ- قال: خرج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على أصحابه يُعرف فيه الوجعُ فقال: إِنّى على ما تَرَوْنَ قد قرأتُ البارحة السبع الطُّوَل.

أخبرنا يزيد بن هارون والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا مِسْعَر عن زياد بن عِلاقة قال الفضل عن المغيرة بن شُعبة ولم يذكره يزيد: إنّ النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كان يقوم حتى ترِمَ قَدَماه، فقيل له: لِمَ تفعل هذا وقد غَفَر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: أفلَا أكون عَبدًا شَكُورًا؟

أخبرنا يزيد بن هارون وأبو أسامة عن هشام عن الحسن قال: إن كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ليَجتهد فى الصّلاة وفى الصّيام فيخرج إلى أصحابه فيشبّه بالشّنّ البالي. قال يزيد في حديثه: وكان أصحّ النّاس.

أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا شَيْبَان أبو معاوية عن عاصم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: سألتُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَن أشدّ النّاس بلاءً؟ قال: النبيُّون ثمّ الأمْثَل فالأمْثَلُ فيبتلى الرجل على حَسْب دينه، فإن كان صُلْبَ الدّين اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقّة ابتُلى على حَسْب دينه، فما تَبرح البلايا على العبد حتى تدَعه يمشى في الأرض ليست عليه خطيئة!

أخبرنا عبد الوهّاب قال: أخبرنا هشام الدّسْتَوَائي عن عاصم بن بَهْدَلة عن مصعب بن سعد قال: قال سعد بن مالك: يا رسول الله مَن أشدّ النّاسِ بلاءً؟ ذكر مثل الحديث الأوّل.

أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا إسماعيل بن مسلم العبديّ، أخبرنا أبو المتوكل: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مرض حتَّى اشتدّ به، فصاحت أمّ سَلَمة فقال: مَهْ! إنّه لا يصيح إلّا كافرٌ!

أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن عَيّاش عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فرْوة عن رجل عن عائشة قالت: لا أزال أغْبِطُ المؤمن بشدّة الموت بعد شدّته على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

ذكر ما كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يعوّذ به ويعوّذه جبريلُ

٣/١٨٧٣/١٨٧

أخبرنا أبو معاوية الضّرير، أخبرنا الأعمش عن مسلم عن مَسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يعوّذ بهذه الكلمات. أذْهب البَاس، رَبّ الناس، اشف وأنت الشافي، لا شِفَاء إلّا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَمًا! قالت: فلمّا ثَقُلَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في مَرضه الّذي مات فيه أخذتُ بيده فجعلتُ أمسحه بها وأعوّذه بها، قالت: فنزع يده منّى وقال: ربّ اغفر لي وألحقنى بالرّفيق! قالت: وكان هذا آخر ما سمعتُ من كلامه.

أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا هشام الدّسْتَوائِيّ عن حمّاد عن إبراهيم قال: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إذا عادَ مريضًا مسَحَ بيده على وجهه وصَدْره وقال: أذهِب البَاس، رَبّ الناس، واشفِ وأنت الشافي، لا شِفَاءَ إلّا شِفاؤك، شِفاءً لا يغادر سَقَمًا! قال: فلمّا مرض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، تَساندَ إلى عائشة فأخذت بيده فجعلَت تمسحها على وجهه وصدره وتقول هذه الكلمات، فانتزَع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يده منها وقال: اللهمّ أعْلَى جَنّة الخُلد!

أخبرنا مَعن بن عيسى القزاز، أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عُروة عن عائشة: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث. قالت: فلمّا اشتدَّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاءَ بَرَكَتها.

أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن حمّاد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: لما مرض النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أخذتُ بيده فجعلتُ أُمِرّها على صدره ودعوتُ بهذه الكلمات: أذهب الباس، ربّ الناس، فانتزَع يده من يدى وقال: أسألُ الله الرّفيق الأعلى الأسعَد!

أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا يزيد بن زُرَيْع، أخبرنا مَعْمَر عن الزهريّ عن عُروة عن عائشة قالت: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في مرضه الذي قُبض فيه يَنفث على نفسه بالمعوذات، فلمّا ثقل عن ذلك جعلتُ أنفث عليه بهنّ وأمسحه بيَدِ نَفْسِه.

٣/١٨٨٣/١٨٨

أخبرنا عارم بن الفضل وسليمان بن حَرب وخالد بن خِداش قالوا: أخبرنا حمّاد بن زيد عن عَمرو بن سالك النُّكرى عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت: كنت أعوّذ النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بدعاء إذا مرضَ: أذْهِب البَاس ربّ الناس، بيدك الشفاء، لا شافى إلّا أنت، اشفِ شفاء لا يغادر سَقمًا، قالت: فلمّا كان مرضه الذي مات فيه ذهبتُ أعوّذه به فقال: ارفعى عنّى فإنّها إنّما كانت تنفعنى في المَرَّة.

أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقيّ، أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن راشد، الزهريّ عن عروة عن عائشة: أنّها كانت تعوّذ النبيّ بالمعوّذتين في مرضه وتنفث وتمسح وجهه بيده.

أخبرنا أبو بكر بن محمد بن أبي مُرّة المكّيّ، حدّثني نافع بن عمر، حدّثني ابن أبي مُلَيكة قال: كانت عائشة تمسح صدر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وتقول: اكشف البَاس، ربّ الناس، أنت الطبيب وأنت الشافى! فيقول النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ألحقْنى بالرفيق، ألحقْنى بالرفيق!

أخبرنا هاشم بن القاسم الكنانى، أخبرنا المسعوديّ عن القاسم قال: لُسع النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فدعا بماء وملح ثمّ أدخل يده فقرأ: قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، وقلُ أعوُذُ بِرَبّ الفَلَقِ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبّ النّاسِ، حتى ختمها.

أخبرنا يحيَى بن حمّاد، أخبرنا أبو عَوانة عن سليمان -يعني الأعمش- عن أبي الضّحَى عن مَسروق قال قالت عائشة: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إذا اشتكى الإنسان منّا مَسَحه بيمينه وقال: أذهِب الباس، ربّ الناس، اشفِ وأنت الشافى، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا! قالت: فلمّا ثقل أخذتُ يمينه فمسحتهُ بها وقُلتُ: أذهب الباس، ربّ الناس، اشفِ وأنت الشافى! فانتزَع يده من يدى وقال: اللهمَّ اغفر لي واجعلنى في الرّفيق الأعلى، مرّتين. قالت: فما علمتُ بموته حتى وجدتُ ثِقَلَه.

أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا شَيبان عن يحيى بن أبي كثير عن محمّد بن إبراهيم: أنّ أبا عبد الله أخبره أنّ ابن عائش الجُهَنى أخبره: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال يابن عائش ألا أخبرك بأفضل، ما تَعوّذ به المتعوّذون؟ قال: قلت بَلَى! قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أعُوذُ برَبّ النّاسِ، وأعُوذُ برَبّ الفَلَقِ، هاتين السورتين.

٣/١٨٩٣/١٨٩

أخبرنا مَعن بن عيسى، أخبرنا معاوية بن صالح عن أزهر بن سعيد عن عبد الرحمن بن السائب الهلاليّ، وكان ابنَ أخى ميمونة زوج النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: قالت لي مَيمونة يابن أخى تعالَ حتى أرقيك برُقْية رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقالت: باسم الله أرقيك، والله يَشفيك، من كلّ داء فيك، أذهب البَاس، ربّ الناس، واشفِ لا شافى إلا أنت!

أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، أخبرنا سُفيان بن عُيينة. حدّثني عبد ربّه بن سعيد عن عَمْرة عن عائشة: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال في المرض: باسم الله تُرْبَةَ أرْضنا، بريقةِ بعْضِنَا، ليُشْفَى سقيمُنَا، بإذنِ ربّنَا.

أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس وسعيد بن سليمان قالا: أخبرنَا أبو شهاب عن داود عن أبي نضْرَة عن أبي سعيد قال: اشتكى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَرقاه، يعني جبريل عليه السلام، فقال: بسم الله أرقيك، من كلّ شئ يؤذيك، من كلّ حاسدٍ وعينٍ واللُّه يشفيك!

أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس، أخبرنا سليمان بن بلال وأخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، أخبرنا عبد العزيز بن محمّد الدّراوَرْديّ جميعًا عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيْمِيّ عن أبي سَلَمة بن عبد الرّحمن عن عائشة زوج النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنّها كانت تقول: إذا اشتكى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، رقاه جبريلُ وقال: بسم الله يُبريك، من كلّ داءٍ يشفيك، من شرّ كَلّ حاسد إذا حَسَد، ومن شرّ كلّ ذى عينٍ.

أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا ابن جُريح، أخبرني عَطاء وعَمرو بن شُعيب وجُبير بن أبي سليمان: أنّ جبريل، عليه السلام، كان يعوّذ محمّدًا، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول: بسم الله الرّحمن الرّحيم، بسم الله أرقيك، من كلّ شئ يؤذيك، من شرّ كلّ ذى عين، ونفس حاسد وباغٍ يَبغيك، بسم الله أرقيك، والله يشفيك!

أخبرنا أبو عامر العَقَدي عن زهير بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهَادِ عن محمّد بن إبراهيم عن عائشة قالت: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إذا اشتكى رَقاه جبريل فقال: بسم الله يُبريك، من كلّ داء يشفيك، من شرّ حاسد إذا حسَد، ومن شرّ كلّ ذى عينٍ!

٣/١٩٠٣/١٩٠

أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا طَلحة بن عَمرو عن عَطاء قال: بلغنى أن التّعويذ الذي عَوّذ به جبريلُ النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حين سحَرَتْه اليهودُ في طعامه: بسم الله أرقيك، بسم الله يَشفيك، من كلّ داء يعنّيك، خُذْها فَلْتَهْنِيك، من شرّ حاسدٍ إذا حسد!

ذكر صلاة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بأصحابه في مرضه

أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن عروة عن عائشة: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كان وجِعًا فدخلَ عليه أصحابه يعودونه فصلّى بهم قاعدًا وهم قيام، فأومأ إليهم أن اقعدوا، فلمّا قَضَى صلاته قال: إنّما جُعل الإمام ليؤتَمّ به، فإذا كبَّر فكَبِّروا وإذا رَكَع فاركعوا وإذا سَجَد فاسجدوا وإذا قَعَد فاقعدوا واصنعوا مثلَ ما يصنع الإمامُ.

أخبرنا سفيان بن عُيينة عن الزهريّ سمع أنس بن مالك يقول: سقط رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من فَرسٍ فجُحِش شِقّه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلَّى بنا قاعدًا فَصَلَّيْنَا خلفه قعودًا، فلمّا قضى الصّلاة قال: إنّما جُعل الإمام ليؤتمّ به فإذا كبّر فكبِّروا وإذا ركَع فاركعوا وإذا رَفَع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حَمِدَه فقولوا ربنّا لك الحمدُ، وإذا صلَّى قاعدًا فصلّوا قعودًا أجمعين.

أخبرنا طَلْق بن غنّام النّخَعي، أخبرنا عبد الرّحمن بن جُريس، حدّثني حمّاد عن إبراهيم قال: أَمَّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، النّاسَ وهو ثقيل معتمدًا في الصّلاة على أبي بكر.

أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنّما جُعل الإمامُ ليُؤتَمَّ به، فإذا كبّر فكبِّروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمَن حَمِدَه فقولوا ربّنا لك الحمدُ، وإذا صلّى جالسًا فصلّوا جلوسًا أجمعين.

ذكر أمر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أبا بكر يصلى بالناس في مرضه

٣/١٩١٣/١٩١

أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا يحيَى بن سعيد عن أبي بكر بن أبي مُليكة عن عُبيد بن عُمير اللّيثيّ: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في مرضه الّذى تُوفّي فيه أمر أبا بكر أن يصلّى بالنّاس، فلمّا افتتح أبو بكر الصّلاةَ وَجدَ رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، خِفّةً فخرج فجعل يفرج الصّفوفَ، فلمّا سمع أبو بكر الحِسّ عَلِمَ أنّه لا يتقدّم ذلك التقدّم إلّا رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته فخنس إلى الصّف وراءه، فردّه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى مكانه فجلس رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى جَنْب أبي بكر وأبو بكر قائم، فلمّا فرغا من الصّلاة قال أبو بكر: أىْ رسول الله أراك أصبحتَ بحمد الله صالحًا، وهذا يوم ابنة خارجةَ امرأة لأبي بكر من الأنصار في بَلْحارث بن الخزرج، فأذن له رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وجلس رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في مُصلاه أو إلى جانب الحُجَرِ، فحذّر النّاسَ الفِتَنَ ثمّ نادى بأعلى صوته حتى أَنّ صوته ليَخرج من باب المسجد فقال: إنّي والله لَا يُمسكُ الناسُ عليّ بشئ لا أحِلّ إلّا ما أحلّ الله في كتابه ولا أحرّم إلا ما حرّم الله في كتابه، ثمّ قال: يا فاطمة بنت محمد ويا صفيّة عَمّة رسول الله اعملا لِما عند الله فإنّى لا أُغنى عنكما من الله شيئًا! ثمّ قام من مجلسه ذلك فما انتصفَ النهارُ حتى قَبضه الله (١) .

أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهريّ عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب، أخبرني أنَس بن مالك: أنّ أبا بكر كان يصلّى بهم في وجع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الّذى توفى فيه حتَّى إذا كان يوم الاثنين، وهم صُفوف في الصّلاة، كشَفَ رسولُ الله. -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، سِتْر الحُجْرة ينظر إلينا وهو قائم كأنّ وجهه ورقة بمصحف، ثمّ تبسَّمَ رسول الله ضاحكًا فبهشْنا ونحن في الصّلاة من الفَرَح بخروج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. قال: ونَكَص أبو بكر على عَقِبيه لِيَصِل الصّفّ وظنّ أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، خارجٌ إلى الصّلاة، فأشار إليهم رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بيده أن أتمّوا صلاتكم، قال: ثمّ دخل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأرخَى السّتْر، قال: فتوفّي من يومه، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

٣/١٩٢٣/١٩٢

أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا سفيان بن عُيينة عن الزهريّ سمع أنَس بن مالك يقول: آخِرَ نَظرةٍ نَظَرتُها إلى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يومَ الاثنين كشَفَ السّتَارةَ والنّاسُ صفوف خلْفَ أبي بكر، فلمّا رآه الناس تخشخشوا فأومأَ إليهم أن امكثوا مكانَكم، فنظرتُ إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف، ثمّ ألقىَ السّجفْ وتوفّى من آخر ذلك اليوم.

أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا سفيان بن عيينة، أخبرنا سليمان بن سُحيم عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عبّاس عن أبيه عن ابن عبّاس قال: كشف رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الستارة والنّاسُ صفوف خلف أبي بكر، قال: إنّه لم يَبْقَ من مبشّرات النبوّة إلّا الرّؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له إلّا أنّى نُهِيتُ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا. فأمّا الركوع فعظّموا الربّ فيه، وأمّا السُّجود فاجتهدوا في الدّعاء فقَمِنٌ، أن يُستجاب لكم.

أخبرنا أحمد بن الحجّاج قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا مَعمر ويونس عن الزهريّ، أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر قال: لما اشتدّ برسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وجعُه قال: لِيصلّ بالنّاس أبو بكر: فقالت له عائشة: يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل رقيق كثير البكاء حين يقرأ القرآن فمُرْ عمرَ فليصلّ بالنّاس: فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لِيصلّ بالنّاس أبو بكر: فراجَعتْه عائشة بمثل مقالتها فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ليصل بالناس أبو بكر إنّكنّ صَواحبُ يُوسُفَ! (١) . قال الزهريّ: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله أنّ عائشة قالت: لقد راجعتُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في ذلك وما حَملنى على كثرة مراجعته إلّا أنّه وقع في قلبى أنّه لن يُحِبّ النّاسُ رجلًا بعده قام مقامَه. وكنتُ أرى أنّه لن يقوم مقامَه أحدٌ إلّا تشاءَم الناسُ به، فأردتُ أن يَعدِل ذلك رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عن أبي بكر.

أخبرنا أحمد بن الحجّاج قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك. أخبرني مَعْمَر ويونس بن يزيد عن الزهريّ، أخبرى أنس بن مالك الأنصاريّ أنّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يومَ الاثنين وأبو بكر يصلِّى بهم لم يفاجئهم إلّا رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قد كشف ستْر حجرة عائشة. فنظر إليهم وهم صفوف في صلاتهم فتبسّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليَصل الصّفّ وظنّ أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يريد أن يخرج إلى الصّلاة: قال أنس: وهَمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حين رأوه فأشار إليهم رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بيده أن أَتمُّوا صلاتَكم، ثمّ دخل الحجرةَ فأرخَى الستر بينه وبينهم. قال أنس: وتوفّي رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ذلك اليومَ.

٣/١٩٣٣/١٩٣

أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطّيالِسيّ، معاوية بن عمرو الأزْدى قالا: أخبرنا زائدة بن قُدامة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلتُ على عائشة فقلتُ لها حدّثيني عن مرض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قالت: لمّا ثَقُل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: أَصَلَّى النّاسُ؟ فقلت: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! قال: ضَعُوا لي ماءً في المخْضَب، قالت: ففعلنا فاغتسل ثمّ ذهب لينوء فأغْمىَ عليه ثمّ أفاق فقال: أَصَلَّى النّاسُ؟ فقلت: لا، هم ينتظرونك! فقال: ضَعوا لي ماءً في المخضب، قالت: ففعلنا فاغتسل ثمّ ذهب لِيَنُوءَ (١) فأغمى عليه ثمّ أفاق فقال: أصلّى النّاسُ؟ فقلت: لا، هم ينتظرونك! فقال: ضَعُوا لي ماءً في المخضب، قالت: ففعلنا فذهب فاغتسل فقال: أَصَلَّى النّاسُ؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك! والنّاس عُكوف في المسجد ينتظرون رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لصلاة العشاء الآخرة. قالت: فأرسل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى أبي بكر بأن يصلّى بالنّاس فأتاه الرّسول فقال: إنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يأمرك أن تصلّى بالناس. فقال أبو بكر، وكان رجلًا رقيقًا: يا عُمر صَلِّ بالنّاس! فقال عمر: أنت أحق بذلك! قالت: فصلّى أبو بكر تلك الأيّامَ، ثمّ إنّ النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَجدَ من نفسه خفّة فخرج بين رجُلين أحدُهما العبّاس فصلّى الظُّهر وأبو بكر يصلّى بالنّاس، قالت: فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر فأومأَ إليه النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أن لا يتأخّر وقال لهما: أَجْلسِاني إلى جنبه، فأَجلساه إلى جنب أبي بكر. قال: فجعل أبو بكر يصلّى وهو قائم بصلاة النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والنّاس يصلّون بصلاة أبي بكر والنبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قاعدٌ (٢) . قال عبيد الله: فدخلتُ على عبد الله بن عبّاس فقلت: ألا أعرض عليك ما حدّثَتْنى عائشة عن مرض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قال: هاتِ! فعرضتُ [حديثها] (١) عليه فما أنكر منه شيئًا غير أنّه قال: سَمَّتْ لكَ الرّجلَ الّذي كَان مع العبّاس؟ قال: قلتُ لا! قال: هو عليّ بن أبي طالب (٢) .

٣/١٩٤٣/١٩٤

أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا فُليح بن سليمان عن سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: أوذِنَ النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بالصّلاة في مرضه فقال: مُروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، ثمّ أُغمى عليه، فلمّا سُرّىَ عنه قال: هل أمرتُنّ أبا بكر يصلّى بالنّاس؟ فقلت: يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل رقيق لا يُسمع الناسَ فلو أمرتَ عُمرَ، قال: إنّكُنّ صواحبُ يُوسُفَ! مُرُوا أبا بكر فليصلّ بالنّاس فرُبّ قائلٍ ومُتَمَننٍّ ويأبى الله والمؤمنون.

أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى، حَدَّثني محمّد بن عبد الله ابن أخي الزهريّ عن الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن عائشة قالت: لمّا اسْتُعزّ رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: مُرُوا أبا بكرٍ فليصلّ بالنّاس، فقلتُ: يا نبيّ الله إنّ أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوتِ كثير البكاء إذا قرأ القرآن! فقال: مُروه فليصلّ بالنّاس! قالت: فعُدتُ بمثل قولى، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنّكنّ صواحبُ يوسف! مُرُوه فليصلّ بالنّاس! قالت عائشة: واللهِ ما أقول ذلك إلّا أنّى كنت أحبّ أن يُصْرَف ذلك عن أبي وقلت إنّ النّاس لن يُحِبُّوا رجُلًا قامَ مقامَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أبدًا وإنّهم سَيَتَشَاءمونَ به في كلّ حدثٍ كان، فكنتُ أحبّ أن يُصْرَفَ ذلك عن أبي.

أخبرنا محمد بن عمر، حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عَمْرَةَ عن عائشة قالت: لما كانت ليلة الاثنين بات رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، دَنِفًا فلم يَبقَ رجلٌ ولا امرأةٌ إلا أصبح في المسجد لوجعِ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فجاء المؤذّن يؤذنه بالصبح فقال: قُلْ لأبي بكْرٍ يصلّى بالنّاس، فكبّر أبو بكر في صلاته فكشف رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، السّتْرَ فرأى النّاس يصلّون فقال: إنّ الله جعل قُرّةَ عينى في الصّلاة. وأصبح يوم الاثنين مُفِيقًا فخرج يتوكّأ على الفضل بن عبّاس وعلى ثَوْبَان غلامه حتى المسجدَ وقد سجد النّاس مع أبي بكر سجدةً من الصّبح وهم قيام في الأخرى، فلمّا رآه النّاس فرحوا به فجاء حتَّى قام عند أبي بكر فاستأخر أبو بكر فأخذ النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بيده فقدّمه في مصلّاه، فصفّا جميعًا رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، جالسٌ وأبو بكر قائمٌ على رُكنه الأيسر يقرأ القرآن، فلمّا قضى أبو بكر السورة سجد سجدتين ثمّ جلس يتشهّد، فلمّا سلّم صلّى النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الركعة الآخرةَ ثمّ انصرَف.

٣/١٩٥٣/١٩٥

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن عبد الملك بن أبي بكر عن عبد الرّحمن عن أبيه عن عبد الله بن زَمْعَة بن الأسْود قال: عدتُ رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في مرضه الّذى توفّى فيه فجاءه بلالٌ يُؤذِنه بالصّلاة فقال لي رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مُر النّاسَ فَليصلُّوا! قال عبد الله: فخرجتُ فلقيت ناسًا لا أكلّمهم، فلمّا لقيت عمر بن الخطّاب لم أبْغِ مَن وراءه، وكان أبو بكر غائبًا، فقلتُ له: صلّ بالنّاس يا عُمر! فقام عمر في المقام، وكان عمر رجلًا مِجْهَرًا، فلمّا كبّر سمع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، صوته فأخرج رأسه حتَّى أطلعه للناس من حُجرته فقال: لا! لا! لا! لِيصَلّ بهم ابن أبي قُحافة! قال: يقول ذلك رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مغضَبًا. قال: فانصرف عمر فقال لعبد الله بن زمعة: يابن أخى أمرَك رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أن تأمرنى؟ قال: فقلتُ لا ولكنّى لما رأيتُك لم أبغ مَن وراءك، فقال عمر: ما كنتُ أظنّ حين أمرتَنى إلّا أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أمَرَك بذلك ولولا ذلك ما صلّيت بالنّاس! فقال عبد الله: لمّا لم أر أبا بكر رأيتك أحقّ من غيره بالصّلاة (١) .

حدّثنا محمد بن عمر، حدّثني عمر بن عُقبة الليثى عن شُعبة مولى ابن عبّاس عن ابن عباس قال: حضَرَت الصّلاةُ فقال النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مُرُوا أبا بكر يصلّي بالناس. فلمّا قام أبو بكر مقامَ النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، اشتدّ بكاؤه وافتتن واشتدّ بكاءُ مَن خَلْفه لِفقد نبيّهم، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فلمّا حضرَت الصّلاة جاءَ المؤذّن إلى النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: قولوا للنبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يأمر رجلًا يصلّي بالناس فإنّ أبا بكر قد افتتن من البكاء والنّاس خَلْفه: فقالت حفصة زوج النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مُروا عمر يصلّي بالنّاسِ حتى يرفع الله رسوله: قال: فذهب إلى عمر فصلّى بالنّاس، فلمّا سمع النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، تكبيره قال: من هذا الّذي أسمعُ تكبيره؟ فقال له أزواجه: عمر بن الخطّاب! وذكروا له أنّ المؤذّن جاء، فقال: قولوا للنبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يأمر رجلًا يصلّي بالناس فإنّ أبا بكر قد افتتن من البكاء فقالت حفصة مُروا عمر يصلّي بالنّاس، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنّكنّ لَصواحب يوسُفَ! قولوا لأَبي بكر فليصلّ بالنّاس فلو لم يستخلفه ما أطاع الناسُ (١) .

٣/١٩٦٣/١٩٦

أخبرنا خَلَف بن الوليد، أخبرنا يحيى بن زكريّاء بن أبي زائدة، حدّثني أبي عن أبي إسحاق عن الأرقم بن شرَحبيل عن ابن عبّاس قال: لمّا مرضَ النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مرضَه الّذي توفّى فيه أمر أبا بكر أن يصلّي بالنّاس ثمّ وجد خفّة فجاء، فأراد أبو بكر أن ينكص فأومأ إليه فثبت مكانَه وقعد النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عن يسار أبي بكر ثمّ استفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر.

أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا جرير بن حازم عن الحسن قال: لمّا مرض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مرضه الّذي مات فيه أتاه المؤذّن يؤذنه بالصلاة فقال لِنِسائه: مُرْنَ أبا بكر فليصلّ بالنّاسِ فإنّكُنّ صواحب يوسف!

أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد العزيز وعبد العزيز بن محمّد عن عُمارة بن غَزِيّة عن محمد بن إبراهيم قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو مريض لأبى بكر: صَلّ بالنّاس، فوجد رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، خفّة فخرج وأبو بكر يصلّي بالنّاس فلم يشعر حتى وضع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يدَه بين كتفيه فنكص أبو بكر وجلس النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عن يمينه فصلّى أبو بكر وصلّى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بصلاته: فلمّا انصرف قال: لم يُقْبَض نبيّ قطّ حتى يؤمّه رجل من أمتّه (٢) .

أخبرنا هاشم بن القاسم الكِناني، أخبرنا أبو معشر عن محمد بن قيس قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لم يُقْبَض نبيّ قطّ حتَّى يؤمّه رجل من أمّته.

أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن محمّد بن أبي سَبْرة عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر قال: كبّر عمر فسمع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، تكبيره فأطلع رأسه مُغْضَبًا فقال: أين ابن أبي قُحافة؟ أين ابن أبي قُحافة؟

٣/١٩٧٣/١٩٧

أخبرنا محمد بن عمر، حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن محمد بن عبد الله بن أبي صَعْصَعة عن أبيه عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: لم يزل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في وجعه إذا وجد خِفّة خرج وإذا ثقُل وجاءه المؤذن قال: مُروا أبا بكر يصلّي بالنّاس، فخَرج من عنده يومًا لأمرٍ يأمر النّاس يصلّون وابن أبي فحافة غائب، فصلّى عمر بن الخطاب بالنّاس، فلمّا كبّر قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا لا! أين ابن أبي قُحافة؟ قال فانتقضت الصّفوفُ وانصرف عمر، قال: فما برحْنا حتَّى طلع ابن أبي قُحافة، وكان بالسُّنْح (١) ، فتقدّم فصلّى بالنّاس (٢) .

أخبرنا محمد بن عمر عن سعيد بن عبد الله بن أبي الأبيض عن المَقْبُريّ عن عبد الله بن رافع عن أمّ سلمة: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كان في وجعه إذا خفّ عنه ما يجد خرج فصلّى بالنّاس، وإذا وجد ثِقْلَه قال: مُرُوا النّاسَ فَلْيُصَلُّوا! فصلّى بهم ابن أبي قُحافةَ يومًا الصّبْحَ فصلّى ركعةً ثمّ خرج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فجلس إلى جنبه فأتمّ بأبي بكر، فلمّا قضى أبو بكر الصّلاة أتمّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ما فاته (٣) .

أخبرنا محمد بن عمر عن موسى بن يعقوب، حدّثني أبو الحُويرث قال: سمعت سعيد بن يسار أبا الحُبابِ قال محمد بن عمر وأخبرنا سليمان بن بلال وعبد الرحمن بن عثمان بن وثاب عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن عن ابن أبي مُلَيكة عن عبيد بن عُمير وحدّثنا محمد بن عمر وأخبرنا موسى بن ضَمْرة بن سعيد عن أبيه عن الحجّاج بن غَزِيّة عن أبي سعيد الخدريّ: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، صلّى في مرضه بصلاة أبي بكر ركعةً من الصّبح ثمّ قضى الركعة الباقية. قال محمد بن عمر: ورأيت هذا الثبت عند أصحابنا أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، صلّى خَلْفَ أبي بكر (٤) .

٣/١٩٨٣/١٩٨

أخبرنا محمد بن عمر قال: سألت أبا بكر بن عبد الله بن أبي سبرة كَمْ صلّى أبو بكر بالنّاس؟ قال: صلّى بهم سبع عشرة صلاة. قلت؟ مَن حدّثك ذلك؟ قال: حدّثني أيّوب بن عبد الرحمن بن صعصعة عن عبّاد بن تميم عن رجل من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال صلّى بهم أبو بكر ذلك (١) .

أخبرنا محمد بن عمر عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن عبد المجيد بن سُهيل عن عكرمة قال: صلّى بهم أبو بكر ثلاثًا.

أخبرنا الحسين بن عليّ الجُعْفيّ عن زائدة عن عبد الملك بن عُمير عن أبي بُردة عن أبي موسى قال: مرض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فاشتدّ مرضُه فقال: مُرُوا أبا بكر فليصلّ بالنّاس؟ فقالت عائشة: يا رسول الله، إنّ أبا بكر رجُل رقيق وإنه إذا قامَ مقامَك لم يَكدْ يُسمع الناسَ: فقال: مُروا أبا بكرٍ فَليُصَلّ بالنّاس فإنّكنّ صواحب يوسُف!

أخبرنا الحسين بن عليّ الجُعْفيّ عن زائدة عن عاصم عن زِرّ عن عبد الله قال: لمّا قُبض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قالت الأنصارُ منّا أميرٌ ومنكم أمير، قال: فأتاهم عمر فقال يا معشر الأنصار أَلستم تعلمون أن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمر أبا بكر يصلّي بالنّاس؟ قالوا: بَلَى! قال: فأيّكمُ تطيبُ نفسهُ أن يتقدّم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدّم أبا بكر!

ذكر ما قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه لأبى بكر، رضي الله عنه

أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا أبو بكر بن عيَّاش عن أبي المهلّب عن عبيد الله بن زَحْر (٢) عن عليّ بن يزيد عن القاسم عن أبي أُمامة عن كعب بن مالك قال: إنّ أحْدَثَ عهدى بنبيّكم، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قبل وفاته بخمسٍ فسمعتُه يقول ويحرّك كفّه: إنّه لم يكن نبيّ قبلى إلّا وقد كان له من أمّته خليلٌ، ألا وإنّ خليلى أبو بكر، إنّ الله اتّخذني خليلًا كما اتّخذ إبراهيم خليلًا (٣) .

٣/١٩٩٣/١٩٩

أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا نافع بن عمر الجُمحيّ عن ابن أبي مُليكة قال: قال النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في مرضه الّذي مات فيه: ادعوا لي أبا بكر، فقالت عائشة: إنّ أبا بكر يَغلبه البُكاءُ ولكن إن شئتَ دعونا لك ابن الخطّاب، قال: ادعوا أبا بكر. قالت: إنّ أبا بكر رجل يرقّ ولكن إن شئتَ دعونا لك ابن الخطّاب، فقال: إنّكن صواحب يوسف! ادعوا لي أبا بكر وابنه فليكتبْ إنْ يَطمع في أمر أبي بكر طامعٌ أو يتمنّ مُتمنّ، ثمّ قال: يأبَى الله ذلك والمؤمنون، يَأبى الله ذلك والمؤمنون! قالت عائشة: فأبَى الله ذلك والمؤمنون، فأبَى الله ذلك والمؤمنون (١) .

أخبرنا موسى بن داود عن نافع بن عمر عن محمّد بن المنكدر قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في مرضه الّذي مات فيه: ادعوا لي أبا بكر، فدعَوه إلى ابن الخطّاب فأُغْمِىَ عليه ثمّ أفاقَ فقال: ادعوا لي أبا بكر، فدعوه إلى ابن الخطّاب فقال: إنكن صواحب يوسف! فقيل لعائشة بعد ذلك: ما لكِ لم تدْعى أباكِ لرسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كما أمركم؟ قالت: علمتُ أنّهم سيقولون إذا سمعوا صوتَ أبي بِئْسَ الخَلَفُ مِن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فكانوا يقولونها لعُمَر أحَبّ إليّ من أن يقولوها لأبى.

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني سليمان بن بلال عن يحيَى بن سعيد عن القاسم بن محمّد عن عائشة، قال محمّد بن عمر: وأخبرنا هشام بن عُمارة عن إسماعيل بن أبي حُكيم عن القاسم بن محمّد عن عائشة، وأخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُروة عن عائشة، وأخبرنا الحَكم بن القاسم عن عَفيف بن عمرو عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة عن عائشة دخل حديثُ بعضهم في حديث بعض قالت: بُدِئ برسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في بيت مَيمونَة فدخَل علَيَّ رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأنا أقول وارأساه! فقال: لو كان ذلك وأنا حَيّ فأستغفر لكِ وأدعو لكِ وأكفّنُكِ وأدفنُكِ! فقلت: واثَكْلاه! واللهِ إنّك لَتُحِبّ موْتى ولو كان ذلك لَظَلِلْتَ يومَك مُعْرِسًا ببعض أزواجك! فقال النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بَل أنا وارأساه! لقد هممتُ أو أردت أن أرسِل إلى أبيك وإلى أخيك فأقضى أمرى وأعْهَد عَهْدى فلا يطمع في الأمر طامع ولا يقول القائلون أوْ يَتَمَنّى المتمنّون، ثمّ قال: كَلّا يأبَى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون، وقال بعضهم في حديثه: ويأبى الله إلّا أبا بكر (٢) .

٣/٢٠٠٣/٢٠٠

أخبرنا محمّد بن عمر عن الثّوريّ عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: قال أبو بكر يا رسول الله إنِّي رأيتُ في المنام كأنّ عليّ ثَوْبَيْ حِبَرَةٍ وأنا أطَأ في عَذِرات النّاس وفى صدرى رَقْمَتَيْن، فقال: أمّا الرّقمتان فَتَلى سَنَتَيْن، وَأمّا الثّوب الحِبَرة فما تُحْبَر به من ولدك، وأمّا العذرة فما ينالك مِن أَذَاهُمْ.

أخبرنا محمّد بن عمر عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن محمّد بن جُبير قال: جاء رجل إلى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يذاكره في الشئ فقال إن جئتُ فلم أجِدْك؟ قال: فَأْتِ أبا بكر: قال محمّد بن عمر: يعني بَعْدَ الموت (١) .

أخبرنا محمّد بن عمر عن محمّد بن عمرو الأنصاريّ سمعتُ عاصم بن عمر بن قتادة قال: ابتاع النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بعيرًا من رجل إلى أجَلٍ فقال يا رسول الله إن جئْتُ فلم أجِدْكَ؟ يعني بعد الموْت، قال: فَأتِ أبا بكر، قال: فإن جئتُ فلم أجد أبا بكر؟ يعني بعد الموت، قال: فَأتِ عُمَرَ، قال: فإن جئتُ فلم أجد عُمر؟ قال: إن استطعتَ أن تموت إذا مات عُمرُ فَمُتْ (٢) .

ذكر سد الأبواب غير باب أبي بكر، رضي الله عنه

أخبرنا يحيَى بن عبّاد وسعيد بن منصور ويونس بن محمّد المؤدّب قالوا: أخبرنا فُليح بن سُليمان، حدّثني أبو النّضر سالم عن عُبيد بن حُنين وبُسْر بن سعيد عن أبي سعيد الخدْريّ قال: خطب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، النّاسَ فقال: إنّ الله خيّرَ عبْدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبدُ ما عند الله، قال: فبكى أبو بكر، قال: فقلتُ في نفسى ما يُبكى هذا الشيخَ أن يكون رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يُخبرُنا عن عبدٍ خُيّر فاختار؟ قال: وكان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، هو المخيّرَ وكان أبو بكر أعلَمنا به، قال فقال رسول الله. -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يا أبا بكر لا تَبكِ! أيّها النّاس إنّ أمَنّ النّاس عليّ في صُحْبَته وماله أبو بكر ولو كنتُ متّخذًا من النّاس خليلًا كان أبا بكر ولكن أخوّة الإسلام ومودّته لا يبْقَيَنّ في المسجد بابٌ إلّا سُدّ إلّا باب أبي بكر (١) .

٣/٢٠١٣/٢٠١

أخبرنا قُتيبة بن سعيد البَلْخيّ، أخبرنَا لَيْث بن سعد عن يحيَى بن سعيد: أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: إنّ أعظمَ النّاسِ عليّ منًّا في صُحبته وذات يده أبو بكر فأغْلِقوا هذه الأبواب الشارعة كلّها في المسجد إلّا باب أبي بكر (٢) .

قال قُتيبة بن سعيد قال الليث بن سعد قال معاوية بن صالح: فقال ناس أغلقَ أبوابَنا وتركَ بابَ خليله، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قد بلغنى الّذي قُلتم في باب أبي بكر وإنّي أرى على باب أبي بكر نُورًا وأرى على أبوابكم ظُلْمَة (٣) .

أخبرنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا جرير بن حازم عن يَعلَى بن حَكِيم عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال: خرَج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فى مرضه الّذي مات فيه عاصِبًا رأسه في خِرقة فقَعَد على المنبر فحمد الله وأَثنى عليه وقال: إنّه ليسَ أحدٌ أمَنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قُحافة، ولو كنتُ متّخذًا من النّاس خليلًا لاتّخذتُ أبا بكر خليلًا ولكن خُلّة الإسلام أفضل، سُدّوا عن كلّ خَوْخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر (٤) .

أخبرنا أحمد بن الحجّاج الخُراسانيّ قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يونس وَمَعْمَر عن الزّهريّ، أخبرني أيّوب بن بشير الأنصاري عن بعض أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، خرج فاستوى على المنبر فتشهّد فلمّا مضى تشهّده كان أوّل كلام تكلّم به أن استغفَر للشّهداء الّذين قُتِلوا يومَ أُحُد ثمّ قال: إنّ عبدًا من عباد الله خُيّر بين الدنيا وبين ما عند ربّه فاختار ما عند ربّه، ففطن لها أبو بكر الصّدّيق أوّل النّاس فعرف إنّما يريد رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، نفسَه، فبكى أبو بكر فقال له رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: على رسْلِك يا أبا بكر! سدّوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلّا باب أبي بكر فإنّي لا أعلم امرأً أفضل عندي يَدًا في الصّحابة من أبي بكر.

٣/٢٠٢٣/٢٠٢

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني الزّبير بن موسى عن أبي الحُوَيرث قال: لمّا أمر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بالأبواب لِتُسَدّ إلّا باب أبي بكر قال عمر: يا رسول الله دَعْنى أفْتَح كُوّةً أنظر إليك حين تخرج إلى الصلاة! فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا! (١)

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الرحمن بن الحُرّ الواقِفي عن صالح بن أبي حسّان عن أبي البَدّاح بن عاصم بن عديّ قال: قال العبّاس بن عبد المطّلب يا رسول الله ما بالُك فتحتَ أبواب رجال في المسجد وما بالُك سَددتَ أبواب رجال في المسجد؟ فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يا عبّاس ما فتحتُ عن أمرى ولا سددتُ عن أمرى (٢) .

ذكر تخيير رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -

أخبرنا وكيع بن الجرّاح ورَوْح بن عُبادة عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن عُروة عن عائشة قالت: كنتُ سمعتُ أنّه لا يموت نَبيّ حتَّى يخيّر بين الدّنيا والآخرة، قالت فأصابت رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بُحّة شديدةٌ في مَرضه فسمعتُه يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] ، فظننتُ أنّه خُيّر (٣) .

أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ، أخبرنا كثير بن زيد عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطَب قال: قالت عائشة: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول ما مِن نبيّ إلّا تُقْبَضُ نفسه ثمّ يَرَى الثّوابَ ثمّ تُرَدّ إليه فيخيّر بين أن تُردّ إليه إلى أن يُلْحَق، قالت: فكنتُ قد حفظتُ ذلك منه فإنّى لَمُسْندتُه إلى صدرى فنظرتُ إليه حتَّى مالَتْ عُنُقُه فقلت قد قضَى! وعرفتُ الّذي قال فنظرتُ إليه حتَّى ارتفع ونظر، قالت: قلت إذًا والله لا يختارنا! فقال: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (٤) .

٣/٢٠٣٣/٢٠٣

أخبرنا محمّد بن عمر عن أُسامة بن زَيد اللّيثيّ عن الزهريّ، أخبرنا سعيد بن المسيّب في رجال من أهل العِلْم أنّ عائشة زوج النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قالت: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول وهو صحيحٌ: إنّه لم يُقْبَضْ نبيّ حتَّى يَرَى مَقعَده من الجنّة ثمّ يخيّر. قالت عائشة: فلمّا نَزَل بِرسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ورأسُه على فَخذَيّ غُشِىَ عليه ساعةً ثمّ أفاق فأشخصَ بصره إلى السّقف سقف البيت ثمّ قال: اللهمّ الرّفيقَ الأعلى!. قالت عائشة: فقلتُ الآنَ لا يختارنا، وعرفت أنّه الحديث الّذي كان يحدّثنا وهو صحيح فكانت تلك آخِرَ كلمةٍ تكلّم بها رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (١) .

أخبرنا محمّد بن عمر، حدثني محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث عن أم سلَمة زوج النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قالت: قلت رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الآن يخيَّر إذًا لا يختارنا.

أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أسامة وعبد الله بن نُمير عن هشام بن عُروة عن عبّاد بن عبد الله بن الزُّبير عن عائشة قالت: سمعتُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول قبل أن يُتوفّى وأنا مُسْنِدَتُه إلى صدري: اللهمّ اغفر لي وارحمنى وألحقْنى بالرّفيق.

أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس، وأخبرنا المُعَلّى بن أسد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار جميعًا عن هشام بن عُروة عن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير أنّ عائشةَ أخبرته أنّها سمعت النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأصْغَتْ إليه قبل أن يموت وهي مُسنَدة إلى ظهره يقول: اللهمّ اغفِر لي وارحمني وأَلْحِقْني بالرّفيق الأعلى.

أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس قال: بلغنى عن عائشة قالت: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ما مِن نبيّ يموت حتَّى يخيّر، قالت: فسمعتُه وهو يقول اللهمّ الرّفيقَ الأعْلى! فعرَفْتُ أنّه ذَاهبٌ.

أخبرنا يَعْلَى ومحمّد ابْنا عُبيد قالا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي بُرْدة بن أبي موسى قال: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قد أَسْنَدَتْه عائشةُ إلى صَدرها فأفاقَ وهي تَدعو له بالشّفاء فقال: لا بَلْ أسأل الله الرفيقَ الأعْلى الأسْعدَ مع جبريل وميكائيل وإسرافيل.

٣/٢٠٤٣/٢٠٤

أخبرنا أنس بن عِياض اللّيثيّ وصَفْوان بن عيسى الزهريّ ومحمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك المَدَنيّ عن أُنيس بن أبي يحيَى عن أبيه عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: بينما نحن جلوسٌ في المسجد إذ خرَج علينا رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في المرض الذي تُوفّى فيه عاصبًا رأسه بِخِرْقة فخرَج يمشى حتَّى قامَ على المنبر، فلمّا استوى عليه قال في حديث أبي ضمرة أنس بن عياض وصفوان: والّذي نَفْسُ رسول الله بيده، وفي حديث محمّد بن إسماعيل: والذى نَفْسِى بيده إنِّي لَقَائمٌ على الحَوْض السّاعةَ! إنّ رجلًا عُرضَت عليه الدّنيا وزِينَتُها فاختارَ الآخرةَ، فلم يَعْقِلْها من القومِ أحَدٌ إلّا أبو بكرٍ فبكَى ثمّ قال: أىْ رسول الله! بأبي أنت وأُمّى بل نفديك بآبائنا وأبنائنا وأنفسنا وأموالنا! قال: ثمّ نزل فما قامَ عليه حتَّى السّاعة.

ذكر قسم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بين نسائه في مرضه من نفسه

أخبرنا أنَس بن عِياض اللّيثيّ عن جَعْفَر بن محمّد عن أبيه: أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كان يُحْمَلُ في ثوبٍ يطوف به على نسائه وهو مريض يقسم بينهنّ.

أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدى عن أيّوب عن أبي قِلَابة أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كان يقسم بين نسائه فَيُسَوّى بينهنّ ويقول: اللهمّ هذا ما أمْلِكُ وأنْت أَوْلى بما لا أملك، يعني الحبّ في القلب.

ذكر استئذان رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، نساءه أن يمرض في بيت عائشة

أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ عن أبيه عن صالح بن كَيسان عن ابن شهاب قال: لمّا اشتدّ برسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وجعُه استأذن نساءَه أن يكون في بيت عائشة، ويقال إنّما قالت ذلك لهنّ فَاطِمةُ، فقالت: إنّه يشقّ على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الاختلافُ فَأذِنّ له فخرج من بيت مَيْمونة إلى بيت عائشة تَخُطّ رِجلاه بين عَباسٍ ورجُلٍ آخرَ حتَّى دخل بيتَ عائشة، فزعموا أنّ ابن عبّاس قال: مَن الرّجُلُ الآخر؟ قالوا: لا نَدري! قال: هو عليّ بن أبي طالب.

٣/٢٠٥٣/٢٠٥

أخبرنا أحمد بن الحجّاج قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا مَعْمر ويونس عن الزهريّ، أخبرني عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنّ عائشة زوج النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالت: لمّا ثقُلَ رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، واشتدّ به وجعه استأذن أزواجَه في أن يمرَّض في بيتى فأذِنّ له فخرج بين رَجُلين تَخُطّ رِجْلاه في الأرض بين ابن عبّاس، تعنى الفضل، وبين رجل آخر: قال عُبيد الله: فأخبرتُ ابن عبّاس بما قالت قال: فَهَلْ تَدرى مَن الرجل الآخر الّذي لم تُسَمّ عائشة؟ قال: قلت لا! قال ابن عبّاس: هو عليّ! إنّ عائشة لا تَطِيب له نفسًا بخير: قالت عائشة: فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بعدما دَخَل بيتى واشتدّ وجعه: أهْريقوا عليَّ من سَبْع قِرَب لم تُحْلَل أوْكِيَتُهُنّ لَعَلّي أعْهَدُ إلى النّاس، قالت: فأجلساه في مِخْضَب لِحَفْصَة زوج النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثمّ طفقنا نصُبّ عليه من تلك القِرَب حتَّى جعل يُشير إلينا بيده أن قد فعلتم، ثمّ خرج إلى النّاس فصلّى بهم (١) وخطبهم.

أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن أبي عِمْرَان الجَوْنِيّ عن يزيد بن بَابَنُوس قال: استأذَنْتُ أنا ورجُلٌ من أصحابى على عائشة فأذِنَتْ لنا، فلمّا دَخَلنا جذبَت الحِجَابَ وألقَتْ لنا وِسَادةً فجلسنا عليها فقالت: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إذا مَرّ ببابى يُلقى إليّ الكلمة ينفع الله بها، فمرّ ذاتَ يومٍ فلم يقُلْ شيئًا ثمّ مَرّ ذاتَ يوم فلم يقُل شيئًا فقلت: يا جارية أَلْقِى لي وِسَادةً على الباب! فألقت لي وسادة فجلستُ عليها في طريقه وعصبتُ رأسى فَمَرّ بي رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: ما شأنُك؟ فقلتُ: أشتكى رأسى! فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أنا وارأساه! ثمّ مضى فلم يلبث إلّا يسيرًا حتَّى جِئَ به محمولًا في كِساء فأدخل بيتى فأرسَل إلى نسائه فاجتمعن عنده فقال: إنّى أشتكى ولا أستطيعُ أن أدور بيوتكُنّ فإنْ شِئْتُنّ أذنْتُنّ لي فكنتُ في بيت عائشة، فأذِنَّ له، فكنت وأنا أوصّبه (٢) ولم أُوصّبْ مريضًا قطّ قَبْلَه.

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: لمّا ثَقُل النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: أين أنا غدًا؟ قالوا: عند فلانة، قال: فأين أنا بعد غدٍ؟ قالوا عند فلانة، فعرَف أزواجه أنّه يريد عائشة فقُلن: يا رسول الله قد وهبْنا أيّامَنا لأُختنا عائشة.

٣/٢٠٦٣/٢٠٦

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني الحكَم بن القاسم عن عفيف بن عمرو السهميّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن عائشة قالت: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَدور على نسائه حتى استُعِزّ (١) به وهو في بيت مَيْمُونة فعرف نساء رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنه يحبّ أن يكون في بيتى فقُلن: يا رسول الله يومُنا الّذي يُصيبنا لأُختنا! يعنين عائشة.

ذكر السواك الذي استن به رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه الذي مات فيه

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني جعفر بن محمّد بن خالد بن الزّبير عن محمّد بن عبد الرحمن بن نَوْفَل عن الزّهريّ عن عُروة بن الزّبير عن عائشة قالت: لمّا رَجَع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في ذلك اليوم دخل حُجْرتي فاضطَجع في حِجْري فدَخَل عليّ رجلٌ من آل أبي بكر في يده سِواكٌ أخضرُ، فنظرَ رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إليه وهو في يده نظرًا عرفتُ أنّه يُريده فقلت: يا رسول الله تريد أن أعطيك هذا السّواك؟ فقال: نعم! فأخذته فمضغتُه حتى لَيّنتُه ثمّ أعطيته إيّاه فاستنّ به كأشدّ ما رأيته استنّ بسواك قبله ثمّ وضعه (٢) .

أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا عبد العزيز بن محمّد عن عَلْقمة بن أبي عَلْقمة عن أُمّه عن عائشة قالت: دخل عبد الرّحمن بن أبي بكر على النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في شكوِه وأنا مُسْنِدَتُه إلى صَدري وفي يد عبد الرّحمن سِواكٌ فأمرها أن تَقْضِمه فَقَضمَتْه ثمّ أعطته رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (٣) .

٣/٢٠٧٣/٢٠٧

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الرّحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مُلَيكة عن القاسم بن محمّد قال: سمعتُه يقول: سمعتُ عائشة تقول: كان من نعمة الله عليّ وحُسْن بلائه عندي أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مات في بيتى وفى يومى وبين سَحْرى ونَحْرى وجُمِع بين ريقى وريقه عند الموت! قال القاسم: قد عرفنا كلّ الذي تقولين فكيف جُمع بين ريقكِ وريقه؟ قالت: دَخل عبد الرّحمن بن أُمّ رومان أخى على النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَعُوده وفي يده سِواكٌ رَطْب وكان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مُولَعًا بالسواك فرأيت رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يُشْخِصُ بَصرَه إليه، فقلتُ: يا عبد الرّحمن اقضم السّواك! فَناولَنيه فمضغتُه ثمّ أدخلته في في رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَتَسَوّك به فجُمِعَ بين ريقى وريقه (١) .

ذكر اللدود الذي لد به رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه

أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ، حدّثني أبو يونس القشَيريّ، يعني حاتم بن أبي صَغيرة، حدّثني عَمرو بن دينار: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، اشتكى فأُغمِىَ عليه فأفاقَ حين أفاقَ والنِّساءُ يَلدُدْنَه فقال: أمَا إنّكم قد لددتمونى وأنا صائم، لَعلّ أسماء بنتَ عُميس أمَرَتْكم بهذا، أكانت تخاف أن يكون فيّ ذاتُ الجَنْب؟ ما كان الله ليسلّط عليّ ذات الجنب، لا يبقى في البيت أحدٌ إلّا لُدّ كما لَدَدْتُنِّي (٢) غيرُ عمّى العبّاس! فَوَثب النّساء يلدّ بعضهنّ بعضًا.

أخبرنا محمّد بن الصباح، أخبرنا عبد الرّحمن بن أبي الزّناد عن هِشام، يعني ابن عُروة، عن أبيه عن عائشة قالت: كانت تأخذ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الخاصرةُ فاشتَدّت به جدًّا وأخذتْه يومًا فأُغْمىَ على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حتى ظنَنّا أنّه قد هَلَك على الفِراش فَلَدَدْنَاه، فلمّا أفاقَ عَرف أنّا قد لددناه فقال: كنتم ترَوْنَ أنّ الله كان يسلّط عليّ ذاتَ الجنب؟ ما كان الله ليجعل لها عليّ سُلطانًا، والله لا يبقى في البيت أحدٌ إلّا لَددتموه إلّا عَمّى العبّاس: قالت: فما بقى في البيت أحدٌ إِلّا لُدّ، فإذا امرأة من بعض نسائه تقول: أنا صائمة! قالوا: تَرَيْنَ أنّا نَدَعُكِ وقد قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لا يبقَى أحدٌ فى البيت إلّا لُدّ؟ فلددناها وهي صائمة.

٣/٢٠٨٣/٢٠٨

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني سعيد بن عبد الله بن أبي الأبيض عن المَقْبُريّ عن عبد الله بن رافع عن أُمّ سَلمة قالت: بُدِئ برسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في وجعه في بيت مَيْمونة، فكان إذا خَفّ عنه ما يجد خرج فصلَّى بالنّاس، فإذا وجد ثقلةً قال: مُروا النّاسَ فليصلّوا! فَتَخَوَّفْنَا عليه ذات الجنب وثقُل فَلَدَدْنَاه فوجَد النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، خشونةَ اللدّ فأفاقَ فقال. ما صنعتم بي؟ قالوا: لَدَدناك! قال: بماذا؟ قلنا: بالعُود الهِنْديّ وشئ من وَرْسٍ وقَطَرات زيتٍ، فقال: مَن أمركم بهذا؟ قالوا أسماءُ بنت عُميس، قال: هذا طِبّ أصابته بأرضِ الحبشة، لا يبقَى أحدٌ في البيت إلّا التدّ إِلّا ما كان من عَمّ رسول الله، يعني العبّاس، ثمّ قال: ما الّذي كُنتم تخافون عليّ؟ قالوا: ذاتَ الجَنْب، قال: ما كان الله لِيسلّطها عليّ (١) .

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمّد الأخْنَسيّ قال: دخلَتْ أُمّ بِشْر بن البراء على النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في مرضه فقالت: يا رسولَ الله ما وجدتُ مثل هذه الحُمّى التي عليك على أحدٍ! فقال النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لها: يُضَاعَفُ لنا البَلاءُ كما يُضاعَف لنا الأجْرُ! ما يقول النّاس؟ قالت: قلتُ يقولون به ذاتُ الجَنْب، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ما كان الله ليسلّطهما عَلَى رسوله، إنّها هَمزةٌ من الشيطان ولكنّها من الأَكْلة التي أكلتُها أنا وابنُكِ، هَذَا أَوَانَ قَطَعَتْ أبْهَرى (٢) .

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الحميد بن عِمْران بن أبي أنس عن أبيه عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن ابن عبّاس قال: لمّا كان وجع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَدّوه فقال: مَن أمركم بهذا؟ أخِفْتُم أن تكون بي ذاتُ الجَنْب؟ ما كان الله ليسلّطها عليّ، أمَرَتْكم بهذا أسماءُ بنت عُميس جاءت به من أرض الحَبَشَة، لا يبقَى في البيت أحَدٌ إلّا التَدّ إلّا عَمّى العبّاس، قال: فجعل بعضهم يلدّ بعضًا.

٣/٢٠٩٣/٢٠٩

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هِشام قال: كانت أمّ سَلَمة وأسْماءُ بنت عُميس هما لَدَّتَاه، قال: فالتدّت يومئذٍ ميمونة وهي صائمة لِقَسَمِ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: وكأنّه منه عقوبة لهم (١) .

ذكر الدنانير التي قسمها رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه الذي مات فيه

أخبرنا الفضل بن دُكين أبو نُعيم، أخبرنا إسماعيل بن عبد الملك، أخبرنا ابن أبي مُلَيكة، حدّثتني عائشة قالت: أصابَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، دنانير فقسمها إلّا ستةً فدفع الستّة إلى بعض نسائه فلم يأخذه النّومُ حتَّى قال: ما فَعَلَت الستّةُ؟ قالوا: دفعتها إلى فُلانة! قال: ائتونى بها، فقسم منها خمسةً في خمسة أبيات من الأنصار ثمّ قال: استنْفِقُوا هذا الباقيَ، وقال: الآن استرحتُ! فَرَقَد (٢) .

أخبرنا عبد الله بن مَسلمة بن قَعْنَب الحارثيّ، أخبرنا عبد العزيز بن محمّد عن عمرو بن أبي عمرو عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطَب: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال لعائشة وهي مُسْنِدَتُه إلى صدرها: يا عائشة ما فعَلَتْ تلك الذَّهَبُ؟ قالت: هي عندي قال: فَأنْفِقِيها! ثمّ غُشى على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو على صدرها، فلمّا أفاقَ قال: آنفقتِ تلك الذّهبَ يا عائشة؟ قالت: لا والله يا رسول الله! قالت: فدعا بها فوضعها في كَفِّه فَعَدَّها فإذا هي ستّة دنانير، فقال: ما ظنّ محمّد بربّه أَنْ لو لَقِىَ الله وهذه عنده! فأنفقَها كلّها ومات من ذلك اليوم (٣) .

أخبرنا عبد الله بن مَسلمة، أخبرنا حاتم بن إسماعيل عن أبي بكر بن يحيَى، قال عبد الله أحسبه الزُّبَيْريّ، عن أبيه عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: والذى نَفْسُ محمّدٍ بيده لو أنّ أُحُدًا ذَاكُمْ عنْدِى ذَهَبًا لأحْبَبْت أن لا تأتي عليه ثلاثة أيّام وعندى منه دينارٌ وأجِدُ مَن يَقْبَلُهُ مِنّي صَدَقَةً إلّا شَيْءٌ أرْصُدُهُ في دَيْنٍ عَلَيّ.

٣/٢١٠٣/٢١٠

أخبرنا الضّحّاك بن مَخْلَد أبو عاصم النّبيل عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، أخبرني ابن أبي مُلَيكة عن عقبة بن الحارث قال: انصرف رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من صلاة العَصْر فأسرَع ولم يُدْرِكْهُ أحدٌ فعجَب النّاسُ من سُرْعته، فلمّا رَجَع إليهم عرَف ما في وجوههم فقال: كان عندي تِبْرٌ في البيت فكرِهْتُ أن أبيّتَهُ عندي فأمرتُ بقسمه.

أخبرنا هَوْذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن الحسن قال: أصبح رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يومًا فعُرف فى وجهه أنّه بات قد أهمّه أمرٌ، قال فقيل له: يا رسول الله إنّا لَنستنكر وجهك فإنّك قد أهمّكَ الليلةَ أمرٌ: فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ذاكَ من أُوقِيّتَيْنِ من ذَهَبِ الصَّدَقة باتَتَا عندي لم أَكُن وجّهتُهما.

أخبرنا عبد الوهّاب بن عطَاء العِجْليّ، أخبَرنا محمّد بن عمرو عن أبي سَلَمة عن عائشة: أنّ رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال فى وجعه الّذي قُبِضَ فيه: ما فَعَلَت الأذْهُبُ؟ فقلتُ: هي عندي يا رسول الله، قال: ائتينى بها، وهي ما بَين السّبعة والخمسة، فجعلها في كَفِّه ثمّ قال: ما ظَنّ محمّد بالله لو لَقِىَ الله وهذه عنده؟ أَنْفِقِيهَا.

أخبرنا يحيَى بن إسحاق البَجَليّ قال: أخبرنا يحيَى بن أيّوب عن أبي حازم عن أبي سَلَمة عن عائشة أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال لها في مَرضه الذي ماتَ فيه: يا عائشة هَلُمّى تلك الذَّهبَ! قالت: فأتيتُه بها، وهي أحَدُ العَدَدَيْنِ تسعة أو سَبعة، فأخذَها بيده فقال: ما ظَنّ محمّدٍ لو لَقِىَ الله وهذه عنده؟

أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا يعقوب بن عبد الرّحمن، حدّثني أُبَيّ عن أبيه، أو عُبيد الله بن عبد الله شكّ يعقوب، عن عائشة قالت: أتَت رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثمانية دراهم بعد أن أمْسَيْنَا فلم يزلْ قائمًا وقاعدًا لا يأتيه النّومُ حتَّى سَمع سائلًا يسأل فخرَج من عندي فما عَدَا أن دخَل فسمعت غَطِيطَه، فلمّا أصبحَ قلتُ: يا رسول الله رأيتُك أوّلَ اللّيلِ قائمًا وقاعدًا لا يأتيك النّومُ حتَّى خرجتَ من عندي فما عَدَا أن دخلتَ فسمعتُ غطيطَك! قال: أجَلْ أتتْ رسولَ الله ثمانيةُ دراهم بعد أن أمْسى فما ظنّ رسول الله أن لو لقى الله وهي عنده؟

أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا يعقوب بن عبد الرّحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: كانت عند رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سبعة دنانير وضعَها عند عائشة، فلمّا كان في مَرضه قال: يا عائشة ابعثى بالذّهب إلى عليّ، ثمّ أُغمىَ على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وشغل عائشةَ ما به حتَّى قال ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ، كلَّ ذلك يُغْمَى على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ويشغل عائشة ما به فبعثَت، يعني به، إلى عليّ فتصدّق به، ثمّ أمسى رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ليلةَ الاثنين في جَديد الموت فأرسلَت عائشةُ إلى امرأةٍ من النساء بمصباحها فقالت: اقطرى لنا في مصباحنا من عُكّتِك السّمنَ، فإنّ رسولَ الله أمسَى في جديد الموت.

ذكر الكتاب الذي أراد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أن يكتبه لأمته في مرضه الذي مات فيه

٣/٢١٣٣/٢١٣

[أخبرنا يحيَى بن حمّاد، أخبرنا أبو عَوانة عن سليمان، يعني الأعْمش، عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس قال: اشتكى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يومَ الخميس فجعل، يعني ابن عبّاس، يبكى ويقول يوم الخميس وما يوم الخميس! اشتدّ بالنّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وجعه فقال ائتوني بدواة وصحيفة أكْتُبْ لكم كتابًا لا تَضلّوا بعده أبدًا، قال: فقال بعض مَن كان عنده إنّ نبيّ الله لَيَهْجر! قال فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: أَوَ بَعْدَ (١) ماذا؟ قال: فلم يدعُ به] (*) .

أخبرنا سفيان بن عُيينة عن سليمان بن أبي مسلم خالِ ابن أبي نَجيح سمع سعيدَ بن جُبَير قال: قال ابن عبّاس: يومُ الخميس وما يومُ الخميس! قال: اشتدّ برسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وجعُه في ذلك اليوم فقال ائتونى بدواة وصحيفة أكتُب لكم كتابًا لا تَضلّوا بعده أبدًا، فَتَنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازعٌ، فقالوا: ما شأنه، أهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوُه! فذَهبوا يُعيدون عليه فقال: دَعُوني فالّذي أنا فيه خيرٌ مما تَدْعونَني إليه وأوصَى بثلاثٍ، قال: أخْرِجُوا المُشركينَ من جَزيرة العرب، وأَجِيزوا الوَفْدَ بنَحْوٍ ممّا كنتُ أُجيزهم، وسكت عن الثالثة فلا أدرى قالها فنسيتُها أو سكتَ عنها عَمْدًا.

أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري، حدّثني قُرّة بن خالد، أخبرنا أبو الزّبير، أخبرنا جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لمّا كان في مرض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الذي توفّى فيه دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمّته كتابًا لا يَضلّون ولا يُضَلّون، قال: فكان في البيت لغطٌ وكلامٌ وتكلّم عمر بن الخطّاب قال فرفضه النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

٣/٢١٤٣/٢١٤

أخبرنا حَفْص بن عمر الحَوْضيّ، أخبرنا عمر بن الفضل العبديّ عن نُعيم بن يزيد، أخبرنا عليّ بن أبي طالب: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لمّا ثَقِلَ قال: يا عليّ ائتني بِطَبَقٍ أكتبُ فيه ما لا تَضلّ أُمّتي بعدى، قال: فخشيتُ أن تَسبقنى نفسه فقلت إنِّي أحفظ ذراعًا من الصحيفة، قال: فكان رأسه بين ذراعي وعَضُدي فجعل يُوصى بالصّلاة والزّكاة وما ملكَتْ أَيْمانُكم، قال: كذلك حتى فاظت (١) نفسُه وأمر بشهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا عبده ورسوله حتى فاظَت نفسه، مَن شهد بهما حُرّم على النّار.

أخبرنا حجّاج بن نُصير، أخبرنا مالك بن مِغْوَل قال: سمعتُ طلحة بن مصرّف يحدّث عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس قال: كان يقول يومُ الخميس وما يومُ الخميس! قال: وكأنّى أنظر إلى دموع ابن عبّاس على خدّه كَأنّها نِظام اللّؤلؤ! قال قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ائتوني بالكَتِف والدواة أكتبُ لكم كتابًا لا تَضلّوا بَعده أبدًا، قال فقالوا: إنّما يهجر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

[أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني هشام بن سعد عن زَيد بن أسْلَم عن أبيه عن عمر بن الخطّاب قال: كُنّا عند النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وبيننا وبين النّساء حِجابٌ، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اغسلوني بسبع قِرَبٍ وأتوني بصَحيفة ودواة أكتبُ لكم كتابًا لَنْ تَضلّوا بعده أبدًا! فقال النسوةُ: ائتوا رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بحاجته. قال عمر: فقلتُ اسكتْنَ فإنّكنّ صواحبه إذا مرض عصرتُنّ أعْيُنَكُنّ وإذا أخذتُنّ بعُنُقه! فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هُنّ خيرٌ منكم] (*) !

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني إبراهيم بن يزيد عن أبي الزّبير عن جابر قال: دعا النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابًا لأمّته لا يَضِلّوا ولا يُضَلّوا فَلَغَطوا عنده حتى رَفَضها النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

[أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني أُسامة بن زَيد اللّيثيّ ومَعمر بن رَاشد عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن ابن عبّاس قال: لمّا حضرت رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الوفاةُ وفي البيت رجالٌ فيهم عمر بن الخطّاب، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هلُمّ أكتبُ لكم كتابًا لن تَضلّوا بعده! فقال عمر: إن رسول الله قد غَلَبه الوجع وعندكم القرآن، حَسْبُنا كتابُ الله فاختلفَ أهلُ البيت واختَصَموا، فمنهم مَن يقول قَرّبوا يَكْتُبْ لكم رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومنهم مَن يقول ما قال عمر، فلمّا كثر اللّغط والاختلاف وغمّوا رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: قوموا عنّى! فقال عُبيد الله بن عبد الله فكان ابن عبّاس يقول: الرّزية كلّ الرّزيّة ما حَالَ بين رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وبين أن يكتبَ لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولَغَطِهم.

٣/٢١٥٣/٢١٥

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حَبيبة عن داود بن الحُصين عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس: أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال في مرضه الّذي مات فيه: ائتونى بدواة وصَحيفة أكتبُ لكم كتابًا لن تَضلّوا بعده أبدًا! فقال عمر بن الخطّاب: مَن لفلانة وفلانة مَدائن الرّوم؟ إنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ليس بميتٍ حتَّى نَفْتتحها ولو مات لانتظرناه كما انتَظَرتْ بنو إسرائيل موسى! فقالت زَينب زوج النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ألا تسمعون النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يعهد إليكم؟ فلغطوا فقال: قُوموا! فلمّا قاموا قبض النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مكانه (١) ]. (*)

ذكر ما قال العباس بن عبد المطلب لعلي بن أبي طالب في مرض رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -[الذي مات فيه]

أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهريّ عن أبيه عن صالح بن كَيْسان عن ابن شهاب، أخبرنا عبد الله بن كَعب بن مالك أنّ عبد الله بن عبّاس أخبره: أنّ عليّ بن أبي طالب خرَج من عند رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في وجعه الّذي تُوفّى فيه فقال النّاس: يا أبا حَسن كيف أصبَحَ رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قال: أصبحَ بحمد الله بارِئًا! قال ابن عبّاس: فأخذ بيده العبّاس بن عبد المطّلب فقال: ألا تَرى؟ أنت والله بعدَ ثلاثٍ عَبْدُ العَصَا! إنّى والله لأرى أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، سيُتَوَفّى في وجعه هذا، إنِّي أعرفُ وجوه بني عبد المطّلب عند الموت فاذهب بنا إلى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلنسأله فيمن هذا الأمرُ من بعده، فإنْ كانَ فينا عَلِمْنَا ذلك وإنْ كان في غيرنا كَلّمْناه فأوصَى بنا! فقال عليّ: والله لئنْ سألناها رسولَ الله فمَنعَناها لا يُعطيناها النّاسُ أبدًا فوالله لا نسأله أبدًا!

٣/٢١٦٣/٢١٦

أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا زُهير، أخبرنا إسماعيل بن أبي خَالد عن عامر الشّعْبيّ قال: قال رجلٌ لعليّ في المرض الّذي قُبض فيه، يعني النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إني أكاد أعرف فيه الموتَ. فانْطَلِقْ بنا إليه فنَسأله مَن يَستخلف، فإن استخلَف منّا فذاك، وإلّا أوْصَى بنا فَحَفِظَنَا مَن بَعْدَه! فقال له عليّ عند ذلك ما قال، فلمّا قُبض النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال لَعليّ: ابسط يدك أُبايِعك تُبايعك النّاسُ! فَقَبَضَ الآخرُ يده.

أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عمر بن عقبة اللّيثي عن شُعْبة مولى ابن عبّاس عن ابن عبّاس قال: أرسل العبّاسُ بن عبد المطّلب إلى بَنى عبد المطّلب فَجَمَعهم عنده، قال وكان عليّ عنده بمنزلة لم يكن أحدٌ بها، فقال العبّاس: يا ابن أخى إنِّي قد رأيتُ رأيًا لم أحبّ أن أقطعَ فيه شيئًا حتى أستشيرك، فقال عليّ: وما هو؟ قال: ندخلُ على النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فنسأله إلى مَن هذا الأمر من بَعده، فإن كان فينا لم نُسْلِمْه والله ما بقى منّا في الأرض طارفٌ، وإن كان في غَيرنا لم نطلبها بعده أبدًا! فقال عليّ: يا عَمّ وهل هذا الأمر إلّا إليك؟ وهل من أحدٍ ينازعكم في هذا الأمر؟ قال فَتَفرّقوا ولم يدخلوا على النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني هِشام بن سعد عن زَيد بن أسْلَم قال: جاء العبّاسُ على النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في وجعه الّذي تُوفّى فيه فقال عليّ بن أبي طالب: ما تريد؟ فقال العبّاس: أريد أن أسأل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أن يسَتْخلِفَ منّا خليفةً: فقال عليّ: لا تفعل! قال: ولِمَ؟ قال: أخشى أن يقول لا، فإذا ابتغينا ذلك من النّاس قالوا أليس قد أبَى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟

٣/٢١٧٣/٢١٧

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله ابن أخى الزّهريّ سمعتُ عبد الله بن حَسن يحدّث عَمّى الزُّهريّ يقول حدَّثتنى فاطمة بنت حُسين قالت: لمّا تُوفّى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال العبّاس: يا عليّ قُمْ حتَّى أُبايعك ومَن حضر فإنّ هذا الأمر إذا كان لم يُردّ مثلُه والأمر في أيْدينا: فقال عليّ: وأحَدٌ؟ يعني يطمع فيه غيرُنا: فقال العبّاس: أظنّ والله سيكون! فلمّا بويع لأبي بكرٍ ورجعوا إلى المسجد فسمع عليّ التكبير فقال: ما هذا؟ فقال العبّاس: هذا ما دعوتُك إليه فأبَيتَ عَلَيَّ! فقال عَلِيٌّ: أيكون هذا؟ فقال العبّاس: ما رُدّ مِثْلُ هذا قطّ! فقال عمر: قد خرج أبو بكر من عند النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حين تُوفّى وتخلّف عنده عليّ وعبّاس والزّبير، فذلك حين قال عبّاس هذه المقالة.

ذكر ما قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، لفاطمة ابنته في مرضه، صلوات الله عليهما وسلامه

أخبرنا سليمان بن داود الهاشمىّ قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عُروة عن عائشة أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، دعا فاطمة ابنته في وجعه الّذى تُوفّى فيه فسَارّها بشئ فَبَكَتْ، ثمّ دَعَاها فسَارّها فَضَحِكَت، قالت: فسألتها عن ذلك فقالت: أخبرَنى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنّه يُقْبض فى وجعه هذا فبكيتُ، ثمّ أخبَرنى أنّى أوّل أهله لحاقًا به فضحكتُ (١) .

أخبرنا الفضل بن دُكين أبو نُعيم، أخبرنا زكريّاء بن أبي زائدة عن فراس بن يحيَى عن عامر الشّعبى عن مَسروق عن عائشة قالت: كنتُ جالسة عند رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فجاءت فاطمة تَمشى كأنّ مِشْيَتَها مِشيةُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: مرحبًا بابنتى! فأجلسها عن يمينه أو عن شماله ثمّ أسَرّ إليها شيئًا فبكت ثمّ أسَرّ إليها فضَحِكَت. قالت قلت: ما رأيت ضحكًا أقرب من بكاء، أستخصّكِ رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بحديثه ثم تبكين؟ قلتُ: أي شئ أسرّ إليك رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قالت: ما كنتُ لأفشى سرّه! فلمّا قُبض سألتُها فقالت: قال إنّ جبرائيل كان يأتينى كلّ عام فيعارضني بالقرآن مرّةً وإنّه أتانى العامَ فعارضنى مرّتَين، ولا أظنّ إلّا أجَلى قد حضر ونِعْمَ السّلَفُ أنَا لَكِ! قالت وقال: أنتِ أوّلُ أهلِ بيتى لحاقًا بي، قالت: فبكيتُ لذلك، ثمّ قال: أمَا تَرضَينَ أن تكونى سيِّدَةَ نِساءِ هذه الأمّة أو نساء العالَمين؟ قالت: فضحكتُ (١) .

٣/٢١٨٣/٢١٨

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني موسى بن يعقوب عن هاشم بن هاشم عن عبد الله بن وَهب بن زمعة عن أمّ سلمة زوج النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قالت: لمّا حُضِرَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، دَعا فاطمة فَنَاجَاها فَبَكَت، ثمّ نَاجَاهَا فضَحِكَت، فلم أسألها حتَّى تُوفّى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فسألتُ فاطمة عن بكائها وضَحِكها فقالت: أخبرني، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنّه يَموت، ثمّ أخبرني أَنّى سيّدة نساء أهل الجنّة بعد مَريَم بنت عِمْران فلذلك ضَحكتُ.

أخبرنا محمّد بن عمر عن سفيان بن عُيينة عن عَمرو بن دينار عن أبي جعفر قال: ما رأيتُ فاطمةَ، عليها السّلام، ضاحِكةً بعد رسولِ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلّا أنّه قد تُمُودِىَ بطَرَفِ فِيها.

ذكر ما قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه لأسامة بن زيد، رحمه الله

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُروة بن الزّبير قال: كان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قد بعث أُسامةَ وأمَرَهُ أن يوطئ الخيلَ نحو البَلْقاء حيثُ قُتل أبوه وجعفر، فجعل أُسامة وأصحابه يتجهّزون وقد عَسْكَر بالجُرف، فاشتَكَى رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو على ذلك ثمّ وجد من نفسه راحةً فخرج عاصِبًا رأسه فقال: أيّها النّاسُ! أنْفِذُوا بَعْثَ أُسامةَ! ثلاثَ مرّات ثمّ دخَل النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فاستُعِزّ به فتُوفّى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الله بن يزيد بن قُسَيط عن أبيه عن محمّد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: بلغ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قولُ النّاس استعمل أسامة بن زيد على المهاجرين والأنصار فخرج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها النّاس! أَنْفِذوا بَعْثَ أسامةَ! فَلَعَمْرى لئِنْ قُلتم في إمارته لقد قُلتم في إمارة أبيه من قَبْله، وإنّه لَخَليقٌ للإمارة (١) وإن كان أبوه لَخَلِيقًا بها! قال: فخرَج جيش أُسامة حتى عَسكروا بالجُرف وتَتَامّ النّاسُ إليه فخرجوا وثَقِلَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأقامَ أسامة والنّاس ينتظرون ما الله قاضٍ في رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قال أُسامة: فلمّا ثقل هبطتُ من مُعسْكَرى وهبطَ النّاسُ معي وقد أُغمى على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلا يتكلّم فجعل يرفع يده إلى السّماء ثمّ يَصُبّها عليّ فأعرف أنّه يدعو لي.

٣/٢١٩٣/٢١٩

حدّثنا عبد الوهّاب بن عَطاء العِجْليّ قال: أخبرنا العُمَريّ عن نافع عن ابن عمر: أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بَعثَ سريّة فيهم أبو بكر وعمر واستعملَ عليهم أسامة بن زَيد، فكان النّاس طعنوا فيه أي في صِغَره، فبَلغ ذلك رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَصعد المنبر فحمد الله وأثْنَى عليه وقال: إن النّاس قد طَعنوا في إمارة أسامة وقد كانوا طعنوا في إمارة أبيه من قبله، وإنّهما لَخَلِيقَان لها وإنّه لَمِن أحَبّ النّاس إليّ آلًا! فأوصيكم بأسامة خيرًا.

أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أُويس وخالد بن مَخْلَد قالا: أخبرنا سليمان بن بلال وأخبرنا عبد الله بن مَسلمة بن قَعْنب الحارثىّ. أخبرنا عبد العزيز بن مسلم وأخبرنا معن بن عيسى، قال: أخبرنا مالك بن أنس جميعًا عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: بعثَ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بعثًا وأمَّرَ عليهم أسامة بن زَيد فطعن بعضُ النّاس في إمارته فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنْ تَطعنوا في إمارته فقد كنتم تَطعنون في إمارة أبيه من قبله! وايْمُ الله إن كان لَخَلِيقًا للإمارة، وإن كان لَمنْ أحَبّ النّاس إليّ، وإن هذا لَمن أحَبّ النّاس إلى بعدَه!

أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا وُهَيب وأخبرنا المُعَلّى بن أسد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار جميعًا عن موسى بن عقبة، حدّثني سالم بن عبد الله عن أبيه أنّه كان يسمعه يحدّث عن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حين أمّرَ أسامةَ بن زيد، فبلغه أنّ النّاس عابُوا أُسامةَ وطعنوا في إمارته، فقام رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في النّاس فقال كما حدّثنى سالم: ألَا إنّكم تَعيبون أسامةَ وتطعنون في إمارته وقد فَعلتم ذلك بأبيه من قبلُ! وايْمُ الله إن كان لَخَلِيقًا للإمارة وإن كان لأحبّ النّاس كلّهم إليّ وإنّ ابنه هذا من بعده لأحبّ النّاس إلىّ فاستَوصُوا به خيرًا فإنّه من خِياركم! قال سالم: ما سمعتُ عبد الله يحدّث هذا الحديث قطّ إلّا قال: ما حَاشَا فاطمة.

ذكر ما قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه الذي مات فيه للأنصار، رحمهم الله

٣/٢٢٠٣/٢٢٠

أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا مسلمة بن عبد الله بن عروة عن أبي الأسود عن عُروة عن عائشة قالت: أمرَنا رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أن نَصُبّ عليه من سَبع قِرَب من سَبع آبار ففعلنا، فلمّا اغتسل وجدَ الرّاحة فصلَّى بالنّاس ثمّ خَطَبهم واستغفَر للشّهداء من أصحاب أُحُدٍ ودَعا لهم، ثمّ أوصَى بالأنصار فقال: يا معشرَ المهاجرين! إنّكم أصْبَحتم تَزيدون وأصبحت الأنصار لا تَزيد على هيئتها التي هي عليها! اليومَ هُم عَيبَتى التي أوَيْتُ إليها، أكرِموا كريمَهم وتجاوَزُوا عن مُسِيئهم!

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني مَعْمَر ومحمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عبد الله بن كَعب عن بعض أصحاب النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، خرَج عاصِبًا رأسه فقال: يا معشرَ المهاجرين! إنّكم أصبحتم تَزيدون وأصبحتِ الأنصارُ لا تَزيد على هيئتها التي هي عليها اليومَ، وإنّ الأنصارَ عَيْبَتى التي أويتُ إليها، فأكرِموا كريمهم وأحسِنوا إلى مُحْسِنهم!

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عاصم بن عمر بن قَتادة عن محمود بن لَبيد عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: خرج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والنّاس مستكفّون يتخبّرون عنه، فخرج مشتملًا قد طرَح طَرَفى ثوبه على عاتقَيه عاصِبًا رأسه بعصابة بيضاء، فقام على المنبر وثَابَ النّاسُ إليه حتى امتلأَ المسجد، قال فتشَهّد رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حتى إذا فرَغ قال: يا أيّها النّاس إنّ الأنصارَ عَيْبَتى ونَعْلى وكرشى التي آكلُ فيها فاحفظونى فيهم! اقبلُوا من مُحْسِنهم وتجاوَزُوا عن مُسيئهم!

٣/٢٢١٣/٢٢١

أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيَى بن سعيد أنّ النعمان بن مُرّة أخبره أنّه بلغه: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال في مرضه الّذى تُوفّى فيه: إنّ لكلّ نبيّ تَرِكَة أو ضَيْعة، وإنّ الأنصار تَرِكَتى أو ضَيْعَتى، وإنّ النّاس يكثرون ويقلّون فاقبلوا من مُحسِنهم واعفوا عن مُسِيئهم!

أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا زكريّاء بن أبي زائدة عن عَطيّة العَوْفى عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنّ عَيْبَتى التي آوى إليها أهلُ بيتى، وإنّ الأنصار كرشى فاعفوا عن مُسيئهم واقبلوا من مُحْسنهم!

أخبرنا عبيد الله بن موسى العَبْسيّ قال: أخبرنا ابن أبي لَيْلَى عن عطيّة العَوْفى عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنّ عَيْبَتى الّتى آوى إليها أهْلُ بيتى، وإنّ كرشى الأنصارُ فاقبلوا من مُحسِنهم وتجاوزا عن مُسِيئهم!

أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين وهشام أبو الوليد الطيالسيّ قالوا: أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عن عِكرمة عن ابن عبّاس وقال عُبيد الله في حديثه: أُتِىَ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقيل له هذه الأنصارُ في المسجد نساؤها ورجالها يبكون عليك! قال: وما يُبكيهم؟ قالوا: يخافون أن تموت! ثمّ اجتمعوا في الحديث فقالوا جميعًا في حديثهم، فخرَج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فجلَس على المنبر مشتملًا متعطّفًا عليه ملْحفة طارحًا طَرَفَها على منكبيه عاصبًا رأسه بعصابة، قال عُبيد الله وَسِخَةٍ، وقال أبو نُعيم وأبو الوليد دَسْمَاءَ، فحمدَ الله وأثْنَى عليه ثمّ قال: يا معشرَ النّاس! إنّ النّاسَ يكثرون وتقلّ الأنصار حتى يكونوا كالمِلْح في الطعام، فمَن وَلىَ من أمرِهم شيئًا فلْيقْبلْ من مُحْسِنهم وليتجاوز عن مُسِيئهم! قال أبو الوليد في حديثه: خرج في مرضه الّذى مات فيه، وكان آخِرَ مجلسٍ جلسه حتى قُبِض، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا حُميد عن أنس قال: خرج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو عاصب رأسه فَتَلَقَّتْهُ الأنصار بأوْلادهم وخَدَمِهم فقال: والّذى نَفْسِى بيده إنّى لأحبّكم! إنّ الأنصار قد قضَوْا ما عليهم وبقى ما عليكم، فأحْسِنُوا إلى مُحسنهم وتجاوَزوا عن مُسِيئهم.

٣/٢٢٢٣/٢٢٢

أخبرنا عَمرو بن عاصم الكِلابى، أخبرنا أبو الأشْهَب، أخبرنا الحسن: أنّ نَبيّ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: يا معشر الأنصار إنّكم تَلقَوْنَ بَعْدى أَثَرَةً! قالوا: يا نبى الله فما تأمرنا؟ قال: آمركم أن تصبروا حتى تَلْقَوا الله ورسولَه.

أخبرنا عُبيد الله بن محمّد التّيميّ، أخبرنا حمّاد بن سَلمة عن عليّ بن زيد عن أنس: أنّ مُصْعب بن الزُّبير أخذ عَريفَ الأنصار فهمّ به، قال أنَس: فقلت أنْشُدُك الله ووصِيّةَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في الأنصار! قال: وما أوصى به فيهم؟ قال: قلتُ أوْصَى أن يُقْبَل من مُحْسِنِهم وأن يُتَجاوز عن مُسِيئهم، قال فَتَمَعَّك على فِراشه حتى سَقَطَ على بساطه وتمعّك عليه وألصَقَ خَدّه على البساط وقال: أَمْرُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على الرّأس والعين، أرْسلاه، أوْ قال دَعَاه!

ذكر ما أوصى به رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في مرضه الذي مات فيه

أخبرنا أسباط بن محمّد القُرشيّ عن سليمان التّيميّ عن قَتادة عن أنس بن مالك قال: كانت عامّة وصيّة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حين حضَره الموت الصّلاة وما مَلَكَت أيمَانكم حتى جَعَل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يغرغر بها في صدره وما كاد يَفيضُ بها لسانُه.

[أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن سفيان الثّوريّ عن سليمان التيميّ عَمَّن سمع أنس بن مالك يقول: كانت عامّة وصيّة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو يغرغر بنفسه الصّلاة وما مَلَكت أيْمَانكم.

أخبرنا يزيد بن هارون وعفّان بن مسلم قالا: أخبرنا همّام بن يحيَى عن قتَادة عن أبي الخليل عن سَفينةَ عن أُمّ سلمة أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو في الموت جعل يقول: الصلاةَ الصّلاةَ وما مَلَكت أيمانُكُم! قال يزيد: فجعلَ يقولها وما يفيضُ بها لسانُه، وقال عفّان: فجعل يتكلّم بها وما يُفيض لسانه.

أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا أبو بكر بن عيَّاش عن أبي المهلّب عن عُبيد الله بن زَحْر عن عليّ بن يزيد عن القاسم عن أبي أُمامة عن كعب بن مالك قال: أغمىَ على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ساعةً ثمّ أفاقَ فقال: الله الله فيما مَلَكَت أيْمانكم! ألبِسوا ظهورهم وأَشْبِعوا بطونهم وألينوا لهم القولَ.

٣/٢٢٣٣/٢٢٣

أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا مَعْمَر عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، آخِرَ عهدِه أوْصَى أن لا يُتْرَكَ بأرْضِ العرب دِينان.

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني مالك بن أنس عن إسماعيل بن أبي حَكيم عن عمر بن عبد العزيز قال: آخِر ما تكلّم به رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال قاتَلَ الله اليهودَ والنّصارَى! اتّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد، لا يَبقَيَنَّ دينانِ بأرض العرب] (*) .

أخبرنا عبد الله بن نُمير قال: أخبرنا محمّد بن إسحاق عن صالح بن كَيسان عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: أنّه كان في آخِر ما عهد رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أوصى بالرُّهَاوِيّين الّذين هم من أهل الرُّهاء، قال وأعطاهم من خيرٍ، قال وجعل يقول: لئن بقيتُ لا أدَعُ بجزيرة العرب دينين.

أخبرنا هاشم بن القاسم الكِنانى، أخبرنا المسعوديّ عن هِزّان بن سعيد عن عليّ بن عبد الله بن عبّاس قال: أوصى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بالدّاريّين والرُّهَاويّين وبالدَّوْسِيّين خيرًا.

أخبرنا محمّد بن حازم أبو معاوية الضّرير، أخبرنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: سمعتُ النّبيّ قبل موته بثلاث وهو يقول: ألا لا يموت أحدٌ منكم إلّا وهو يُحسن بالله الظّنّ.

أخبرنا كَثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن بُرقَان قال: حدّثني رجلٌ من أهل مكّة قال: دخَل الفَضل بن عبّاس على النّبى، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في مرضه فقال يا فضل شُدّ هذه العِصَابة على رأسى، فَشَدَّها ثمّ قال النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أرنَا يدَك! قال: فأخذ بيد النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فانتهضَ حتى دخلَ المسجد فحَمدَ الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّه قد دنا منى حقوقٌ من بين أظهُركم وإنّما أنا بشَرٌ فأيّما رجُلٍ كنتُ أصبتُ من عِرضِه شيئًا فهذا عِرْضى فليقْتصّ! وأيّما رجلٍ كنتُ أصبتُ من بَشَره شيئًا فهذا بَشَرى فليقتصّ! وأيّما رجُلٍ كنتُ أصبْتُ من ماله شيئًا فهذا مالى فليأخذ! واعلَموا أنّ أوْلَاكُم بي رجلٌ كان له من ذلك شئ فأخذه أو حَلّلَنى فلقيتُ ربّى وأنا محلَّل لي، ولا يقولَنّ رجلٌ إنّى أخاف العداوةَ والشّحناءَ من رسول الله فإنّهما ليستَا من طبيعتى ولا من خُلقى! ومن غَلَبَتْه نفسُه على شئ فليسْتَعِنْ بي حتَّى أدعو له: فقام رجلٌ فقال: أتاك سائلٌ فأمرتَنى فأعطيتهُ ثلاثة دراهم. قال: صَدَقَ، أَعْطِها إيّاهُ يا فَضْل! قال: ثمّ قام رجلٌ فقال: يا رسول الله إنّى لَبَخِيلٌ وإنّى لجَبَانٌ وإنّى لَنَئُوم فادعُ الله أن يُذهِب عنّى البُخلَ والجُبن والنّوْم! فدعا له، ثمّ قامت امرأة فقالت: إنّى لكَذا وإنّى لكذا فادعُ الله أن يُذهِبَ عنّى ذلك! قال: اذهبى إلى منزل عائشة. فلمّا رجع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى منزل عائشة وضع عصاه على رأسها ثمّ دعا لها، قالت عائشة: فمكثَتْ تُكثر السّجود فقال: أطِيلى السّجودَ فإن أقرب ما يكون العبدُ من الله إذا كان ساجدًا! فقالت عائشة: فوالله ما فارَقَتْنى حتَّى عرفتُ دعوةَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فيها.

٣/٢٢٤٣/٢٢٤

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني سليمان بن بلال عن يحيَى بن سعيد عن القاسم بن محمّد عن عائشة: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال في مرضه الّذى تُوفّى فيه: أيها النّاس! لا تَعلّقوا عليّ بواحدةٍ، ما أحللتُ إلا ما أحلّ الله وما حرّمتُ إلّا ما حرَّمَ الله.

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني سليمان بن بلال وعاصم بن عمر عن يحيَى بن سعيد عن ابن أبي مُلَيكة عن عُبيد بن عُمير قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في مرضه الّذى توفّي فيه: أيّها النّاس! والله لا تمسكون عليّ بشئ، إنّى لا أحِلّ إلّا ما أحَلّ الله ولا أحرّم إلّا ما حرّم الله! يا فاطمة بنت رسول الله، يا صَفيّة عمّة رسول الله، اعملا لما عند الله، إِنّى لا أُغنى عنكما من الله شيئًا.

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يا بنى عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئًا! يا عبّاس بن عبد المطّلب لا أغنى عنك من الله شيئًا! يا فاطمة بنت محمّد لا أغنى عنك من الله شيئًا! سَلُونى ما شئتم.

أخبرني محمّد بن عمر، حدّثني عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون عن ابن مسعود أنّه قال: نَعَى لنا نبيُّنَا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهرٍ، بأبى هو وأمِّى ونفسى له الفِداء! فلمّا دنا الفِراق جَمَعَنَا في بيت أمّنا عائشة وتَشَدّد لنَا فقال: مَرحبًا بكم حَيّاكم الله بالسّلام رحمكم الله حَفِظَكم الله جبركم الله رزقكم الله رفعكم الله نفَعَكم الله هداكم الله وقاكم الله! أوصيكم بتَقْوى الله وأوصى الله بكم أستخلفه عليكم وأحذّركم الله إنّى لكم منْهُ نَذيرٌ مُبِينٌ ألّا تَعلوا على الله في عِبادِهِ وبِلادِه فإنّه قال لي ولكُمْ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة القصص: ٨٣] . وقال: ﴿مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [سورة الزمر: ٦٠] قلنا: يا رسول الله متى أجَلُك؟ قال: دنا الفراقُ والمنقلَبُ إلى الله وإلى جنّة المأوى وإلى سِدْرةِ المنتَهى وإلى الرّفيق الأعلى والكأس الأوْفَى والحظّ والعيش المُهنّى! قُلنَا: يا رسول الله مَنْ يَغْسلك، ! فقال: رجالٌ من أهلى الأدنى فالأدنى. قلنا: يا رسول الله ففيمَ نكفّنك؟ فقال: في ثيابى هذه إن شئتم أو ثياب مِصْرَ أو في حُلّة يمانية. قال: قلنا يا رسول الله مَن يصلّى عليك؟ وبكينا وبكى فقال: مَهْلًا رحمكم الله وجَزَاكم عن نبيّكم خيرًا! إذا أنتم غَسّلتمونى وكفّنتمونى فضَعُونى على سريرى هذا على شَفَة قَبرى في بيتى هذا، ثمّ اخرجوا عنّى ساعةً فإنّ أوّل مَن يصلّى عليّ حبيبى وخليلى جبريل ثمّ ميكائيل ثمّ إسرافيل ثمّ مَلَكُ الموت معه جنودُهُ من الملائكة بأجمعهم، ثمّ ادخلوا فَوْجًا فَوْجًا فصلّوا عليّ وسلّموا تسليمًا ولا تُؤذونى بتزكية ولا برَنّة، وليبتدئ بالصّلاة عليّ رجالُ أهلى ثمّ نساؤهم ثمّ أنتم بعدُ واقرَءُوا السّلامَ على من غاب من أصحابى واقرءُوا السّلام عَلَى من تَبعنى عَلَى دينى من قومى هذا إلى يوم القيامة! قلنا: يا رسول الله فمَن يُدخلك قبرك؟ قال: أهلى مع ملائكةٍ كثيرين يَرَوْنكم من حيث لا تَرونهم.

ذكر نزول الموت برسول الله، - صلى الله عليه وسلم -

٣/٢٢٥٣/٢٢٥

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني الحكَم بن القاسم عن أبي الحُوَيْرث: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لم يَشْتَكِ شكْوى إلّا سألَ الله العافيةَ حتَّى كانَ في مرضه الّذى توفّى فيه، فإنّه لم يكن يدعو بالشّفاء وطَفِقَ يقول: يا نَفْسُ ما لكِ تلوذين كلّ مَلاذٍ؟

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني أيوب بن سيّار عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: [لمّا نزل بالنّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الموتُ دعا بقَدَحٍ من ماء فجعل يمسح به وجهَه ويقول: اللهمّ أعِنّي على كَرْبِ الموت! قال: وجعل يقول ادْن منّى يا جبريل، ادْنُ منى يا جبريل، ثلاثًا] (*) .

٣/٢٢٦٣/٢٢٦

أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب، أخبرنا ليث بن سعد عن ابن الهادِ عن موسى بن سَرجِس عن القاسم بن محمّد عن عائشة أنّها قالت: رأيت رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو يموت وعنده قدح فيه ماء وهو يُدخل يدَه في القدح ثمّ يمسح وجهه بالماء ثمّ يقول: اللهمّ أعِنّى على سَكَرَاتِ الموت!

أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عمر بن محمّد بن عمر عن أبيه قال: لمّا نزل بالنّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الموتُ كان عنده قَدَح فيه ماء يمسَح يدَه من ذلك الماء ثمّ يمسح بها وجهه ويقول: اللهمّ أعِنّى على سكرات الموت.

[أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني معمر عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن ابن عبّاس وعائشة قالا: لماّ نزل بالنّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الموتُ طفق يُلقى خميصَةً على وجهه فإذا اغتمّ بها ألقاها عن وجهه ويقول: لعنة الله على اليهود والنّصارى! اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد] (١) .

ذكر وفاة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -

[أخبرنا أنس بن عياض أبو ضَمْرة اللّيْثيّ قال: حدّثونا عن جعْفر بن محمّد عن أبيه قال: لمّا بقِى من أجَل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثلاثٌ نزل عليه جبريل فقال: يا أحْمَدُ! إنّ الله أَرسلنى إليك إكرامًا لك وتفضيلًا لك وخاصّةً لك يسألك عمّا هو أعلمُ به منك، يقول لك: كيف تجدُك؟ قال: أجدُنى يا جبريل مَغمومًا وأجدنى يا جبريل مَكروبًا! فلمّا كان اليوم الثاني هبَط إليه جبريل فقال: يا أحمد! إنّ الله أرسلنى إليك إكرامًا لك وتفضيلًا لك وخاصّةً لك يسألك عمّا هو أعلمُ به منك، يقول لك: كيف تجدُك؟ فقال: أجِدُنى يا جبريل مَغمومًا وأجدنى يا جبريل مَكروبًا! فلمّا كان اليوم الثالث نزل إليه (٢) جبريل وهبط معه مَلَكُ الموتِ ونزل معه مَلَكٌ يقال له إسماعيل يسكن الهواء، لم يصعد إلى السّماء قطّ ولم يهبط إلى الأرض منذ يومِ كانت الأرض على سبعين ألف مَلَك ليس منهم مَلَكٌ إلّا على سبعين ألف مَلَك فسبقهم جبريلُ فقال: يا أحمد! إنّ الله أرسلنى إليك إكرامًا لك وتفضيلًا لك وخاصّةً لك يسألك عمّا هو أعلمُ به منك ويقول لك: كيف تجدُك؟ قال: أجدنى يا جبريل مغمومًا وأجدنى يا جبريل مكروبًا! ثمّ استأذنَ مَلَكُ الموت فقال جبريل: يا أحمد! هذا ملك الموت يستأذن عليك ولم يستأذن على آدميّ كان قبلك ولا يستأذن على آدميّ بعدك، قال: ائذنْ له، فدخل مَلَكُ الموت فوقفَ بين يَدَيْ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: يا رسول الله يا أحمد! إنّ الله أَرسلنى إليك وأمرنى أن أطيعك في كلّ ما تأمرنى، إن أمرتنى أن أقبِض نفسك قبضْتُها، وإن أمرتنى أن أتركها تركتُها! قال: وتَفْعَلُ يا مَلَك الموت؟ قال: بذلك أمِرتُ أن أطيعك في كلّ ما أمَرتنى! فقال جبريل: يا أحمد! إنّ الله قد اشتاقَ إليك! قال: فامضِ يا ملَك الموت لِما أمرتَ به! قال جبريل: السّلامُ عليك يا رسولَ الله! هذا آخِرُ مُواطَئى الأرضَ إنّما كنتَ حاجتى من الدّنيا! فتوُفّى رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وجاءت التعزيةُ يسمعون الصوت والحِسّ ولا يَرَوْنَ الشّخصَ: السّلامُ عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته! ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٥] . إنّ في الله عزاءً عن كلّ مُصيبة وخَلَفًا من كلّ هالِكٍ ودَرَكًا من كلّ ما فَات، فبالله فَثِقُوا، وإيّاه فارجوا، إنّما المُصابُ مَن حُرِمَ الثّوابَ، والسّلامُ عليكم وَرحمةُ الله وبركاته] (*) .

٣/٢٢٧٣/٢٢٧

أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا رجل عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن عليّ ودخل عليه رجُلان من قريش فقال: ألا أخبركما عن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قالا: بَلى حدّثنا عن أبي القاسم! قال: لمّا كان قَبل وفاة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بثلاثة أيّام هبط إليه جبريل، ثمّ ذكر مثلَ الحديث الأوّل وقال في آخِره فقال على: أتَدْرون مَن هذا؟ قالوا: لا! قال: هذا الخضر.