غزوة الخندق
شوال ٥ على الأصح، وقيل ٤، وعمره ﷺ ٥٧
الفصل الأول: سبب الغزوة
...
يبدو أن أصحاب المغازي ومن جاء بعدهم من العلماء متفقون على أن سبب هذه الغزوة هو إجلاء يهود بني النضير من المدينة حيث إن الحسد والحقد قد تمكنا من قلوبهم مما جعلهم يضمرون العداء ويتحينون الفرص للتشفي ممن طردهم - وما طردهم إلا بسبب ما ارتكبوه ضد المسلمين - أو التحريش ضده وكانوا لا يستطيعون تنفيذ الأول وهو التشفي وحده، وهذا طبعهم الذي أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم في أكثر من آية منها على سبيل المثال قولهم لنبيهم موسى عليه السلام: ﴿ هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ١.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل بجلاء على جبنهم، وخبث نفوسهم، وعلى عدم طاعتهم لنبيهم بعكس أمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث كان حسناً ما أجاب به الصحابة رضي الله عنهم يوم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال كفار قريش حيث كان آخر ما قالوه "فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً إنا لصُبُر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله"١. كما رواه البخاري ١ في كتاب التفسير.
- ١صحيح البخاري مع الفتح ٧/٢٨٧ كتاب المغازي.
- *سورة المائدة الآية (٢٤) .
وعندما لم يستطع يهود - وخاصة بني النضير ١ - مجابهة المسلمين لجأوا إلى الأسلوب الثاني وهو أسلوب المكر والتحريش فقد روى ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان ٢ عن عروة ومن لا أتهم عن عبيد الله٥بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب ٣ القرظي ٤، والزهري، وعاصم ٥ بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر ٦، وغيرهم من علمائنا، وبعضهم يحدث مالا يحدث بعض قالوا: "أنه كان من حديث ٧ أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري ٨، وحيي بن أخطب النضري ٩، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ١٠، وهوذة بن قيس الوائلي ١١، وأبو عمار ١٢ الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
- ١ذلك لأنهم خسروا الكثير من مناطق نفوذهم وسلطانهم فهم موتورون، وأكثر حقداً وتحمساً من غيرهم.
- ٢يزيد بن رومان الأسدي أبو روح المدني مولى آل الزبير - ثقة - من الخامسة مات سنة ثلاثين وروايته عن أبي هريرة مرسلة روى له الجماعة، التقريب ٣٨٢، وتهذيب التهذيب ١١/٣٥.
- ٣محمد بن كعب بن سليم بن أسد أبو حمزة القرظي المدني، وكان قد نزل الكوفة مدة وكان ابوه من سبي قريظة - ثقة - عالم من الثالثة ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال البخاري أن أباه كان ممن لم ينبت من سبي قريظة مات محمد سنة ١٢٠، وقيل قبل ذلك روى له الجماعة، تهذيب التهذيب ٩/٤٢٠، التقريب ٣١٦.
- ٤القرظي: بضم القاف وفتح الراء، وفي آخرها ظاء معجمة هذه النسبة إلى قريظة وهم اسم رجل نزل أولاده حصناً بقرب المدينة وقريظة والنضير إخوان من أولاد هارون عليه السلام، والمنتسب إلى قريظة جماعة منهم كعب بن سليم القرظي المدني يروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - روى عنه ابنه محمد بن كعب وابنه محمد بن كعب القرظي أبو حمزة يروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وابن عمر - رضي الله عنهما - وغيرهما وكان من فضلاء المدينة. انظر في ذلك اللباب في تهذيب الأنساب ٣/٢٦
- ٥عاصم بن عمر بن قتادة ابن النعمان الأوسي الأنصاري أبو عمرو المدني - ثقة - عالم بالمغازي من الرابعة مات بعد العشرين ومائة روي له الجماعة، تهذيب التهذيب ٥/٥٣، والتقريب ١٥٩.
- ٦عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي - ثقة - من الخامسة مات سنة (١٣٥) ، وهو ابن سبعين سنة روى له الجماعة، التقريب ١٦٩، وتهذيب التهذيب ٥/١٦٤.
- ٧الخندق: حفير حول أسوار المدن معرب (كندة) وهي الحفرة، وخندق حفرة. ترتيب القاموس ٢/١١٦.
- ٨سلام بن أبي الحقيق أبو رافع قتله الصحابة من الخزرج، وذلك بقيادة عبد الله بن عتيك الخزرجي الأنصاري، وكان أبو رافع عدواً لله ولرسوله، وكان قتله في خيبر بعد وقعة بني قريظة ذلك لأن الأوس قتلوا كعب بن الأشراف وكانت الطائفتان الأوس والخزرج تتسابقان في الخيرات. السيرة النبوية لابن حزم ٢/٢٧٤.
- ٩حيي بن أخطب النضري ستأتي ترجمته في الحقد اليهودي قريباً.
- ١٠كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق هو أحد اليهود من بني النضير، وكان قد خلف على صفية بعد سلام بن مسلمة القرظي، وقد جيء به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أيام خيبر وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه فجحده فأتى رجل من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فأنكر وحفرت تلك الخربة فوجد بعض كنزهم، وأخيراً دفعه إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. السيرة النبوية ٤/٣٣٦، والمعارف لابن قتيبة ١٣٨.
- ١١هوذة بن قيس الوائلي لم أجد له ترجمة في غير هذا المكان. السيرة النبوية ٣/١٤، وتفسير القرآن العظيم، وهو هناك هودة ١/٥١٣.
- ١٢أبو عمار الوائلي لم أجد له ترجمة.
- *تفسير القرآن العظيم ٢/٣٨-٣٩، والسيرة النبوية ٢/٦١٥.
- *عبيد الله بن كعب بن مالك الأنصاري - ثقة - من الثالثة روى له (خ م د س) التقريب ٢٢٧.
خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: "إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله " فقالت لهم قريش: " يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه؟ " قالوا بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله فيهم ﴿ نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١. قال ابن إسحاق: "فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤا غطفان ١ فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فيه ٢. وقد أورد الطبري ٣ هذا الأثر في تفسيره عن محمد بن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بهذا الإسناد".
- ١غطفان بن سعد بطن عظيم متسع كثير الشعوب والأفخاذ من قيس عيلان من العدنانية، وهم بنو غطفان بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان كانت منازلهم بنجد مما يلي وادي القرى وجبل طيء ثم تفرقوا في الفتوحات الإسلامية، واستولت عليها قبائل طيء، وتنقسم إلى ثلاثة أفخاذ عظيمة هي: أ - أشجع بن ريث بن غطفان. ب - عبس. ج - ذبيان. (=) وقد حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، وجاءوا من بلادهم لذلك وكانوا أكثر الجموع في الأحزاب ثم ارتدوا بعد موته صلى الله عليه وسلم فحاربهم أبو بكرا لصديق - رضي الله عنه- وبعث إليهم خالد بن الوليد - رضي الله عنه - فقتل منهم كثيراً وتشتت شملهم. معجم قبائل العرب ٣/٨٨٨، والمعارف لابن قتيبة ٨٢.
- ٢السيرة النبوية لابن هشام ٣/٢١٤، وسائر كتب المغازي.
- ٣جامع البيان ٢١/١٢٩.
- *سورة النساء الآية ٥٠، وانظر ذلك في السيرة النبوية ٢/٢١٤-٢١٥، والبداية والنهاية ٤/٩٤، وتاريخ الطبري ٢/٥٦٥، والطبقات الكبرى ٢/٦٥، وعيون الأثر ٢/٥٥.
كما أورده ابن كثير ١ عن ابن إسحاق أيضاً. وكذا ذكره جميع أصحاب المغازي والسير والتفاسير ٢. وقد نقل الحافظ ٣ هذا القول من مغازي موسى بن عقبة مما يؤيد ويقوي حديث الباب.
- ١تفسير ابن كثير ٣/٤٧٠، والبداية والنهاية ٤/٩٤.
- ٢مثل ابن إسحاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن حزم، والسهيلي، وابن سيد الناس، وابن كثير.
- ٣فتح الباري ٧/٣٩٣.
نجد أن رجاله كلهم ثقات، وأن الذي قال فيه ابن إسحاق (ومن لا أتهم) في قوله (عن عروة ومن لا أتهم) .
لا يؤثر عدم تسميته لأنه مع عروة وعروة ثقة.
وهذا الإسناد ينتهي إلى هؤلاء التابعين وحكايتهم لشيء حصل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حذف للواسطة الذي شاهد ذلك وهو الصحابي ويحتمل أن يكون سقط قبل الصحابي تابعي فهو يعتبر منقطعاً١.
ويظهر أن للقصة أصلاً، ولذلك أوردها المفسرون عند تفسير قوله تعالى: ﴿ نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ٢.
فقد قال ابن كثير - رحمه الله -: "وقال ابن إسحاق حدثني محمد بن أبي عدي ١، عن داود ٢، عن عكرمة ٣ أو عن سعيد ٤ بن جبير عن ابن عباس ٥، قال: "كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان، وبني قريظة حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، والربيع بن أبي الحقيق، وأبو عامر، ووحوح بن عامر، وهوذة بن قيس. فأما وحوح وأبو عامر وهوذة فمن بني وائل ٦، وكان سائرهم من بني النضير ٧، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتاب الأول فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه، وممن اتبعه فأنزل الله - عز وجل - ﴿ نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ...﴾ " ٦.
- ١محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وقد ينسب لجده وقيل هو إبراهيم أبو عمرو البصري - ثقة - من التاسعة مات سنة أربع وتسعين ومائة على الصحيح روى له (ع) ، التقريب ٢٨٨.
- ٢داود بن أبي هند القشيري مولاهم أبو بكر أو أبو محمد البصري - ثقة متقن - كان يهم بأخرة من الخامسة مات سنة أربعين ومائة وقيل قبلها روى له (خت م) ، التقريب ٩٧.
- ٣عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري - ثقة ثبت - عالم بالتفسير ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا يثبت عنه بدعة من الثالثة مات سنة سبع ومائة وقيل قبل ذلك روى له (ع) التقريب ٢٤٢-٢٤٣.
- ٤سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي - ثقة ثبت فقيه - من الثالثة وروايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين ولم يكمل الخمسين روى له (ع) التقريب ١٢٠.
- ٥عبد الله بن عباس الصحابي الجليل - مشهور -.
- ٦الوائلي نسبة إلى عدة قبائل، ولم يذكرهم ابن الأثير هنا. انظر اللباب في تهذيب الأنساب ٣/٣٥١.
- ٧النضري بفتح النون والضاد وبعدها راء هذه النسبة إلى بني النضير وهم جماعة من اليهود. اللباب ٣/٣١٤.
- *المنقطع: قال السيوطي: الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب، وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين أن المنقطع هو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعي عن الصحابي. وقيل: هو ما اختل منه رجل قبل التابعي محذوفاً أو مبهماً. تدريب الراوي ١/٢٠٧، أما الصنعاني فقد قال: المشهور أن المنقطع ما سقط من رواته راو واحد غير الصحابي إذا لو كان الساقط الصحابي لكان مرسلاً. ثم قال: وحكى الحاكم وغيره من أهل الحديث أنه ما سقط منه قبل الوصول إلى التابعي شخص واحد. انظر توضيح الأفكار ١/٣٢٤.
- *سورة النساء الآية ٥٠.
- *تفسير القرآن العظيم ١/٥١٣.
والحديث بهذا السند يعتبر حسنا لذاته والشك في قوله عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير لا يضر فكلاهما ثقتان.
ومن طريق ابن إسحاق أخرجه كذلك الطبري ١. قال عبد الرزاق ٢ عن الزهري في حديثه عن ابن المسيب مطولاً فيه: "وكان حيي بن أخطب استجاش المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الخ الحديث" ٣. ودرجة حديث عبد الرزاق: إسناده ضعيف لأن عبد الرزاق أخرجه عن ابن المسيب مرسلاً وبين عبد الرزاق والزهري راوٍ لم يذكر، ويحتمل أن يكون الذي بينهما (معمراً) ، لأن عبد الرزاق غالباً ما يأخذ عن معمر عن الزهري، علماً بأن مراسيل ابن المسيب أصح المراسيل، قد اتفق النقاد من المحدثين على ذلك.
- ١جامع البيان ٥/١٣٥.
- ٢عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري - بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح المثناة التحتية - مولاهم أبو بكر الصنعاني - ثقة حافظ - مصنف شهير عمي في آخر عمره فتغير وكان يتشيع من التاسعة مات سنة إحدى عشرة ومائتين وله خمس وثمانون روى له (ع) التقريب ٢١٣.
- *مصنف عبد الرزاق ٥/٣٧١.
والذي يظهر أن القصة مشهورة وممن ذكرها: ابن سعد، وابن القيم، وابن حجر قال ابن سعد: "مشيراً إلى جم غفير من العلماء الذي نقل عنهم شيخه الواقدي، قالوا: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ساروا إلى فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة، فألبوا قريشاً، ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسُليماً ففارقوهم على مثل ذلك" ١.
وما ذكره ابن سعد يعتبر ضعيفاً لأنه من طريق الواقدي ١ وهو متروك. قال ابن القيم - رحمه الله -: "وكان سبب غزوة أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين على المسلمين وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين فخرج لذلك ثم رجع للعام المقبل فقد خرج أشراف اليهود إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم وحربه ٢. وكان القرشيون قد جربوها واكتووا بنارها فصاروا يتهيبونها ويزهدون فيها. فزينها الوفد اليهودي وهون أمرها وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله ".
- ١محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني القاضي نزيل بغداد متروك مع سعة علمه من التاسعة مات سنة سبع وثمانين ومائة وله ثمان وستون روى له ابن ماجه. التقريب ٢١٢-٢١٣.
- ٢زاد المعاد ٣/٢٧٠.
- *الطبقات الكبرى ٢/٦٥.
أما الحافظ فقال: "وذكر موسى بن عقبة ١ في المغازي قال خرج حيي بن أخطب بعد قتل ٢ بني النضير إلى مكة يحرض قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان، ويحثهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لهم نصف ثمر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طليحة بن خويلد بمن أطاعه، وخرج بقريش فنزلوا بمر الظهران فجاءهم من أجابهم من بني سليم مدداً لهم فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله - تعالى - الأحزاب"٤.
- ١موسى بن عقبة أبي عياش بتحتانية ومعجمة الأسدي مولى آل الزبير - ثقة فقيه - إمام من المغازي، من الخامسة لم يصح أن ابن معين لينه مات سنة إحدى وأربعين ومائة، وقيل قبل ذلك روى له (ع) التقريب ٣٥٢.
- ٢لم يقتل بنو النضير، ولكنهم أُجلوا وقد صرح القرآن الكريم بذلك كما في سورة الحشر، والذين قتلوا هم بنو قريظة.
- *فتح الباري ٧/٣٩٣.
وما ذكره الحافظ نقلاً عن موسى بن عقبة لا نستطيع الجزم بضعفه أو صحته لعدم اطلاعنا على مغازي موسى بن عقبة.
ويتبين مما أوردناه من الآثار السابقة أن يهود بني النضير الذين أجلوا إلى خبير كانوا هم السبب المباشر في وقوع هذه الغزوة وقد ثبت ذلك بطرق تكون بمجموعها صالحة للاحتجاج بها.
وهكذا نرى اتفاق علماء المغازي والسير، وغيرهم من المفسرين على أن سبب هذه الغزوة المباشر هو حقد اليهود، وأملهم في القضاء على الإسلام والمسلمين ليشفوا الغيظ الذي أحرق قلوبهم نتيجة طردهم (من حوالي المدينة ١) رغم أن إجلاءهم كان نتيجة نقضهم للعهود وتلاعبهم بالمواثيق. لذلك قال أبو الحسن الندوي: وتمت الاتفاقية العسكرية والتي كان قريش وغطفان واليهود من أهم أعضائها واتفقوا على شروط من أهمها: ١- أن تشارك غطفان في جيش الاتحاد بأكبر عدد ممكن.
- ١تاريخ الخميس ١/٤٨٠، ولا يفهم من هذا أنهم خارج المدينة بل كانوا فيها.
٢- أن يدفع اليهود لقبائل غطفان كل تمر لسنة كاملة.
وأسندت قيادة الجيش لأبي سفيان بن حرب ١. وقد شذ صاحب العقد الثمين ٢ فقال: وكان المشركون عشرة آلاف عليهم الحارث بن عوف النضري ٣.
- ١السيرة النبوية للندوي ١٩٨.
- ٢وهو الإمام محمد بن أحمد الحسني المكي ت ٨٣٢هـ.
- ٣لعله يريد الحارث بن عوف المري زعيم بن مرة ولكنه مخالف لما ذكره أهل المغازي.
الفصل الثاني: تاريخ الغزوة
أما بالنسبة لتحديد زمن هذه الغزوة فقد اختلف العلماء في ذلك وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والخامسة للهجرة النبوية الشريفة، وقد شذ اليعقوبي ١ فقال: إنها كانت في السنة السادسة بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة وخمسين شهراً٢.
- ١هو أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر ابن وهب بن واضح العباسي، ويعرف بابن واضح وباليعقوبي واليعقوبي - مؤرخ - من مؤلفاته التاريخ - توفي سنة ٢٨٤، معجم المؤلفين ١/١٦١.
وهذا التحديد يبدو أنه خطأ بدليل التفصيل بعده بالأشهر ولأن الخمسة والخمسين شهراً تأتي أقل من خمس سنوات فلينظر.
وسأذكر فيما يلي رأي كل فريق مع أدلته وترجيح ما يظهر بالدليل بعد المناقشة والتحليل حسب الإمكان:
- *تاريخ اليعقوبي ٢/٥٠.
الزهري ثم تابعه موسى بن عقبة صاحب المغازي قال ابن كثير ١: "وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال الإمام مالك بن أنس فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى ٢ بن داود عنه" ٣.
- ١هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع البصروي ثم الدمشقي المعروف بابن كثير - عماد الدين أبو الفداء - محدث مؤرخ مفسر فقيه ولد عام ٧٠٠ وتوفي ٧٧٤. انظر معجم المؤلفين ٢/٢٨٣.
- ٢موسى بن داود هو الضبي، أبو عبد الله الطرسوسي نزيل بغداد، ولي قضاء طرسوس الخلقاني بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف - صدوق فقيه - له أوهام من صغار التاسعة مات سنة (٢١٧) روى له (م د س ق) التقريب ٣٥٠.
وقد ذكر البخاري رأي موسى بن عقبة في صحيحه فقال: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع" هكذا رواه تعليقاً وبه قال ١ أثبت ذلك الحافظ حيث قال: "ومال المصنف إلى قول موسى بن عقبة ٢ وقد تابع هؤلاء في ذلك ابن قتيبة ٣ والفسوي ٤ وابن حزم ٥ والنووي ٦ وابن خلدون"٥.
- ١صحيح البخاري ٥/٤٤.
- ٢فتح الباري ٥/٢٧٨ و ٧/٣٩٣.
- ٣المعارف ٧٠، وابن قتيبة هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد عالم مشارك في أنواع العلوم كاللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه وغريب الحديث والشعر والفقه والأخبار وأيام الناس وغير ذلك. سكن بغداد وحدث بها ولي قضاء الدينورت ٢٧٦هـ. تاريخ بغداد ١٠/١٧٠، انظر السير ١٣/٢٩٦.
- ٤المعرفة والتاريخ ٣/٢٥٨ تحقيق أكرم العمري والفسوي هو: يعقوب بن سفيان الفارسي أبو سفيان - ثقة حافظ - من الحادية عشرة مات سنة سبع ومائتين، روى له (س ق) التقريب ٣٨٦.
- ٥جوامع السيرة ١٨٥ وابن حزم هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن سفيان بن يزيد الفارسي الأندلسي القرطبي اليزيدي - أبو محمد - فقيه أديب أصولي محدث حافظ متكلم مشارك في التاريخ والأنساب واللغة والشعر ولد بقرطبه وتوفي عام (٤٥٦) تذكرة الحفاظ ٣/١١٤٦، السير ١٨/١٨٤.
- ٦في تهذيب الأسماء واللغاب ١/٢٠، والروضة ١٠/٢٠٧، والنووي هو: محي الدين أبو زكريا يحى بن شرف بن مرى الحزامي الحوراني صاحب التصانيف النافعة ولد سنة (٦٣١) وتوفي (٦٧٦هـ) انظر في ذلك تذكرة الحفاظ ٤/١٤٧٠-١٤٧٤.
- *البداية والنهاية ٤/٩٣.
- *تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩، وابن خلدون هو: عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد الحضرمي الأشبيلي التونسي ثم القاهري المالكي المعروف بابن خلدون ولي الدين أبو زيد عالم أديب مؤرخ توفي (٨٠٨) ، انظر الضوء اللامع للسخاوي ٤/١٤٥، ومعجم المؤلفين ٥/١٨٨.
كما قال به النسفي ١. أمّا خليفة ٢ بن خياط فلم توجد الغزوة في تاريخه ٣ ويبدو أنها سقطت منه ٤.
- ١مدارك التنزيل وحقائق التأويل ٤/١٥٦ والنسفي هو: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي حافظ الدين أبو البركات فقيه أصولي مفسر متكلم توفي في ايزخ قرب أصبهان ت (٧١٠هـ) معجم المؤلفين ٦/٣٢.
- ٢خليفة بن خياط بن خليفة العصفري التميمي البصري الملقب - شباب - بفتح المعجمة وموحدتين الأولى خفيفة صدوق ربما أخطأ وكان اخبارياً علامة من العاشرة مات سنة أربعين ومائتين وقد روى له البخاري. انظر التقريب ٩٤.
- ٣تاريخ خليفة بن خياط ص ٧٧.
- ٤قاله محقق الكتاب الدكتور أكرم العمري.
وذكر ابن العربي ١ أن ابن وهب ٢ وابن القاسم ٣ قالا بذلك ٤ ولذلك قال ابن حزم: "والثابت أنها في الرابعة بلا شك مستدلاً بحديث ابن عمر الآتي. ثم عقب قائلاً فصح أنه لم يكن بينهما - أي بين أحد - إلا سنة واحدة فقط" ١.
- ١هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري الأندلسي الأشبيلي المالكي المعروف بابن العربي أبو بكر عالم مشارك في الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتاريخ وغير ذلك توفي (٥٤٣) . تذكرة الحفاظ ٤/١٢٩٤.
- ٢عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد من التاسعة مات سنة سبع وتسعين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة، روى له (ع) التقريب ١٩٣.
- ٣عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف، أبو عبد الله البصري الفقيه صاحب مالك (ثقة) من كبار العاشرة مات سنة إحدى وتسعين ومائة روى له (خ مد س) التقريب ٢٠٨.
- ٤أحكام القرآن ٣/١٥١.
والقائلون بأنها كانت سنة أربع جميعهم يستدلون بحديث ابن عمر وهذا سياقه. قال البخاري رحمه الله: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم ١ حدثنا يحيى بن سعيد ٢ عن عبيد الله ٣ قال أخبرني نافع ٤ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضه يوم فلم يجزه وعرضه يوم وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه"١.
- ١هو الدروقي - حافظ فقيه - من العاشرة روى له (ع) ت (٢٥٢) التقريب ٣٨٦، وتهذيب التهذيب ١١/٣٨١.
- ٢يحى بن سعيد القطان ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة روى له (ع) ت (١٩٨) التقريب ٣٧٥.
- ٣هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني - أبو عثمان ثقة ثبت - وهو أحد الفقهاء السبعة من الخامسة روى له (ع) ت (١٤٧) تهذيب التهذيب ٧/٣٨.
- ٤نافع هو أبو عبد الله الفقيه مولى عبد الله بن عمر أصابه ابن عمر في بعض مغازيه ثقة ثبت فقيه مشهور من الثالثة روى له (ع) مات سنة (١١٧) أو بعد ذلك، تهذيب التهذيب ١٠/٤١٢.
- *جوامع السيرة ١٨٥.
الحديث رواه أيضا مسلم ١ وأبو داود ٢ والترمذي ٣ والنسائي ٤ وابن ماجه ٥ وأحمد ٦ وأبو عوانه ٧ والبيهقي ٨.
- ١صحيح مسلم كتاب الإمارة باب سن البلوغ. حديث رقم (١٨٦٨)
- ٢سنن أبي داود ٢/١٢٤ كتاب الخراج والفي باب متى يفرض للرجل في المقاتلة، ٢/٤٥٣كتاب الحدود باب في الغلام يصيب الحد.
- ٣سنن الترمذي ٢/٤٠٧ باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة، ٣/١٢٧ باب ما جاء في حد بلوغ الرجل ومتى يفرض له.
- ٤سنن النسائي ٦/١٢٧ كتاب الطلاق باب متى يقع طلاق الصبي.
- ٥سنن ابن ماجه ٢/٨٥٠ كتاب الحدود باب من لا يجب عليه الحد.
- ٦مسند أحمد ٣/١٧.
- ٧مسند أبي عوانة ٤/٥٣-٥٤.
- ٨دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
هذا الحديث مخرج في الصحيحين كما هو مبين وفي غيرهما من كتب السنة وقد أورده القائلون بأن هذه الغزوة كانت سنة أربع دليلاً لهم.
- *صحيح البخاري ٥/٨٩ كتاب المغازي باب غزوة الخندق.
والزهري من القائلين بهذا القول وقد مر أن موسى بن عقبة روى عنه أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع ١.
- ١البداية والنهاية ٤/٩٣، أحكام القرآن ٣/١٥١٠.
ومع ذلك فقد صرح في موضع آخر بأن بعد أحد بسنتين ١ وأحد كانت في السنة الثالثة ٢ وهو قول الجمهور.
- ١البداية والنهاية ٤/٩٣، أحكام القرآن ٣/١٥١٠.
- ٢وهو قول جل أهل المغازي والسير.
ب - القائلون بأن هذه الغزوة كانت في شوال سنة خمس: أما الذين قالوا بأنها كانت سنة خمس فهم كثيرون وهم الجمهور كما قال ابن كثير ١. ويتقدمهم أمام أهل المغازي ابن إسحاق وقتادة ٢ والبيهقي ٣ وغير واحد من العلماء سلفاً وخلفاً٧.
- ١البداية والنهاية ٤/٩٤.
- ٢قتادة بن دعامة السدوسي (أبو الخطاب) البصري (ثقة) ثبت يقال ولد أكمه وهو رأس الطبقة الرابعة ت (١١٧) أو (١١٨) روى له (ع) . التقريب ٣٨١، وتهذيب التهذيب ٨/٣٥١.
- ٣هو أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي البيهقي الخراساني أبو بكر محدث فقيه ولد عام ٣٨٤هـ، وتوفي عام ٤٥٨، وعمل كتباً كثيرة لم يسبق إلى تحريرها. تذكرة الحفاظ ٣/١٣٢.
- *البداية والنهاية ٤/٩٣.
وممن قال به أيضا الواقدي وكاتبه ابن سعد ١ لكنهما قالا: "إنها كانت في ذي القعدة وتابعهما في ذلك المقريزي" ٢. حيث قال: "وكان من خبرها أن رسول صلى الله عليه وسلم عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة سنة خمس" ٣.
- ١محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم البصري نزيل بغداد كاتب الواقدي صدوق فاضل من العاشرة توفي سنة (٣٠) وهو ابن اثنتين وستين، روى له أبو داود فقط. التقريب ٢٩٨، وانظر مغازي الواقدي ٢/٤٤٠، والطبقات الكبرى ٢/٦٥.
أما ابن هشام ١ فقد قال: "بأنها كانت في شوال وفي سنة خمس متابعاً في ذلك ابن إسحاق" ٥.
- ١عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري الذهلي السدوسي المعافري البصري (أبو محمد) أخباري نسابة أديب لغوي نحوي قدم مصر وحدث بها وتوفي فيها سنة (٢٦٣) . انظر سير أعلام النبلاء ١٠/٤٢٨.
- *أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد المحيوي الحسيني ت (٨٤٥) انظر الضوء اللامع ٢/٢١.
- *الامتاع ١/٢١٦.
- *السيرة النبوية ٢/٢١٤.
وقال به أيضاً البلاذري ١ والطبري ٢ والمسعودي ٣ وابن عبد البر ٤ والخطيب ٥.
- ١أحمد بن يحى بن جابر بن داود البغدادي البلاذري أديب شاعر مؤرخ من أهل بغداد سمع بدمشق وبإنطاكية وهو صاحب التصانيف وسمع من ابن سعد والدولابي قال ابن عساكر بلغني أنه كان أديباً راوية وأنه مدح المأمون وجالس المتوكل وتوفي في أيام المعتمد وشوش في آخر أيامه وكانت وفاته (٢٧٩) لسان الميزان ١/٣٢٢، وتذكرة الحفاظ (٢٩٣) .
- ٢محمد بن جرير الطبري أحد الأعلام وصاحب التصانيف من أهل آمل طبرستان، أكثر التطواف وسمع محمداً بن عبد الملك بن أبي الشوارب وأبا همام السكوني وغيرهما ت ٣١٠هـ، انظر تذكرة الحفاظ ٢/٧١٠، وقال ذلك في كتابه تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٣.
- ٣قاله في التنبيه والإشراف ص ٢١٦، والمسعودي هو: علي بن الحسين بن علي المسعودي أبو الحسن أخباري صاحب تصانيف ذكر بعضها ابن حجر في اللسان ٤/٢٢٤، وذكره ابن دحية في كتاب صفين فقال مجهول لا يعرف ونكره لا يتعرف كذل قال ولم يصب. قال الحافظ وكتبه طافحة بأنه كان شيعياً معتزلياً توفي (٣٤٥) لسان الميزان ٤/٢٢٤-٢٢٥، ومعجم المؤلفين ٧/٨٠.
- ٤ابن عبد البر قال الذهبي: "هو الإمام شيخ الإسلام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي ولد سنة (٣٦٨) " قال أبو الوليد الباجي: "لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر في الحديث، وقال ابن حزم التمهيد لصاحبنا أبي عمر لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً فكيف أحسن منه ت (٤٦٣) ". تذكرة الحفاظ ٣/١١٢٨.
- ٥قال الذهبي هو: "الحافظ الكبير الإمام محدث الشام والعراق أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدى البغدادي صاحب التصانيف ولد سنة (٣٩٢هـ) كان والده خطيب قرية درزيجان من سواد العراق. سمع وقرأ القرآن على الكتاني فحرص على ولده هذا وأسمعه في الصغر سنة ثلاث وأربع مائة ثم أُلهم طلب هذا الشأن ورحل فيه إلى الأقاليم وبرع وصنف وجمع وسارت بتصانيفه الركبان" قال ابن ماكولا: "كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظاً واتقاناً وضبطاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقال ذلك في تاريخه ١/١٧٠. انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ٣/١١٣٥-١١٤٦.
وممن قال بهذا القول أيضا السهيلي ١ وابن الأثير ٢ والنويري ٣ حيث حكاه عن ابن إسحاق وممن قال به من المشاهير ابن كثير ٤ والسمهودي ٥.
- ١انظر: الروض الأنف ٣/٢٥٨، والسهيلي هو: الحافظ العلامة البارع أبو القاسم أبو زيد أبو الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن أصبع بن حسين بن سعدون ولد الخطيب أبي محمد بن الأمام الخطيب أبي عمر الخثعمي الأندلسي المالقي الضرير صاحب التصانيف المؤنقة. ولد عام ٥٠٨هـ. وتوفي عام ٥٨١هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٤/١٣٤٨.
- ٢قال ذلك في الكامل ٢/١٢٢، وابن الأثير هو: أبو الحسن علي ابن الأثير أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري المحدث اللغوي، صاحب التاريخ ومعرفة الصحابة والأنساب وغير ذلك. ولد عام ٥٥٥هـ، وتوفي ٦٣٠هـ. تذكرة الحفاظ ٤/١٣٩٩ قال ذلك في الكامل ٢/١٢٢.
- ٣هو: أحمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن عبادة البكري النويري (شهاب الدين) أبو العباس. مؤرخ أديب مشارك في علوم كثيرة من تصانيفه نهاية الأدب. ولد عام ٦٧٧هـ، توفي عام ٧٣٣هـ. انظر قوله في كتابه نهاية الأرب ١٧/١٦٦.
- ٤البداية والنهاية ٤/٩٤.
- ٥هو علي بن عبد الله بن أحمد بن علي بن عيسى بن محمد بن عيسى الحسني نور الدين أبو الحسن. مؤرخ فقيه. ولد بسمهود ونشأ بها وتوفي بالمدينة. من تصانيفه وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى. ولد عام ٨٤٤هـ، توفي عام ٩١١هـ. انظر قوله في وفاء الوفاء ١٠/١١٢، وانظر ترجمته في الضوء اللامع ٥/٢٤٥.
وممن قال به من المعاصرين محمد محمد أبو شهبه ١، وعماد الدين خليل ٢، ومصطفى السباعي ٣.
- ١السيرة النبوية على ضوء الكتاب والسنة ٢/٢٢٨.
- ٢دراسة في السيرة ٢١٦.
- ٣السيرة النبوية دروس وعبر ٨٨.
وهكذا يتبين أن الكثرة الكاثرة هم القائلون بأنها كانت سنة خمس. قال الذهبي ١: "وهو المقطوع به" ، وقال ابن القيم ٢: "وهو الأصح" ، وقال الحافظ ٣: "وهو المعتمد حكى ذلك كله القسطلاني ٤. وقد أجابوا عن حديث عرض ابن عمر المتقدم مؤلين له وقالوا: "يحتمل أنه عرض في أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة، وهذا هو جواب البيهقي" ١.
- ١الذهبي هو: محمد بن أحمد بن عثمان قايماز. انظر: معجم المؤلفين ٨/٢٨٠.
- ٢هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حرير الزرعي. نسبة إلى بلدة أزرع ثم الدمشقي. أبو عبد الله شمس الدين. كان رضي الله عنه من أجلة العلماء، وكذلك كان أبوه فقد كان قيماً على الجوزية (مدرسة في دمشق ولذلك عرف بابن القيم الجوزية) . ولد عام ٦٩هـ في شهر صفر، وتوفي عام ٧٥١هـ. وله مصنفات قيمة مثل زاد المعاد، وأعلام الموقعين، وغيرهما، شذرات الذهب ٦/١٦٨، والدبر الطالع ١/١٤٣.
- ٣هو: أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد الكناني العسقلاني المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة. ويعرف بابن حجر، شهاب الدين ابو الفضل، محدث مؤرخ أديب شاعر. ولد عام ٧٧٣هـ، وتوفي عام ٨٥٢هـ. زادت تصانيفه على مائة وخمسين مصنفاً منها: فتح الباري، الإصابة في تمييز الصحابة، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، وغير ذلك. انظر: الضوء اللامع ٢/٣٦ ترجمة ١٠٤.
- ٤المواهب اللدنية ٢/١٠٣، والقسطلاني هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن محمد بن حسين بن علي القسطلاني الأصل المصري. شهاب الدين. أبو العباس، محدث مؤرخ فقيه ومقرئ. ولد بمصر عام ٨٥١هـ. وتوفي عام ٩٢٣. من تصانيفه إرشاد الساري علي صحيح البخاري، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، فتح الداني في شرح الأماني، منهاج الابتهاج وغيرها.
وعقب ابن كثير ١ على قول ابن حزم المتقدم، والثابت أنها في الرابعة بلا شك بقوله: "هذا الحديث مخرج في الصحيحين، وليس يدل على ما ادعاه ابن حزم، لأن مناط إجازة الحرب كان عنده صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة، فكان لا يجيز من لم يبلغها، ومن بلغها أجازه. فلما كان ابن عمر ممن لم يبلغها لم يجزه. ولما كان قد بلغها يوم أجازه.
- ١الفصول في سيرة الرسول ص ٥٦، البداية والنهاية ٤/٩٤.
وليس ينفي هذا أن يكون قد زاد عليها بسنة أو سنتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك فكأنه قال: وعرضت عليه يوم ، وأنا بالغ أو من أبناء الحرب. وقال البيهقي: "ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس" ١.
- *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
وقد أورد ابن حجر هذا الجواب عن البيهقي ومفاده: "بأن قول ابن عمر " عرضت وأنا ابن أربع عشرة " أي دخلت فيها، وأن قوله عرضت يوم ، وأنا ابن خمس عشرة، أي تجاوزتها فألغى الكسر في الأولى، وجبره في الثانية، وهو شائع مسموع في كلامهم. وبه يرتفع الإشكال المذكور، وهو أولى من الترجيح" ٢.
وقد روى الطبراني ١ بسنده عن ابن إسحاق أثراً يعتبر شاهداً لأصحاب هذا الرأي حيث قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي١ ثنا محمد بن محمد بن عبد الله ابن نمير٢ ثنا يونس بن بكير٣ عن محمد بن إسحاق قال: "لما كانت٤ ١ محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الحافظ مطّين بفتح المثناة التحتية. قال صاحب المغني هو لقب أبي جعفر محمد بن عبد الله قال وبكسرها (المثناة) لقب عبد الله بن محمد. قال الحافظ: "هو محدث الكوفة، وقد وثقه الناس ". قال الذهبي سئل عنه الدارقطني فقال: " ثقة جبل ". قال: " وبكل حال فمطين ثقة مطلقاً. ولد ٢٠٢هـ، وتوفي عام ٢٩٧هـ". انظر: لسان الميزان ٥/٢٣٣- ٢٣٤، تذكرة الحفاظ ٢/٦٦٢، المغني في أسماء الرجال ٧٢.
- ١المعجم الكبير ٦/١٦، والطبراني هو: كما قال الذهبي فيه. الحافظ الإمام العلامة الحجة (بقية الحفاظ) أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي بمفتوحة وسكون الخاء المعجمة نسبة إلى لخم وهو مالك بن عدي - المغني ٦٧. الشامي الطبراني مسند الدنيا. ولد سنة ٢٦٠هـ، وتوفي ٣٦٠هـ. وقال الحافظ: "لا ينكر له التفرد في سعة ما روى. لينه الحافظ أبو بكر بن مردويه لكونه غلط أو نسى فمن ذلك أنه وهم وحدث بالمغازي عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وإنما أراد عبد الرحيم أخاه فتوهم أن شيخه عبد الرحيم اسمه أحمد واستمر على هذا يروي عنه ويسميه أحمد. وقد مات أحمد قبل دخول الطبراني مصر بعشر سنين أو أكثر وإلى الطبراني المنتهى في كثرة الحديث وعلوه. ومن تصانيفه المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، الدعاء في مجلد كبير، دلائل النبوة، كتاب الأوائل، وتفسير كبير". تذكرة الحفاظ ٣/٩١٢، لسان الميزان ٣/٧٣، معجم المؤلفين ٤/٢٥٣. ٤ كذا في المطبوعة ولما هنا زائدة.
- *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
- *فتح الباري ٥/٢٧٨، التلخيص ٤/٨٩- ٩٠.
٢ محمد بن عبد الله بن نمير الهمذاني بسكون الميم الكوفي أبو عبد الرحمن، ثقة حافظ، فاضل من العاشرة. مات سنة أربع وثلاثين أي ٢٣٤هـ. وروى له (ع) . التقريب ٣٠٦.
٣ يونس بن بكير بن واصل الشيباني أبو بكر الحمال الكوفي، صدوق يخطئ من التاسعة. مات سنة ١٩٩. روى له (خت م ت ق) . قال الذهبي هو حسن الحديث. التقريب ٣٩٠، ميزان الاعتدال ٤/٤٧٨.
وفيها مات سعد بن معاذ -رضي الله عنه-. وهذا الأثر يعتبر على ضوء هذا السند حسناً إلى ابن إسحاق منقطعاً بعده والله أعلم.
وكذا أورد هذا الأثر البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ١ حدثنا أبو العباس ٢ محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار ٣ العطاردي حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق به ٤.
- ١أبو عبد الله الحافظ الكبير إمام المحدثين محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع. صاحب التصانيف قال الحافظ: "إمام صدوق ولكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة فيكثر من ذلك فما أدري هل خفيت عليه فما هو ممن يجهل ذلك، وإن علم فهو خيانة عظيمة ثم هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرض للشيخين. مات ٤٠٥هـ". لسان الميزان ٥/٢٣٢، تذكرة الحفاظ ٣/١٠٣٩، والمترجم له هو: الحاكم.
- ٢هو الإمام المفيد الثقة محدث المشرق (أبو العباس) محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم المعقلي النيسابوري، وكان يكره أن يقال له الأصم. قال الحاكم: وإنما ظهر به الصمم بعد مجيئه من الرحلة ت ٢٨٤هـ. تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠.
- ٣أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زراره التميمي العطاردي أبو عمر الكوفي. قال مطين: "كان يكذب"، وقال أبو أحمد "الحاكم ليس بالقوى عندهم تركه ابن عقدة"، وقال الحافظ: "ضعيف وسماعه للسيرة صحيح من العاشرة ولم يثبت أن أبا داود أخرج له. مات سنة ٢٧٢هـ". تهذيب التهذيب ١/٥١
- *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
كما أورده الهيثمي ١ عن ابن إسحاق، وقال رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقال الحافظ: "ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من السنة المقبلة إلى بدر فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ، وقال لقومه إنما يصلح الغزو في سنة الخصب فرجعوا بعد أن وصلوا عسفان أو دونها" .
- ١مجمع الزوائد ٦/١٤٢. قلت: "حكم الهيثمي على هذا السند جيد لأن يونس بن بكير أكثرهم على توثيقه ومن هؤلاء ابن معين خلافاً لما توصل إليه الحافظان الذهبي وابن حجر فيما تقدم".
ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي.
وعقب ١ على ذلك بقوله: "وقد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلقون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه فذكر أن غزوة الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن كانت في السنة الثانية، وأن كانت في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، ثم قال: ولكنه بناء واهٍ مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، وأحد في الثالثة، والخندق في الخامسة وهو المعتمد "١.
- ١أي الحافظ ابن حجر.
أما ابن العربي فقد قال: "إن بعد مضي أربع سنين وعشرة أشهر وخمسة أيام من الهجرة "٢، وهذا موافق لأصحاب الرأي القائل بأنها كانت في الخامسة، وموافق لابن سعد حيث قال بأنها كانت في الخامسة، وفي شهر ذي القعدة، وذلك بناءً على التاريخ من بداية المحرم. وأخيراً نعرج على كلام البيهقي لنراه يقول: قلت: " لا اختلاف بينهم في الحقيقة، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل يوم لسنة ونصف من مقدمه المدينة في شهر رمضان ثم قاتل من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة في شوال، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه المدينة فمن قال سنة أربع أراد أربع سنين، وقبل بلوغ الخمس، ومن قال سنة خمس أراد بعد الدخول في السنة الخامسة، وقبل انقضائها"١ والله أعلم.
- *فتح الباري ٧/٣٠٣.
- *عارضة الأحوذي ٧/١٧٣.
هذا نص كلام البيهقي وهو توجيه حسن أخذ به كثير من العلماء لفك الإشكال، أما ابن سيد الناس ١ فقد نقل كلا القولين، ولم يرجح أحدهما على الآخر ٢.
- ١هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى اليعمري الأندلسي الأشبيلي المصري المعروف بابن سيد الناس، فتح الدين أبو الفتح، محدث حافظ مؤرخ فقيه ناظم ناشد نحوي أديب، وهو من شيوخ الذهبي. ولد عام ٦٧١هـ، وتوفي عام ٧٣٤هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٤/١٥٠٣.
- ٢عيون الأثر ٢/٥٥.
استعرضنا أدلة الفريقين، وتبين من ذلك أن الحق مع القائلين بوقوع هذه الغزوة في سنة خمس لما يأتي: ١- احتمال حديث ابن عمر لتأويلهم.
٢- اطباق أهل المغازي والسير والمؤرخين والعلماء من بعدهم على هذا الرأي.
- *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
٣- ما ذكر من مواعدة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد - الموعد- يجعل ذلك واضحاً ومواعدة قريش لملاقاته صلى الله عليه وسلم ساقها ابن حجر كاملة ١، وقد بين -رحمه الله- في المقدمة ٢ أن ما يورده في كتابه منتزعاً من أمهات المسانيد، والجوامع والمستخرجات، والأجزاء، والفوائد بشرط الصحة أو الحسن.
- ١فتح الباري ٧/٣٩٣.
- ٢هدي الساري ٤.
المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم
...
المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم.
إن الحقد الذي تمكن في قلوب اليهود على البشرية عامة وعلى المؤمنين خاصة قديم يرافق هذا الحقد عناد وصلف وكبرياء. وذلك لأنهم يعتقدون أنهم أهل السيادة في الأرض حيث قالوا إنهم أبناء الله وأحباؤه وذلك في قوله تعالى: ﴿ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ١ الآية. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "قالوا: أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا. ونقلوا عن كتابهم ما يوافق هدفهم وحرفوه ١. ونجد أكبر شاهد على حقدهم وكراهيتهم للمؤمنين قوله تعالى: ﴿ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ " ٣ الآية.
- ١تفسير ابن كثير ٢/٣٤.
- *سورة المائدة الآية رقم ١٨.
- *سورة المائدة الآية ٨٢.
أما كراهتهم للعرب خاصة فهو واضح بالقرآن والسنة ذلك أن القرآن حكى لنا أنهم يستبيحون أكل أموال العرب وليس عليهم سبيل في ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿ فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ١ الآية. قال ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية أي: "إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب فإن الله قد أحلها لنا. أقول: ولكن الله سبحانه وتعالى كفانا شرهم والمجادلة معهم عند ادعائهم هذا وذلك بتمام الآية السابقة حيث قال ﴿ يَعْلَمُون َ﴾ " ٢. قال ابن كثير: "أي: وقد اختلقوا هذه المقالة وائتفكوها بهذه الضلالة. فإن الله قد حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بهت ١. ومع هذا فإننا إذا أردنا أن نتعرض لحقدهم وغرورهم الذي وضحه القرآن لطال بنا البحث ولكن أردنا التنويه بخبثهم ودسهم وعدم انصياعهم مع أنه واضح للعيان" .
- ١تفسير ابن كثير ١/٣٧٤.
- *سورة آل عمران الآية ٧٥.
- *سورة آل عمران الآية ٧٥.
فهذه أم المؤمنين صفية ١ بنت حيي بن أخطب تقول عن أبيها وعمها عندما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يحمل النور معه. وكان أهل الكتاب يعرفون علامات مبعثه وصفاته ولكن العمى عمى القلب فهذا حيي بن أخطب وهو القطب الدوار والخصم الألد الذي حرك أعداء هذا الدين لهذه الغزوة وأثار كوامن ٢ قريش وألبهم ضد المسلمين وضد حامل هذه الرسالة الصافية صلوات الله وسلام عليه. تحدث أم المؤمنين فتقول فيما رواه ابن إسحاق: قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال حُدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت: " كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه" . قالت: "فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل ٣ في بني عمرو بن عوف قالت غدا ٤ عليه أبي حيي بن أخطب ٥ وعمي أبو ياسر ٦ مغلسين ٧ قالت فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس ". قالت: " فأتيا كالين ٨ كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى. قالت: فهششت ٩ إليهما كما كنت أصنع فوالله ما ألتفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب أهو هو قال: نعم والله قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم قال: فما في نفسك منه؟ قال عداوته والله ما بقيت"٣.
- ١صفية بيت حيى بن أخطب أم المؤمنين سبيت في غزوة خيبر واصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت وأعتقها وتزوجها وجعل عتقها مهرها. توفيت رضي الله عنها سنة ٥٢هـ وذلك في خلافة معاوية رضي الله عنه، وأوردها الذهبي فيمن مات سنة خمسين. الطبقات الكبرى ٨/١٢٠، ودول الإسلام ١/٣٧، سمط النجوم العوالي ٣/١٥٩.
- ٢كوامن: هو كل ما اختفى من الأحاسيس والمشاعر والأحقاد. مختار الصحاح ٥٧٩.
- ٣قباء: بالضم وأصله اسم بئر هناك عرفت القرية بها وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار، وأول ما نزل الرسول صلى الله عليه وسلم عند مقدمه من مكة فيه وأقام به الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وركب يوم الجمعة يريد المدينة فجمع في مسجد بني سالم بن عوف فكانت أول جمعة جمعت في الإسلام. معجم البلدان ٤/٣٠١.
- ٤غدا: أي ذهب أول النهار نقيض الرواح وقد غدا يغدوا والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس والجمع غدوات. النهاية في غريب الحديث ٣/٤٦، مختار الصحاح ٤٦٩.
- ٥حيي بن أخطب بن سعية، وقيل سعنة بن عامر بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن ينحوم من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران عليه السلام وهو من سبط لاوي بن يعقوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم. الطبقات الكبرى ٨/١٢٠، أسد الغابة ٥/٤٩٠، الإصابة ٤/٣٤٦، كلهم ذكر ترجمته عند ذكر صفية أم المؤمنين - رضي الله عنها وأرضاها -.
- ٦أبو ياسر بن أخطب لم يرد ذكره منفرداً بل مقترناً بأخيه وبكونهما عدوين لدودين للنبي صلى الله عليه وسلم. انظر: السيرة النبوية ١/٥١٤، ٥١٩، ٥٤٦، ٥٤٧، ٥٤٨، ٥٦٠.
- ٧مغلسين: الغَلَس بفتحتين ظلمة آخر الليل والتغليس السير بغلس. مختار الصحاح ٤٧٨.
- ٨كالين: كلّ الرجل والبعير من المشي يكل كلالاً وكلالة أي أعيا مختار الصحاح ٥٧٦.
- ٩هششت: الهشاشة بالفتح الارتياح والخفة للمعروف. المصدر السابق ٦٩٥.
والحديث بهذا الإسناد - منقطع - لأن عبد الله بن أبي بكر بن حزم روى عن مجهول - الواسطة بينه وبين صفية -.
والحديث وإن كان منقطعاً فالآيات والواقع الملموس من هذه الطائفة تؤيده وقد دل كتاب الله على معنى هذا الحديث في أكثر من آية منها علي سبيل المثال قوله تعالى: ﴿ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. قال ابن كثير: "هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا - بتشديد الواو التي بعد العين - عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون ١ الطفيف والخط الدنيوي السخيف فبئست الصفقة صفقتهم وبئست البيعة بيعتهم" ٣. وقال الطبري عند تفسير هذه الآية: "واذكر أيضا من هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم يامحمد إذ أخذ الله ميثاقهم ليبين للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم وهو التوراة والإنجيل وأنك لله رسول مرسل بالحق ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم. يقول: فتركوا أمر الله وضيعوه ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك فكتموا أمرك وكذبوا بك واشتروا به ثمناً قليلاً ".
- ١دون: بالضم نقيض فوق وهو الخسيس. القاموس المحيط ٤/٢٢٣- ٢٢٤.
- *السيرة النبوية ١/٥١٨- ٥١٩، ٢/٢٤١، الاكتفاء ١/٤٧٣، وفاء الوفاء ٢٦٩.
- *سورة آل عمران الآيتان ١٨٧- ١٨٨.
- *تفسير ابن كثير ١/٤٣٦.
يقول: "وابتاعوا بكتابهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك عوضاً منه خسيساً قليلاً من عوض الدنيا ثم ذم جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك فقال: ﴿﴾ "١.
ثم أورد الطبري - رحمه الله - حديثاً يؤيد ما سبق. حيث قال: حدثنا بشر ١ قال حدثنا يزيد ٢ قال حدثنا سعيد ٣ عن قتادة ٤ ذكر لنا أن أعداء الله اليهود يهود ٥ أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به وأنهم متابعوه وهم متمسكون بضلالتهم وأرادوا أن يحمدهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بما لم يفعلوا فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: ﴿ أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ الآية.
- ١هو: بشر بن معاذ العقدي بفتح المهملة والقاف أبو سهل البصري الضرير، صدوق من العاشرة مات سنة بضع وأربعين ومائتين. روى له (ت س ق) . تهذيب التهذيب ١/٤٥٨.
- ٢يزيد بن زريع بتقديم الزامي مصغراً - البصري - أبو معاوية (ثقة ثبت) من الثامنة مات اثنتين وثمانين ومائة. روى له (ع) . التقريب ٣٨٢.
- ٣سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري (ثقة حافظ) . له تصانيف لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة من السادسة مات سنة ١٥٧، وقيل ١٥٦. روى له (ع) . التقريب ١٢٤.
- ٤قتادة بن دعامة ثقة. وقد تقدم ص ٦٧.
- ٥خيبر الموضع المذكور في غزاة النبي صلى الله عليه وسلم وهي ناحية على ثمانية برد شمال المدينة يطلق هذا الاسم على الولاية وتشتمل هذه الولاية على سبعة حصون وبها نخل ومزارع. انظر: معجم البلدان ٢/٤٠٩، وهي تبعد عن المدينة شمالاً بـ ١٧٠ كيلو متر.
- *جامع البيان ٤/٢٠٢.
والحديث بهذا السند إلى قتادة حسن ولم يسم قتادة من ذكر له ذلك. ومن الجدير بالإشارة أن اليهود يحقدون أشد الحقد على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعرفوه حتى أنهم عندما ما سمعوا أوصافه قال بعضهم لبعض: اقتلوه ويشهد لذلك ما رواه ابن سعد من سند منقطع من أعلاه حيث قال: أخبرنا عمرو بن عاصم ١ الكلابي أخبرنا همام ٢ بن يحي عن إسحاق ٣ بن عبد الله أن أم ٤ النبي صلى الله عليه وسلم لما دفعته إلى السعدية ٥ التي أرضعته قالت لها احفظي ابني وأخبرتها بما رأت فمر بها اليهود فقالت إلا تحدثوني عن ابني هذا؟ فإني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا وصفت أمه قالت فقال بعضهم لبعض: "اقتلوه فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا هذا أبوه وأنا أمه فقالوا: لو كان يتيماً لقتلناه" ٢ أ. هـ وليس ذلك بمستبعد عن قوم وصفهم الله في كتابه بأنهم يقتلون أنبياءهم.
- ١عمرو بن عاصم بن عبيد الله الكلابي القيسي أبو عثمان البصري (صدوق) في حفظه شيء من صغار التاسعة ت ٢١٣. روى له (ع) . التقريب ٢٦٠.
- ٢همام بن يحيى بن دينار العوذي بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة أبو عبد الله أو أبو بكر البصري - ثقة - ربما وهم من السابعة مات سنة ١٦٤هـ. روى له (ع) . التقريب ٣٦٥.
- ٣إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري المدني أبو يحيى (ثقة حجة) من الرابعة ت (١٣٢) (١٣٤) وقيل بعدها. روى له (ع) . التقريب ٢٩.
- ٤أم النبي صلى الله عليه وسلم هي: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة وقد توفيت بالابواء وهي كما قال ياقوت في معجم البلدان ١/٧٩. قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً قال أنها سميت بالابواء لتبوء السيول بها وقد ماتت بها آمنة وهي راجعة من المدينة وقد ذهبت لزيارة أخواله عليه الصلاة والسلام. الطبقات الكبرى ١/٥٩، السيرة النبوية ١/١٩٦، الروض الأنف ١/١٩٤.
- ٥هي حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم وهي من هوازن كما في الإصابة في تمييز الصحابة ٤/٢٨٤. قال ابن القيم في الزاد ١/٨٣ واختلف في إسلام أبويه من الرضاعة.
- *سورة آل عمران الآيتان ١٨٧- ١٨٨. وانظر: تفسير الطبري ٤/٢٠٨.
مما سبق من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة يتضح بعض الأدلة التي جاءت مبينة لما يعرف به اليهود على مدى الأزمان من حقد دفين وعداوة ظاهرة للأمة الإسلامية ونبيها المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ذلك الحقد الذي أعمى قلوبهم وأحرقها وشتت شملهم في الدنيا حيث نفاهم صلى الله عليه وسلم من المدينة وذلك بقوة الله التي تسانده حيث أخبر تعالى عن ذلك فقال: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١.
- *الطبقات الكبرى ١/١١٣، ١٢٠، ١٥٣، ١٥٥، ١٥٩، السيرة النبوية ١/٥٤٦ وما بعدها.
ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن حقدهم ودسائسهم أن نبين طوائف اليهود الذين تمركزوا في المدينة منذ زمن طويل وهذه الطوائف هي: بنو قينقاع وبنو النضير، وبنو قريظة وكل طائفة من هذه الطوائف كان لها موقف مع النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكانت كلها مواقف تنضح بالحقد والكراهية.
وكان من موقف بني قينقاع كما قال الحافظ ١ ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: الله عليه وسلم قريشاً يوم جمع يهود بني قينقاع في سوقهم فقال: يايهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشاً يوم بدر. فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال ولو قاتلناك لتعلمن أنا نحن الناس ٢. فأنزل الله عز وجل: ﴿ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ... الْأَبْصَارِ﴾ الآيتان ٣. وهكذا يظهر أن أول من نقض العهد من اليهود هم بنو قينقاع ٤. قال ابن هشام: "وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور ٥ بن مخرمة عن أبي عون ٦ قال كان من أمر بني فينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب ٧ لها فباعته بسوق بني قنيقاع وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهودياً وشدت اليهود على المسلم فقتلوه. فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع "١ وأثر ابن هشام فيه انقطاع من أسفله ومن أعلاه. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: "فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه " وكان ذلك في شوال بعد وقعة بدر وأراد قتلهم فاستوهبهم منه كبير المنافقين ٨.
- ١فتح الباري ٧/٣٣٢ بتصرف.
- ٢تفسير ابن كثير ١/٣٥٠، السيرة النبوية ٢/٤٧.
- ٣سورة آل عمران الآيتان ١٢، ١٣.
- ٤الطبقات الكبرى ٢/٢٩، فتح الباري ٧/٣٣٠.
- ٥عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة أبو محمد المدني المخرمي بسكون المعجمة وفتح الراء الخفيفة - ليس به باس - ت ١٧٠. روى له البخاري تعليقاً ومسلم والأربعة. تهذيب التهذيب ٥/١٧١.
- ٦أبو عون هو: محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد الثقفي الكوفي الأعور - ثقة - من الرابعة ت ١١٦. روى له (خ م د ت س) . تهذيب التهذيب ٩/٣٢٢.
- ٧الجلب: بفتحتين فعل بمعنى مفعول وهو ما يجلبه الإنسان من بلد إلى بلد وذلك من التجارة. المصباح المنير ١٢٧.
- ٨هو: عبد الله بن أبي بن سلول ونفاقه مشهور. انظر: البداية والنهاية ٤/٤.
- *سورة الحشر الآية ٢.
وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات ١. قال ابن حزم: "وهم قوم عبد الله بن سلام ٢ - مخفف - وكانوا في طرف المدينة ٣ وكانوا سبعمائة مقاتل"٦.
- ١أذرعات بالفتح ثم السكون وكسر الراء وعين مهملة وألف وتاء بلد في إطراف الشام تجاور أرض البلقاء. مراصد الإطلاع ١/٤٧.
- ٢عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري كان حليفا لهم من بني قينقاع وهو من ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام وكان اسمه في الجاهلية الحصين فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم عبد الله. أسد الغابة ٣/١٧٦.
- ٣انظر رسالة - طوائف ليهود الثلاث في المدينة- لأكرم حسين السندي.
- *السيرة النبوية ٢/٤٨.
- *جوامع السيرة ١٥٤.
ثم نقض العهد بعد ذلك بنو النضير وكان رئيسهم حيي بن أخطب والمشهور في كتب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهض بنفسه إلى بني النضير مستعيناً بهم في دية القتيلين الذين قتلهما الضمري ١ الذي نجا من حادثة بئر معونة.
- ١هو: عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبيد بن ناشرة بن كعب بن جدي بن ضمرة يكنى أبا أمية. أسلم قديماً وكان أول مشاهده بئر معونة وكان صاحب نجدة. أسد الغابة ٤/٨٦، الاستيعاب ٣/٢٤٨.
فلما كلمهم صلى الله عليه وسلم قالوا: "نعم فقعد رسول صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر وعلي ونفر من أصحابه إلى جدار من جدرهم" فاجتمع بنو النضير وقالوا: "من رجل يصعد على ظهر البيت فيلقي صخرة على محمد فيقتله فيريحنا منه. فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأوحى الله تعالى بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام ولم يشعر بذلك أحد من أصحابه ممن كانوا معه فلما استلبثه أصحابه رضي الله عنهم قاموا فرجعوا إلى المدينة واتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرهم بما أوحى الله تعالى إليه بما أرادته اليهود وأمر أصحابه بالتهيؤ لحربهم" ٢.
- *جوامع السيرة ١٨١، السيرة النبوية ٢/١٩٠.
لكن ابن حجر أورد غير هذا حيث قال: وروى ابن مردويه ١ قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى معمر ٢ عن الزهري أخبرني عبد الله ٣ بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل يهددونهم بإيوائهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أن قال: فلما كانت غزوة بدر كتبت كفار قريش بعدها إلى اليهود إنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم ٤ فأجمع بنو النضير على الغدر عليه وسلم أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ٥ ويلقاك ثلاثة من علمائنا فإن آمنوا بك اتبعناك ففعل فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير فأخبر أخوها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليهم قال ابن حجر: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه صلى الله عليه وسلم أن يعينوه في دية الرجلين لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي فالله أعلم "١.
- ١هو أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك بن موسى بن جعفر الاصبهاني أبو بكر (محدث) حافظ مفسر مؤرخ ت لست بقين من رمضان عام ٤١٠هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٣٠٨.
- ٢هو معمر بن راشد الازدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن (ثقة ثبت) فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً وكذا فيما حدث بالبصرة من كبار السابعة مات سنة ١٥٤ وهو ابن ثمان وخمسين. روى له (ع) . التقريب ٣٤٤.
- ٣عبد الله بن كعب وليس بن عبد الرحمن بن مالك الأنصاري المدني ثقة يقال له رؤية. مات سنة سبع أو ثمان وتسعين ٩٨هـ. روى له (خ م د س ق) . تهذيب التهذيب ٥/٣٦٠.
- ٤هكذا في الأصل والمناسب يغرونهم.
- ٥الغدر ضد الوفاء غدره وبه كنصر وضرب وسمع. القاموس ٢/١٠٣.
أما بنو قريظة فكان سبب محاصرتهم وقتلهم ما وقع منهم من نقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومما لأتهم ١ لقريش وغطفان ومطاوعتهم لعدو الله وعدو رسوله حيي بن أخطب حتى أنه لم يزل بسيدهم كعب بن أسد يفتله في الذروة والغارب ٢ حتى نقض عهده وأخلف وعده ٣. وكان مصير هذه الطائفة أن نزلت على حكم الصحابي الجليل سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه ومواليه فحكم فيهم أن يقتل رجالهم ويسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم أموالهم ٤ فقال صلى الله عليه وسلم: "قضيت بحكم الله"٦.
- ١مالأه بالمد ساعده على الأمر وشايعه. القاموس المحيط ١/٣٠.
- ٢أي يدور من وراء خديعته. القاموس المحيط ٤/٢٩.
- ٣السيرة النبوية ٢/٢٤٠، سمط النجوم العوالي ٢/١١٥، زاد المعاد ٢/١٣٠.
- ٤السيرة النبوية ٢/٢٤٠، جوامع السيرة ١٩٥..
- *فتح الباري ٧/٣٣١.
- *وذلك من حديث صحيح رواه أبو سعيد الخدري. انظر: صحيح البخاري ٥/٩٣ (باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة) .
أما يهود فقد نقضوا العهد وخرج إليهم صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم سنة سبع وحاصرهم حتى فتحها وغنم ما فيها ١.
- ١البداية والنهاية ٤/١٨١، فتح الباري ٧/٤٦٤، جوامع السيرة ٢١١.
بعد أن رأينا طباع اليهود وأن ديدنهم الحقد والعداوة للإسلام والمسلمين مهما كلفهم ذلك وأنهم لا زالوا ولن يزالوا يكيدون للمسلمين ويقتلونهم متى سنحت الفرصة لهم فهم مهما اضطهدوا فعندما يفيقون يكون أول عمل لهم هو ضد المسلمين فقط.
ولا أدل على ذلك أن يهود أسبانيا عندما طردهم فرديناد ملك أسبانيا أنقذ السلطان بيازيد الثاني يهود أسبانيا من إبادة محققة وقدمت لهم الحكومة العثمانية جميع الحقوق وأصبحوا في حالة مرضية للغاية فما عليهم إلا أن يدفعوا الجزية ويعيشوا في أمن واطمئنان.
على الرغم من كل ما قدمته الحكومة العثمانية وولاتها فقد توجه اليهودي دافيد روبيني عام ٥٠٥هـ إلى البابا كليمنت السابع وعرض عليه مشروع محالفة عسكرية مسيحية يهودية ضد المسلمين تقضي بما يلي: (١) إنهاء العداء القائم بين المسيحيين واليهود على حساب المسلمين.
١ تعاون جيوش أوروبا مع جموع الشعب اليهودي الذين يقيمون داخل الدولة العثمانية للانقضاض عليها من الداخل وغزوها من الخارج واحتلال أرضيها.
- ١سورة البقرة الآية ١٤.
(٣) تتولى الدولة المسيحية تزويد اليهود الذين يقيمون داخل الدولة الإسلامية بالأسلحة التي تساعدهم في الانقضاض على المسلمين ١.
- ١السياسة اليهودية ١٩٥- ١٩٦.
هذه هي أخلاق اليهود من قديم الزمان ولازالت هي أخلاقهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
قال الأستاذ محمد عزة دروزة: "ولليهود في العهد المدني شأن كبير متعدد النواحي لأنهم أول من اصطدم مع النبي صلى الله عليه وسلم ولقد شغلوا في القرآن المدني حيزاً واسعاً منذ بدء تنزيله" ثم قال: "ولعل من الدلائل على أنهم أول من اصطدم مع النبي ما جاء في الآيات الأولى من البقرة التي هي أول السور المدنية في ترتيب النزول فقد جاء في أولها: ﴿ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ " ٢.
فقد قال جمهور المفسرين: "إن شياطينهم هم اليهود ويدل هذا بوضوح على أن اليهود هم الذين أغروا المنافقين بالنفاق وشجعوهم في مواقف الخداع" ١.
- *سيرة الرسول ٢/١٢١.
المبحث الثاني: الوفد اليهودي المحرض
لما نفدت حيل اليهود وأصبح مكرهم مكشوفاً وعجزهم واضحاً لجأوا إلى كفار قريش -ليدللوا بذلك على جبنهم وذلهم- لجأوا محرضين كفار قريش ليشنوا حرباً عامة على المسلمين في المدينة ﴿ الْمَاكِرِينَ﴾ ١. وقد أعطوا العهود والمواثيق لكفار قريش أنهم سيكونون معهم محاولين بذلك تغطية الذلة والجبن الذي هو من أخلاقهم دائماً وأبداً.
تكون الوفد من بني النضير ومن بني وائل، وحيكت المؤامرة في وانطلق بعدها الوفد يضم: سلام بن أبي الحقيق النضري - أبا رافع - وحيي بن أخطب النضري وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري.
ومن بني وائل هوذة بن قيس الوائلي، وأبو عامر الوائلي، ووحوح بن عامر الوائلي كل هؤلاء توجهوا إلى مكة يرأسهم حيي بن أخطب الذي أعمى قلبه الحقد والحسد، وكان أهل مكة ينتظرون بفارغ الصبر من يشد من عزمهم ويساعدهم على حرب محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
- *سورة الأنفال الآية ٣٠.
سار الوفد حتى وصل مكة فسألهم أهلها: من أهدى أنحن أم محمد؟ وبينوا لهم صفة الطرفين قريش، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكانت صفة محمد التي عيب بها هي: أنه كان يعيب آلهتهم وينفرهم من عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الواحد القهار. فكان رد أولئك اليهود في صالح الكفار ولكن كان الفشل حليفهم حيث رد عليهم القرآن وذلك بقوله تعالى: ﴿ نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١.
ثم ما لبثوا أن فاتحوهم في الموضوع الذي جاءوا من أجله فسر كفار قريش بذلك أكثر وأكثر ونشطوا له فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قيل إنهم أعطوهم تمر سنة كاملة مقابل ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم ضده. وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك فاجتمعوا فيه وأجابوهم.
وقد تقدم ذكر ذلك في حديث ابن إسحاق ١ المتقدم. أما ابن سعد فقال: مشيراً إلى جم غفير من العلماء الذين نقل عنهم الواقدي قالوا: "لما أجلى رسول صلى الله عليه وسلم، بني النضير ساروا إلى فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألبوا قريشاً ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً. ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليماً ففارقوهم على مثل ذلك "١. أما الحافظ فقد نقل ذلك من مغازي موسى بن عقبة وقال: " خرج حيي بن أخطب بعد قتل ٢ بني النضير إلى مكة يحرض قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان ويحضهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنهم نصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك"٣ ... الخ.
- ١السيرة النبوية ٢/٢١٤.
- ٢قد بينت أنه لم يحصل قتل بل جرت مصالحة مع بني النضير وتم إجلاؤهم.
- *سورة النساء الآية ٥١.
أما ابن جرير ١ فقد ساق القصة بسنده إلى ابن إسحاق وفيها بين مدللاً بذلك على ذهاب أولئك اليهود إلى كفار قريش وإلى غطفان وتحريضهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وقد أورد الخبر نفسه في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿ نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١. عن ابن عباس رضي الله عنهما ٢. وقد أورده ابن هشام ٣ عن يزيد بن رومان. وكلها آثار مقطوعة لكنها تتقوي بما جاء في ذلك من شواهد والقرآن يؤيد ذلك بوضوح.
- ١جامع البيان ٢٠/١٢٩.
- ٢جامع البيان ٥/١٣٥.
- ٣السيرة النبوية ٢/٢١٤.
- *الطبقات الكبرى ٢/٦٥- ٦٦.
- *فتح الباري ٧/٣٩٣.
إضافة إلى ذلك فقد ذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ ٤. قال: يعني غزوة الأحزاب، وبني قريظة وكان سببها: - أن نفراً من اليهود منهم.
كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم ١، وحيي بن أخطب النضريون، وهوذة بن قيس، وأبو عامر من بني وائل، وكلهم يهود ٢ هم الذين حزبوا الأحزاب وألبوا وجمعوا وخرجوا في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك فأجابهم أهل مكة إلى ذلك ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم ٣.
- ١كثير من أهل المغازي لم يذكروا ابن مشكم هذا.
- ٢الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٨.
- ٣تقدم الحديث مطولاً في سبب الغزوة.
- *سورة النساء الآية ٥١.
- *سورة الأحزاب الآية ٨.
أما صاحب السيرة الحلبية فقال: " وسببها لما وقع إجلاء بني النضير من أماكنهم سار منهم جمع من كبرائهم منهم: سيدهم حيي بن أخطب أبو صفية أم المؤمنين رضي الله عنها، وعظيمهم سلام بن مشكم ورئيسهم كنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس، وأبو عامر الفاسق إلى أن قدموا مكة على قريش يدعونهم ويحرضونهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم" . وقالوا: "إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله أي ونكون معكم على عداوته فقال أبو سفيان: مرحباً وأهلاً وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد" ٢.
- *السيرة الحلبية ٢/٦٢٨.
وهكذا نرى أن أصحاب السير قد أطبقوا على ذكر هذا السبب وعلى ذكر هذا الوفد إلا أن بعضهم يذكر اسماً لم يذكره الآخر وبعضهم قد يذكر الكنية ولا يذكر الاسم، وقد يحصل في ذلك لبس، وتفادياً لذلك اللبس جئت بأقوال أهل السير والمغازي ليتبين الأمر ويتضح المراد ويبدو من استعراض كلام الحلبي أنه ذكر رئيس زعماء الوفد وفرق بين زعيمهم وسيدهم وعظيمهم وفي دلائل النبوة للبيهقي طرف من هذا ١.
- ١دلائل النبوة ٣/٤٢٨.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،